سورة
اية:

مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وما فيهما، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن اللّه لما خلق الخلق كتب كتاباَ عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، وقوله: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده { إلى ميقات يوم معلوم} وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه أي لا شك عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون. عن ابن عباس قال: سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء؟ قال: (والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء اللّه ليردون حياض الأنبياء، ويبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء) هذا حديث غريب، وفي الترمذي: (إن لكل نبي حوضاً وأرجوا أن أكون أكثرهم واردة) وقوله: { الذين خسروا أنفسهم} أي يوم القيامة { فهم لا يؤمنون} أي لا يصدقون بالمعاد ولا يخافون شر ذلك اليوم، ثم قال تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار} أي كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، لا إله إلا هو { وهو السميع العليم} أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم، ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم: { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض} كقوله: { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} والمعنى: لا أتخذ ولياً إلا اللّه وحده لا شريك له فإنه فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، { وهو يطعم ولا يطعم} أي وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الآية، وقرأ بعضهم { هو يُطعِم ولا يَطْعَم} : أي لا يأكل. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم على طعام، فانطلقنا معه فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال: (الحمد للّه الذي يطعم ولا يطعم، ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد للّه غير مودع ربي ولا مكفي ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد للّه الذي أطعمنا من الطعام وسقانا من الشراب وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، الحمد للّه رب العالمين) { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} أي من هذه الأمة، { ولا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يعني يوم القيامة { من يصرف عنه} أي العذاب { يومئذ فقد رحمه} يعني فقد رحمه اللّه { وذلك هو الفوز المبين} ، كقوله: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} والفوز حصول الربح ونفي الخسارة.

