سورة
اية:

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخاطباً رسوله ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} أي بأي شيء جعلك اللّه لهم ليناً لولا رحمة اللّه بك وبهم، وقال قتادة: { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} يقول: فبرحمة من اللّه لنت لهم و { ما} صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله { فبما نقضهم ميثاقهم} ، وبالنكرة كقوله: { عما قليل} وهكذا ههنا. قال: { فبما رحمة من اللّه لنت لهم} أي برحمة من اللّه، وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه اللّه به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} ثم قال تعالى: { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} والفظ: الغليظ المراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك: { غليظ القلب} أي لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن اللّه جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد اللّه بن عمرو: إني أرى صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكتب المتقدمة (أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) ولهذا قال تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} ولذلك كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييباً لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول اللّه لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاروهم في أُحُد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدوّ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاروهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه السعدان، سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، فكان صلى اللّه عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. وروينا عن ابن عباس في قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر} قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين، وقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)، وروى ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن العزم؟ فقال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم)، وقال ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (المستشار مؤتمن) وقوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على اللّه} ، أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على اللّه فيه { إن اللّه يحب المتوكلين} ، وقوله تعالى: { إن ينصركم اللّه فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون} وهذه الآية كما تقدم من قوله: { وما النصر إلا من عند اللّه العزيز الحكيم} ، ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال: { وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون} ، وقوله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل} ، قال ابن عباس ومجاهد: ما ينبغي لنبي أن يخون، وقال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذها فأنزل اللّه: { وما كان لنبي أن يغلّ} أي يخون. وقال ابن جرير، عن ابن عباس أن هذه الآية: { وما كان لنبي أن يغل} نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول اللّه أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل اللّه: { وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ، وعنه قال: اتهم المنافقون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء فُقد، فأنزل اللّه تعالى: { وما كان لنبي أن يغل} وهذا تنزيه له صلوات اللّه وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنّة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة. قال الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (أعظم الغلول عند اللّه ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض - أو في الدار - فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة) حديث آخر: قال الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال) حديث آخر: قال ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى للّه عليه وسلم : (لأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء يقول: يا محمد يا محمد؟ فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغتك، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قسماً من أدم ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك) "أخرجه ابن جرير، قال ابن كثير: لم يروه أحد من أهل الكتب الستة" حديث آخر: قال الإمام أحمد: استعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المنبر، فقال: (ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت)؟ ثلاثاً حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: (أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} لهذا دعوتك فامض لعملك) "قال الترمذي: حديث حسن غريب" حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول اللّه أغثني، فأقول: لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك) أخرجه الشيخان. وقوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان اللّه كمن باء بسخط من اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير} أي لا يستوي من اتبع رضوان اللّه فيما شرعه فاستحق رضوان اللّه وجزيل ثوابه، ومن استحق غضب اللّه وألزمه به فلا محيد له عنه ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ، كقوله: { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} الآية. ثم قال تعالى: { هم درجات عند اللّه} قال الحسن البصري: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني متفاوتون في منازلهم، درجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا} الآية، ولهذا قال تعالى: { واللّه بصير بما يعملون} ، أي وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيراً ولا يزيدهم شراً، بل يجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: { قد من اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} الآية، وقال تعالى: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} ، وقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} ، وقال تعالى: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} ؟ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: { يتلو عليهم آياته} يعني القرآن { ويزكيهم} أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكوا نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، { ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني القرآن والسنّة، { وإن كانوا من قبل} أي من قبل هذا الرسول، { لفي ضلال مبين} أي لفي غي وجهل ظاهر جلي بيِّن لكل أحد.

