سورة
اية:

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { إن في خلق السموات والأرض} تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها، وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها، وجبالها وبحارها، وقفارها وعمرانها، وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة كما قال تعالى: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون} وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتعاوضان كما قال تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي يزيد من هذا في هذا ومن هذا في هذا، { والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب، لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء: { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} كما قال تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} ، { وبث فيها من كل دابة} أي على اختلاف أشكالها وألوانها، ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك كما قال تعالى: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} { وتصريف الرياح} أي فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارةً تسوقه وتارة تجمعه، وتارة تفرِّقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وتارة تأتي من ناحية اليمن { والسحاب المسخر بين السماء والأرض} أي سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء اللّه من الأراضي والأماكن كما يصرفه تعالى: { لآيات لقوم يعقلون} أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية اللّه تعالى، كما قال تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} عن عطاء قال: نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل اللّه تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} إلى قوله: { لآيات لقوم يعقلون} ""رواه ابن أبي حاتم عن عطاء"" فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء. وقال أبو الضحى: لما نزلت { وإلهكم إله واحد} قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية فأنزل اللّه عز وجلّ: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} إلى قوله: { يعقلون} .

تفسير الجلالين

إن في خلق السماوات والأرض } وما فيهما من العجائب { واختلاف الليل والنهار } بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان { والفلك } السفن { التي تجري في البحر } ولا ترسب موقرة { بما ينفع الناس } من التجارات والحمل { وما أنزل الله من السماء من ماء } مطر { فأحيا به الأرض } بالنبات { بعد موتها } يبسها { وبث } فرق ونشربه { فيها من كل دابة } لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه { وتصريف الرياح } تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة { والسحاب } الغيم { المسخَّر } المذلَّل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله { بين السماء والأرض } بلا علاقة { لآيات } دالاّت على وحدانيته تعالى { لقوم يعقلون } يتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ احْتِجَاجًا لَهُ عَلَى أَهْل الشِّرْك بِهِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } فَتَلَا ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابه , وَسَمِعَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان قَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَمَا الْحُجَّة وَالْبُرْهَان عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَنَحْنُ نُنْكِر ذَلِكَ , وَنَحْنُ نَزْعُم أَنَّ لَنَا آلِهَة كَثِيرَة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه عِنْد ذَلِكَ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَالُوا مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَطَاء , قَالَ : نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } فَقَالَ كُفَّار قُرَيْش بِمَكَّة : كَيْف يَسَع النَّاسَ إلَهٌ وَاحِدٌ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } إلَى قَوْله : { لَآيَات لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ } فَبِهَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إلَه وَاحِد , وَأَنَّهُ إلَه كُلّ شَيْء وَخَالِق كُلّ شَيْء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل أَنَّ أَهْل الشِّرْك سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ آيَة ] , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة يُعْلِمهُمْ فِيهَا أَنَّ لَهُمْ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ آيَة بَيِّنَة عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه , وَأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فِي مُلْكه لِمَنْ عَقَلَ وَتَدَبَّرَ ذَلِكَ بِفَهْمِ صَحِيح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1988 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةِ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةِ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَضّ وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ يَعْجَبُونَ وَيَقُولُونَ : تَقُول إلَهكُمْ إلَه وَاحِد , فَلْتَأْتِنَا بِآيَةِ إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . . الْآيَة . 1989 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرِنَا آيَة ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } 1990 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : سَأَلَتْ قُرَيْش الْيَهُود , فَقَالُوا : حَدِّثُونَا عَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ الْآيَات ! فَحَدَّثُوهُمْ بِالْعَصَا وَبِيَدِهِ الْبَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ , وَسَأَلُوا النَّصَارَى عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ عِيسَى مِنْ الْآيَات , فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه . فَقَالَتْ قُرَيْش عِنْد ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَل لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا فَنَزْدَاد يَقِينًا , وَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى عَدُوّنَا ! فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه , فَأَوْحَى إلَيْهِ : إنِّي مُعْطِيهمْ , فَأَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا , وَلَكِنْ إنْ كَذَّبُوا عَذَّبْتهمْ عَذَابًا لَمْ أُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَرْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ يَوْمًا بِيَوْمِ " فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } الْآيَة , إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لَهُمْ , إنْ كَانُوا إنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ أَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا , فَخَلْق اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار أَعْظَم مِنْ أَنْ أَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا لِيَزْدَادُوا يَقِينًا . 1991 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إنْ كُنْت صَادِقًا أَنَّهُ مِنْهُ ! فَقَالَ اللَّه : إنَّ فِي هَذِهِ الْآيَات لَآيَات لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ . وَقَالَ : قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم قَبْلكُمْ , ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبَّهَ عِبَاده عَلَى الدَّلَالَة عَلَى وَحْدَانِيّته وَتَفَرُّده بِالْأُلُوهِيَّةِ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَشْيَاء بِهَذِهِ الْآيَة . وَجَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيمَا قَالَهُ عَطَاء , وَجَائِز أَنْ تَكُون فِيمَا قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو الضُّحَى , وَلَا خَبَر عِنْدنَا بِتَصْحِيحِ قَوْل أَحَد الْفَرِيقَيْنِ يَقْطَع الْعُذْر فَيَجُوز أَنْ يَقْضِي أَحَد لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِحَّةِ قَوْل عَلَى الْآخَر . وَأَيّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ صَحِيحًا فَالْمُرَاد مِنْ الْآيَة مَا قُلْت . { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } إنَّ فِي إنْشَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض وَابْتِدَاعهمَا . وَمَعْنَى خَلْق اللَّه الْأَشْيَاء : ابْتِدَاعه وَإِيجَاده إيَّاهَا بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَة . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ " الْأَرْض " وَلَمْ تُجْمَع كَمَا جُمِعَتْ السَّمَوَات , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض خَلْق هُوَ غَيْرهَا فَيُقَال : إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض ؟ قِيلَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض النَّاس : لَهَا خَلْق هُوَ غَيْرهَا , وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة , وَبِاَلَّتِي فِي سُورَة الْكَهْف : { مَا أَشْهَدْتهمْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا خَلْق أَنْفُسهمْ } 18 51 وَقَالُوا : لَمْ يَخْلُق اللَّه شَيْئًا إلَّا وَاَللَّه لَهُ مُرِيد . قَالُوا : فَالْأَشْيَاء كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّه , وَالْإِرَادَة خَلْق لَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْق الشَّيْء صِفَة لَهُ , لَا هِيَ هُوَ وَلَا غَيْره . قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْره لَوَجَبَ أَنْ يَكُون مِثْله مَوْصُوفًا . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُون خَلْقه غَيْره وَأَنْ يَكُون مَوْصُوفًا لَوَجَبَ أَنْ تَكُون لَهُ صِفَة هِيَ لَهُ خَلْق , وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَة . قَالُوا : فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَة لِلشَّيْءِ . قَالُوا : فَخَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض صِفَة لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ مِنْ كِتَاب اللَّه بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلْق كُلّ مَخْلُوق , هُوَ ذَلِكَ الشَّيْء بِعَيْنِهِ لَا غَيْره . فَمَعْنَى قَوْله : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } : إنَّ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ احْتِجَاجًا لَهُ عَلَى أَهْل الشِّرْك بِهِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } فَتَلَا ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابه , وَسَمِعَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان قَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَمَا الْحُجَّة وَالْبُرْهَان عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَنَحْنُ نُنْكِر ذَلِكَ , وَنَحْنُ نَزْعُم أَنَّ لَنَا آلِهَة كَثِيرَة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه عِنْد ذَلِكَ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَالُوا مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَطَاء , قَالَ : نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } فَقَالَ كُفَّار قُرَيْش بِمَكَّة : كَيْف يَسَع النَّاسَ إلَهٌ وَاحِدٌ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } إلَى قَوْله : { لَآيَات لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ } فَبِهَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إلَه وَاحِد , وَأَنَّهُ إلَه كُلّ شَيْء وَخَالِق كُلّ شَيْء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل أَنَّ أَهْل الشِّرْك سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ آيَة ] , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة يُعْلِمهُمْ فِيهَا أَنَّ لَهُمْ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ آيَة بَيِّنَة عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه , وَأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فِي مُلْكه لِمَنْ عَقَلَ وَتَدَبَّرَ ذَلِكَ بِفَهْمِ صَحِيح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1988 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةِ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم } قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةِ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَضّ وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَسْرُوق , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ يَعْجَبُونَ وَيَقُولُونَ : تَقُول إلَهكُمْ إلَه وَاحِد , فَلْتَأْتِنَا بِآيَةِ إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } . . . الْآيَة . 1989 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرِنَا آيَة ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } 1990 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : سَأَلَتْ قُرَيْش الْيَهُود , فَقَالُوا : حَدِّثُونَا عَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ الْآيَات ! فَحَدَّثُوهُمْ بِالْعَصَا وَبِيَدِهِ الْبَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ , وَسَأَلُوا النَّصَارَى عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ عِيسَى مِنْ الْآيَات , فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه . فَقَالَتْ قُرَيْش عِنْد ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَل لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا فَنَزْدَاد يَقِينًا , وَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى عَدُوّنَا ! فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه , فَأَوْحَى إلَيْهِ : إنِّي مُعْطِيهمْ , فَأَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا , وَلَكِنْ إنْ كَذَّبُوا عَذَّبْتهمْ عَذَابًا لَمْ أُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَرْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ يَوْمًا بِيَوْمِ " فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } الْآيَة , إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لَهُمْ , إنْ كَانُوا إنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ أَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا , فَخَلْق اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار أَعْظَم مِنْ أَنْ أَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا لِيَزْدَادُوا يَقِينًا . 1991 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إنْ كُنْت صَادِقًا أَنَّهُ مِنْهُ ! فَقَالَ اللَّه : إنَّ فِي هَذِهِ الْآيَات لَآيَات لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ . وَقَالَ : قَدْ سَأَلَ الْآيَات قَوْم قَبْلكُمْ , ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبَّهَ عِبَاده عَلَى الدَّلَالَة عَلَى وَحْدَانِيّته وَتَفَرُّده بِالْأُلُوهِيَّةِ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَشْيَاء بِهَذِهِ الْآيَة . وَجَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيمَا قَالَهُ عَطَاء , وَجَائِز أَنْ تَكُون فِيمَا قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو الضُّحَى , وَلَا خَبَر عِنْدنَا بِتَصْحِيحِ قَوْل أَحَد الْفَرِيقَيْنِ يَقْطَع الْعُذْر فَيَجُوز أَنْ يَقْضِي أَحَد لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِحَّةِ قَوْل عَلَى الْآخَر . وَأَيّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ صَحِيحًا فَالْمُرَاد مِنْ الْآيَة مَا قُلْت . { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } إنَّ فِي إنْشَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض وَابْتِدَاعهمَا . وَمَعْنَى خَلْق اللَّه الْأَشْيَاء : ابْتِدَاعه وَإِيجَاده إيَّاهَا بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَة . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ " الْأَرْض " وَلَمْ تُجْمَع كَمَا جُمِعَتْ السَّمَوَات , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض خَلْق هُوَ غَيْرهَا فَيُقَال : إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض ؟ قِيلَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض النَّاس : لَهَا خَلْق هُوَ غَيْرهَا , وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة , وَبِاَلَّتِي فِي سُورَة الْكَهْف : { مَا أَشْهَدْتهمْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا خَلْق أَنْفُسهمْ } 18 51 وَقَالُوا : لَمْ يَخْلُق اللَّه شَيْئًا إلَّا وَاَللَّه لَهُ مُرِيد . قَالُوا : فَالْأَشْيَاء كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّه , وَالْإِرَادَة خَلْق لَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْق الشَّيْء صِفَة لَهُ , لَا هِيَ هُوَ وَلَا غَيْره . قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْره لَوَجَبَ أَنْ يَكُون مِثْله مَوْصُوفًا . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُون خَلْقه غَيْره وَأَنْ يَكُون مَوْصُوفًا لَوَجَبَ أَنْ تَكُون لَهُ صِفَة هِيَ لَهُ خَلْق , وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَة . قَالُوا : فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَة لِلشَّيْءِ . قَالُوا : فَخَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض صِفَة لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ مِنْ كِتَاب اللَّه بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلْق كُلّ مَخْلُوق , هُوَ ذَلِكَ الشَّيْء بِعَيْنِهِ لَا غَيْره . فَمَعْنَى قَوْله : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض } : إنَّ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } وَتَعَاقُب اللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس . وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْمَوْضِع الِافْتِعَال مِنْ خُلُوف كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } 25 62 بِمَعْنَى : أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَخْلُف مَكَان صَاحِبه إذَا ذَهَبَ اللَّيْل جَاءَ النَّهَار بَعْده , وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَار جَاءَ اللَّيْل خَلْفه ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : خَلَفَ فُلَان فُلَانًا فِي أَهْله بِسُوءِ , وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مُجَثَّم وَأَمَّا اللَّيْل فَإِنَّهُ جَمْع لَيْلَة , نَظِير التَّمْر الَّذِي هُوَ جَمْع تَمْرَة , وَقَدْ يُجْمَع لَيَالٍ فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتهَا . وَزِيَادَتهمْ الْيَاء فِي ذَلِكَ نَظِير زِيَادَتهمْ إيَّاهَا فِي رُبَاعِيَّة وَثَمَانِيَة وَكَرَاهِيَة . وَأَمَّا النَّهَار فَإِنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَعهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْء , وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعه " النُّهُر " قَالَ الشَّاعِر : لَوْلَا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيد لَيْل وَثَرِيد بِالنُّهُرْ وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْع قَلِيله أَنْهِرَة كَانَ قِيَاسًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } وَتَعَاقُب اللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس . وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْمَوْضِع الِافْتِعَال مِنْ خُلُوف كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } 25 62 بِمَعْنَى : أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَخْلُف مَكَان