سورة
اية:

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخاطباً رسوله ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} أي بأي شيء جعلك اللّه لهم ليناً لولا رحمة اللّه بك وبهم، وقال قتادة: { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} يقول: فبرحمة من اللّه لنت لهم و { ما} صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله { فبما نقضهم ميثاقهم} ، وبالنكرة كقوله: { عما قليل} وهكذا ههنا. قال: { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} أي برحمة من اللّه، وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه اللّه به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} ثم قال تعالى: { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} والفظ: الغليظ المراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك: { غليظ القلب} أي لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن اللّه جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد اللّه بن عمرو: إني أرى صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكتب المتقدمة (أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) ولهذا قال تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} ولذلك كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييباً لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول اللّه لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاروهم في أُحُد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدوّ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاروهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه السعدان، سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، فكان صلى اللّه عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. وروينا عن ابن عباس في قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر} قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)، وروى ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن العزم؟ فقال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم)، وقال ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (المستشار مؤتمن) وقوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على اللّه} ، أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على اللّه فيه { إن اللّه يحب المتوكلين} ، وقوله تعالى: { إن ينصركم اللّه فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون} وهذه الآية كما تقدم من قوله: { وما النصر إلا من عند اللّه العزيز الحكيم} ، ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: { وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون} ، وقوله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل} ، قال ابن عباس ومجاهد: ما ينبغي لنبي أن يخون، وقال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذها فأنزل اللّه: { وما كان لنبي أن يغلّ} أي يخون. وقال ابن جرير، عن ابن عباس أن هذه الآية: { وما كان لنبي أن يغل} نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول اللّه أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل اللّه: { وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ، وعنه قال: اتهم المنافقون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء فُقد، فأنزل اللّه تعالى: { وما كان لنبي أن يغل} وهذا تنزيه له صلوات اللّه وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنّة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة. قال الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (أعظم الغلول عند اللّه ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض - أو في الدار - فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة) حديث آخر: قال الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال) حديث آخر: قال ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى للّه عليه وسلم : (لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء يقول: يا محمد يا محمد؟ فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قسماً من أدم ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك) "أخرجه ابن جرير، قال ابن كثير: لم يروه أحد من أهل الكتب الستة" حديث آخر: قال الإمام أحمد: استعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المنبر، فقال: (ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت)؟ ثلاثاً حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: (أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} لهذا دعوتك فامض لعملك) "قال الترمذي: حديث حسن غريب" حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك) أخرجه الشيخان. وقوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان اللّه كمن باء بسخط من اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير} أي لا يستوي من اتبع رضوان اللّه فيما شرعه فاستحق رضوان اللّه وجزيل ثوابه، ومن استحق غضب اللّه وألزمه به فلا محيد له عنه ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ، كقوله: { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} الآية. ثم قال تعالى: { هم درجات عند اللّه} قال الحسن البصري: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني متفاوتون في منازلهم، درجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا} الآية، ولهذا قال تعالى: { واللّه بصير بما يعملون} ، أي وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيراً ولا يزيدهم شراً، بل يجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: { قد من اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} الآية، وقال تعالى: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} ، وقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} ، وقال تعالى: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} ؟ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: { يتلو عليهم آياته} يعني القرآن { ويزكيهم} أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكوا نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، { ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني القرآن والسنّة، { وإن كانوا من قبل} أي من قبل هذا الرسول، { لفي ضلال مبين} أي لفي غي وجهل ظاهر جلي بيِّن لكل أحد.

