سورة
اية:

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم عن عمرو، قال قرأ ابن عباس: { طيبات كانت أحلت لهم } وهذا التحريم قد يكون قدرياً بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرَّفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم، فحرموها على أنفسهم تشديداً منهم على أنفسهم وتضييقاً وتنطعاً، ويحتمل أن يكون شرعياً بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: { كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} وقد قدمنا الكلام على هذه الآية وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالاً لهم، من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال في سورة الأنعام: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل اللّه كثيرا} ، أي صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقاً من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمداً صلوات اللّه وسلامه عليهما. وقوله تعالى: { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} ، أي أن اللّه قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: { وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} ثم قال تعالى: { لكن الراسخون في العلم منهم} أي الثابتون في الدين، لهم قدم راسخة في العلم النافع، { والمؤمنون} عطف على الرسخين، وخبره { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} قال ابن عباس: أنزلت في عبد اللّه بن سلام وثعلبة بن سعيه "" في نسخة الأميرية: تحريف في هذه الأسماء واعتمد في تصحيحها على ما في الإصابة وغيرها، وسعيه بفتح السين المهملة وسكون الياء التحتانية "" وأسد بن سعيه وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل اللّه به محمداً صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى: { والمقيمين الصلاة} هكذا، هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب ، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود { والمقيمون الصلاة} ، قال: والصحيح قراءة الجميع، رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب، ثم ذكر اختلاف الناس، فقال بعضهم: هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} ، قال وهذا سائغ في كلام العرب كما قال الشاعر: لا يبعدن قومي الذن همو ** أسد العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ** والطيبون معاقد الأزر وقال آخرون: هو مخفوض عطفاً على قوله: { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} يعني وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة التي يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم. وقوله: { والمؤتون الزكاة} يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين واللّه أعلم، { والمؤمنون بالله واليوم الآخر} أي يصدقون بأنه لا إله إلا اللّه ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وقوله: { أولئك} هو الخبر عما تقدم، { سنؤتيهم أجراً عظيماً} يعني الجنة.