تفسير الجلالين

{ من يُصرف } بالبناء للمفعول أي العذاب وللفاعل أي الله والعائد محذوف { عنه يومئذ فقد رحمه } تعالى أي أراد له الخير { وذلك الفوز المبين } النجُاة الظاهرة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمئِذٍ } بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الرَّاء , بِمَعْنَى : مَنْ يُصْرَف عَنْهُ الْعَذَاب يَوْمئِذٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة " مَنْ يَصْرِف عَنْهُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الرَّاء , بِمَعْنَى : مَنْ يَصْرِف اللَّه عَنْهُ الْعَذَاب يَوْمئِذٍ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " يَصْرِف عَنْهُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الرَّاء , لِدَلَالَةِ قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } عَلَى صِحَّة ذَلِكَ , وَأَنَّ الْقِرَاءَة فِيهِ بِتَسْمِيَةِ فَاعِلِهِ . وَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { مَنْ يُصْرَف } عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , كَانَ الْوَجْه فِي قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } أَنْ يُقَال : " فَقَدْ رُحِمَ " غَيْر مُسَمًّى فَاعِله ; وَفِي تَسْمِيَة الْفَاعِل فِي قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : " مَنْ يَصْرِف عَنْهُ " . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَجْه الْأَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ } مِنْ خَلْقه { يَوْمئِذٍ } عَذَابه { فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْز الْمُبِين } . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } : وَصَرْف اللَّه عَنْهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة , وَرَحْمَته إِيَّاهُ { الْفَوْز } أَيْ النَّجَاة مِنْ الْهَلَكَة وَالظَّفَر بِالطِّلْبَةِ { الْمُبِين } يَعْنِي الَّذِي بَيَّنَ لِمَنْ رَآهُ أَنَّهُ الظَّفَر بِالْحَاجَةِ وَإِدْرَاك الطِّلْبَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { مَنْ يُصْرَف عَنْهُ يَوْمئِذٍ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10218 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { مَنْ يُصْرَف عَنْهُ يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } قَالَ : مَنْ يُصْرَف عَنْهُ الْعَذَاب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمئِذٍ } بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الرَّاء , بِمَعْنَى : مَنْ يُصْرَف عَنْهُ الْعَذَاب يَوْمئِذٍ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة " مَنْ يَصْرِف عَنْهُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الرَّاء , بِمَعْنَى : مَنْ يَصْرِف اللَّه عَنْهُ الْعَذَاب يَوْمئِذٍ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " يَصْرِف عَنْهُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الرَّاء , لِدَلَالَةِ قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } عَلَى صِحَّة ذَلِكَ , وَأَنَّ الْقِرَاءَة فِيهِ بِتَسْمِيَةِ فَاعِلِهِ . وَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { مَنْ يُصْرَف } عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , كَانَ الْوَجْه فِي قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } أَنْ يُقَال : " فَقَدْ رُحِمَ " غَيْر مُسَمًّى فَاعِله ; وَفِي تَسْمِيَة الْفَاعِل فِي قَوْله : { فَقَدْ رَحِمَهُ } دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : " مَنْ يَصْرِف عَنْهُ " . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَجْه الْأَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ } مِنْ خَلْقه { يَوْمئِذٍ } عَذَابه { فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْز الْمُبِين } . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } : وَصَرْف اللَّه عَنْهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة , وَرَحْمَته إِيَّاهُ { الْفَوْز } أَيْ النَّجَاة مِنْ الْهَلَكَة وَالظَّفَر بِالطِّلْبَةِ { الْمُبِين } يَعْنِي الَّذِي بَيَّنَ لِمَنْ رَآهُ أَنَّهُ الظَّفَر بِالْحَاجَةِ وَإِدْرَاك الطِّلْبَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { مَنْ يُصْرَف عَنْهُ يَوْمئِذٍ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10218 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { مَنْ يُصْرَف عَنْهُ يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } قَالَ : مَنْ يُصْرَف عَنْهُ الْعَذَاب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وله ما سكن في الليل والنهار} أي ثبت، وهذا احتجاج عليهم أيضا. وقيل : نزلت الآية لأنهم قالوا : علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا؛ فقال الله تعالى : أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن يغنيني. و { سكن} معناه هدأ واستقر؛ والمراد ما سكن وما تحرك، فحذف لعلم السامع. وقيل : خص الساكن بالذكر لان ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة. وقيل المعنى ما خلق، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجري عليه الليل والنهار؛ وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق، وهذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال. { وهو السميع} لأصواتهم { العليم} بأسرارهم. قوله تعالى { قل أغير الله أتخذ وليا} مفعولان؛ لما دعوه إلى عبادة الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالى { قل} يا محمد { أغير الله اتخذ وليا} أي ربا ومعبودا وناصرا دون الله. { فاطر السماوات والأرض} بالخفض على النعت لاسم الله؛ وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. وقال الزجاج : ويجوز النصب على المدح. أبو علي الفارسي : ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال : أترك فاطر السماوات والأرض؟ لأن قوله { أغير الله أتخذ وليا} يدل على ترك الولاية له، وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة. { وهو يطعم ولا يطعم} كذا قراءة العامة، أي يَرزق ولا يُرزق؛ دليله على قوله تعالى { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذاريات : 57] وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش : وهو يُطْعِم ولا يَطْعَم، وهي قراءة حسنة؛ أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء. وقرئ بضم الياء وكسر العين في الفعلين، أي إن الله يطعم عباده ويرزقهم والولي لا يطعم نفسه ولا من يتخذه. وقرئ بفتح الياء والعين في الأول أي الولي { ولا يُطْعِم} بضم الياء وكسر العين. وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام؛ لأن الحاجة إليه أمس لجميع الأنام. { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} أي استسلم لأمر الله تعالى. وقيل : أول من أخلص أي من قومي وأمتي؛ عن الحسن وغيره. { ولا تكونن من المشركين} أي وقيل لي { ولا تكونن من المشركين} . { قل إني أخاف إن عصيت ربي} أي بعبادة غيره أن يعذبني، والخوف توقع المكروه. قال ابن عباس { أخاف} هنا بمعنى أعلم. { من يصرف عنه} أي العذاب { يومئذ} يوم القيامة { فقد رحمه} أي فاز ونجا ورحم. وقرأ الكوفيون { من يَصرِف} بفتح الياء وكسر الراء، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد؛ لقوله { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} ولقوله { فقد رحمه} ولم يقل رحم على المجهول، ولقراءة أبي { من يصرف الله عنه} واختار سيبويه القراءة الأولى - قراءة أهل المدينة وأبي عمرو - قال سيبويه : وكلما قل الإضمار في الكلام كان أولى؛ فأما قراءة من قرأ { من يصرف} بفتح الياء فتقديره : من يصرف الله عنه العذاب، وإذا قرئ { من يُصرف عنه} فتقديره : من يصرف عنه العذاب. { وذلك الفوز المبين} أي النجاة البينة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 15 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فكأن من لا يُصرف عنه هذا العذاب هو من ينجذب إلة قوة العذاب؛ لأن لنار جهنم شهيقاً يجذب ويسحب إليه الذين قُدِّرَ عليهم العذاب ويقول سبحانه:
{  وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ }
[الملك: 6-7].