صَاحِبه إذَا ذَهَبَ اللَّيْل جَاءَ النَّهَار بَعْده , وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَار جَاءَ اللَّيْل خَلْفه ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : خَلَفَ فُلَان فُلَانًا فِي أَهْله بِسُوءِ , وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مُجَثَّم وَأَمَّا اللَّيْل فَإِنَّهُ جَمْع لَيْلَة , نَظِير التَّمْر الَّذِي هُوَ جَمْع تَمْرَة , وَقَدْ يُجْمَع لَيَالٍ فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتهَا . وَزِيَادَتهمْ الْيَاء فِي ذَلِكَ نَظِير زِيَادَتهمْ إيَّاهَا فِي رُبَاعِيَّة وَثَمَانِيَة وَكَرَاهِيَة . وَأَمَّا النَّهَار فَإِنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَعهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْء , وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعه " النُّهُر " قَالَ الشَّاعِر : لَوْلَا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيد لَيْل وَثَرِيد بِالنُّهُرْ وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْع قَلِيله أَنْهِرَة كَانَ قِيَاسًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : إنَّ فِي الْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر . وَالْفُلْك هُوَ السُّفُن , وَاحِده وَجَمْعه بِلَفْظِ وَاحِد , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره فِي تَذْكِيره فِي آيَة أُخْرَى : { وَآيَة لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتهمْ فِي الْفُلْك الْمَشْحُون } 36 41 فَذَكَّرَهُ , وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر } وَهِيَ مُجْرَاة لِأَنَّهَا إذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَة , فَأُضِيفَ إلَيْهَا مِنْ الصِّفَة مَا هُوَ لَهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : إنَّ فِي الْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر . وَالْفُلْك هُوَ السُّفُن , وَاحِده وَجَمْعه بِلَفْظِ وَاحِد , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره فِي تَذْكِيره فِي آيَة أُخْرَى : { وَآيَة لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتهمْ فِي الْفُلْك الْمَشْحُون } 36 41 فَذَكَّرَهُ , وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر } وَهِيَ مُجْرَاة لِأَنَّهَا إذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ الْجَارِيَة , فَأُضِيفَ إلَيْهَا مِنْ الصِّفَة مَا هُوَ لَهَا .' وَأَمَّا قَوْله : { بِمَا يَنْفَع النَّاس } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَنْفَع النَّاس فِي الْبَحْر .وَأَمَّا قَوْله : { بِمَا يَنْفَع النَّاس } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَنْفَع النَّاس فِي الْبَحْر .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء } وَفِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء , وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يُنْزِلهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء } وَفِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء , وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يُنْزِلهُ اللَّه مِنْ السَّمَاء .' وَقَوْله : { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } وَإِحْيَاؤُهَا : عِمَارَتهَا وَإِخْرَاج نَبَاتهَا , وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْمَاء وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { بَعْد مَوْتهَا } عَلَى الْأَرْض , وَمَوْت الْأَرْض : خَرَابهَا وَدُثُور عِمَارَتهَا , وَانْقِطَاع نَبَاتهَا الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَات وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاق .وَقَوْله : { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } وَإِحْيَاؤُهَا : عِمَارَتهَا وَإِخْرَاج نَبَاتهَا , وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْمَاء وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { بَعْد مَوْتهَا } عَلَى الْأَرْض , وَمَوْت الْأَرْض : خَرَابهَا وَدُثُور عِمَارَتهَا , وَانْقِطَاع نَبَاتهَا الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَات وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاق .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } وَإِنْ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة . وَمَعْنَى قَوْله , { وَبَثَّ فِيهَا } وَفَرَّقَ فِيهَا , مِنْ قَوْل الْقَائِل : بَثَّ الْأَمِير سَرَايَاهُ : يَعْنِي فَرَّقَ . وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : " فِيهَا " عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْض . وَالدَّابَّة الْفَاعِلَة مِنْ قَوْل الْقَائِل دَبَّتْ الدَّابَّة تَدِبّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّة , وَالدَّابَّة اسْم لِكُلِّ ذِي رُوح كَانَ غَيْر طَائِر بِجَنَاحَيْهِ لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْض . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } وَإِنْ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة . وَمَعْنَى قَوْله , { وَبَثَّ فِيهَا } وَفَرَّقَ فِيهَا , مِنْ قَوْل الْقَائِل : بَثَّ الْأَمِير سَرَايَاهُ : يَعْنِي فَرَّقَ . وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : " فِيهَا " عَائِدَتَانِ عَلَى الْأَرْض . وَالدَّابَّة الْفَاعِلَة مِنْ قَوْل الْقَائِل دَبَّتْ الدَّابَّة تَدِبّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّة , وَالدَّابَّة اسْم لِكُلِّ ذِي رُوح كَانَ غَيْر طَائِر بِجَنَاحَيْهِ لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْض .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } وَفِي تَصْرِيفه الرِّيَاح , فَأَسْقَطَ ذِكْر الْفَاعِل وَأَضَافَ الْفِعْل إلَى الْمَفْعُول , كَمَا قَالَ : يُعْجِبنِي إكْرَام أَخِيك , يُرِيد إكْرَامك أَخَاك وَتَصْرِيف اللَّه إيَّاهَا : أَنْ يُرْسِلهَا مَرَّة لَوَاقِح , وَمَرَّة يَجْعَلهَا عَقِيمًا , وَيَبْعَثهَا عَذَابًا تُدَمِّر كُلّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا . كَمَا : 1992 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر } قَالَ : قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا عَلَى ذَلِكَ , إذَا شَاءَ جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلَقِّح , إنَّمَا هِيَ عَذَاب عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ . وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّة جَنُوبًا وَشِمَالًا وَقَبُولًا وَدَبُورًا ; ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ تَصْرِيفهَا . وَهَذِهِ الصِّفَة الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاح بِهَا صِفَة تَصَرُّفهَا لَا صِفَة تَصْرِيفهَا , لِأَنَّ تَصْرِيفهَا تَصْرِيف اللَّه لَهَا , وَتَصَرُّفهَا اخْتِلَاف هُبُوبهَا . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } تَصْرِيف اللَّه تَعَالَى ذِكْره هُبُوب الرِّيَاح بِاخْتِلَافِ مَهَابّهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } وَفِي تَصْرِيفه الرِّيَاح , فَأَسْقَطَ ذِكْر الْفَاعِل وَأَضَافَ الْفِعْل إلَى الْمَفْعُول , كَمَا قَالَ : يُعْجِبنِي إكْرَام أَخِيك , يُرِيد إكْرَامك أَخَاك وَتَصْرِيف اللَّه إيَّاهَا : أَنْ يُرْسِلهَا مَرَّة لَوَاقِح , وَمَرَّة يَجْعَلهَا عَقِيمًا , وَيَبْعَثهَا عَذَابًا تُدَمِّر كُلّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا . كَمَا : 1992 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر } قَالَ : قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا عَلَى ذَلِكَ , إذَا شَاءَ جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلَقِّح , إنَّمَا هِيَ عَذَاب عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ . وَزَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّة جَنُوبًا وَشِمَالًا وَقَبُولًا وَدَبُورًا ; ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ تَصْرِيفهَا . وَهَذِهِ الصِّفَة الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاح بِهَا صِفَة تَصَرُّفهَا لَا صِفَة تَصْرِيفهَا , لِأَنَّ تَصْرِيفهَا تَصْرِيف اللَّه لَهَا , وَتَصَرُّفهَا اخْتِلَاف هُبُوبهَا . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح } تَصْرِيف اللَّه تَعَالَى ذِكْره هُبُوب الرِّيَاح بِاخْتِلَافِ مَهَابّهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض لَآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ { وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر } وَفِي السَّحَاب جَمْع سَحَابَة , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَيُنْشِئ السَّحَاب الثِّقَال } 13 12 فَوَحَّدَ الْمُسَخَّر وَذَكَّرَهُ , كَمَا قَالَ : هَذِهِ تَمْرَة وَهَذَا تَمْر كَثِير فِي جَمْعه , وَهَذِهِ نَخْلَة وَهَذَا نَخْل . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ سَحَاب إنْ شَاءَ اللَّه لَجَرَّ بَعْضه بَعْضًا وَسَحَبَهُ إيَّاهُ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : مَرَّ فُلَان يَجُرّ ذَيْله : يَعْنِي يَسْحَبهُ . فَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَآيَات } فَإِنَّهُ عَلَامَات وَدَلَالَات عَلَى أَنَّ خَالِق ذَلِكَ كُلّه وَمُنْشِئَهُ إلَه وَاحِد , { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِع الْحُجَج وَفَهِمَ عَنْ اللَّه أَدِلَّته عَلَى وَحْدَانِيّته . فَأَعْلَم تَعَالَى ذِكْره عِبَاده بِأَنَّ الْأَدِلَّة وَالْحُجَج إنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُول وَالتَّمْيِيز دُون غَيْرهمْ مِنْ الْخَلْق , إذْ كَانُوا هُمْ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي , وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة , وَلَهُمْ الثَّوَاب وَعَلَيْهِمْ الْعِقَاب . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى أَهْل الْكُفْر بِقَوْلِهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } الْآيَة فِي تَوْحِيد اللَّه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَاف الْكَفَرَة تَدْفَع أَنْ تَكُون السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة مَخْلُوقَة ؟ قِيلَ : إنَّ إنْكَار مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْر دَافِع أَنْ يَكُون جَمِيع مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيلًا عَلَى خَالِقه وَصَانِعه , وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِههُ [ شَيْء ] , وَبَارِئًا لَا مِثْل لَهُ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ اللَّه إنَّمَا حَاجّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّه خَالِقهمْ , غَيْر أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَته عِبَادَة الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان ; فَحَاجّهمْ تَعَالَى ذِكْره فَقَالَ إذْ أَنْكَرُوا قَوْله : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد } وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاء مِنْ الْآلِهَة : إنَّ إلَهكُمْ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات , وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرهمَا وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار فِي الشَّمْس وَالْقَمَر , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا يَنْفَع النَّاس } وَأَنْزَلَ إلَيْكُمْ الْغَيْث مِنْ السَّمَاء , فَأَخْصَب بِهِ جَنَابكُمْ بَعْد جُدُوبِهِ , وَأَمْرَعَهُ بَعْد دُثُوره , فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْد قُنُوطكُمْ , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } . وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنْعَام فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِم وَمَآكِل , وَمِنْهَا جَمَال وَمَرَاكِب , وَمِنْهَا أَثَاث وَمَلَابِس , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } وَأَرْسَلَ لَكُمْ الرِّيَاح لَوَاقِح لِأَشْجَارِ ثِمَاركُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتكُمْ وَسَيَّرَ لَكُمْ السَّحَاب الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتكُمْ وَحَيَاة نَعَمكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ ; وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض } . فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ إلَههمْ هُوَ اللَّه الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَم , وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : { هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَل مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء } 30 40 فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتكُمْ إيَّايَ , وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَل ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء , فَفِي الَّذِي عَدَّدْت عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي وَتَفَرَّدْت لَكُمْ بِأَيَادِي دَلَالَات لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِع الْحَقّ وَالْبَاطِل وَالْجَوْر وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ إنِّي لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إلَيْكُمْ مُتَفَرِّد دُون غَيْرِي , وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتكُمْ إيَّايَ أَنْدَادًا . فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَة . وَاَلَّذِينَ ذُكِرُوا بِهَذِهِ الْآيَة وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا هُمْ الْقَوْم الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ دُون الْمُعَطِّلَة وَالدَّهْرِيَّة وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَر مَا عَدَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ الْحُجَج الْبَالِغَة , الْمَقْنَع لِجَمِيعِ الْأَنَام تَرَكْنَا الْبَيَان عَنْهُ كَرَاهَة إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض لَآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ { وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر } وَفِي السَّحَاب جَمْع سَحَابَة , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَيُنْشِئ السَّحَاب الثِّقَال } 13 12 فَوَحَّدَ الْمُسَخَّر وَذَكَّرَهُ , كَمَا قَالَ : هَذِهِ تَمْرَة وَهَذَا تَمْر كَثِير فِي جَمْعه , وَهَذِهِ نَخْلَة وَهَذَا نَخْل . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ سَحَاب إنْ شَاءَ اللَّه لَجَرَّ بَعْضه بَعْضًا وَسَحَبَهُ إيَّاهُ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : مَرَّ فُلَان يَجُرّ ذَيْله : يَعْنِي يَسْحَبهُ . فَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَآيَات } فَإِنَّهُ عَلَامَات وَدَلَالَات عَلَى أَنَّ خَالِق ذَلِكَ كُلّه وَمُنْشِئَهُ إلَه وَاحِد , { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِع الْحُجَج وَفَهِمَ عَنْ اللَّه أَدِلَّته عَلَى وَحْدَانِيّته . فَأَعْلَم تَعَالَى ذِكْره عِبَاده بِأَنَّ الْأَدِلَّة وَالْحُجَج إنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُول وَالتَّمْيِيز دُون غَيْرهمْ مِنْ الْخَلْق , إذْ كَانُوا هُمْ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي , وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة , وَلَهُمْ الثَّوَاب وَعَلَيْهِمْ الْعِقَاب . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى أَهْل الْكُفْر بِقَوْلِهِ : { إنَّ فِي خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار } الْآيَة فِي تَوْحِيد اللَّه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَاف الْكَفَرَة تَدْفَع أَنْ تَكُون السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة مَخْلُوقَة ؟ قِيلَ : إنَّ إنْكَار مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْر دَافِع أَنْ يَكُون جَمِيع مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيلًا عَلَى خَالِقه وَصَانِعه , وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِههُ [ شَيْء ] , وَبَارِئًا لَا مِثْل لَهُ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ اللَّه إنَّمَا حَاجّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّه خَالِقهمْ , غَيْر أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَته عِبَادَة الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان ; فَحَاجّهمْ تَعَالَى ذِكْره فَقَالَ إذْ أَنْكَرُوا قَوْله : { وَإِلَهكُمْ إلَه وَاحِد } وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاء مِنْ الْآلِهَة : إنَّ إلَهكُمْ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات , وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرهمَا وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار فِي الشَّمْس وَالْقَمَر , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا يَنْفَع النَّاس } وَأَنْزَلَ إلَيْكُمْ الْغَيْث مِنْ السَّمَاء , فَأَخْصَب بِهِ جَنَابكُمْ بَعْد جُدُوبِهِ , وَأَمْرَعَهُ بَعْد دُثُوره , فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْد قُنُوطكُمْ , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ السَّمَاء مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } . وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنْعَام فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِم وَمَآكِل , وَمِنْهَا جَمَال وَمَرَاكِب , وَمِنْهَا أَثَاث وَمَلَابِس , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلّ دَابَّة } وَأَرْسَلَ لَكُمْ الرِّيَاح لَوَاقِح لِأَشْجَارِ ثِمَاركُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتكُمْ وَسَيَّرَ لَكُمْ السَّحَاب الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتكُمْ وَحَيَاة نَعَمكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ ; وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { وَتَصْرِيف الرِّيَاح وَالسَّحَاب الْمُسَخَّر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض } . فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ إلَههمْ هُوَ اللَّه الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَم , وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : { هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَل مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء } 30 40 فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتكُمْ إيَّايَ , وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَل ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء , فَفِي الَّذِي عَدَّدْت عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي وَتَفَرَّدْت لَكُمْ بِأَيَادِي دَلَالَات لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِع الْحَقّ وَالْبَاطِل وَالْجَوْر وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ إنِّي لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إلَيْكُمْ مُتَفَرِّد دُون غَيْرِي , وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتكُمْ إيَّايَ أَنْدَادًا . فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَة . وَاَلَّذِينَ ذُكِرُوا بِهَذِهِ الْآيَة وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا هُمْ الْقَوْم الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ دُون الْمُعَطِّلَة وَالدَّهْرِيَّة وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَر مَا عَدَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ الْحُجَج الْبَالِغَة , الْمَقْنَع لِجَمِيعِ الْأَنَام تَرَكْنَا الْبَيَان عَنْهُ كَرَاهَة إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهِ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قال عطاء : لما نزلت { وإلهكم إله واحد} قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد، فنزلت { إن في خلق السماوات والأرض} ورواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى قال : لما نزلت { وإلهكم إله واحد} قالوا هل من دليل على ذلك؟ فأنزل الله تعالى { إن في خلق السموات والأرض} فكأنهم طلبوا آية فبين لهم دليل التوحيد، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع. وجمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى. ووحد الأرض لأنها كلها تراب، والله تعالى أعلم. فآية السموات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ودل ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبي فتُحدِّي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية. وآية الأرض : بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. الثانية: قوله تعالى { واختلاف الليل والنهار} قيل : اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم. وقيل : اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة، مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل. ويجمع أيضا ليالي وليال بمعنى، وهو مما شذ عن قياس الجموع، كشبه ومشابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة. وقد استعملوا ذلك في الشعر قال : في كل يوم وكل ليلاة وقال آخر : في كل يوم ما وكل ليلاه ** حتى يقول كل راء إذ رآه يا ويحه من جمل ما أشقاه قال ابن فارس في المجمل : ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا، ولا أعرفه والنهار يجمع نهر وأنهرة. قال أحمد بن يحيى ثعلب : نَهَر جمع نُهُر وهو جمع الجمع للنهار، وقيل النهار اسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر، كقولك الضياء، يقع على القليل والكثير. والأول أكثر، قال الشاعر : لولا الثريدان هلكنا بالضمر ** ثريد ليل وثريد بالنهر قال ابن فارس : النهار معروف، والجمع نهر وأنهار. ويقال : إن النهار يجمع على النهر. والنهار : ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ورجل نهر : صاحب نهار. ويقال إن النهار فرخ الحبارى. قال النضر بن شميل : أول النهار طلوع الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. وقال ثعلب : أوله عند العرب طلوع الشمس، استشهد بقول أمية بن أبي الصلت. والشمس تطلع كل آخر ليلة **حمراء يصبح لونها يتورد وأنشد قول عدي بن زيد : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ** بين النهار وبين الليل قد فصلا وأنشد الكسائي : إذا طلعت شمس النهار فإنها ** أمارة تسليمي عليك فسلمي قال الزجاج في كتاب الأنواء : أول النهار ذرور الشمس. وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام : قسما جعله ليلا محضا، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا محضا، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار. قلت : والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما رواه ابن فارس في المجمل، يدل عليه ما ثبت في صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة : 187] قال له عدي : يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف بهما الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار). فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو مقتضى الفقه في الأيمان، وبه ترتبط الأحكام. فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه قبل طلوع الشمس حنث، وعلى الأول لا يحنث. وقول النبي هو الفيصل في ذلك والحكم. وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار، كما قال : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ** يرى قائم من دونها ما وراءها وقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول، خرجه النسائي. وسيأتي في آي الصيام إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى { والفلك التي تجري في البحر} الفلك : السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث. وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم : فلكان. والفلك المفرد مذكر، قال تعالى { في الفلك المشحون} [يس :41] فجاء به مذكرا، وقال { والفلك التي تجري في البحر} فأنث. ويحتمل واحدا وجمعا، وقال { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس :22] فجمع، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر، وإلى السفينة فيؤنث. وقيل : واحده فلك، مثل أَسد وأُسْد، وخَشَب وخُشْب، وأصله من الدوران، ومنه : فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت الجارية استدار ثديها، ومنه فلكة المغزل. وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور. ووجه الآية في الفلك : تسخير اللّه إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها. وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى، وقال له جبريل : اصنعها على جؤجؤ الطائر، فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل. فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها، قاله ابن العربي. الرابعة: هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد. ومن السنة حديث أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. الحديث. وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام، أخرجهما الأئمة : مالك وغيره.روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام، جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس. هكذا حدث عنه به بُنْدار محمد بن بشار، ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضي اللّه عنهما المنع من ركوبه. والقرآن والسنة يرد هذا القول، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين قالوا له : إنا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع. وقد تُؤوّل ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا. ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن اللّه تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العُدْوَتين، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها، فسهل اللّه سبيله بالفلك، قاله ابن العربي. قال أبو عمر : وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب للحج في البحر، وهو للجهاد لذلك أكره. والقرآن والسنة يرد قوله، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال : إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا، فلذلك كره مالك ذلك. وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس. قال : والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين، نساء كانوا أو رجالا، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن، ولم يخص بحرا من بر. قلت : فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا : العبادة والتجارة، فهي الحجة وفيها الأسوة. إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق، وآخر يشق عليه ويضعف به، كالمائد المفرط الميد، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض، فالأول ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه. ولا خلاف بين أهل العلم وهي: الخامسة:أن البحر إذا أرتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. السادسة: قوله تعالى { بما ينفع الناس} أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم. وبركوب البحر تكتسب الأرباح، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا. وقد قال بعض من طعن في الدين : إن اللّه تعالى يقول في كتابكم { ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام :38] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك؟ فقيل له في قوله { بما ينفع الناس} . السابعة: قوله تعالى { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} يعني بها الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، وجعل منه المخزون عدة للانتفاع في غير وقت نزوله، كما قال تعالى { فأسكناه في الأرض} [المؤمنون:18]. الثامنة: قوله تعالى { وبث فيها من كل دابة} أي فرق ونشر، ومنه { كالفراش المبثوث} [القارعة :4] ودابة تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود، قال اللّه تعالى { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود : 6] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته، قال الأعشى : دبيب قطا البطحاء في كل منهل وقال علقمة بن عبدة : صواعقها لطيرهن دبيب التاسعة: قوله تعالى { وتصريف الرياح} تصريفها : إرسالها عقيما وملقحة، وصرا ونصرا وهلاكا، وحارة وباردة، ولينة وعاصفة. وقيل : تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا، ودبورا وصبا، ونكباء، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين. وقيل : تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها، والصغار كذلك، ويصرف عنهما ما يضر بهما، ولا اعتبار بكبر القلاع ولا صغرها، فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت القلاع وأغرقت. والرياح جمع ريح سميت به لأنها تأتي بالروح غالبا. روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : (الريح من روح اللّه تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا اللّه خيرها واستعيذوا باللّه من شرها). وأخرجه أيضا ابن ماجة في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن سلوا اللّه من خيرها وتعوذوا باللّه من شرها). وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : (لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن). المعنى : أن اللّه تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح، والإضافة من طريق الفعل. والمعنى : أن اللّه تعالى جعلها كذلك. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور). وهذا معنى ما جاء في الخبر أن اللّه سبحانه وتعالى فرج عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب، فقال تعالى { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب:9]. ويقال : نفس اللّه عن فلان كربة من كرب الدنيا، أي فرج عنه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة). أي فرج عنه. وقال الشاعر : كأن الصبا ريح إذا ما تنسمت ** على كبد مهموم تجلت هموهما قال ابن الأعرابي : النسيم أول هبوب الريح. وأصل الريح روح، ولهذا قيل في جمع القلة أرواح، ولا يقال : أرياح، لأنها من ذوات الواو، وإنما قيل : رياح من جهة الكثرة وطلب تناسب الياء معها. وفي مصحف حفصة { وتصريف الأرواح} . العاشرة: قوله تعالى { وتصريف الرياح} قرأ حمزة والكسائي { الريح} على الإفراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية، لا خلاف بينهما في ذلك 0 ووافقهما ابن كثير في الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى. وأفرد حمزة { الرياح لواقح} [الحجر:22]. وأفرد ابن كثير { وهو الذي أرسل الرياح} [الفرقان:48] في الفرقان وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. والذي ذكرناه في الروم هو الثاني { الله الذي يرسل الرياح} [الروم:48]. ولا خلاف بينهم في { الرياح مبشرات} [الروم:46]. وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن، سوى { تهوي به الريح} [الحج : 31] و { الريح العقيم} [الذاريات :41] فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن، نحو { الرياح مبشرات} { والريح العقيم} فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله { وجرين بهم بريح طيبة} [يونس:22]. وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح : (اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا). وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح. فأفردت مع الفلك في { يونس} ، لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب. الحادية عشرة: قال العلماء : الريح تحرك الهواء، وقد يشتد ويضعف. فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح الصبا. وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل لتلك الريح الدبور . وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها ريح الجنوب . وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها ريح الشمال . ولكل واحدة من هذه الرياح طبع، فتكون منفعتها بحسب طبعها، فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة. واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. وذلك أن اللّه تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء، فجعل الربيع الذي هو أول الفصول حارا رطبا، ورتب فيه النشء والنمو فتنزل فيه المياه، وتخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع، وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان. فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة، ومباين له في الأخرى وهي الرطوبة، لأن الهواء في الصيف حار يابس، فتنضج فيه الثمار وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع. فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي الحرارة، لأن الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس وتجف فتصير إلى حال الادخار، فتقطف الثمار وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها الأشجار. فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي البرودة، ومباين له في الأخرى وهو اليبس، لأن الهواء في الشتاء بارد رطب، فتكثر الأمطار والثلوج وتهمد الأرض كالجسد المستريح، فلا تتحرك إلا أن يعيد اللّه تبارك وتعالى إليها حرارة الربيع، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشء والنمو بإذن اللّه سبحانه وتعالى. وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرناه، إلا أن الأصول هذه الأربع. فكل ريح تهب بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها وتسمى { النكباء} . الثانية عشرة: قوله تعالى { والسحاب المسخر بين السماء والأرض} سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء 0 وسحبت ذيلي سحبا. وتسحب فلان على فلان : اجترأ. والسحب : شدة الأكل والشرب. والمسخر : المذلل، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر. وقيل : تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، والأول أظهر. وقد يكون بماء وبعذاب، روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : (بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبدالله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في السحابة فقال له يا عبدالله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟ قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه). وفي رواية (وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل). وفي التنزيل { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} [فاطر : 9]، وقال { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت} [الأعراف:57] وهو في التنزيل كثير. وخرج ابن ماجة عن عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول : (اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به) فإن أمطر قال : (اللهم سَيْبا نافعا) مرتين أو ثلاثا، وإن كشفه اللّه ولم يمطر حمد اللّه على ذلك. أخرجه مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك. قالت عائشة : فسألته فقال : (إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي). ويقول إذا رأى المطر : (رحمة). في رواية فقال : (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } [الأحقاف:24]. فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها، واللّه تعالى أعلم. فإن الثبوت يدل على عدم الانتقال، فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح، لقوله { بين} وهي مع ذلك مسخرة محمولة، وذلك أعظم في القدرة، كالطير في الهواء، قال اللّه تعالى { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله} [النحل:79] وقال { أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن} [الملك:19]. الثالثة عشرة: قال كعب الأحبار : السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، رواه عنه ابن عباس. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبدالله بن خبيب الجهني قال : رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بني سلمة، فمر به تبيع ابن امرأة كعب فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس : هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا ؟ قال : نعم، قال : السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. قال : سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا، وتنبت عاما قابلا غيره؟ قال نعم، سمعته يقول : إن البذر ينزل من السماء. قال ابن عباس : وقد سمعت ذلك من كعب. الرابعة عشرة: قوله تعالى { لآيات} أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب { وإلهكم إله واحد} ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها) أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها. فإن قيل : فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها. قيل له : هذا محال، لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة، فإن أحدثتها وهي معدومة كان محالا، لأن الإحداث لا يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك، وإن كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها. وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه وكذلك النجارة والنسج، وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال. ثم أن اللّه تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن، فقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم { قل انظروا ماذا في السموات والأرض} [يونس:101] والخطاب للكفار، لقوله تعالى { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} ، وقال { أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} [الأعراف:185] يعني بالملكوت الآيات. وقال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات:21]. يقول : أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك محال. وقال تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون:12] يعني آدم عليه السلام، { ثم جعلناه} أي جعلنا نسله وذريته { نطفة في قرار مكين} [المؤمنون:13] إلى قوله { تبعثون} . فالإنسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة. كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه، وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر. وقال بعض الحكماء : إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، الذي هو بدن الإنسان، ولذلك قال تعالى { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين : 4] وقال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات:21]. فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها، وأعضاؤه تصير عند البلى ترابا من جنس الأرض، وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس، ومن جنس النار فيه المرة الصفراء. وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار، لأن العروق تستمد من الكبد. ومثانته بمنزلة البحر، لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر. وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه كالأشجار، فكما أن لكل شجر ورقا وثمرا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر. والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان، فهو العالم الصغير مع العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد، لا إله إلا هو.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 159 - 164


