سورة
اية:

خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ

تفسير بن كثير

هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل، من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه اللّه تعالى لعباده، في كتبه التي أنزلها على رسله، وقد نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الحديث: (من سئل عن عِلْمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) ""أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة"" وروي عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب اللّه ما حدَّثت أحداً شيئاً { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. قال أبو العالية: { ويلعنهم اللاعنون} يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: (إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحِيتان في البحر)، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه اللّه والملائكة والناس أجمعون. ثم استثنى اللّه تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} أي رجعوا عمّا كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه { فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه، ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن { عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها} أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم { لا يخفف عنهم العذاب} فيها أي لا ينقص عمّا هم فيه { ولا هم ينظرون} أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم فنعوذ باللّه من ذلك. قال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه اللّه، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. فصل لا خلاف في جواز لعن الكفار، فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم اللّه له. وقالت طائفة أُخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره ابن العربي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام: (لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله) قاله عليه السلام في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده فقال رجل: لعنه اللّه ما أكثر ما يؤتى به..الحديث فدل على أن من لا يحب اللّه ورسوله يلعن، وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، واستدل بعضهم بالآية { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والله أعلم.

تفسير الجلالين

{ خالدين فيها } أي اللعنة والنار المدلول بها عليها { لا يخفف عنهم العذاب } طرفة عين { ولا هم ينظرون } يمهلون لتوبة أو معذرة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَالِدِينَ فِيهَا } إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : مَا الَّذِي نَصَبَ { خَالِدِينَ فِيهَا } ؟ قِيلَ : نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه } : أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعُونَ خَالِدِينَ فِيهَا . وَلِذَلِكَ قَرَأَ ذَلِكَ : " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعُونَ " مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ تَوْجِيهًا مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّة , فَغَيْر جَائِزَة الْقِرَاءَة بِهِ لِأَنَّهُ خِلَاف لِمَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْقِرَاءَة مُسْتَفِيضًا فِيهَا , فَغَيْر جَائِز الِاعْتِرَاض بِالشَّاذِّ مِنْ الْقَوْل عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَتْ حُجَّته بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض . وَأَمَّا الْهَاء وَالْأَلِف اللَّتَانِ فِي قَوْله : { فِيهَا } فَإِنَّهُمَا عَائِدَتَانِ عَلَى اللَّعْنَة , وَالْمُرَاد بِالْكَلَامِ مَا صَارَ إلَيْهِ الْكَافِر بِاللَّعْنَةِ مِنْ اللَّه وَمِنْ مَلَائِكَته وَمِنْ النَّاس وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ بِهَا نَار جَهَنَّم . وَأَجْرَى الْكَلَام عَلَى اللَّعْنَة وَالْمُرَاد بِهَا مَا صَارَ إلَيْهِ الْكَافِر كَمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . كَمَا : 1985 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : خَالِدِينَ فِي جَهَنَّم فِي اللَّعْنَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَالِدِينَ فِيهَا } إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : مَا الَّذِي نَصَبَ { خَالِدِينَ فِيهَا } ؟ قِيلَ : نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه } : أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعُونَ خَالِدِينَ فِيهَا . وَلِذَلِكَ قَرَأَ ذَلِكَ : " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعُونَ " مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ تَوْجِيهًا مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّة , فَغَيْر جَائِزَة الْقِرَاءَة بِهِ لِأَنَّهُ خِلَاف لِمَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْقِرَاءَة مُسْتَفِيضًا فِيهَا , فَغَيْر جَائِز الِاعْتِرَاض بِالشَّاذِّ مِنْ الْقَوْل عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَتْ حُجَّته بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض . وَأَمَّا الْهَاء وَالْأَلِف اللَّتَانِ فِي قَوْله : { فِيهَا } فَإِنَّهُمَا عَائِدَتَانِ عَلَى اللَّعْنَة , وَالْمُرَاد بِالْكَلَامِ مَا صَارَ إلَيْهِ الْكَافِر بِاللَّعْنَةِ مِنْ اللَّه وَمِنْ مَلَائِكَته وَمِنْ النَّاس وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ بِهَا نَار جَهَنَّم . وَأَجْرَى الْكَلَام عَلَى اللَّعْنَة وَالْمُرَاد بِهَا مَا صَارَ إلَيْهِ الْكَافِر كَمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . كَمَا : 1985 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : خَالِدِينَ فِي جَهَنَّم فِي اللَّعْنَة . ' وَأَمَّا قَوْله : { لَا يُخَفَّف عَنْهُمْ الْعَذَاب } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ دَوَام الْعَذَاب أَبَدًا مِنْ غَيْر تَوْقِيت وَلَا تَخْفِيف , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَار جَهَنَّم لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا } 35 36 وَكَمَا قَالَ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } 4 56 وَأَمَّا قَوْله : { لَا يُخَفَّف عَنْهُمْ الْعَذَاب } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ دَوَام الْعَذَاب أَبَدًا مِنْ غَيْر تَوْقِيت وَلَا تَخْفِيف , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَار جَهَنَّم لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا } 35 36 وَكَمَا قَالَ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } 4 56 ' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ بِمَعْذِرَةِ يَعْتَذِرُونَ . كَمَا : 1986 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } يَقُول : لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ , كَقَوْلِهِ : { هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } 77 35 : 36 وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ بِمَعْذِرَةِ يَعْتَذِرُونَ . كَمَا : 1986 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } يَقُول : لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ , كَقَوْلِهِ : { هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } 77 35 : 36 '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وهم كفار} الواو واو الحال. قال ابن العربي : قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه، لأن حاله عند الموافاة لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة : الموافاة على الكفر، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. قال ابن العربي : والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني). فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وانتصف بقوله : (عدد ما هجاني) ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف. وأضاف الهجو إلى الله تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. قلت : أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال علماؤنا : وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح لمن فعله، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشُرَّاب الخمر وأكلة الربا، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. الثانية: ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره، كان الكافر ميتا أو مجنونا. وقال قوم من السلف : إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر، فإنه لا يتأثر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت:25]، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم، لا على الأمر. وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا، لما روي عن النبي أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره : لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. قلت : خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي المعين، قال : وإنما قال عليه السلام : (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو عين أم لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه. وبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب). فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة، والله تعالى أعلم. قال ابن العربي : وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده). الثالثة: قوله تعالى { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} أي إبعادهم من رحمته وأصل اللعن : الطرد والإبعاد، وقد تقدم. فاللعنة من العباد الطرد، ومن الله العذاب. وقرأ الحسن البصري { والملائكة والناس أجمعون} بالرفع. وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون، كما تقول : كرهت قيام زيد وعمرو وخالد، لأن المعنى : كرهت أن قام زيد. وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف. فإن قيل : ليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل عن هذا ثلاثة أجوبة، أحدها : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل. الثاني : قال السدي : كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه. الثالث : قال أبو العالية : المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس، كما قال تعالى { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت : 25] ثم قال جل وعز: { خالدين فيها} يعني في اللعنة، أي في جزائها. وقيل : خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم { ولا هم ينظرون} أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات. و { خالدين} نصب على الحال من الهاء والميم في { عليهم} ، والعامل فيه الظرف من قوله { عليهم} لأن فيها معنى استقرار اللعنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 159 - 164

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة يأتي الحق في عذاب الكافرين ويتكلم عن النار عذابا وعن الزمان خلودا ثم يُصَعِّد الخلود بالأبدية، فنحن نعرف بذلك أن هناك عذاباً في النار، وخلوداً فيها، وأبدية. ولأن رحمة الله سبقت غضبه في التقنين العذابي، لم يذكر الخلود في النار أبداً إلا في سورة الجن، قال:
{  وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً }
[الجن:23]