تفسير الجلالين

ونزلت لما فقدت قطيفة حمراء يوم أحد فقال بعض الناس: لعل النبي أخذها: { وما كان } ما ينبغي { لنبي أن يّغُلَّ } يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك، وفي قراءة بالبناء للمفعول أن ينسب إلى الغلول { ومن يغلُل يأت بما غلَّ يوم القيامة } حاملا له على عنقه { ثم تُوفَّى كل نفس } الغال وغيره جزاء { ما كسبت } عملت { وهم لا يُظلمون } شيئا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } بِمَعْنَى : أَنْ يَخُون أَصْحَابه فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَال أَعْدَائِهِمْ . وَاحْتَجَّ بَعْض قَارِئِي هَذِهِ الْقِرَاءَة , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَطِيفَة فُقِدَتْ مِنْ مَغَانِم الْقَوْم يَوْم بَدْر , فَقَالَ بَعْض مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا . وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ رِوَايَات . فَمِنْهَا مَا : 6476 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : ثنا مِقْسَم , قَالَ : ثني اِبْن عَبَّاس , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } نَزَلَتْ فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , قَالَ : فَقَالَ بَعْض النَّاس : أَخَذَهَا ! قَالَ : فَأَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } 6477 - حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : سَأَلْت سَعِيد بْن جُبَيْر : كَيْفَ تَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } أَوَ يَغُلّ ؟ قَالَ : لَا , بَلْ يَغُلّ , فَقَدْ كَانَ النَّبِيّ وَاَللَّه يَغُلّ وَيَقْتُل . 6478 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حَبِيب بْن الشَّهِيد , قَالَ : ثنا عَتَّاب بْن بَشِير , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ فِي غَزْوَة بَدْر , فَقَالَ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى : فَلَعَلَّ النَّبِيّ أَخَذَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ سَعِيد : بَلْ وَاَللَّه إِنَّ النَّبِيّ لَيَغُلّ وَيَقْتُل . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا خَلَّاد , عَنْ زُهَيْر , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ قَطِيفَة فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , فَقَالُوا : أَخَذَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا زُهَيْر , قَالَ : ثنا خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَا : يَغُلّ , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة أَوْ غَيْره , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ قَطِيفَة فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , فَقَالُوا : أَخَذَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } 6479 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ 0 ثنا قَزَعَة بْن سُوَيْد الْبَاهِلِيّ , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ يَوْم بَدْر مِنْ الْغَنِيمَة . 6480 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سُلَيْمَان الْأَعْمَش , قَالَ : كَانَ اِبْن مَسْعُود يَقْرَأ : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ " فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بَلَى , وَيَقْتُل . قَالَ : فَذَكَرَ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَتْ فِي قَطِيفَة , قَالُوا : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَلَّهَا يَوْم بَدْر , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْغَيْن : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي طَلَائِع كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجْههمْ فِي وَجْه , ثُمَّ غَنِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَقْسِم لِلطَّلَائِع , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُعْلِمهُ فِيهَا أَنَّ فِعْله الَّذِي فَعَلَهُ خَطَأ , وَأَنَّ الْوَاجِب عَلَيْهِ فِي الْحُكْم أَنْ يَقْسِم لِلطَّلَائِعِ مِثْل مَا قَسَمَ لِغَيْرِهِمْ , وَيَعْرِفهُ الْوَاجِب عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْم فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْغَنَائِم , وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخُصّ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَة أَوْ مِمَّنْ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ فِي غَزْوهمْ دُون أَحَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6481 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْسِم لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُك طَائِفَة وَيَجُور فِي الْقَسْم , وَلَكِنْ يَقْسِم بِالْعَدْلِ , وَيَأْخُذ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّه , وَيَحْكُم فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه . يَقُول : مَا كَانَ اللَّه لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلّ مِنْ أَصْحَابه , فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اِسْتَنُّوا بِهِ . 6482 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : أَنْ يُعْطِي بَعْضًا , وَيَتْرُك بَعْضًا , إِذَا أَصَابَ مَغْنَمًا . 6483 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَائِع , فَغَنِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَقْسِم لِلطَّلَائِع , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } يَقُول : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْسِم لِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابه , وَيَتْرُك طَائِفَة , وَلَكِنْ يَعْدِل , وَيَأْخُذ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَيَحْكُم فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : مَا كَانَ لَهُ إِذَا أَصَابَ مَغْنَمًا أَنْ يَقْسِم لِبَعْضِ أَصْحَابه وَيَدَع بَعْضًا , وَلَكِنْ يَقْسِم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْغَيْن : إِنَّمَا أُنْزِلَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لِلنَّاسِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا يَكْتُم مِنْ وَحْي اللَّه شَيْئًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6484 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُم النَّاس مَا بَعَثَهُ اللَّه بِهِ إِلَيْهِمْ عَنْ رَهْبَة مِنْ النَّاس وَلَا رَغْبَة , وَمَنْ يَعْمَل ذَلِكَ يَأْتِ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة . فَتَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون غَالًّا , بِمَعْنَى : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَال الْأَنْبِيَاء خِيَانَة أُمَمهمْ . يُقَال مِنْهُ : غَلَّ الرَّجُل فَهُوَ يَغُلّ , إِذَا خَانَ , غُلُولًا , وَيُقَال أَيْضًا مِنْهُ : أَغَلَّ الرَّجُل فَهُوَ يُغِلّ إِغْلَالًا , كَمَا قَالَ شُرَيْح : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِير غَيْر الْمُغَلّ ضَمَان , يَعْنِي : غَيْر الْخَائِن ; وَيُقَال مِنْهُ : أَغَلَّ الْجَازِر : إِذَا سَرَقَ مِنْ اللَّحْم شَيْئًا مَعَ الْجِلْد . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6485 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } يَقُول : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُون , فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُون فَلَا تَخُونُوا . 6486 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : أَنْ يَخُون . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْغَيْن , وَهِيَ قِرَاءَة عُظْم قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه . ثُمَّ أَسْقَطَ الْأَصْحَاب , فَبَقِيَ الْفِعْل غَيْر مُسَمَّى فَاعِله ; وَتَأْوِيله : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6487 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْف , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ عَوْف : قَالَ الْحَسَن : أَنْ يُخَان . 6488 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " يَقُول : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه الَّذِينَ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر , وَقَدْ غَلَّ طَوَائِف مِنْ أَصْحَابه . 6489 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ : أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه . 6490 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس , يَقُول : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه الَّذِينَ مَعَهُ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر , وَقَدْ غَلَّ طَوَائِف مِنْ أَصْحَابه . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُتَّهَم بِالْغُلُولِ فَيَخُون وَيَسْرِق . وَكَأَنَّ مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهُوا قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " إِلَى أَنَّهُ مُرَاد بِهِ يُغَلَّل , ثُمَّ خُفِّفَتْ الْعَيْن مِنْ يُفَعَّل فَصَارَتْ يُفْعَل , كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ قَوْله : " فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِبُونَك " 6 33 بِتَأَوُّلِ يُكَذِّبُونَك . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } بِمَعْنَى : مَا الْغُلُول مِنْ صِفَات الْأَنْبِيَاء , وَلَا يَكُون نَبِيًّا مَنْ غَلَّ . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْعَدَ عَقِيبَ قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } أَهْل الْغُلُول , فَقَالَ : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } . .. الْآيَة , وَاَلَّتِي بَعْدهَا , فَكَانَ فِي وَعِيده عَقِيبَ ذَلِكَ أَهْل الْغُلُول , الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى بِذَلِكَ عَنْ الْغُلُول , وَأَخْبَرَ عِبَاده أَنَّ الْغُلُول لَيْسَ مِنْ صِفَات أَنْبِيَائِهِ بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِنَّمَا نَهَى بِذَلِكَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّهِمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُلُولِ , لَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى التُّهْمَة , وَسُوء الظَّنّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول , وَفِي تَعْقِيبه ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول بَيَان بَيِّن , أَنَّهُ إِنَّمَا عَرَّفَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهمْ مِنْ عِبَاده أَنَّ الْغُلُول مُنْتَفٍ مِنْ صِفَة الْأَنْبِيَاء وَأَخْلَاقهمْ , لِأَنَّ ذَلِكَ جُرْم عَظِيم , وَالْأَنْبِيَاء لَا تَأْتِي مِثْله . فَإِنْ قَالَ قَائِل مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : فَأَوْلَى مِنْهُ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونهُ أَصْحَابه إِنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْت , وَلَمْ يُعَقِّب اللَّه قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } إِلَّا بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول , وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ الْحُكْم بِالصِّحَّةِ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " يُغَلّ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْغَيْن , لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه , فَيَخُونُوهُ فِي الْغَنَائِم ; قِيلَ لَهُ : أَفَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَغُلُّوا غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَخُونُوهُ , حَتَّى خُصُّوا بِالنَّهْيِ عَنْ خِيَانَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ قَالُوا : نَعَمْ , خَرَجُوا مِنْ قَوْل أَهْل الْإِسْلَام , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يُبِحْ خِيَانَة أَحَد فِي قَوْل أَحَد مِنْ أَهْل الْإِسْلَام قَطُّ . إِنْ قَالَ قَائِل : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ فِي نَبِيّ وَلَا غَيْره ؟ قِيلَ : فَمَا وَجْه خُصُوصهمْ إِذَا بِالنَّهْيِ عَنْ خِيَانَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغُلُوله وَغُلُول بَعْض الْيَهُود , بِمَنْزِلَةٍ فِيمَا حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْغَالّ مِنْ أَمْوَالهمَا , وَمَا يَلْزَم الْمُؤْمِن مِنْ أَدَاء الْأَمَانَة إِلَيْهِمَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُون الْغُلُول وَالْخِيَانَة مِنْ صِفَات أَنْبِيَائِهِ , نَاهِيًا بِذَلِكَ عِبَاده عَنْ الْغُلُول , وَآمِرًا لَهُمْ 0 بِالِاسْتِنَانِ بِمِنْهَاجِ نَبِيّهمْ , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ رِوَايَة عَطِيَّة ثُمَّ عَقَّبَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ الْغُلُول بِالْوَعِيدِ عَلَيْهِ , فَقَالَ : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } ... الْآيَتَيْنِ مَعًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } بِمَعْنَى : أَنْ يَخُون أَصْحَابه فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَال أَعْدَائِهِمْ . وَاحْتَجَّ بَعْض قَارِئِي هَذِهِ الْقِرَاءَة , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَطِيفَة فُقِدَتْ مِنْ مَغَانِم الْقَوْم يَوْم بَدْر , فَقَالَ بَعْض مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا . وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ رِوَايَات . فَمِنْهَا مَا : 6476 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : ثنا مِقْسَم , قَالَ : ثني اِبْن عَبَّاس , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } نَزَلَتْ فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , قَالَ : فَقَالَ بَعْض النَّاس : أَخَذَهَا ! قَالَ : فَأَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } 6477 - حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : سَأَلْت سَعِيد بْن جُبَيْر : كَيْفَ تَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } أَوَ يَغُلّ ؟ قَالَ : لَا , بَلْ يَغُلّ , فَقَدْ كَانَ النَّبِيّ وَاَللَّه يَغُلّ وَيَقْتُل . 6478 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حَبِيب بْن الشَّهِيد , قَالَ : ثنا عَتَّاب بْن بَشِير , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ فِي غَزْوَة بَدْر , فَقَالَ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى : فَلَعَلَّ النَّبِيّ أَخَذَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ سَعِيد : بَلْ وَاَللَّه إِنَّ النَّبِيّ لَيَغُلّ وَيَقْتُل . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا خَلَّاد , عَنْ زُهَيْر , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ قَطِيفَة فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , فَقَالُوا : أَخَذَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا زُهَيْر , قَالَ : ثنا خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَا : يَغُلّ , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة أَوْ غَيْره , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ قَطِيفَة فُقِدَتْ يَوْم بَدْر , فَقَالُوا : أَخَذَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } 6479 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ 0 ثنا قَزَعَة بْن سُوَيْد الْبَاهِلِيّ , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } فِي قَطِيفَة حَمْرَاء فُقِدَتْ يَوْم بَدْر مِنْ الْغَنِيمَة . 6480 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سُلَيْمَان الْأَعْمَش , قَالَ : كَانَ اِبْن مَسْعُود يَقْرَأ : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ " فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بَلَى , وَيَقْتُل . قَالَ : فَذَكَرَ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَتْ فِي قَطِيفَة , قَالُوا : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَلَّهَا يَوْم بَدْر , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْغَيْن : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي طَلَائِع كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجْههمْ فِي وَجْه , ثُمَّ غَنِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَقْسِم لِلطَّلَائِع , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُعْلِمهُ فِيهَا أَنَّ فِعْله الَّذِي فَعَلَهُ خَطَأ , وَأَنَّ الْوَاجِب عَلَيْهِ فِي الْحُكْم أَنْ يَقْسِم لِلطَّلَائِعِ مِثْل مَا قَسَمَ لِغَيْرِهِمْ , وَيَعْرِفهُ الْوَاجِب عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْم فِيمَا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْغَنَائِم , وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخُصّ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَة أَوْ مِمَّنْ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ فِي غَزْوهمْ دُون أَحَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6481 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْسِم لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُك طَائِفَة وَيَجُور فِي الْقَسْم , وَلَكِنْ يَقْسِم بِالْعَدْلِ , وَيَأْخُذ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّه , وَيَحْكُم فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه . يَقُول : مَا كَانَ اللَّه لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلّ مِنْ أَصْحَابه , فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , اِسْتَنُّوا بِهِ . 6482 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : أَنْ يُعْطِي بَعْضًا , وَيَتْرُك بَعْضًا , إِذَا أَصَابَ مَغْنَمًا . 6483 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَائِع , فَغَنِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَقْسِم لِلطَّلَائِع , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } يَقُول : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْسِم لِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابه , وَيَتْرُك طَائِفَة , وَلَكِنْ يَعْدِل , وَيَأْخُذ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَيَحْكُم فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : مَا كَانَ لَهُ إِذَا أَصَابَ مَغْنَمًا أَنْ يَقْسِم لِبَعْضِ أَصْحَابه وَيَدَع بَعْضًا , وَلَكِنْ يَقْسِم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْغَيْن : إِنَّمَا أُنْزِلَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لِلنَّاسِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا يَكْتُم مِنْ وَحْي اللَّه شَيْئًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6484 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُم النَّاس مَا بَعَثَهُ اللَّه بِهِ إِلَيْهِمْ عَنْ رَهْبَة مِنْ النَّاس وَلَا رَغْبَة , وَمَنْ يَعْمَل ذَلِكَ يَأْتِ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة . فَتَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون غَالًّا , بِمَعْنَى : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَال الْأَنْبِيَاء خِيَانَة أُمَمهمْ . يُقَال مِنْهُ : غَلَّ الرَّجُل فَهُوَ يَغُلّ , إِذَا خَانَ , غُلُولًا , وَيُقَال أَيْضًا مِنْهُ : أَغَلَّ الرَّجُل فَهُوَ يُغِلّ إِغْلَالًا , كَمَا قَالَ شُرَيْح : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِير غَيْر الْمُغَلّ ضَمَان , يَعْنِي : غَيْر الْخَائِن ; وَيُقَال مِنْهُ : أَغَلَّ الْجَازِر : إِذَا سَرَقَ مِنْ اللَّحْم شَيْئًا مَعَ الْجِلْد . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6485 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } يَقُول : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُون , فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُون فَلَا تَخُونُوا . 6486 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } قَالَ : أَنْ يَخُون . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْغَيْن , وَهِيَ قِرَاءَة عُظْم قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه . ثُمَّ أَسْقَطَ الْأَصْحَاب , فَبَقِيَ الْفِعْل غَيْر مُسَمَّى فَاعِله ; وَتَأْوِيله : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6487 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْف , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ عَوْف : قَالَ الْحَسَن : أَنْ يُخَان . 6488 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " يَقُول : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه الَّذِينَ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر , وَقَدْ غَلَّ طَوَائِف مِنْ أَصْحَابه . 6489 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ : أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه . 6490 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس , يَقُول : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه الَّذِينَ مَعَهُ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر , وَقَدْ غَلَّ طَوَائِف مِنْ أَصْحَابه . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُتَّهَم بِالْغُلُولِ فَيَخُون وَيَسْرِق . وَكَأَنَّ مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهُوا قَوْله : " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلّ " إِلَى أَنَّهُ مُرَاد بِهِ يُغَلَّل , ثُمَّ خُفِّفَتْ الْعَيْن مِنْ يُفَعَّل فَصَارَتْ يُفْعَل , كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ قَوْله : " فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِبُونَك " 6 33 بِتَأَوُّلِ يُكَذِّبُونَك . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } بِمَعْنَى : مَا الْغُلُول مِنْ صِفَات الْأَنْبِيَاء , وَلَا يَكُون نَبِيًّا مَنْ غَلَّ . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْعَدَ عَقِيبَ قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } أَهْل الْغُلُول , فَقَالَ : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } . .. الْآيَة , وَاَلَّتِي بَعْدهَا , فَكَانَ فِي وَعِيده عَقِيبَ ذَلِكَ أَهْل الْغُلُول , الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى بِذَلِكَ عَنْ الْغُلُول , وَأَخْبَرَ عِبَاده أَنَّ الْغُلُول لَيْسَ مِنْ صِفَات أَنْبِيَائِهِ بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِنَّمَا نَهَى بِذَلِكَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّهِمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُلُولِ , لَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى التُّهْمَة , وَسُوء الظَّنّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول , وَفِي تَعْقِيبه ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول بَيَان بَيِّن , أَنَّهُ إِنَّمَا عَرَّفَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهمْ مِنْ عِبَاده أَنَّ الْغُلُول مُنْتَفٍ مِنْ صِفَة الْأَنْبِيَاء وَأَخْلَاقهمْ , لِأَنَّ ذَلِكَ جُرْم عَظِيم , وَالْأَنْبِيَاء لَا تَأْتِي مِثْله . فَإِنْ قَالَ قَائِل مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : فَأَوْلَى مِنْهُ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونهُ أَصْحَابه إِنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْت , وَلَمْ يُعَقِّب اللَّه قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ } إِلَّا بِالْوَعِيدِ عَلَى الْغُلُول , وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ الْحُكْم بِالصِّحَّةِ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " يُغَلّ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْغَيْن , لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَغُلّهُ أَصْحَابه , فَيَخُونُوهُ فِي الْغَنَائِم ; قِيلَ لَهُ : أَفَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَغُلُّوا غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَخُونُوهُ , حَتَّى خُصُّوا بِالنَّهْيِ عَنْ خِيَانَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ قَالُوا : نَعَمْ , خَرَجُوا مِنْ قَوْل أَهْل الْإِسْلَام , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يُبِحْ خِيَانَة أَحَد فِي قَوْل أَحَد مِنْ أَهْل الْإِسْلَام قَطُّ . إِنْ قَالَ قَائِل : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ فِي نَبِيّ وَلَا غَيْره ؟ قِيلَ : فَمَا وَجْه خُصُوصهمْ إِذَا بِالنَّهْيِ عَنْ خِيَانَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغُلُوله وَغُلُول بَعْض الْيَهُود , بِمَنْزِلَةٍ فِيمَا حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْغَالّ مِنْ أَمْوَالهمَا , وَمَا يَلْزَم الْمُؤْمِن مِنْ أَدَاء الْأَمَانَة إِلَيْهِمَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُون الْغُلُول وَالْخِيَانَة مِنْ صِفَات أَنْبِيَائِهِ , نَاهِيًا بِذَلِكَ عِبَاده عَنْ الْغُلُول , وَآمِرًا لَهُمْ 0 بِالِاسْتِنَانِ بِمِنْهَاجِ نَبِيّهمْ , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ رِوَايَة عَطِيَّة ثُمَّ عَقَّبَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ الْغُلُول بِالْوَعِيدِ عَلَيْهِ , فَقَالَ : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } ... الْآيَتَيْنِ مَعًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَخُنْ مِنْ غَنَائِم الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا , وَفَيْئِهِمْ , وَغَيْر ذَلِكَ , يَأْتِ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فِي الْمَحْشَر . كَمَا : 6491 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَبِي حَيَّان , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا , فَوَعَظَ وَذَكَّرَ , ثُمَّ قَالَ : " أَلَا عَسَى رَجُل مِنْ مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته شَاة لَهَا ثُغَاء , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا , قَدْ أَبْلَغْتُك أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته فَرَس لَهَا حَمْحَمَة , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك . أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته صَامِت , فَيَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك . أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته بَقَرَة لَهَا خُوَار , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته رِقَاع تَخْفِق , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ أَبَى زُرْعَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْل هَذَا , زَادَ فِيهِ : " عَلَى رَقَبَته بَعِير لَهُ رُغَاء , لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ عَلَى رَقَبَته نَفْس لَهَا صِيَاح " . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَبُو حَيَّان , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ عَمْرو بْن جَرِير , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا يَوْمًا , فَذَكَرَ الْغُلُول , فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْره , فَقَالَ : " لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته بَعِير لَهُ رُغَاء , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي كُرَيْب , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن . 6492 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن بِشْر , عَنْ يَعْقُوب الْقُمِّيّ , قَالَ : ثنا حَفْص بْن حُمَيْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل شَاة لَهَا ثُغَاء , يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل جَمَلًا لَا رُغَاء , يَقُول : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَة , يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل قِشْعًا مِنْ أَدَم يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك " . 6493 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَان , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ أَبِي حُمَيْد , قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا , فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِير , قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَقْبِضهُ مِنْهُ ; فَلَمَّا أَتَوْهُ , جَعَلَ يَقُول : هَذَا لِي , وَهَذَا لَكُمْ ; قَالَ : فَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ قَالَ : أُهْدِيَ إِلَيَّ , فَأَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ , فَخَرَجَ فَخَطَبَ , فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس , مَا بَالِي أَبْعَث قَوْمًا إِلَى الصَّدَقَة , فَيَجِيء أَحَدهمْ بِالسَّوَادِ الْكَثِير , فَإِذَا بَعَثْت مَنْ يَقْبِضهُ قَالَ : هَذَا لِي , وَهَذَا لَكُمْ ! فَإِنْ كَانَ صَادِقًا أَفَلَا أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ فِي بَيْت أَبِيهِ , أَوْ فِي بَيْت أُمّه ؟ " ثُمَّ قَالَ : " أَيّهَا النَّاس , مَنْ بَعَثْنَاهُ عَلَى عَمَل فَغَلَّ شَيْئًا , جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه يَحْمِلهُ , فَاتَّقُوا اللَّه أَنْ يَأْتِي أَحَدكُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه بَعِير لَهُ رُغَاء , أَوْ بَقَرَة تَخُور , أَوْ شَاة تَثْغُو " . 6494 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة وَابْن نُمَيْر وَعَبْدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ , قَالَ : اِسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْد , يُقَال لَهُ اِبْن الْأُتْبِيَّة عَلَى صَدَقَات بَنِي سُلَيْم ; فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ , وَهَذَا هَدِيَّة أُهْدِيَتْ لِي . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفَلَا يَجْلِس أَحَدكُمْ فِي بَيْته فَتَأْتِيه هَدِيَّتُهُ ! " ثُمَّ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْد فَإِنِّي أَسْتَعْمِل رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُور مِمَّا وَلَّانِي اللَّه , فَيَقُول أَحَدهمْ : هَذَا الَّذِي لَكُمْ , وَهَذَا هَدِيَّة أُهْدِيَتْ إِلَيَّ أَفَلَا يَجْلِس فِي بَيْت أَبِيهِ أَوْ بَيْت أُمّه فَتَأْتِيه هَدِيَّته ! وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَا يَأْخُذ أَحَدكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِلهُ عَلَى عُنُقه , فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ رَجُل يَحْمِل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء , أَوْ بَقَرَة لَهَا خُوَار , أَوْ شَاة تَثْغُو " . ثُمَّ رَفَعَ يَده فَقَالَ : " أَلَا هَلْ بَلَّغْت " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي حُمَيْد , حَدَّثَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : " أَفَلَا جَلَسْت فِي بَيْت أَبِيك وَأُمّك حَتَّى تَأْتِيك هَدِيَّتك ؟ " ثُمَّ رَفَعَ يَده حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُر إِلَى بَيَاض إِبْطَيْهِ , ثُمَّ قَالَ " اللَّهُمَّ بَلَّغْت " قَالَ أَبُو حُمَيْد : بَصُرَ عَيْنِي , وَسَمِعَ أُذُنِي . 6495 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمِّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ مُوسَى بْن جُبَيْر , حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحُبَاب الْأَنْصَارِيّ , حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس حَدَّثَهُ : أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُمَر يَوْمًا الصَّدَقَة , فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين ذَكَرَ غُلُول الصَّدَقَة : " مَنْ غَلَّ مِنْهَا بَعِيرًا أَوْ شَاة فَإِنَّهُ يَحْمِلهُ يَوْم الْقِيَامَة " ؟ قَالَ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس : بَلَى . * - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَعْد بْن عُبَادَة مُصَدِّقًا , فَقَالَ : " إِيَّاكَ يَا سَعْد أَنْ تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة بِبَعِيرٍ تَحْمِلهُ لَهُ رُغَاء ! " قَالَ : لَا آخُذهُ وَلَا أَجِئْ بِهِ فَأَعْفَاهُ . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ أَبُو حُمَيْد , قَالَ : ثنا الرَّبِيع بْن رَوْح , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن حَفْص , عَنْ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ سَعْد بْن عُبَادَة , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِيَّاكَ يَا سَعْد أَنْ تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة تَحْمِل عَلَى عُنُقك بَعِيرًا لَهُ رُغَاء ! " فَقَالَ سَعْد : فَإِنْ فَعَلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ ذَلِكَ لَكَائِن ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ سَعْد : قَدْ عَلِمْت يَا رَسُول اللَّه أَنِّي أُسْأَل فَأُعْطِي , فَأَعْفِنِي ! فَأَعْفَاهُ . 6496 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا زَيْد بْن حِبَّان , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث , قَالَ : ثني جَدِّي عُبَيْد بْن أَبِي عُبَيْد , وَكَانَ أَوَّل مَوْلُود بِالْمَدِينَةِ , قَالَ : اُسْتُعْمِلْت عَلَى صَدَقَة دَوْس , فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَة فِي الْيَوْم الَّذِي خَرَجْت فِيهِ , فَسَلَّمَ , فَخَرَجْت إِلَيْهِ , فَسَلَّمْت عَلَيْهِ , فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَعِير ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَقَر ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْغَنَم ؟ ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت حِبِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَخَذَ بَعِيرًا بِغَيْرِ حَقّه جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَهُ رُغَاء , وَمَنْ أَخَذَ بَقَرَة بِغَيْرِ حَقّهَا جَاءَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة لَهَا خُوَار , وَمَنْ أَخَذَ شَاة بِغَيْرِ حَقّهَا جَاءَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه لَهَا ثُغَاء فَإِيَّاكَ وَالْبَقَر فَإِنَّهَا أَحَدُّ قُرُونًا وَأَشَدُّ أَظْلَافًا ! " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثني مُحَمَّد , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث , عَنْ جَدّه عُبَيْد بْن أَبِي عُبَيْد , قَالَ : اُسْتُعْمِلْت عَلَى صَدَقَة دَوْس ; فَلَمَّا قَضَيْت الْعَمَل قَدِمْت , فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَة فَسَلَّمَ عَلَيَّ , فَقَالَ : أَخْبِرْنِي كَيْفَ أَنْتَ وَالْإِبِل ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيثه عَنْ زَيْد , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه لَهُ رُغَاء " . 6497 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } قَالَ قَتَادَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا , بَعَثَ مُنَادِيًا : " أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل مِخْيَطًا فَمَا دُونه ! أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل بَعِيرًا فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْره يَوْم الْقِيَامَة لَهُ رُغَاء ! أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل فَرَسًا , فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْره يَوْم الْقِيَامَة لَهُ حَمْحَمَة ! " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَخُنْ مِنْ غَنَائِم الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا , وَفَيْئِهِمْ , وَغَيْر ذَلِكَ , يَأْتِ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فِي الْمَحْشَر . كَمَا : 6491 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَبِي حَيَّان , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا , فَوَعَظَ وَذَكَّرَ , ثُمَّ قَالَ : " أَلَا عَسَى رَجُل مِنْ مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته شَاة لَهَا ثُغَاء , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا , قَدْ أَبْلَغْتُك أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته فَرَس لَهَا حَمْحَمَة , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك . أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته صَامِت , فَيَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك . أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته بَقَرَة لَهَا خُوَار , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك أَلَا هَلْ عَسَى رَجُل مِنْكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته رِقَاع تَخْفِق , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي , فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ أَبَى زُرْعَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْل هَذَا , زَادَ فِيهِ : " عَلَى رَقَبَته بَعِير لَهُ رُغَاء , لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ عَلَى رَقَبَته نَفْس لَهَا صِيَاح " . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَبُو حَيَّان , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ عَمْرو بْن جَرِير , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا يَوْمًا , فَذَكَرَ الْغُلُول , فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْره , فَقَالَ : " لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدكُمْ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَقَبَته بَعِير لَهُ رُغَاء , يَقُول : يَا رَسُول اللَّه أَغِثْنِي " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي كُرَيْب , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن . 6492 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن بِشْر , عَنْ يَعْقُوب الْقُمِّيّ , قَالَ : ثنا حَفْص بْن حُمَيْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل شَاة لَهَا ثُغَاء , يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل جَمَلًا لَا رُغَاء , يَقُول : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَة , يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدكُمْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِل قِشْعًا مِنْ أَدَم يُنَادِي : يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد ! فَأَقُول : لَا أَمْلِك لَك مِنْ اللَّه شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُك " . 6493 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَان , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ أَبِي حُمَيْد , قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا , فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِير , قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَقْبِضهُ مِنْهُ ; فَلَمَّا أَتَوْهُ , جَعَلَ يَقُول : هَذَا لِي , وَهَذَا لَكُمْ ; قَالَ : فَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ قَالَ : أُهْدِيَ إِلَيَّ , فَأَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ , فَخَرَجَ فَخَطَبَ , فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس , مَا بَالِي أَبْعَث قَوْمًا إِلَى الصَّدَقَة , فَيَجِيء أَحَدهمْ بِالسَّوَادِ الْكَثِير , فَإِذَا بَعَثْت مَنْ يَقْبِضهُ قَالَ : هَذَا لِي , وَهَذَا لَكُمْ ! فَإِنْ كَانَ صَادِقًا أَفَلَا أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ فِي بَيْت أَبِيهِ , أَوْ فِي بَيْت أُمّه ؟ " ثُمَّ قَالَ : " أَيّهَا النَّاس , مَنْ بَعَثْنَاهُ عَلَى عَمَل فَغَلَّ شَيْئًا , جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه يَحْمِلهُ , فَاتَّقُوا اللَّه أَنْ يَأْتِي أَحَدكُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه بَعِير لَهُ رُغَاء , أَوْ بَقَرَة تَخُور , أَوْ شَاة تَثْغُو " . 6494 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة وَابْن نُمَيْر وَعَبْدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ , قَالَ : اِسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْد , يُقَال لَهُ اِبْن الْأُتْبِيَّة عَلَى صَدَقَات بَنِي سُلَيْم ; فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ , وَهَذَا هَدِيَّة أُهْدِيَتْ لِي . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفَلَا يَجْلِس أَحَدكُمْ فِي بَيْته فَتَأْتِيه هَدِيَّتُهُ ! " ثُمَّ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْد فَإِنِّي أَسْتَعْمِل رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُور مِمَّا وَلَّانِي اللَّه , فَيَقُول أَحَدهمْ : هَذَا الَّذِي لَكُمْ , وَهَذَا هَدِيَّة أُهْدِيَتْ إِلَيَّ أَفَلَا يَجْلِس فِي بَيْت أَبِيهِ أَوْ بَيْت أُمّه فَتَأْتِيه هَدِيَّته ! وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَا يَأْخُذ أَحَدكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِلهُ عَلَى عُنُقه , فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ رَجُل يَحْمِل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء , أَوْ بَقَرَة لَهَا خُوَار , أَوْ شَاة تَثْغُو " . ثُمَّ رَفَعَ يَده فَقَالَ : " أَلَا هَلْ بَلَّغْت " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي حُمَيْد , حَدَّثَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث , قَالَ : " أَفَلَا جَلَسْت فِي بَيْت أَبِيك وَأُمّك حَتَّى تَأْتِيك هَدِيَّتك ؟ " ثُمَّ رَفَعَ يَده حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُر إِلَى بَيَاض إِبْطَيْهِ , ثُمَّ قَالَ " اللَّهُمَّ بَلَّغْت " قَالَ أَبُو حُمَيْد : بَصُرَ عَيْنِي , وَسَمِعَ أُذُنِي . 6495 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمِّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ مُوسَى بْن جُبَيْر , حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحُبَاب الْأَنْصَارِيّ , حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس حَدَّثَهُ : أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُمَر يَوْمًا الصَّدَقَة , فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين ذَكَرَ غُلُول الصَّدَقَة : " مَنْ غَلَّ مِنْهَا بَعِيرًا أَوْ شَاة فَإِنَّهُ يَحْمِلهُ يَوْم الْقِيَامَة " ؟ قَالَ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس : بَلَى . * - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ , عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَعْد بْن عُبَادَة مُصَدِّقًا , فَقَالَ : " إِيَّاكَ يَا سَعْد أَنْ تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة بِبَعِيرٍ تَحْمِلهُ لَهُ رُغَاء ! " قَالَ : لَا آخُذهُ وَلَا أَجِئْ بِهِ فَأَعْفَاهُ . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ أَبُو حُمَيْد , قَالَ : ثنا الرَّبِيع بْن رَوْح , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن حَفْص , عَنْ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَ سَعْد بْن عُبَادَة , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِيَّاكَ يَا سَعْد أَنْ تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة تَحْمِل عَلَى عُنُقك بَعِيرًا لَهُ رُغَاء ! " فَقَالَ سَعْد : فَإِنْ فَعَلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ ذَلِكَ لَكَائِن ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ سَعْد : قَدْ عَلِمْت يَا رَسُول اللَّه أَنِّي أُسْأَل فَأُعْطِي , فَأَعْفِنِي ! فَأَعْفَاهُ . 6496 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا زَيْد بْن حِبَّان , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث , قَالَ : ثني جَدِّي عُبَيْد بْن أَبِي عُبَيْد , وَكَانَ أَوَّل مَوْلُود بِالْمَدِينَةِ , قَالَ : اُسْتُعْمِلْت عَلَى صَدَقَة دَوْس , فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَة فِي الْيَوْم الَّذِي خَرَجْت فِيهِ , فَسَلَّمَ , فَخَرَجْت إِلَيْهِ , فَسَلَّمْت عَلَيْهِ , فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَعِير ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَقَر ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْغَنَم ؟ ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت حِبِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أَخَذَ بَعِيرًا بِغَيْرِ حَقّه جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَهُ رُغَاء , وَمَنْ أَخَذَ بَقَرَة بِغَيْرِ حَقّهَا جَاءَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة لَهَا خُوَار , وَمَنْ أَخَذَ شَاة بِغَيْرِ حَقّهَا جَاءَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه لَهَا ثُغَاء فَإِيَّاكَ وَالْبَقَر فَإِنَّهَا أَحَدُّ قُرُونًا وَأَشَدُّ أَظْلَافًا ! " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثني مُحَمَّد , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث , عَنْ جَدّه عُبَيْد بْن أَبِي عُبَيْد , قَالَ : اُسْتُعْمِلْت عَلَى صَدَقَة دَوْس ; فَلَمَّا قَضَيْت الْعَمَل قَدِمْت , فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَة فَسَلَّمَ عَلَيَّ , فَقَالَ : أَخْبِرْنِي كَيْفَ أَنْتَ وَالْإِبِل ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيثه عَنْ زَيْد , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى عُنُقه لَهُ رُغَاء " . 6497 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة } قَالَ قَتَادَة : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا , بَعَثَ مُنَادِيًا : " أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل مِخْيَطًا فَمَا دُونه ! أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل بَعِيرًا فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْره يَوْم الْقِيَامَة لَهُ رُغَاء ! أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُل فَرَسًا , فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْره يَوْم الْقِيَامَة لَهُ حَمْحَمَة ! " . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس } ثُمَّ تُعْطَى كُلّ نَفْس جَزَاء مَا كَسَبَتْ بِكَسْبِهَا وَافِيًا غَيْر مَنْقُوص مَا اِسْتَحَقَّهُ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ ذَلِكَ : { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَقُول : لَا يَفْعَل بِهِمْ إِلَّا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل بِهِمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِمْ , فَيُنْقَصُوا عَمَّا اِسْتَحَقُّوهُ . كَمَا : 6498 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ثُمَّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ غَيْر مَظْلُوم وَلَا مُعْتَدَى عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس } ثُمَّ تُعْطَى كُلّ نَفْس جَزَاء مَا كَسَبَتْ بِكَسْبِهَا وَافِيًا غَيْر مَنْقُوص مَا اِسْتَحَقَّهُ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ ذَلِكَ : { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَقُول : لَا يَفْعَل بِهِمْ إِلَّا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل بِهِمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِمْ , فَيُنْقَصُوا عَمَّا اِسْتَحَقُّوهُ . كَمَا : 6498 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ثُمَّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ غَيْر مَظْلُوم وَلَا مُعْتَدَى عَلَيْهِ . '

