سورة
اية:

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

تفسير بن كثير

هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل، من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه اللّه تعالى لعباده، في كتبه التي أنزلها على رسله، وقد نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الحديث: (من سئل عن عِلْمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) ""أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة"" وروي عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب اللّه ما حدَّثت أحداً شيئاً { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. قال أبو العالية: { ويلعنهم اللاعنون} يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: (إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحِيتان في البحر)، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه اللّه والملائكة والناس أجمعون. ثم استثنى اللّه تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} أي رجعوا عمّا كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه { فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه، ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن { عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها} أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم { لا يخفف عنهم العذاب} فيها أي لا ينقص عمّا هم فيه { ولا هم ينظرون} أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم فنعوذ باللّه من ذلك. قال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه اللّه، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. فصل لا خلاف في جواز لعن الكفار، فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم اللّه له. وقالت طائفة أُخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره ابن العربي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام: (لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله) قاله عليه السلام في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده فقال رجل: لعنه اللّه ما أكثر ما يؤتى به..الحديث فدل على أن من لا يحب اللّه ورسوله يلعن، وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، واستدل بعضهم بالآية { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والله أعلم.

تفسير الجلالين

{ إلا الذين تابوا } رجعوا عن ذلك { وأصلحوا } عملهم { وبيَّنوا } ما كتموا { فأولئك أتوب عليهم } أقبل توبتهم { وأنا التواب الرحيم } بالمؤمنين.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ أَنَّ اللَّه وَاللَّاعِنِينَ يَلْعَنُونَ الْكَاتِمِينَ النَّاس مَا عَلِمُوا مِنْ أَمْر نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَنَعْته فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ , إلَّا مَنْ أَنَابَ مِنْ كِتْمَانه ذَلِكَ مِنْهُمْ وَرَاجَعَ التَّوْبَة بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْإِقْرَار بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ , وَتَصْدِيقه فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَبَيَان مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كُتُبه الَّتِي أَنْزَلَ إلَى أَنْبِيَائِهِ مِنْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِهِ , وَأَصْلَحَ حَال نَفْسه بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّه مِنْ صَالِح الْأَعْمَال بِمَا يُرْضِيه عَنْهُ , وَبَيَّنَ الَّذِي عَلِمَ مِنْ وَحْي اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَى أَنْبِيَائِهِ وَعَهِدَ إلَيْهِمْ فِي كُتُبه فَلَمْ يَكْتُمهُ وَأَظْهَرهُ فَلَمْ يَخْفِهِ . فَأُولَئِكَ , يَعْنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا الَّذِي وَصَفْت مِنْهُمْ , هُمْ الَّذِينَ أَتُوب عَلَيْهِمْ , فَأَجْعَلهُمْ مِنْ أَهْل الْإِيَاب إلَى طَاعَتِي وَالْإِنَابَة إلَى مَرْضَاتِي . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } يَقُول : وَأَنَا الَّذِي أَرْجِع بِقُلُوبِ عَبِيدِي الْمُنْصَرِفَة عَنِّي إلَيَّ , وَالرَّادُّهَا بَعْد إدْبَارهَا عَنْ طَاعَتِي إلَى طَلَب مَحَبَّتِي , وَالرَّحِيم بِالْمُقْبِلِينَ بَعْد إقْبَالهمْ إلَيَّ أَتَغَمَّدهُمْ مِنِّي بِعَفْوِ وَأَصْفَح عَنْ عَظِيم مَا كَانُوا اجْتَرَمُوا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنهمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي لَهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يُتَاب عَلَى مَنْ تَابَ ؟ وَمَا وَجْه قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَأُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ } وَهَلْ يَكُون تَائِب إلَّا وَهُوَ مَتُوب عَلَيْهِ أَوْ مَتُوب عَلَيْهِ إلَّا وَهُوَ تَائِب ؟ قِيلَ : ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُون أَحَدهمَا إلَّا وَالْآخَر مَعَهُ , فَسَوَاء قِيلَ : إلَّا الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَتَابُوا , أَوْ قِيلَ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَإِنِّي أَتُوب عَلَيْهِمْ ; وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه ذَلِكَ فِيمَا جَاءَ مِنْ الْكَلَام هَذَا الْمَجِيء فِي نَظِيره فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1979 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } يَقُول : أَصْلَحُوا فِيمَا بَيْنهمْ وَبَيْن اللَّه , وَبَيَّنُوا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه , فَلَمْ يَكْتُمُوهُ , وَلَمْ يَجْحَدُوا بِهِ : { أُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } 1980 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } قَالَ : بَيَّنُوا مَا فِي كِتَاب اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ , وَمَا سَأَلُوهُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا كُلّه فِي يَهُود . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَبَيَّنُوا } إنَّمَا هُوَ : وَبَيَّنُوا التَّوْبَة بِإِخْلَاصِ الْعَمَل . وَدَلِيل ظَاهِر الْكِتَاب وَالتَّنْزِيل بِخِلَافِهِ , لِأَنَّ الْقَوْم إنَّمَا عُوتِبُوا قَبْل هَذِهِ الْآيَة عَلَى كِتْمَانهمْ مَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابه فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينه . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ تَعَالَى ذِكْره الَّذِينَ يُبَيِّنُونَ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينه فَيَتُوبُونَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْجُحُود وَالْكِتْمَان , فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ عَذَاب مَنْ يَلْعَنهُ اللَّه وَيَلْعَنهُ اللَّاعِنُونَ . وَلَمْ يَكُنْ الْعِتَاب عَلَى تَرْكهمْ تَبْيِين التَّوْبَة بِإِخْلَاصِ الْعَمَل . وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّه مِنْ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب : عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَذَوُوه مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَسْلَمُوا فَحَسُنَ إسْلَامهمْ وَاتَّبَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ أَنَّ اللَّه وَاللَّاعِنِينَ يَلْعَنُونَ الْكَاتِمِينَ النَّاس مَا عَلِمُوا مِنْ أَمْر نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَنَعْته فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه وَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ , إلَّا مَنْ أَنَابَ مِنْ كِتْمَانه ذَلِكَ مِنْهُمْ وَرَاجَعَ التَّوْبَة بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْإِقْرَار بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ , وَتَصْدِيقه فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَبَيَان مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كُتُبه الَّتِي أَنْزَلَ إلَى أَنْبِيَائِهِ مِنْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِهِ , وَأَصْلَحَ حَال نَفْسه بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّه مِنْ صَالِح الْأَعْمَال بِمَا يُرْضِيه عَنْهُ , وَبَيَّنَ الَّذِي عَلِمَ مِنْ وَحْي اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَى أَنْبِيَائِهِ وَعَهِدَ إلَيْهِمْ فِي كُتُبه فَلَمْ يَكْتُمهُ وَأَظْهَرهُ فَلَمْ يَخْفِهِ . فَأُولَئِكَ , يَعْنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا الَّذِي وَصَفْت مِنْهُمْ , هُمْ الَّذِينَ أَتُوب عَلَيْهِمْ , فَأَجْعَلهُمْ مِنْ أَهْل الْإِيَاب إلَى طَاعَتِي وَالْإِنَابَة إلَى مَرْضَاتِي . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } يَقُول : وَأَنَا الَّذِي أَرْجِع بِقُلُوبِ عَبِيدِي الْمُنْصَرِفَة عَنِّي إلَيَّ , وَالرَّادُّهَا بَعْد إدْبَارهَا عَنْ طَاعَتِي إلَى طَلَب مَحَبَّتِي , وَالرَّحِيم بِالْمُقْبِلِينَ بَعْد إقْبَالهمْ إلَيَّ أَتَغَمَّدهُمْ مِنِّي بِعَفْوِ وَأَصْفَح عَنْ عَظِيم مَا كَانُوا اجْتَرَمُوا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنهمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي لَهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يُتَاب عَلَى مَنْ تَابَ ؟ وَمَا وَجْه قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَأُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ } وَهَلْ يَكُون تَائِب إلَّا وَهُوَ مَتُوب عَلَيْهِ أَوْ مَتُوب عَلَيْهِ إلَّا وَهُوَ تَائِب ؟ قِيلَ : ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُون أَحَدهمَا إلَّا وَالْآخَر مَعَهُ , فَسَوَاء قِيلَ : إلَّا الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَتَابُوا , أَوْ قِيلَ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَإِنِّي أَتُوب عَلَيْهِمْ ; وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه ذَلِكَ فِيمَا جَاءَ مِنْ الْكَلَام هَذَا الْمَجِيء فِي نَظِيره فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1979 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } يَقُول : أَصْلَحُوا فِيمَا بَيْنهمْ وَبَيْن اللَّه , وَبَيَّنُوا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه , فَلَمْ يَكْتُمُوهُ , وَلَمْ يَجْحَدُوا بِهِ : { أُولَئِكَ أَتُوب عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّاب الرَّحِيم } 1980 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } قَالَ : بَيَّنُوا مَا فِي كِتَاب اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ , وَمَا سَأَلُوهُمْ عَنْهُ مِنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا كُلّه فِي يَهُود . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَبَيَّنُوا } إنَّمَا هُوَ : وَبَيَّنُوا التَّوْبَة بِإِخْلَاصِ الْعَمَل . وَدَلِيل ظَاهِر الْكِتَاب وَالتَّنْزِيل بِخِلَافِهِ , لِأَنَّ الْقَوْم إنَّمَا عُوتِبُوا قَبْل هَذِهِ الْآيَة عَلَى كِتْمَانهمْ مَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابه فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينه . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ تَعَالَى ذِكْره الَّذِينَ يُبَيِّنُونَ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينه فَيَتُوبُونَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْجُحُود وَالْكِتْمَان , فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ عَذَاب مَنْ يَلْعَنهُ اللَّه وَيَلْعَنهُ اللَّاعِنُونَ . وَلَمْ يَكُنْ الْعِتَاب عَلَى تَرْكهمْ تَبْيِين التَّوْبَة بِإِخْلَاصِ الْعَمَل . وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّه مِنْ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب : عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَذَوُوه مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَسْلَمُوا فَحَسُنَ إسْلَامهمْ وَاتَّبَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إلا الذين تابوا} استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل : قد تبت، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في [النساء] إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء في قوله { وبينوا} أي بكسر الخمر وإراقتها. وقيل { بينوا} يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه. والعموم أولى على ما بيناه، أي بينوا خلاف ما كانوا عليه، والله تعالى أعلم. { فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} تقدم ولله الحمد والمنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 159 - 164