ومادام فيه مقيد، فإن كل مطلق من التأبيد يُحمل عليه، وكون الحق لم يأت بكلمة " أبداً " عند ذكر العذاب، فهذا دليل على أن رحمته سبقت غضبه حتى في تقنين العذاب، وهناك إشكال يَرِدُ في سطحية الفهم فحين يقول الحق:
{  يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }
[هود: 105-108]

فإنّ الحق يتحدث عن يوم الحشر، وعن البشر شقيهم وسعيدهم، فالذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، ولنا أن نتخيل صورة التنفس داخل النار وسط جوها المكفهر باللهب. إن الإنسان يتنفس ليستروح بالهواء؛ فكيف يأخذه من النار؟. إن في ذلك عذاباً عظيماً. وأهل النار خالدون فيها مادامت السماوات والأرض. ويتساءل السطحيون " إن الله يضع الذين شقوا في النار مادامت السماوات والأرض، ويقول القول نفسه عن الذين سعدوا بالجنة " ونقول لهم: السماوات والأرض الآن؛ تختلف عن السماوات والأرض في الآخرة، إن السماوات والأرض في الدنيا هي أسباب ومعاش، أما في الآخرة فنحن لا نأكل بالأسباب، إنما بالمسبب، نحن نحيا في الآخرة بكلمة " كن " ، ولا نعيش بأسباب الحرث والزرع والمطر. إن الحق يبدل السماوات والأرض في اليوم الآخر، واقرأ إن شئت قول الحق:
{  يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ }
[إبراهيم:48]

ومن هذا القول نفهم أن المقصود هو السماوات والأرض المبدلة. ونلحظ أن الحق جاء في أمر خلود الأشقياء بالمشيئة فقال: { إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } ، فكأن خلود الأشقياء في النار تنقضه وتضع نهاية له مشيئة الله؛ لأن الأشقياء ليسوا هم الكفار فحسب، بل منهم بعض المؤمنين العصاة الأشقياء، وهؤلاء المؤمنون العصاة سيدخلون النار على قدر حظهم من المعاصي، وساعة تقوم الساعة ويأتي الجزاء يدخلون النار ويأخذون جزاءهم، لكن بعد أخذ الجزاء يخرجون، إذن، فسينتهي الخلود من آخر الزمن، فيكون المعنى: { إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن يستمروا في النار إلى وقت محدد.

أما بالنسبة للجنة. فالاستثناء يكون من البدء، لماذا؟ لأن المؤمن الذي عصى الله لن يدخل الجنة من البداية، وإنما سيقضي فترة في النار ثم يدخل الجنة، إذن فالخلود في الجنة بالنسبة له قد نقص من أوليته.أما الشقي فالخلود في النار نقص من آخريته، إذن { إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ }؛ تعني أن المؤمن العاصي لن يدخل الجنة من بدء الآخرة. إذن: " إلا " هنا جاء لاستثناء الزمن أوله بالنسبة للسعداء، أو استثناء الزمن من آخره بالنسبة للعصاة الأشقياء، ولذلك لا تجد تناقضا، ذلك التناقض الذي تصنعه سطحية الفهم.

أما قوله الحق: { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } فهو أن الإنسان عندما يعذب بشيء فإن تكرار العذاب عليه ربما يجعله يألف العذاب، لكن الواقع يقول: إن العذاب يشتد عليه، فالتخفيف لا علاقة له بالزمن، وقوله الحق: { وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ } نعرف منه أن الإنظار هو الإمهال، والمعنى أنهم لا يؤخرون عن عذابهم؛ أو لا ينظرون بمعنى لا ينظر إليهم. وهناك آية تفيد هذا المعنى في قوله تعالى:
{  وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ }
{ آل عمران: 77]

لأن النظر يعطي شيئا من الحنان، ولماذا قال: لا ينظرون؟. لأنك قد تتجه ناحيته فتنظره دون قصد، بتلقائية. ولكن النظرة لا تتجه عطفا عليه، وهو سبحانه لا ينظر إليهم أساسا، لأن النظرة قد توحي بلون من الشفقة، بذلك تكون لا يُنظرون؛ أي لا ينظر إليهم أبداً، فكأنهم أهملوا إهمالا تاماً.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ }


www.alro7.net