تفسير القرطبي

فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: لما أخل الرماة يوم أحد بمراكزهم - على ما تقدم - خوفا من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم شيء، بين الله سبحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة؛ فما كان من حقكم أن تتهموه. وقال الضحاك : بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم؛ فقسم للناس ولم يقسم للطلائع؛ فأنزل الله عليه عتابا { وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل} أي يقسم لبعض ويترك بعضا. وروي نحو هذا القول عن ابن عباس. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة وابن جبير وغيرهم : نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت في المغانم يوم بدر؛ فقال بعض من كان مع النبّي صلى الله عليه وسلم : لعل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن غريب. قال ابن عطية : قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجا. وقيل : كانت من المنافقين. وقد روي أن المفقود كان سيفا. وهذه الأقوال تخرج على قراءة { يغل} بفتح الياء وضم الغين. وروى أبو صخر عن محمد بن كعب { وما كان لنبي أن يغل} قال : تقول وما كان لنبي أن يكتم شيئا من كتاب الله. وقيل : اللام فيه منقولة، أي وما كان نبي ليغل؛ كقوله { ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه} [مريم : 35]. أي ما كان الله ليتخذ ولدا. وقرئ { يغل} بضم الياء وفتح الغين. وقال ابن السكيت : لم نسمع في المغنم إلا غل غلولا، وقرئ وما كان لنبي أن يغل ويغل. قال : فمعنى { يغل} يخون، ومعنى { يغل} يخون، ويحتمل معنيين : أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته، والآخر يخون أن ينسب إلى الغلول : ثم قيل : إن كل من غل شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا : قال ابن عرفة : سميت غلولا لأن الأيدي مغلولة منها، أي ممنوعة. وقال أبو عبيد : الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد. ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة : أغل يغل، ومن الحقد : غل يغل بالكسر، ومن الغلول : غل يغل بالضم. وغل البعير أيضا يغل غلة إذا لم يقض ريه وأغل الرجل خان، قال النمر : جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل ** جزاء مغل بالأمانة كاذب وفي الحديث : (لا إغلال ولا إسلال) أي لا خيانة ولا سرقة، ويقال : لا رشوة. وقال شريح : ليس على المستعير غير المغل ضمان. وقال صلى الله عليه وسلم : (ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن) من رواه بالفتح فهو من الضغن. وغل دخل يتعدى ولا يتعدى؛ يقال : غل فلان المفاوز، أي دخلها وتوسطها. وغل من المغنم غلولا، أي خان. وغل الماء بين الأشجار إذا جرى فيها؛ يغل بالضم في جميع ذلك. وقيل : الغلول في اللغة أن يأخذ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه؛ ومنه تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها. والغلل : الماء الجاري في أصول الشجر، لأنه مستتر بالأشجار، كما قال : لعب السيول به فأصبح ماؤه ** غللا يقطع في أصول الخروع ومنه الغلالة للثوب الذي يلبس تحت الثياب. والغال : أرض مطمئنة ذات شجر. ومنابت السلم والطلح يقال لها : غال. والغال أيضا نبت، والجمع غلان بالضم. وقال بعض الناس : إن معنى { يغل} يوجد غالا؛ كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا. فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى { يغل} بفتح الياء وضم الغين. ومعنى { يغل} عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يغله، أي يخونه في الغنيمة. فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في الغنائم، والتوعد عليه. وكما لا يجوز أن يخان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخان غيره، ولكن خصه بالذكر لأن الخيانة معه أشد وقعا وأعظم وزرا؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته لتعين توقيره. والولاة إنما هم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم فلهم حظهم من التوقير. وقيل : معنى { يغل} أي ما غل نبي قط، وليس الغرض النهي. الثانية: قوله تعالى { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته، معذبا بحمله وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد؛ على ما يأتي. وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء عند أسته بقدر غدرته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه؛ ألا ترى إلى قول الشاعر : أسمي ويحك هل سمعت بغدرة ** رفع اللواء لنا بها في المجمع وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال : (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته بعيرا له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك) وروى أبو داود عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيؤون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من الشعر فقال : يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. فقال : (أسمعت بلالا ينادي ثلاثا)؟ قال : نعم. قال : (فما منعك أن تجيء به)؟ فاعتذر إليه. فقال : (كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك). قال بعض العلماء : أراد يوافي بوزر ذلك يوم القيامة، كما قال في آية أخرى { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} [الأنعام : 31]. وقيل : الخبر محمول على شهرة الأمر؛ أي يأتي يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. قلت : وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كتب الأصول. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحقيقة، ولا عطر بعد عروس. ويقال : إن من غل شيئا في الدنيا يمثل له يوم القيامة في النار، ثم يقال له : انزل إليه فخذه، فيهبط إليه، فإذا انتهى إليه حمله، حتى إذا انتهى إلى الباب سقط عنه إلى أسفل جهنم، فيرجع إليه فيأخذه؛ لا يزال هكذا إلى ما شاء الله. ويقال { يأت بما غل} يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول. الثالثة: قال العلماء : والغلول كبيرة من الكبائر؛ بدليل هذه الآية وما ذكرناه من حديث أبي هريرة : أنه يحمله على عنقه. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مدعم : (والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا) قال : فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (شراك أو شراكان من نار). أخرجه الموطأ. فقوله عليه السلام : (والذي نفسي بيده) وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة. وقوله : (شراك أو شراكان من نار) مثل قوله : (أدوا الخياط والمخيط). وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغزو ومن الاحتطاب والاصطياد. وقد روي عن الزهري أنه قال : لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا بإذن الإمام. وهذا لا أصل له؛ لأن الآثار تخالفه، على ما يأتي. قال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل. وقال إبراهيم : كانوا يأكلون من أرض العدو الطعام في أرض الحرب ويعلفون قبل أن يخمسوا. وقال عطاء : في الغزاة يكونون في السرية فيصيبون أنحاء السمن والعسل والطعام فيأكلون، وما بقي ردوه إلى إمامهم؛ وعلى هذا جماعة العلماء. الرابعة: وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع الرجل الذي أخذ الشملة، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات الذي ترك الصلاة عليه، ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث. وأما ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه). فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتج به. قال الترمذي : سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال : إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث. وروى أبو داود أيضا عنه قال : غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبدالله بن عمر وعمر بن عبدالعزيز، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطيف به ولم يعطه سهمه. قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين. وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو داود : وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه - : ومنعوه سهمه. قال أبو عمر : قال بعض رواة هذا الحديث : واضربوا عنقه وأحرقوا متاعه. وهذا الحديث يدور على صالح بن محمد وليس ممن يحتج به. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وهو ينفي القتل في الغلول. وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع). وهذا يعارض حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغال خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل. وقال الطحاوي : لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال؛ كما قال في مانع الزكاة : (إنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات الله تعالى). وكما قال أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة : فيها غرامتها ومثله معها. وكما روى عبدالله بن عمرو بن العاص في الثمر المعلق غرامة مثليه وجلدات نكال وهذا كله منسوخ، والله أعلم. الخامسة: فإذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه، وأدب وعوقب بالتعزير. وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث : لا يحرق متاعه. وقال الشافعي والليث وداود : إن كان عالما بالنهي عوقب. وقال الأوزاعي : يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غل. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن، إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا. وقال ابن خويز منداد : وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضربا الغال وأحرقا متاعه. قال ابن عبدالبر : وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبدالعزيز. وحجة من ذهب إلى هذا حديث صالح المذكور. وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم؛ لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن تابعه من هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر. والله أعلم. السادسة: لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم : تراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة له؛ لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال : تجوز العقوبة في المال. وقد أراق عمر رضي الله عنه لبنا شيب بماء. السابعة: أجمع العلماء على أن للغال أن يرد جميع ما غل إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك، وإنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، وخروج عن ذنبه. واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه؛ فقال جماعة من أهل العلم : يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي. هذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري؛ وروي عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري. وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه؛ وهو مذهب أحمد بن حنبل. وقال الشافعّي : ليس له الصدقة بمال غيره. قال أبو عمر : فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته، وأما إن لم يكن شيء من ذلك فإن الشافعي لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف لها وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء - مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. وبالله التوفيق. وفي تغريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر؛ فمن غصب شيئا منها أدب اتفاقا، على ما تقدم. الثامنة: وإن وطئ جارية أو سرق نصابا فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه؛ فرأى جماعة أنه لا قطع عليه. التاسعة: ومن الغلول هدايا العمال، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال. روى أبو داود في سننه ومسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية قال ابن السرح ابن الأتبية على الصدقة، فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : (ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كانت بقرة فلها خوار أو شاة تيعر) - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال : - (اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت). وروى أبو داود عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول). وروى أيضا عن أبي مسعود الأنصاري قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيا ثم قال : (انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته). قال : إذا لا أنطلق. قال : (إذا لا أكرهك). وقد قيد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضا عن المستورد بن شداد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا). قال فقال أبو بكر : أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من اتخذ غير ذلك فهو غال سارق). والله أعلم. العاشرة: ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. قال الزهري : إياك وغلول الكتب. فقيل له : وما غلول الكتب؟ قال : حبسها عن أصحابها. وقد قيل في تأويل قوله تعالى { وما كان لنبي أن يغل} أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك؛ فأنزل الله هذه الآية؛ قاله محمد بن بشار. وما بدأنا به قول الجمهور. الحادية عشرة: قوله تعالى { ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} تقدم القول فيه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 159 - 164

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما معنى " يغٌل "؟ أولا: " الغلول " هو الأخذ في الخفاء. وهو مأمخوذ من " أغل الجازر " - أي الجزار - أي عندما يسلخ الجلد يأخذ بعض اللحم مع الجلد، ثم يطوي الجلد مخفيا ما أخذه من اللحم، هذا هو الأصل، وأطلق شرعا على الخيانة في الغنائم، ففي هول المعارك قد يجد المقاتل شيئا ثمينا فيأخذ هذا الشيء خفية، وهذا اسمه " الغلول " ، وأيضا كلمة " الغِّل في الصدور " أي إخفاء الكراهية، وكل المادة إخفاء.