سورة البقرة الايات 164 - 169

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الله سبحانه برحمته خلق الإنسان منعماً عليه، وخلق كل ما في الكون نعمة له، ويلفتنا إلى الدليل على هذه القضية بالكون نفسه. ويحدد مظاهر في الكون لم يدع أحد أنه خلقها وأوجدها، فإذا ما جاء الناس الذين لا يؤمنون بالإله الواحد يزحزحون الألوهية إلى سواه نقول لهم: هذا الكون العجيب الذي يتمثل في الأرض ويتمثل في السماء، ويتمثل في اختلاف الليل والنهار، ويتمثل في الفلك التي تجري في البحر، ويتمثل في ما أنزل الله من السماء من ماء، ويتمثل في السحاب المسخر بين السماء والأرض؛ كل هذه الآيات ـ أي الأمور العجيبة ـ.. تلفت إلى أن موجدها أعظم منها.

إنه سبحانه يريد أن ينبه العقل إلى أن يستقبل نعمة الوجود في ذاته وفي الكون المسخر له ليستنبط من هذه الآيات العجيبة صدق الله في قوله: {.. وإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } ، لأنه ليس من المعقول أن يخلق غير الله كل ذلك الخلق ثم يسكت عنه!، فضلا عن أن أحداً لم يدع أنه خلقها، وما دام لم يدع أحدٌ ذلك، وأنت أيها الإنسان لم تخلقها، ورغم الكفر والعناد لم يدع أحد هذه القضية قط، إذن سيظل الملك لله وحده إلى أن يقول أحدٌ: أنا لي الملك، ولم يوجد إلى الآن من يجرؤ على هذه الكلمة، وهذا دليل على أن الله واحد أحد. إن الحق سبحانه يقول:
{  لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
[غافر:57]

لماذا؟. لأن الناس من الأرض قد خُلقوا، وبما في الأرض عاشوا، فالأصل هو أن خلق السماوات والأرض أَكبر من خلق الناس؛ فالناس أبناء الأرض، واقتياتهم منها وبقاء حياتهم عليها. ومن المعقول أن الحق سبحانه قد خلق ما يخلق منه الإنسان قبل أن يخلق الإنسان، وحتى يعيش ذلك الإنسان أمده الله بجنس ما خُلِق منه. واذكروا جيدا أننا قلنا إن الله حين يعرض قضية الخلق للإنسان؛ فهو سبحانه يعرضها عرضا فيه مناعة ضد أي قضية أخرى تناقضها. ولذلك يقول لنا: إن خلق السماوات والأرض وخلقكم هو أمر غيبي، وما دام أمراً غيبياً فلا رائي له ولا مشاهد له إلا الذي خلقه، فخذوا علم الخلق منه، ولذلك قال سبحانه وتعالى:
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً }
[الكهف:51]

فيجب أن نحذر هؤلاء المضللين الذين يحاولون إضلالنا بقضايا ليست حقيقية، فالحق قد علم أزلا بأنه سيوجد قوم يقولون: إن السماء والأرض خلقتا بطريقة كذا، والإنسان خلق بأسلوب كذا، وعندما نسمع هؤلاء نقول: هؤلاء هم المضللون، وقد نبهنا الله أزلا إليهم.

إذن، فوجود المضللين هو عين الدليل على صدق الله، هؤلاء الذين قالوا: الأرض كانت جزءا من الشمس وانفصلت عنها، والإنسان أصله قرد، لأنه لو لم يوجد مضللون لقلنا: " أين يا رب ما قلت عنهم إنهم مضللون؟ ".وحينما يعرض الله سبحانه وتعالى أنه خلقنا من الأرض؛ وجعل اقتياتنا منها، فإن العلم يأتي ـ حتى من الكافرين بالله ـ ليؤيد هذه القضية. فحينما حللوا الإنسان؛ وجدوه مكونا من ستة عشر عنصرا، وحللوا الطين الذي يأتي منه الزرع والخصوبة فوجدوه ستة عشر عنصرا أيضا تتطابق مع عناصر الإنسان، أولها الأكسجين وآخرها المنجنيز. وعلى ذلك فالحق عندما يقول: أنا خلقت الإنسان من طين. نقول له: صدقت يا رب فقد جعلت اقتياتنا مما يخرج من الطين.

إذن فمسألة خلق السماوات والأرض يجب أن يبدأ منها التعجب، وأنت أيها الإنسان يجب أن تفطن إلى ما خُلق لك لتستدل على خالقك، ولتؤمن ولتشهد أنه إله واحد، وإن حاول أحد إضلالك وقال لك: هناك إله آخر، فقل: لا إله إلا هو سبحانه.

وحين يتكلم الحق عن الإنسان فهو سبحانه يتكلم عن مكين في الكون، وهذا المكين في الكون يحتاج إلى شيئين: إلى زمان، وإلى مكان. والمكان للإنسان هو الأرض التي يسير عليها والسماء التي تظلله، والزمان هو ما ينشأ من الليل وما ينشأ من النهار، ولذلك يريد الحق سبحانه أن يعطينا العبرة في اختلاف الليل والنهار. ومعنى اختلاف الليل والنهار أن كلا منهما يأتي خلف الآخر، والنهار يأتي خلف الليل، والليل يأتي خلف النهار.
{  وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }
[الفرقان: 62]

فاختلاف الليل والنهار يعني ألا يكون النهار سرمداً أي دائما لا ينقطع، ولا يكون الليل كذلك سرمداً، ولذلك فإن هناك آيات أخرى يمتن فيها الحق علينا بهذه النعمة فيقول:
{  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ }
[القصص: 71-72]

إذن فأنت أيها المتحرك في الكون ينطبق عليك ما ينطبق على كل متحرك، لابد لك من سكون بقدر حركتك، ولذلك انقسم الزمان إلى ليل تسكن فيه، وإلى نهار تتحرك فيه، ولذلك يقول الحق:
{  وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً }
[الفرقان:47]

ويعلم سبحانه أزلا أنه لا يمكن أن يكون الليل ـ أي وقت الراحة ـ سباتا لكل الناس، بل لابد من أناس يقومون بأمور تقتضي اليقظة بالليل، ولهؤلاء يقول سبحانه:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ }
[الروم: 23]

إنه يعطي فرصة لهؤلاء الذين تظل عيونهم ساهرة طوال الليل ليستريحوا بالنهار إذن فمن عظمة الحق أنه جعل الزمان خلفة، فلو كان الليل سرمدا والنهار سرمدا لفسدت الحياة، ولذلك نجد أن الحق أقسم بقوله:
{  وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ }
[الضحى: 1-2]

فالضحى محل الحركة والكدح، والليل محل السكون، ولابد أن يوجد الاثنان معا. والحق سبحانه يقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ } وكلمة " فلك " يستوي فيها المفرد والجمع، كقوله عن سفينة نوح: { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا }. يعني يصنع سفينة واحدة أما الفلك التي تجري فهي كل الفلك. وكيف يكون جريان الفلك في الماء آية؟. إن الإنسان يدرك أن الماء لو لم يكن على هذه السيولة، لما استطاعت المراكب أو الفلك الإبحار فوقه، بل لابد أن يكون الماء سائلا حتى تستطيع أن تجري فوقها الفلك، وقبل اختراع آلات البخار كانت هذه الفلك تجري في البحر بقوة الرياح، لماذا؟. لأن المائية تنقسم قسمين:

* مائية أنهار.

* ومائية بحار.

ومياه الأنهار تجري دائما من أعلى إلى أسفل ناحية المصب، ولذلك فمن المعقول أن نسلم جريان السفينة فيها إلى مجرى الماء، ولكن إذا كنا نريد أن نسيرها عكس جريان الماء؛ فلا بد من الريح ليساعدنا على ذلك، ونحن نأخذ كلمة الريح على أنها الهواء. ولكن الريح هي القوة؛ لأن الله سبحانه يقول:
{  وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }
[الأنفال: 46]

يعني قوتكم، أي أن النزاع إنما ينتج عنه تبديد القوة، وكانت الريح قوة ظاهرة، وعندما توصل الإنسان إلى اختراع آلة البخار وتم تشغيل السفن به، استغنى الإنسان عن تشغيل السفن بالريح. وهكذا نعرف أن كلمة " الريح " تؤخذ على أنها الرياح، وتؤخذ أيضا على أنها مطلق القوة، وتؤخذ ثالثا على معنى الرائحة.

والقرآن يوضح لنا ذلك، فعند استخدام معنى الريح كمطلق القوة نجد القرآن يقول:
{  إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ }
[الشورى:33]

أي أن الله حين يشاء يعطل القوة المحركة لأي شيء فهو سبحانه يفعل. أما عن معنى الريح كرائحة فنحن نجده في قوله الحق:
{  وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف }
[يوسف:94]

إن يعقوب والد يوسف عليهما السلام كان يملك حاسة شم قوية، فعندما خرجت القافلة من مصر، قال والده: إني أشم رائحة يوسف. وفي الريف نحن نسمع من يقول: " سأنتقم من فلان ولا اجعل له ريحة في الأرض " ، ويقصد أنه لن يجعل له أثراً في الأرض، ولماذا استخدم هنا كلمة الرائحة؟. لقد ثبت حديثا فقط أن الرائحة هي أبقى الآثار بالنسبة إلى الكائن الحي، بدليل أن الذين عندهم حاسة الشم قوية من الكائنات كالكلاب البوليسية يستدلون برائحة الجاني على مكان وجوده، كأن الجاني يترك أثرا لرائحته في مكان الجريمة، وكل ما هو مطلوب أن يوجد من له حاسة شم قوية ليستدل عليه.والحق سبحانه وتعالى أعطانا العقل، ولكنه أبقى لبعض منا ولغير العاقل ما لا تستطيع أغلبيتنا أن تصل إليه، وأصبح الكلب الذي هو حيوان بهيم أعجم يستدل على أشياء لا نستطيع نحن أن نستدل عليها، لأنه لا يزال في عالم الحس فقط، بينما الإنسان أخذ جانباً من عالم الحس. وجانبا من العقل.