تفسير الجلالين

{ وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه } في التوراة { وأكلهم أموال الناس بالباطل } بالرشا في الحكم { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } مؤلما .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَأَخْذهمْ الرِّبَا } وَهُوَ أَخْذهمْ مَا أَفْضَلُوا عَلَى رُءُوس أَمْوَالهمْ لِفَضْلِ تَأْخِير فِي الْأَجَل بَعْد مَحِلّهَا. وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الرِّبَا فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .وَقَوْله : { وَأَخْذهمْ الرِّبَا } وَهُوَ أَخْذهمْ مَا أَفْضَلُوا عَلَى رُءُوس أَمْوَالهمْ لِفَضْلِ تَأْخِير فِي الْأَجَل بَعْد مَحِلّهَا. وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الرِّبَا فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .' { وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } : يَعْنِي عَنْ أَخْذ الرِّبَا . { وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } : يَعْنِي عَنْ أَخْذ الرِّبَا .' وَقَوْله : { وَأَكْلهمْ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ } يَعْنِي : مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ الرِّشَا عَلَى الْحُكْم , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ فِي قَوْله : { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم وَالْعُدْوَان وَأَكْلهمْ السُّحْت لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 5 62 وَكَانَ مِنْ أَكْلهمْ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَثْمَان الْكُتُب الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ يَقُولُونَ : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَآكِل الْخَسِيسَة الْخَبِيثَة. فَعَاقَبَهُمْ اللَّه عَلَى جَمِيع ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الطَّيِّبَات الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ حَلَالًا قَبْل ذَلِكَ . وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَا أَكَلُوا مِنْ أَمْوَال النَّاس كَذَلِكَ بِالْبَاطِلِ بِأَنَّهُمْ أَكَلُوهُ بِغَيْرِ اِسْتِحْقَاق وَأَخَذُوا أَمْوَالهمْ مِنْهُمْ بِغَيْرِ اِسْتِيجَاب ,وَقَوْله : { وَأَكْلهمْ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ } يَعْنِي : مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ الرِّشَا عَلَى الْحُكْم , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ فِي قَوْله : { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم وَالْعُدْوَان وَأَكْلهمْ السُّحْت لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 5 62 وَكَانَ مِنْ أَكْلهمْ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَثْمَان الْكُتُب الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ يَقُولُونَ : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَآكِل الْخَسِيسَة الْخَبِيثَة. فَعَاقَبَهُمْ اللَّه عَلَى جَمِيع ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الطَّيِّبَات الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ حَلَالًا قَبْل ذَلِكَ . وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَا أَكَلُوا مِنْ أَمْوَال النَّاس كَذَلِكَ بِالْبَاطِلِ بِأَنَّهُمْ أَكَلُوهُ بِغَيْرِ اِسْتِحْقَاق وَأَخَذُوا أَمْوَالهمْ مِنْهُمْ بِغَيْرِ اِسْتِيجَاب ,' فَقَوْله : { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يَعْنِي : وَجَعَلْنَا لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الْعَذَاب الْأَلِيم , وَهُوَ الْمُوجِع مِنْ عَذَاب جَهَنَّم , عُدَّة يَصْلَوْنَهَا فِي الْآخِرَة , إِذَا وَرَدُوا عَلَى رَبّهمْ فَيُعَاقِبهُمْ بِهَا .فَقَوْله : { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يَعْنِي : وَجَعَلْنَا لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الْعَذَاب الْأَلِيم , وَهُوَ الْمُوجِع مِنْ عَذَاب جَهَنَّم , عُدَّة يَصْلَوْنَهَا فِي الْآخِرَة , إِذَا وَرَدُوا عَلَى رَبّهمْ فَيُعَاقِبهُمْ بِهَا .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { فبظلم من الذين هادوا} قال الزجاج : هذا بدل من { فبما نقضهم} . والطيبات ما نصه في قوله تعالى { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام : 146]. وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم. { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} أي وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده؛ وقد مضى في آل عمران أن اختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها. الثانية: قال ابن العربي : لا خلاف في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون، وقد بين الله في هذه الآية أنهم قد نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل؛ فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ونعمت، وإن كان خبرا عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم؛ فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة؛ قال الله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة : 5] وهذا نص؛ وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأمة على جواز التجارة مع أهل الحرب؛ وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم تاجرا، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم. فإن قيل : كان ذلك قبل النبوة؛ قلنا : إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام - ثبت ذلك تواترا - ولا اعتذر عنه إذ بعث، ولا منع منه إذ نبئ، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته، ولا أحد من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره؛ وقد يجب وقد يكون ندبا؛ فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فمباح.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 159 - 163

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }؟. الظلم معناه أن يحكم واحد لغير ذي الحق بحق، وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن الله شريكاً، ولذلك قال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13]

وحيثيات حكم الله بتحريم أشياء كانت حلالاً لبني إسرائيل متعددة. وحين يحرم الله شيئاً فمن المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلَّل؛ فالمحرم قليل، وبقية ما لم يذكره الله إنما يدخل في نطاق الحلال.

مثال ذلك قوله الحق:
{  قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
[الأنعام: 151-152]

يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة، أما النعم كلها فحلال. ومن هذا الأمر نفهم اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق، فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ولم يحرم إلا القليل. وتحريم القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها.

فإذا قال الإنسان: حرم الله هذا الشيء لأنه ضار نقول: ما تقوله جائز، ولكن ليس الضرر هو سبب الحكم لِكل المحرمات، فقد يحرم سبحانه أمراً لتأديب قوم ما. - ولله المثل الأعلى - نرى المسئول عن تربية أسرة قد يحرم على ولد فيها لوناً من الطعام أو جزءاً من مصروف اليد ويكون القصد من ذلك هو العقوبة.

ولماذا استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم؟. لقد جاءوا من خلف منهج الله وأحلوا لأنفسهم ما حرم الله. وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم الله فالحق يرد عليهم: لقد اجترأتم على ما حرمت فحللتموه، ومن حقي أن أحرم عليكم ما أحللت لكم من قبل ذلك، حتى لا يفهم الإنسان أنه بتحليله لنفسه ما حرم الله قد أخذ شيئاً من وراء الله فلا أحد يمكنه أن يغلب الله. ولذلك يحرم سبحانه عليه شيئاً من حلاله.

والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع، وإما تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة. نجد الرجل الذي أسرف على نفسه في تناول محرمات كالخمر - مثلاً - يحرم الله عليه أشياء كانت حلالاً له، ويقول له الطبيب: تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفاً كثيرة من الطعام والشراب. وهكذا نرى ظلم الإنسان لنفسه، وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت حلالاً له.ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلاً فأكَله فوق ما تدعو به الحاجة، نجد سنة الله الكونية تقول له: لقد أخذت أكثر من حقك. وعطلت في جسدك القدرة على حسن استخدام السكر فصرت مريضاً، إياك أن تتناول السكريات مرة أخرى. ويشتهي المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما، ولكنها محرمة عليه، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له: بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك.

وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة، ويقوم له الآخرون بطحن الغلال، ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من " النخالة " ، ويصنعون له الخبز الأبيض، ويأكله بينما الاتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة، فتقول له سنة الله: ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجاً لأمعائك لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق، فبظلم منك حرمنا ما أحل لك.

وعندما نَرى إنساناً قد حُرمَ من نعمة من نعم الله التي هي حلال له، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئاً حرمه الله عليه، أو أسرف في استعمال حق أحله الله له، ولا أحد منا يفلت من رقابة الله. إذن فالتحريم قد يكون بالتشريع، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع، وقد يكون تحريماً بالطبع والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس.

ولنقرأ دائماً هذه الآية: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً } وكذلك الذين يأخذون مالاً بالربا، لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم، لماذا تريدون المال؟. أتريدون المال لذات المال؛ أم لهدف آخر؟. صحيح أن المال رزق، لكنه رزق غير مباشر؛ لأنه يَشْتري به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان، وهي الرزق المباشر. وقلنا قديماً: هب أن إنساناً في صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع، بل يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب. والذي يزيد ماله بالربا، أيريد تلك الزيادة من أجل المتع؟. سبحانه يمحق ذلك المال ويُذهبه في كوارث.

ومن أراد أن يبقي له ما أحل الله إلى أن يأتي أجله فعليه ألا يبيح لنفسه أي شيء حرمه الله. وبذلك يظل متمتعاً بنعم الله عليه. فالحق هو القائل: { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }.

الإنسان - إذن - هو الذي يظلم نفسه مصداقاً لقوله الحق:
{  إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[يونس: 44]

وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم الله عليهم طيبات أُحِّلت لهم. ومن الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب؟.إنه الإنسان. ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟. لقد نقل حكم الشيء، فجعل الشيء الحرام شيئاً حلالاً. { فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً }.

كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله؟. لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا. بل أرادوا أيضاً إضلال غيرهم، وهذا هو مضمون الصد عن سبيل الله. وجعلهم هذا الأمر أصحابَ وزر آخر فوق أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار إضلال غيرهم.
{  لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }
[النحل: 25]

وقد يسمع متشكك هذا القول. فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضه فيقول:
{  وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }
[الأنعام: 164]

ونقول: إن لكل وزر طريقاً وحساباً، فالإنسان يحمل وزر ضلاله وحده إن لم يضل به أحداً غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل وزر هذا الإضلال.

ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم: { وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } ، وقد تعرضنا للربا من قبل. وقد أخذوا الرشوة، وهو أكل لمال الناس بالباطل؛ وكذلك السرقة، والغش في السلع، كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، وما أخذ بغير الحق فهو باطل، وأعد سبحانه لهم مسبقاً عذاباً اليماً. ولكل إنسان مقعدان: مقعد من الجنة إن قُدّر إيمانه، ومقعد من النار إن قُدّر كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، فقد خلق الله مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن كل الناس كافرون.

ولذلك يقول الحق:
{  ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
[المؤمنون: 11]

وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد الآخر الذي أعده للكافر؛ فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعدٌ في الجنة لو اختار الإيمان. وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه، وهو مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على الجَلَد أمام عذاب الله.

وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟. ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة برسول الله صلى الله عليه وسلم في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرِّة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل؟. كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه وتعالى التاريخ الصادق، فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول: { لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ... }


www.alro7.net