تفسير الجلالين

{ أفمن اتبع رضوان الله } فأطاع ولم يغل { كمن باء } رجع { بسخط من الله } لمعصيته وغلوله { ومأواه جهنم وبئس المصير } المرجع هي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه وَمَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه فِي تَرْك الْغُلُول كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه بِغُلُولِهِ مَا غَلَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6499 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ طَرِيف , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } قَالَ : مَنْ لَمْ يَغُلّ . { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } كَمَنْ غَلَّ . 6500 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ مُطَرِّف بْن مُطَرِّف , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } قَالَ : مَنْ أَدَّى الْخَمْس . { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } فَاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنْ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 6501 - حَدَّثَنِي بِهِ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } عَلَى مَا أَحَبَّ النَّاس وَسَخِطُوا , { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } لِرِضَا النَّاس وَسَخَطهمْ ؟ يَقُول : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي , فَثَوَابه الْجَنَّة وَرِضْوَان مِنْ رَبّه , كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه , فَاسْتَوْجَبَ غَضَبه , وَكَانَ مَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير ؟ أَسْوَأ الْمَثَلَانِ ؟ أَيْ فَاعْرِفُوا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة عِنْدِي , قَوْل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ وَعِيد اللَّه عَلَى الْغُلُول وَنَهْيه عِبَاده عَنْهُ , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْد نَهْيه عَنْ ذَلِكَ وَوَعِيده , أَسَوَاء الْمُطِيع لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ , وَالْعَاصِي لَهُ فِي ذَلِكَ : أَيْ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ وَلَا تَسْتَوِي حَالَتَاهُمَا عِنْده , لِأَنَّ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّه فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ : الْجَنَّة , وَلِمَنْ عَصَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ : النَّار . فَمَعْنَى قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } إِذا : أَفَمَنْ تَرَكَ الْغُلُول وَمَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ عَنْ مَعَاصِيه وَعَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّه فِي تَرْكه ذَلِكَ وَفِي غَيْره مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ مِنْ فَرَائِضه , مُتَّبِعًا فِي كُلّ ذَلِكَ رِضَا اللَّه , وَمُجْتَنِبًا سَخَطه , { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } يَعْنِي : كَمَنْ اِنْصَرَفَ مُتَحَمِّلًا سَخَط اللَّه وَغَضَبه , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ سُكْنَى جَهَنَّم , يَقُول : لَيْسَا سَوَاء . وَأَمَّا قَوْله : { وَبِئْسَ الْمَصِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَبِئْسَ الْمَصِير الَّذِي يَصِير إِلَيْهِ وَيَئُوب إِلَيْهِ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه جَهَنَّم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه وَمَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه فِي تَرْك الْغُلُول كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه بِغُلُولِهِ مَا غَلَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6499 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ طَرِيف , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } قَالَ : مَنْ لَمْ يَغُلّ . { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } كَمَنْ غَلَّ . 6500 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ مُطَرِّف بْن مُطَرِّف , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } قَالَ : مَنْ أَدَّى الْخَمْس . { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } فَاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنْ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 6501 - حَدَّثَنِي بِهِ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه } عَلَى مَا أَحَبَّ النَّاس وَسَخِطُوا , { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } لِرِضَا النَّاس وَسَخَطهمْ ؟ يَقُول : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي , فَثَوَابه الْجَنَّة وَرِضْوَان مِنْ رَبّه , كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه , فَاسْتَوْجَبَ غَضَبه , وَكَانَ مَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير ؟ أَسْوَأ الْمَثَلَانِ ؟ أَيْ فَاعْرِفُوا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة عِنْدِي , قَوْل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ وَعِيد اللَّه عَلَى الْغُلُول وَنَهْيه عِبَاده عَنْهُ , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْد نَهْيه عَنْ ذَلِكَ وَوَعِيده , أَسَوَاء الْمُطِيع لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ , وَالْعَاصِي لَهُ فِي ذَلِكَ : أَيْ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ وَلَا تَسْتَوِي حَالَتَاهُمَا عِنْده , لِأَنَّ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّه فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ : الْجَنَّة , وَلِمَنْ عَصَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ : النَّار . فَمَعْنَى قَوْله : { أَفَمَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَان اللَّه كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } إِذا : أَفَمَنْ تَرَكَ الْغُلُول وَمَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ عَنْ مَعَاصِيه وَعَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّه فِي تَرْكه ذَلِكَ وَفِي غَيْره مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ مِنْ فَرَائِضه , مُتَّبِعًا فِي كُلّ ذَلِكَ رِضَا اللَّه , وَمُجْتَنِبًا سَخَطه , { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه } يَعْنِي : كَمَنْ اِنْصَرَفَ مُتَحَمِّلًا سَخَط اللَّه وَغَضَبه , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ سُكْنَى جَهَنَّم , يَقُول : لَيْسَا سَوَاء . وَأَمَّا قَوْله : { وَبِئْسَ الْمَصِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَبِئْسَ الْمَصِير الَّذِي يَصِير إِلَيْهِ وَيَئُوب إِلَيْهِ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أفمن اتبع رضوان الله} يريد بترك الغلول والصبر على الجهاد. { كمن باء بسخط من الله} يريد بكفر أو غلول أو تول عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب. { ومأواه جهنم} أي مثواه النار، أي إن لم يتب أو يعفو الله عنه. { وبئس المصير} أي المرجع. وقرئ رضوان بكسر الراء وضمها كالعدوان والعدوان. ثم قال تعالى { هم درجات عند الله} أي ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه. قيل { هم درجات} متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله؛ فلمن اتبع رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم. ومعنى { هم درجات} - أي ذوو درجات. أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات. وأهل النار أيضا ذوو درجات؛ كما قال : (وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح). فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة؛ ثم المؤمنون يختلفون أيضا، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار. والدرجة الرتبة، ومن الدرج؛ لأنه يطوى رتبة بعد رتبة. والأشهر في منازل جهنم دركات؛ كما قال { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء : 145] فلمن لم يغل درجات في الجنة، ولمن غل دركات في النار. قال أبو عبيدة : جهنم أدراك، أي منازل؛ يقال لكل منزل منها : درك ودرك. والدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 159 - 164