وقوله الحق: { وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فهل يعني هذا القول أن الماء في السماء؟. لا. إن الماء أصله في الأرض، لكن ماء الأرض الثابت لا ينفع لرينا ولا لري زرعنا إنه ملح أجاج مُرٌّ، والذي يوجد على الأرض منه هو مخزون فقط، ولذلك وضع الله له المواد الكيماوية التي تجعله لا يفسد ولا تتغير صفاته وطبيعته، ثم تتسع رقعة الماء على قدر اليابس ثلاث مرات، لماذا؟. لأن الله يريد أن تتسع صفحة الماء اتساعا يجعل للبخر مصادر كبيرة واسعة هذا البخر هو عملية التقطير الإلهي.

إن إنزال الماء من السماء هو الذي نراه على هيئة المطر، لكن تسبق نزوله مراحل متعددة هي بخر وتكثيف وتلقيح الرياح للسحاب وغيرها. وتلك المراحل المتعددة اهتدينا إليها مؤخرا، بدليل أننا حاولنا تقليد هذه الدورة، بأن نبخر الماء المالح ونكثفه لنستخرج ماء مقطرا، لكن ذلك له تكاليفه المالية العالية، فكوب واحد من الماء المقطر يستغرق وقتا ويستلزم جهدا وتكاليف بينما المعمل الإلهي يدر لنا ماءً غدقاً لا حصر لكمياته، إن هذا المعمل يعمل ونحن لا ندري.

إن الدورة المائية تبدأ بصعود البخار من الماء، وبعد ذلك يصادف منطقة باردة فينزل ماء عذبا. ومن دقة الخالق الحكيم سبحانه أن جعل منسوب الماء العذب دائما أعلى من منسوب الماء الصالح، فلو كان منسوب المالح أعلى من العذب فسيطغى عليه ويفسده، ولا نجد ماء نشربه، لكن الخالق الحكيم جعل منسوب المياه العذبة في الأنهار أعلى من ماء البحار والمحيطات حتى ينساب الماء من النهر إلى البحر؛ وذلك لا يسبب ضررا.

فالحق سبحانه وتعالى يعلمنا أنه أنزل من السماء ماء، كيف ينزل هذا الماء؟. هذا ما عرفناه مؤخرا، وبالماء العذب يُحيي الله الأرض بعد موتها، وما هو الموت؟ إن الموت هو ذهاب الحركة، كذلك الأرض عندما تجف فلا تبقى لها حركة، ونحن لا نستطيع بحواسنا أن ندرك حركة الأرض أثناء نمو النبات، لكن الله عز وجل يؤكد ذلك في قوله
{  وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ }
[الحج: 5]

فالأرض عندما ينزل عليها المطر تنتفخ قشرتها، وتطفو تلك القشرة على سطح الأرض، ثم ماذا يحدث؟.
{  وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }
[الحج: 5]

وهذا هو معنى قوله تعالى: { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }. ثم تمضي الآية { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } أي نشر فيها كل ما يدب على الأرض، و { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } ومعنى التصريف هو التحويل والتغيير، أي توجيه الرياح إلى نواح مختلفة سواء إلى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، وهذا الاختلاف لم يجعل للهواء مساراً رتيباً، وعندما نتأمل عملية الاستطراق في الهواء نجد أنها تعطي اعتدالا مزاجيا للهواء، فمرة يأتي من ناحية حارة؛ ليهب على المناطق الباردة، ومرة يأتي من المناطق الباردة؛ فيهب على المناطق الحارة، وهذا التصريف نعمة من نعم الله، فلو كانت الرياح ثابتة لصارت مرهقة للبشر.ونحن نسمع عن أسماء الرياح مثل الصبا والدابور، وريح الشمال، وريح الجنوب، والنكباء، والزعزع، والصرصر، وساعة تسمع كلمة { ٱلرِّيَاحِ } بصيغة الجمع، فلنعم أنها للخير، وإن جاءت " ريح " بصيغة المفرد فلنعلم أنها عقيم ضارة. مثل قوله الحق: { بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } ، لكن هذه القاعدة كسرتها آية واحدة في قوله تعالى:
{  وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }
[يونس:22]

لماذا؟. لأن الريح لو اختلفت على السفينة لكانت كارثة؛ فكان لابد أن تأتي الرياح إلى السفينة من اتجاه واحد، ولذلك لم يترك الله كلمة " ريح " مطلقة، وإنما وصفها بأنها ريح طيبة. وفي قول آخر يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ }
[يونس:22]

إنه سبحانه يلفتنا إلى قدرته، حتى لا يعتقد أحد أن الله خلق الخلق وخلق لهم قانونا ثم تخلى عن حكمهم، لا، إنه سبحانه هو ما يزال قيوم السماوات والأرض وله مطلق القدرة { وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }. والتسخير معناه حمل الشيء على حركة مطلوبة منه لا اختيار له فيها، والله يسخر السحاب لأنه يريده أن يمطر هنا، فيأتي مسخر الرياح فيسوقه إلى حيث يريد الله، وأنت قد تنتفع بمطر ينزل من سحابة في غير مكانك، ونحن ننتفع ـ في مصر ـ بماء النيل برغم أن المطر ينزل في جنوب السودان، وفي هضاب الحبشة، ولو اقتصرنا على الماء الذي ينزل من سماء مصر لكنا قد هلكنا عطشا، وهذا يؤكد معنى قوله تعالى:
{  إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ }
[الأعراف: 57]

إن السحاب يسير مسخراً إلى غاية مطلوبة منه ولا إرادة له فيها. ويختم الحق الآية بقوله: { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي أنها عجائب لقوم يعقلون. وحين يقول الحق: { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فكأنه ينبه المَلَكَة المفكرة العاقلة في الإنسان. وحين يخاطبك مخاطب؛ وينبه فيك الملكة العاقلة؛ فأعلم أن ما يخبر به ينتهي عقلك إليه بمجرد أن تفكر، وإلاّ لو لم يكن الأمر كذلك؛ ما كانت هناك ضرورة أن يذكر لك كلمة العقل.

والقرآن الكريم دائما يقول: " يتفكرون " ، و " يعقلون " و " يتدبرون " و " يتذكرون " وكل ذلك معناه أنهم لو فكروا، ولو عقلوا، ولو تدبروا، ولو تذكروا؛ لانتهوا إلى الحقيقة التي يريدها الله. والحق سبحانه وتعالى ينبه المسلم دائما لأن يستقبل الأمور بعقله وبفكره وبتدبره وبتذكره، لأنه سبحانه يعلم أن الإنسان إذا فكر أو عقل أو تذكر أو تدبر فسوف ينتهي إلى ذات القضية.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. [164].
أخبرنا عبد العزيز بن طاهر التميمي، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أبو عبد الله الزيادي، حدَّثنا موسى بن مسعود النَّهْدِي، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء قال:
أنزل بالمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} . فقالت كفار قريش بمكة: كيف يسع الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} حتى بلغ: { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
أخبرنا أبو بكر الأصبهاني، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان [العسكري]، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبيّ الضُّحَى قال:
لما نزلت هذه الآية: { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تعجب المشركون وقالوا: إله واحد! إن كان صادقاً فليأتنا بآية. فأنزل الله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخر الآية.


www.alro7.net