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي أعلنوا التوبة وهي أمر ذاتي، وأصلحوا بمقدار ما أفسدوا، وبينوا للناس بمقدار ما كتموا، إذن شرط التوبة أن يعود كل حق لصاحبه، فالذي كتم شيئا عليه أن يبينه، فالكتمان لا يؤثر فقط في العلاقة بين العبد والرب، ولكنه يضر العباد،والحق سبحانه حين يفتح باب التوبة للعبد يقول:
{  تاب عليهم ليتوبوا }
[التوبة: 118]

ومادة " تاب " تعني الرجوع إلى الله، فعندما يتوب العبد فهو يعود إلى ربه طالبا المغفرة عن العصيان والذنب، وعندما يتوب الله على عبد، فذلك يعني أن الله قبل توبته، فبعد أن كان مقدرا له أن يعذب فإن الله يعفو عنه فلا يعذبه، إذن فالتوبة كلها رجوع إلى الله، وحين تقدم التوبة من الله على التوبة من العباد في قوله: { تاب عليهم ليتوبوا } ، فمعنى ذلك أن الحق شرع التوبة وقننها ليفتح باب الرجوع إليه، فهناك ثلاث مراحل للتوبة:

المرحلة الأولى: هي أن الله شرع التوبة.

المرحلة الثانية: هي أن يتوب العبد.

المرحلة الثالثة: أن يقبل الله التوبة.

وكلها تعني الرجوع عن المعصية والذنب.

إذن فأي إنسان يذنب ذنبا لابد أن يصلح هذا الذنب من جنس ما فعل، فإن فعل ذنبا سرا فيكفيه أن يتوب سرا، أما إن كسر حدود الله علنا، فنقول له: لا يستقيم أبدا أن تعصي الله علنا أمام الناس وتكون أسوة سيئة لأناس تجعلهم يتجرأون ولذلك فالمثل العامي يقول: " تضربني في شارع وتصالحني في حارة ".

إن الذي يكسر حداً من حدود الله أمام الناس نقول له: لابد أن تعلن توبتك أمام الناس جميعاً، ولذلك نحن ندرأ الحدود بالشبهات، لكن الذي يتباهى بأنه ارتكب الذنب لا نتركه، مثلا الذي شهد عليه أربعة بأنه ارتكب ذنبا من الكبائر كالزنى، لقد ظل يفعل الذنب باستهتار إلى أن شهد عليه أربعة، هل يعقل أن نقول له: ندرأها بالشبهات؟. لا. هو كسر الحد علنا فوجبت معاقبته بإقامة الحد.

وأما الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوه وبيَّنوا للناس ما كتموه فجزاؤهم توبة من الله.

ومن لطف الله بالإنسان أن شرع التوبة حتى يشعر الناس بالذنب، وجعلها من فعل التائب؛ ومن فعل قابل التوبة، وهو الله سبحانه فقال: { تابوا } و { أتوب } ، كل ذلك حتى لا يستشعر الإنسان عندما يرتكب ذنبا ويتوب أنها مسألة مستعصية، إن الحق يقول: { فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } إنه سبحانه يتوب على من تاب عن الذنب ويتوب عن المذنبين جميعا، فهو تعالى " تواب " وهي كلمة تعني المبالغة في الصفة. ويقول الحق بعد ذلك: { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }


www.alro7.net