والذين يكفرون بالله لهم العذاب الذي يبدأ بسماع شهيق جهنم في أثناء فورانها. والشهيق كما تعلم هو قوة تجذب وتسحب الهواء إلى الأنف والصدر، فما بالنا بقوة شهيق جهنم وهي تسحب وتجذب الذين وقع عليهم الأمر بالعذاب؟

وهذه النار نفسها ترد على سؤال الحق لها عندما تسمع قوله:
{  يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }
[ق: 30].

إذن فقوة العذاب التي جعلها الله مهمة لجنهم هي التي تلح وتندفع لطلب المزيد من عقاب الكافرين. وسبحانه خلق كل شيء ليؤدي مهمة، والنار مهمتها أن تتمثل لأمر الحق تبارك وتعالى عندما يأمرها بمباشرة مهمتها؛ لذلك فهي تلح في طلب الذين سيتلقون العذاب، ولا تخرج النار أبداً عن أمر الله وقدره، فإن صَرَف الحق العذاب عن عبد من العباد فالنار تمتثل لذلك الأمر. { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } وسبحانه فعال لما يريد، وهو إن حاسبنا بالعدل فكل منا يسميه شيء من عذاب جهنم؛ ولكن رحمة الله هي التي تجعل النار لا تمس المؤمنين؛ لأنه سبحانه وتعالى يعفو عن كثير؛ ولأن للنار شهيقاً، فهي تستنشق المكتوب عليهم العذاب، ونعلم أن الشهيق يتم بسرعة أكبر من الزفير. والشهيق في الحياة يكون للهواء.

والسبب ازدياد سرعة الشهيق عن الزفير أن في الشهيق مهمة استدامة الحياة الأولى وهي إمداد الجسم بالهواء، والإنسان - كما نعلم - لا يصبر على الهواء إلا لأقل مدة ممكنة. ومن رحمة الله أنه لم يملِّك الهواء لأحد. وهذا الشهيق الذي يعطي الحياة في الأرض يوجد - أيضاً - في الآخرة وهو منسوب إلى النار، إنها تشهق لتبتلع العصاة، وهي بذلك تؤدي مهمتها الموكولة لها. ونعرف أيضاً أن النار تؤدي مهمتها بغيظ طبقاً لما قاله الحق سبحانه:
{  تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ }
[الملك: 8].

فهل تؤدي النار مهمتها وهي غير راضية عنها؟ وهل تختلف النار عن كل كائنات الحق التي تؤدي مهمتها بسعادة وانسجام؟ إن النار تَمَيَّزُ من الغيظ لأن الكافر من هؤلاء لم يعرف قيمة الإيمان، وللنار مشاعر مثل بقية المخلوقات. وللكون كله مشاعر؛ فالكون - على سبيل المثال - قد فرح بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالأرض والسماء والنجوم والشجر وكل الكون فرحت بمقدم الرسول الكريم؛ لأن كل هذه الكائنات مسخرة للإنسان وهي مسبحة لله وطائعة بطبيعتها، مثلما يأتي البشير ليهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم ليجعله طائعاً، فهي تفرح بمقدم هذا البشير.ونعرف أن المكان يوجد به الإنسان، هذا المكان يفرح إن كان الإنسان فيه طائعاً، وهذا المكان نفسه يحزن إن كان الإنسان عاصياً، ويضج المكان - أي مكان - بوجود أي عاص فيه. ونرى ذلك واضحاً في قول الحق سبحانه وتعالى عن قوم فرعون:
{  كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ }
[الدخان: 25-29].

