سورة
اية:

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

تفسير بن كثير

قال ابن عباس، قال سكن وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم أن اللّه أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل اللّه في ذلك من قولهما: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى آخر الآيات. ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والإفتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحي إلى عبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم كما أوحى إلي غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} ، إلى قوله: { وآتينا داود زبوراً} والزبور اسم الكتاب الذي أوحاه اللّه إلى داود عليه السلام، وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من اللّه أفضل الصلاة والسلام عند قصصهم من سورة الأنبياء إن شاء اللّه وبه الثقة وعليه التكلان. وقوله تعالى: { ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك} ، أي من قبل هذه الآية، يعني في السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص اللّه على أسمائهم في القرآن وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل، عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى اللّه عليه وسلم وقوله: { ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه رحمه اللّه في تفسيره عن أبي ذر قال، قلت: يا رسول اللّه كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً)، قلت: يا رسول اللّه كم الرسل منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير)، قلت: يا رسول اللّه من كان أولهم؟ قال: (آدم)، قلت: يا رسول اللّه نبي مرسل؟ قال: (نعم خلقه اللّه بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبيلاً) وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة، قال، قلت: يا نبي اللّه كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر، جماً غفيراً) وقوله تعالى: { وكلم اللّه موسى تكليماً} ، وهذا تشريف لموسى عليه السلام بهذه الصفة، ولهذا يقال له الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش، فقال: سمعت رجلاً يقرأ { وكلم اللّهَ موسى قرأ هذا الرجل لفظ الجلالة بالنصب وموسى بالرفع تكليما} ، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر. قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { وكلم اللّهُ موسى تكليماً} ، وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه اللّه على من قرأ كذلك، لأنه حرّف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون اللّه كلم موسى عليه السلام أو يكلم أحداً من خلقه كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ { وكلم اللّه موسى تكليما} ، فقال له: يا ابن اللخناء! كيف تصنع بقوله تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ؟ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل. وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه عن ابن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف؛ ونعلان من جلد حمار غير ذكي) وقوله تعالى: { رسلاً مبشرين ومنذرين} أي يبشرون من أطاع اللّه، واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: { لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل وكان اللّه عزيزاً حكيماً} ، أي أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} ، وكذا قوله: { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم} الآية، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا أحد أغير من اللّه، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللّه عزَّ وجلَّ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من اللّه، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين)، وفي لفظ آخر: (من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه)