والحق يقول: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } لماذا؟ لأن من الجائز أن الرماة - في غزوة أحد - ساعة رأوا الغنائم أقبلوا عليها؛ لأن غنائم بدر لم تكن قد قسمت بين كل من اشتركوا في القتال، فالذي كان يعثر على غنيمة كان يأخذها، وكانت بدر أول معركة، وكان الهدف من ذلك تشجيع المقاتلين. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: قد قال: " من قتل قتيلا فله سلبه ".

وظن المقاتلون في أحُد أن المسألة ستكون مثل بدر، وظن البعض أن الرسول لن يعطيهم غنائم، فيوضح الحق سبحانه وتعالى: بأن هذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فمن يفعل مثل هذا يكون قد غَل. وساعة تسمع: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } أي أن من طبعه صلى الله عليه وسلم ومن فطرته وسجيته ألاَّ يتأتى ذلك منه أبدا، لكن من الجائز أن يحدث مثل ذلك من واحد من أمته، إذن فهناك فرق بين امتناع المؤمن أن يكون غالاً، أي يأخذ لنفسه شيئا من الغنيمة، وامتناع الرسول أن يكون غالاًّ، لأن طبعه وسجيته لا تستقيم مع هذه، لكن الأمر يختلف مع المقاتلين؛ فمن الممكن أن يكون أحدهم كذلك، فسيدنا عمر في معركة الفرس، حينما جاء جماعة بتاج كسرى، والتاج فيه كل النفائس وتلك سمة عظمة الملوك، فقال الفاروق عمر: إن قوما أدوا إلى أميرهم هذا لأمناء. فقد كان من الممكن أنهم يخفونه.

{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } وساعة تسمع { وَمَا كَانَ } أي: وما ينبغي ولا يصح أن يكون ذلك الأمر، وبعد ذلك يأتي بالحكم العام فيمكن أن يحدث غلول من أحَدٍ فيقول: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ } فالذي غل في حاجة وخان فيها يأتي بها يوم القيامة كما صورها الرسول صلى الله عليه وسلم:

" والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حلّه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيرا له رُغاء أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيعَر، ثم رفع يديه حتى رُئيَ بياض إبطيه يقول: اللهم قد بلغت ".

إن من يأخذ حراما في خفية يأتي يوم القيامة وهو يحمل البعير أو البقرة أو الشاة مثلا. وآه لو كان ما أخذه حمارا فله نهيق!!

فإذا كان سيأتي بما غل يوم القيامة - فالذي أخذه سيفضحه - ولذلك تسمى " الفاضحة " ، و " الطامة ". إذن فمن الممكن في الدنيا أن يأخذها خفية ويغُل. لكنه سيأتي في يوم القيامة وهو يحمل ما أخذه على ظهره، ثم يقول مناديا رسول الله: يا محمد.. يا محمد، لأن كل مسلم قد علم واطمأن إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رءوف ورحيم وأنه لن يرضى بهذه الحكاية، لكن رسول الله أبلغ عن عقاب من يفعل ذلك في حياته، وعلى كل المؤمنين به ألا يفكروا في الغلول وأخذ الغنيمة خفية.

ولماذا تكون الغنيمة في الحرب شرا؟ لأن المقاتل يعيش أثناء القتال في مهمة أن تكون كلمة الله هي العليا فكيف يرضى لنفسه بهذه المهانة وهي إخفاء الغنيمة؟ إنه يحارب من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ويجب أن يكون في مستوى ذلك.

وبعد ذلك يأتي الحق بالقضية العامة: { ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } ، وهي تشمل الغلول في الغنيمة والغلول في غير الغنيمة، ولنتصور هذه بالنسبة لكل من يخون أمانة أؤتمن عليها، وأنه سيأتي يوم القيامة يحمل عمارة - مثلا - لأنه بناها بغير أمانة أو يحمل أطنانا من سمك لأنه سرقها، أو يحمل أطنانا من الجبن الفاسد التي استوردها. فكل من سرق شيئا سيأتي يوم القيامة وهو يحمله، وإذا كنا نشهد أن الناس لا تطيق أن تفضح بين الخلق، والخلق محدودون لأنهم المعاصرون، فما بالك بالفضيحة التي ستكون لعموم الخلق من أول آدم إلى أن تقوم الساعة. إذن فعلى كل إنسان أن يحرس نفسه لأن المسألة ستنفضح.

{ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وما دام سبحانه سيوفى كل نفس ما كسبت فكل سيأخذ قدر ما فعل، فلا ظلم، فلو ترك الأمر بلا حساب لكان هذا هو الظلم وحاشا لله أن يظلم أحدا، وبعد تلك التهيئة والإيضاح يقول سبحانه: { أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ...} الآية. [161].
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المطوعي، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، أخبرنا أبو يعلى، حدَّثنا أبو عبد الله [بن عمر] بن أبان، حدَّثنا ابن المبارك، حدَّثنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين، فقال أناس: لعلّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال خصيف: فقلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يُغَلّ؟ فقال: بل يُغَلّ ويُقْتَل.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم النجار، حدَّثنا أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، حدَّثنا محمد بن أحمد بن يزيد النَّرْسِي، [حدَّثنا أبو عمر حفص بن عمر الدُّورِي، عن أبي محمد اليزيدي، عن أبي عمر] بن العَلاَء، عن مجاهد، عن ابن عباس:
أنه كان ينكر على من يقرأ { وما كان لنبي أن يُغَلَّ} ويقول كيف لا يكون له أن يُغَلّ وقد كان يقتل؟ قال الله تعالى: { وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ} ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة، فأنزل الله عز وجل: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} .
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الأصفهاني، [أخبرنا عبد الله بن محمد الأصفهاني] حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنيمة، وقسمها بين الناس، ولم يقسم للطلائع شيئاً، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} .
قال: سلمة قرأها الضحاك: "يغَلَّ".
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في يده غنائم هَوَازِن يوم حُنَين، غلَّه رجل بمخيط، فأ،زل الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة: نزلت وقد غَلَّ طوائف من أصحابه.
وقال الكلبي ومقاتل: نزلت حين تركت الرماة المَرْكَزَ يوم أحد طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ظننتم أنا نَغلُّ ولا نقسم لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي عن ابن عباس: أن أشرافَ الناس استدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصصهم بشيء من الغنائم؛ فنزلت هذه الآية.


www.alro7.net