سورة
اية:

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أولما أصابتكم مصيبة} وهي ما أصيب منهم يوم أحُد من قتلى السبعين منهم، { قد أصبتم مثليها} يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً، وأسروا سبعين أسيراً { قلتم أنى هذا} أي من أين جرى علينا هذا؟ { قل هو من عند أنفسكم} عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل اللّه { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم} يأخذكم الفداء ""رواه ابن أبي حاتم"" وهكذا قال الحسن البصري وقوله { قل هو من عند أنفسكم} أي بسبب عصيانكم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة، { إن اللّه على كل شيء قدير} أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن اللّه} أي فراركم بين يدي عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء اللّه وقدره، وله الحكمة في ذلك، { وليعلم المؤمنين} أي الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا، { وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} يعني بذلك أصحاب عبد اللّه بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإتيان والقتال والمساعدة ولهذا قال: { أو ادفعوا} ، قال ابن عباس وعكرمة: يعني كثروا سواد المسلمين، وقال الحسن: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا، فتعللوا قائلين: { لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} ، قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالاً. وقد روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى أُحد في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كان بالشوط بين أُحد والمدينة انحاز عنه عبد اللّه بن أبي ابن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكِّركم اللّه أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم اللّه أعداء اللّه فسيغني اللّه عنكم، ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ""ذكره ابن إسحاق عن الزهري""، قال اللّه عزّ وجلّ: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} ، استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} . قال تعالى: { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: { لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} فإنهم يتحققون أن جنداً من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، وأنه كائن بينهم قتال لا محالة، ولهذا قال تعالى: { واللّه أعلم بما يكتمون} ، ثم قال تعالى: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} أي لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال اللّه تعالى: { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لابد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين، قال مجاهد: نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أبي ابن سلول وأصحابه.