تفسير الجلالين

{ رسلا } بدل من رسلا قبله { مبشرين } بالثواب من آمن { ومنذرين } بالعقاب من كفر أرسلناهم { لئلا يكون للناس على الله حجة } تقال { بعد } إرسال { الرسل } إليهم فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فبعثناهم لقطع عذرهم { وكان الله عزيزا } في ملكْه { حكيما } في صنعه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْده } وَمَنْ ذُكِرَ مِنْ الرُّسُل { رُسُلًا } فَنَصَبَ بِهِ الرُّسُل عَلَى الْقَطْع مِنْ أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ . { مُبَشِّرِينَ } يَقُول : أَرْسَلْتهمْ رُسُلًا إِلَى خَلْقِي وَعِبَادِي مُبَشِّرِينَ بِثَوَابِي مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ أَمْرِي وَصَدَّقَ رُسُلِي , { وَمُنْذِرِينَ } عِقَابِي مَنْ عَصَانِي وَخَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي . { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَقُول : أَرْسَلْت رُسُلِي إِلَى عِبَادِي مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ , لِئَلَّا يَحْتَجّ مَنْ كَفَرَ بِي وَعَبَدَ الْأَنْدَاد مِنْ دُونِي , أَوْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِي بِأَنْ يَقُول إِنْ أَرَدْت عِقَابه : { لَوْلَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِع آيَاتك مِنْ قَبْل أَنْ نَذِلّ وَنَخْزَى } 20 134 فَقَطَعَ حُجَّة كُلّ مُبْطِل أَلْحَدَ فِي تَوْحِيده وَخَالَفَ أَمْره بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُجَج الْقَاطِعَة عُذْره , إِعْذَارًا مِنْهُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ , لِتَكُونَ لِلَّهِ الْحُجَّة الْبَالِغَة عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيع خَلْقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } فَيَقُولُوا : مَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رُسُلًا. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْده } وَمَنْ ذُكِرَ مِنْ الرُّسُل { رُسُلًا } فَنَصَبَ بِهِ الرُّسُل عَلَى الْقَطْع مِنْ أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ ذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ . { مُبَشِّرِينَ } يَقُول : أَرْسَلْتهمْ رُسُلًا إِلَى خَلْقِي وَعِبَادِي مُبَشِّرِينَ بِثَوَابِي مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ أَمْرِي وَصَدَّقَ رُسُلِي , { وَمُنْذِرِينَ } عِقَابِي مَنْ عَصَانِي وَخَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي . { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } يَقُول : أَرْسَلْت رُسُلِي إِلَى عِبَادِي مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ , لِئَلَّا يَحْتَجّ مَنْ كَفَرَ بِي وَعَبَدَ الْأَنْدَاد مِنْ دُونِي , أَوْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِي بِأَنْ يَقُول إِنْ أَرَدْت عِقَابه : { لَوْلَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِع آيَاتك مِنْ قَبْل أَنْ نَذِلّ وَنَخْزَى } 20 134 فَقَطَعَ حُجَّة كُلّ مُبْطِل أَلْحَدَ فِي تَوْحِيده وَخَالَفَ أَمْره بِجَمِيعِ مَعَانِي الْحُجَج الْقَاطِعَة عُذْره , إِعْذَارًا مِنْهُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ , لِتَكُونَ لِلَّهِ الْحُجَّة الْبَالِغَة عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيع خَلْقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل } فَيَقُولُوا : مَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رُسُلًا. ' { وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : وَلَمْ يَزَلْ اللَّه ذَا عِزَّة فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْ خَلْقه عَلَى كُفْره بِهِ وَمَعْصِيَته إِيَّاهُ بَعْد تَثْبِيته حُجَّته عَلَيْهِ بِرُسُلِهِ وَأَدِلَّته , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره فِيهِمْ مَا دَبَّرَهُ . { وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : وَلَمْ يَزَلْ اللَّه ذَا عِزَّة فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْ خَلْقه عَلَى كُفْره بِهِ وَمَعْصِيَته إِيَّاهُ بَعْد تَثْبِيته حُجَّته عَلَيْهِ بِرُسُلِهِ وَأَدِلَّته , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره فِيهِمْ مَا دَبَّرَهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين} هو نصب على البدل من { ورسلا قد قصصناهم} ويجوز أن يكون على إضمار فعل؛ ويجوز نصبه على الحال؛ أي كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده رسلا. { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا، وما أنزلت علينا كتابا؛ وفي التنزيل { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} الإسراء : 15] ، وقوله تعالى { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك} [طه : 134] وفي هذا كله دليل واضح أنه لا يجب شيء من ناحية العقل. وروي عن كعب الأحبار أنه قال : كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف. وقال مقاتل : كان الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا. وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (بعثت على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل) ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير له؛ ثم أسند عن شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون ؟ قال : (كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر). قلت : هذا أصح ما روي في ذلك؛ خرجه الآجري وأبو حاتم البستي في المسند الصحيح له.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 164 - 165


سورة النساء الايات 164 - 165

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف أن البشارة تكون بأمر سار يأتي من بعد. والنذارة هي إخبار بأمر مسيء يأتي من بعد. والعزيز سبحانه لا يُغلب. والحكيم سبحانه وضع كل شيء في موضعه، لماذا؟. لأن الرسل يبشرون وينذرون بأن هناك جنة وناراً وحساباً، فإياكم أن تظنوا أن الذي كفر بقادر على أن يصنع شيئاً لنفسه؛ والله عزيز وغنيُّ عن خلقه جميعاً.

ونعلم أن الحق لا يجرم سلوكاً إلا بنص، وقبل أن يعاقب فهو يضع القواعد التي لا يصح الخروج عنها. وحين يقول الحق: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } فعزته وحكمته هي التي أتاحت لنا أن نعرف منهجه. ويقول الحق من بعد ذلك: { لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ... }


www.alro7.net