سورة ال عمران الايات 162 - 165

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق سبحانه وتعالى حين يطرح بعض القضايا طرح الاستفهام، فهو يطرحها لا ليعلم هو فهو عالم، ولكن ليستنطق السامع، ونطق السامع حجة فوق خبر المخبر، فلو قال: إن الذي يتبع رضوان الله لا يساوي من ذهب إلى سخط الله لكان ذلك إخبارا منه وهو صادق فيما يقول، لكنه سبحانه يريد أن يستنطق عباده بالقضية، { أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ } , { بَآءَ } أي: رجع { بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ }.

لا شك أن كل من يسمع عن الفاروق بين اتباع الرضوان، أو الرجوع بالسخط يقول: إن اتباع الرضوان يرفع درجة الإنسان، والذي يبوء بالسخط يهبط إلى درك الخسران، فالقضية قالها السامع.. فكأن الحق يستنطقنا بالقضية لتكون حجة علينا، والذي يتبع رضوان الله بالطاعة، أيساويه من يرجع إلى سخط الله بالمعصية؟!

أفمن يتبع رضوان الله فلا يغُل في الغنيمة ولا يختان في الأمانة كمن غل في الغنيمة وخان في الأمانة؟

أفمن اتبع رضوان الله بأن استمع لأوامر الله حين استنفره لجهاد العدو، كمن لم يذهب لنداء الله ليكون في جند الله مقاتلا لعدو الله، لا؛ فالذي لا يستجيب لنداء الله هو من يبوء بسخط الله.

و " السخط " هو: إظهار التقبيح، لكن إظهار التقبيح قد لا يؤثر في أناس غليظى الإحساس، لا تنفع فيهم اللعنة أو الشتائم؛ لذلك جاء سبحانه بالحكم: { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } { وَمَأْوَاهُ } أي المكان الذي يأوي ويرجع إليه هو جهنم وبئس المصير. وبعد ذلك يقول الحق: { هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ... }


www.alro7.net