تفسير الجلالين

{ الذين } بدل من الذين قبله أو نعت { قالوا لإخوانهم } في الدين { و } قد { قعدوا } عن الجهاد { لو أطاعونا } أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود { ماقتلوا قل } لهم { فادرَءُوا } ادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } في أن القعود ينجي منه ونزل في الشهداء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : . { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَلِيَعْلَم اللَّه الَّذِينَ نَافَقُوا , الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا . فَمَوْضِع " الَّذِينَ " نَصْب عَلَى الْإِبْدَال مِنْ " الَّذِينَ نَافَقُوا " , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى التَّرْجَمَة عَمَّا فِي قَوْله : { يَكْتُمُونَ } مِنْ ذِكْر " الَّذِينَ نَافَقُوا " فَمَعْنَى الْآيَة : وَلِيَعْلَم اللَّه الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبهمْ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ يَوْم أُحُد , فَقُتِلُوا هُنَالِكَ مِنْ عَشَائِرهمْ وَقَوْمهمْ , { وَقَعَدُوا } يَعْنِي : وَقَعَدَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الْقَائِلُونَ مَا قَالُوا مِمَّا أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ مِنْ قِيلهمْ عَنْ الْجِهَاد مَعَ إِخْوَانهمْ وَعَشَائِرهمْ فِي سَبِيل اللَّه : { لَوْ أَطَاعُونَا } يَعْنِي : لَوْ أَطَاعَنَا مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ مِنْ إِخْوَاننَا وَعَشَائِرنَا { مَا قُتِلُوا } يَعْنِي : مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ : فَادْرَءُوا , يَعْنِي : فَادْفَعُوا مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَرَأْت عَنْ فُلَان الْقَتْل , بِمَعْنَى : دَفَعْت عَنْهُ , أَدْرَؤُهُ دَرْءًا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَقُول وَقَدْ دَرَأْت لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينه أَبَدًا وَدِينِي يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ لَهُمْ : فَادْفَعُوا إِنْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ صَادِقِينَ فِي قِيلكُمْ : لَوْ أَطَاعَنَا إِخْوَاننَا فِي تَرْك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِتَالهمْ أَبَا سُفْيَان وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْش , مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ بِالسَّيْفِ , وَلَكَانُوا أَحْيَاء بِقُعُودِهِمْ مَعَكُمْ وَتَخَلُّفهمْ عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُهُود جِهَاد أَعْدَاء اللَّه مَعَهُ ; الْمَوْت , فَإِنَّكُمْ قَدْ قَعَدْتُمْ عَنْ حَرْبهمْ , وَقَدْ تَخَلَّفْتُمْ عَنْ جِهَادهمْ , وَأَنْتُمْ لَا مَحَالَة مَيِّتُونَ . كَمَا : 6529 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرهمْ وَقَوْمهمْ : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة : أَيْ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْمَوْت , فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسكُمْ فَافْعَلُوا , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , حِرْصًا عَلَى الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا وَفِرَارًا مِنْ الْمَوْت . ذِكْر مَنْ قَالَ : الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ هَذَا الْقَوْل هُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ نَافَقُوا } . 6530 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . 6531 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه . 6532 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : هُوَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ الَّذِي قَعَدَ وَقَالَ لِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : هُوَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول . 6533 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا } . .. الْآيَة , قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : . { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَلِيَعْلَم اللَّه الَّذِينَ نَافَقُوا , الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا . فَمَوْضِع " الَّذِينَ " نَصْب عَلَى الْإِبْدَال مِنْ " الَّذِينَ نَافَقُوا " , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى التَّرْجَمَة عَمَّا فِي قَوْله : { يَكْتُمُونَ } مِنْ ذِكْر " الَّذِينَ نَافَقُوا " فَمَعْنَى الْآيَة : وَلِيَعْلَم اللَّه الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبهمْ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ يَوْم أُحُد , فَقُتِلُوا هُنَالِكَ مِنْ عَشَائِرهمْ وَقَوْمهمْ , { وَقَعَدُوا } يَعْنِي : وَقَعَدَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الْقَائِلُونَ مَا قَالُوا مِمَّا أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ مِنْ قِيلهمْ عَنْ الْجِهَاد مَعَ إِخْوَانهمْ وَعَشَائِرهمْ فِي سَبِيل اللَّه : { لَوْ أَطَاعُونَا } يَعْنِي : لَوْ أَطَاعَنَا مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ مِنْ إِخْوَاننَا وَعَشَائِرنَا { مَا قُتِلُوا } يَعْنِي : مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ : فَادْرَءُوا , يَعْنِي : فَادْفَعُوا مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَرَأْت عَنْ فُلَان الْقَتْل , بِمَعْنَى : دَفَعْت عَنْهُ , أَدْرَؤُهُ دَرْءًا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَقُول وَقَدْ دَرَأْت لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينه أَبَدًا وَدِينِي يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ لَهُمْ : فَادْفَعُوا إِنْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ صَادِقِينَ فِي قِيلكُمْ : لَوْ أَطَاعَنَا إِخْوَاننَا فِي تَرْك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِتَالهمْ أَبَا سُفْيَان وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْش , مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ بِالسَّيْفِ , وَلَكَانُوا أَحْيَاء بِقُعُودِهِمْ مَعَكُمْ وَتَخَلُّفهمْ عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُهُود جِهَاد أَعْدَاء اللَّه مَعَهُ ; الْمَوْت , فَإِنَّكُمْ قَدْ قَعَدْتُمْ عَنْ حَرْبهمْ , وَقَدْ تَخَلَّفْتُمْ عَنْ جِهَادهمْ , وَأَنْتُمْ لَا مَحَالَة مَيِّتُونَ . كَمَا : 6529 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرهمْ وَقَوْمهمْ : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة : أَيْ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْمَوْت , فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسكُمْ فَافْعَلُوا , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , حِرْصًا عَلَى الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا وَفِرَارًا مِنْ الْمَوْت . ذِكْر مَنْ قَالَ : الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ هَذَا الْقَوْل هُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ نَافَقُوا } . 6530 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . 6531 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه . 6532 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : هُوَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ الَّذِي قَعَدَ وَقَالَ لِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . .. الْآيَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : هُوَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول . 6533 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا } . .. الْآيَة , قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . '

تفسير القرطبي

فيه ثماني مسائل: قوله تعالى { الذين قالوا لإخوانهم} معناه لأجل إخوانهم، وهم الشهداء المقتولون من الخزرج؛ وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة الدين. أي قالوا لهؤلاء الشهداء : لو قعدوا، أي بالمدينة ما قتلوا. وقيل : قال عبدالله بن أبي وأصحابه لإخوانهم، أي لأشكالهم من المنافقين : لو أطاعونا، هؤلاء الذين قتلوا، لما قتلوا. وقوله { لو أطاعونا} يريد في ألا يخرجوا إلى قريش. وقوله : أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد؛ فرد الله عليهم بقوله { قل فادرءوا} أي قل لهم يا محمد : إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدرء الدفع. بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن المقتول يقتل بأجله، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة. وقيل : مات يوم قيل هذا، سبعون منافقا. وقال أبو الليث السمرقندي : سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول : لما نزلت الآية { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت} مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 165 - 174

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فعندما أراد ابن أُبَيٍّ أن يخذل الجيش، وافقه بعض المنافقين ولم يوافقه البعض. هؤلاء الذين خرجوا للقتال والجهاد ولم يوافقوهم ثم قتلوا فرحوا فيهم، وقالوا: لو كانوا أطاعونا ومكثوا في المدينة ولم يخرجوا لما انهزموا ولما قتلوا، وكأن الحق يوضح لنا أسلوبهم؛ لذلك سنأخذهم من منطقهم.. هم قعدوا وقالوا عن إخوانهم الذين قُتلوا في المعركة والذين هم من جماعتهم: { لَوْ أَطَاعُونَا } كأن قولا صدر منهم: " أن اقعدوا " ولكن القوم الآخرين الذين هم أقل نفاقا. لم يطاوعوهم وخرجوا، فحدث لهم ما حدث.

فكيف يرد الله على هذه؟ انظروا إلى الرد الجميل: أنتم تقولون: { لَوْ أَطَاعُونَا } ، فكأن طاعتكم كانت وسيلة لسلامتهم من القتل. إذن فأنتم تعرفون طريق السلامة من القتل. والذي يعرف طريق السلامة من القتل هل يعرف طريق السلامة من الموت؟ ولذلك يقول الحق سخرية بهم: { فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وفي ذلك رد عليهم من كلامهم { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }.

وما دمتم تعرفون وسيلة للسلامة من القتل فاستعملوا هذه الوسيلة في أن تدفعوا عن أنفسكم الموت. وأنتم مع المتقدمين منكم والحاضرين تموتون ولا تستطيعون رد الموت عنكم، إذن فأنتم لا تعرفون طريق السلامة من الموت؛ فكم من مُحارب عاد من الحرب سليما، وكم من هَارب من القتال قد مات وانتهى، وهَبْ أن بعضا من المؤمنين المقاتلين قد قُتل، إن الذي قُتل في المعركة ليس أهون على الله ممن سلم من المعركة، هؤلاء أحب إلى الله وقد عجل الله لقاءهم وأنزلهم المنزل المقرب عنده.

ونعرف أن الحدث إنما يُحمد ويُذم بالنسبة للغاية منه، فكل حدث يُقربك من الغاية يكون محموداً، وكل حدث يُبعِدك عن الغاية يكون غير محمود، فإذا كانت الغاية أن تذهب إلى الاسكندرية مثلا؛ فقد تذهب إليها ماشيا فتحتاج إلى عدة أيام، وقد تذهب إليها راكبا دابة فتحتاج إلى زمن أقل، أو تذهب إليها راكبا عربة فيقل الزمن لساعات، أو تذهب إليها راكبا طائرة فتصلها في نصف الساعة، فكلما كانت الوسيلة قوية كان الزمن قليلا؛ لأننا نعلم أن القوة الفاعلة في النقلة تتناسب مع الزمن تناسبا عكسيا. وكلما زادت القوة قل الزمن، وما دامت غايتي أن أذهب إلى الاسكندرية. فالذي يُعجل لي الزمن ويقلله لأذهب إليها أفضل أم لا؟ إنها الوسيلة الأفضل.

فما دامت الغاية أن تذهب إلى لقاء الله وأن تعيش في جواره ومعيته، فحين يُعجل الله ببعضنا فيأخذهم من أقصر طريق فهذا أفضل بالنسبة لهم أم لا؟ هذا أفضل، وهكذا نرى أن الناس تنظر للموت نظرة حمقاء، إن موت المؤمن الحق الصادق الإيمان إنما يقربه إلى الغاية، فما الذي يُحزنني!


www.alro7.net