والأرض التي كان بها قوم فرعون كان لها مشاعر، والجنات والأنهار والعيون وكل النعم التي ينعم بها الإنسان لها مشاعر وأحاسيس، وهي تغضب وتسخط وتضج بوجود الكافرين بنعمة الله فيها، ولذلك لا تبكي السماء والأرض على الخسف والتنكيل بهؤلاء العصاة الكافرين المشركين. بينما تبكي السماء والأرض إن فارقها مؤمن، ولنا في قول الإمام علي - كرم الله وجهه - إيضاح لهذا؛ فقد قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض. أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله الطيب، وأما موضعه في الأرض فهو موضع مُصلاَّه.

وفي الحديث: " إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ".

إذن فموضع صعود عمل الإنسان في السماء يحزن؛ لأن هناك فقداناً لعمل صالح يمر فيه، وموضع صلاة الإنسان يفقد سجود إنسان خشوعاً لله، ولكل الكائنات المخلوقة لله مشاعر، وكل شيء في الكون يؤدي مهمته بقانون التسيير والتسخير لا قانون التخيير، الإنسان - فقط - هو الذي يحيا بقانون التخيير في بعض أحواله؛ لأنه قادر على الطاعة، وقادر على المعصية. ولذلك فعندما نرى السجود لله في القرآن فإننا نسمع قول الحق:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }
[الحج: 18].

إذن فكل الكائنات تسجد له ما عدا كل أفراد الإنسان؛ فكثير منه يسجد لله وكثير منه يحق عليه العذاب لأنه لا يطيع الحق. ومن يعص منهج الله غير مؤمن به يطرده الله من رحمته، ومن يهنه الله بذلك فليس له تكريم أبداً. وقد أجمع الكون على السجود لله، إلا الإنسان فمنه الصالح المنسجم بعمله مع خضوع الكون لله، ويفرح به الكون، ومنه يغضب منه الكون لأنه يعصي الله.

إن اللغة العربية توضح لنا ذلك؛ فالعرب يقولون: فلان نَبَتْ به الأرض من النَّبْوَة وهي الجفوة والبعد والإعراض.. أي أن الأرض تكره شخصاً بعينه؛ لأنه لا انسجام للأرض مع كائن عاصٍ.

ويقول الحق عن الذين يصرف عنهم العذاب من فرط رحمته بعباده لأنهم أطاعوه وكانت معاصيهم تغلبهم في بعض الأحيان فيتوبون عنها.:BR> { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } [الأنعام: 16].

ونعلم أن هذا الفوز هو أرقى درجات الفوز؛ ذلك أن الفوز درجات؛ فالفوز في الدنيا كالنجاح أو المال أو غير ذلك هو فوز مُعرَّض لأن يضيع. وهو عُرضة لأن يترك الإنسان أو يتركه الإنسان، لكن فوز الآخرة هو الفوز الدائم الذي لا ينتهي.

وهذا هو الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، والإنسان يتنعم في الدنيا على قدر تصوره للنعيم، فنجد الريفي - مثلاً - يتصور النعيم أن تكون له مِصطبة أمام داره يجلس عليها، وعدد من القلل التي تمتلئ بالماء النقي، فإذا ما انتقل هذا الريفي إلى المدينة فهو يتصور النعيم في منزل متسع فيه أثاث فاخر وأدوات كهربائية من ثلاجة وغير ذلك، إذن فإمكانات النعيم مختلفة على حسب تصور الإنسان، أما نعيم الآخرة فهو نعيم لا يفوته الإنسان ولا يفوت الإنسان؛ لأنه نعيم من صنع الخالق الواسع والعطاء.. إن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولذلك فالفوز بنعيم الآخرة هو الفوز المبين.

والحق سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شيء عِلْمًا واقتداراً: { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ... }


www.alro7.net