سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ

تفسير بن كثير

هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل، من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه اللّه تعالى لعباده، في كتبه التي أنزلها على رسله، وقد نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الحديث: (من سئل عن عِلْمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) ""أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة"" وروي عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب اللّه ما حدَّثت أحداً شيئاً { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. قال أبو العالية: { ويلعنهم اللاعنون} يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: (إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحِيتان في البحر)، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه اللّه والملائكة والناس أجمعون. ثم استثنى اللّه تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} أي رجعوا عمّا كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه { فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه، ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن { عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها} أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم { لا يخفف عنهم العذاب} فيها أي لا ينقص عمّا هم فيه { ولا هم ينظرون} أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم فنعوذ باللّه من ذلك. قال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه اللّه، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. فصل لا خلاف في جواز لعن الكفار، فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم اللّه له. وقالت طائفة أُخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره ابن العربي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله عليه السلام: (لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله) قاله عليه السلام في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده فقال رجل: لعنه اللّه ما أكثر ما يؤتى به..الحديث فدل على أن من لا يحب اللّه ورسوله يلعن، وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، واستدل بعضهم بالآية { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} والله أعلم.

تفسير الجلالين

ونزل في اليهود: { إن الذين يكتمون } الناس { ما أنزلنا من البينات والهدى } كآية الرجم ونعت محمد { من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب } التوراة { أولئك يلعنهم الله } يبعدهم من رحمته { ويلعنهم اللاعنون } الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة .

تفسير الطبري

/ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } يَقُول : إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات , عُلَمَاء الْيَهُود وَأَحْبَارهَا وَعُلَمَاء النَّصَارَى , لِكِتْمَانِهِمْ النَّاس أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَرْكهمْ اتِّبَاعه , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ الْبَيِّنَات الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّه مَا بَيَّنَ مِنْ أَمْر نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَبْعَثه وَصِفَته فِي الْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَنَّ أَهْلهمَا يَجِدُونَ صِفَته فِيهِمَا . وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِالْهُدَى , مَا أَوْضَح لَهُمْ مِنْ أَمْره فِي الْكُتُب الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ النَّاس الَّذِي أَنْزَلْنَا فِي كُتُبهمْ مِنْ الْبَيَان مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته وَصِحَّة الْمِلَّة الَّتِي أَرْسَلَتْهُ بِهَا وَحَقِيَتهَا فَلَا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ وَلَا يَعْلَمُونَ مِنْ تَبْيِينِي ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَإِيضَاحِي لَهُمْ فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته إلَى أَنْبِيَائِهِمْ , { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } الْآيَة كَمَا : 1964 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر ; وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَا جَمِيعًا : ثنا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر , أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : سَأَلَ مُعَاذ بْن جَبَل أَخُو بَنَى سَلَمَة وَسَعْد بْن مُعَاذ أَخُو بَنِي عَبْد الْأَشْهَل وَخَارِجَة بْن زَيْد أَخُو بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , نَفَرًا مِنْ أَحْبَار يَهُود - قَالَ أَبُو كُرَيْب : عَمَّا فِي التَّوْرَاة , وَقَالَ ابْن حُمَيْد عَنْ بَعْض مَا فِي التَّوْرَاة - فَكَتَمُوهُمْ إيَّاهُ , وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } 1965 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1966 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } قَالَ : كَتَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ , فَكَتَمُوهُ حَسَدًا وَبَغْيًا . 1967 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } أُولَئِكَ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا الْإِسْلَام وَهُوَ دِين اللَّه , وَكَتَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . 1968 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود كَانَ لَهُ صَدِيق مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة بْن غَنَمَةَ , قَالَ لَهُ : هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدكُمْ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مُحَمَّد " الْبَيِّنَات " / الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } يَقُول : إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات , عُلَمَاء الْيَهُود وَأَحْبَارهَا وَعُلَمَاء النَّصَارَى , لِكِتْمَانِهِمْ النَّاس أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَرْكهمْ اتِّبَاعه , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ الْبَيِّنَات الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّه مَا بَيَّنَ مِنْ أَمْر نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَبْعَثه وَصِفَته فِي الْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَنَّ أَهْلهمَا يَجِدُونَ صِفَته فِيهِمَا . وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِالْهُدَى , مَا أَوْضَح لَهُمْ مِنْ أَمْره فِي الْكُتُب الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ النَّاس الَّذِي أَنْزَلْنَا فِي كُتُبهمْ مِنْ الْبَيَان مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته وَصِحَّة الْمِلَّة الَّتِي أَرْسَلَتْهُ بِهَا وَحَقِيَتهَا فَلَا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ وَلَا يَعْلَمُونَ مِنْ تَبْيِينِي ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَإِيضَاحِي لَهُمْ فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته إلَى أَنْبِيَائِهِمْ , { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } الْآيَة كَمَا : 1964 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر ; وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَا جَمِيعًا : ثنا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر , أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : سَأَلَ مُعَاذ بْن جَبَل أَخُو بَنَى سَلَمَة وَسَعْد بْن مُعَاذ أَخُو بَنِي عَبْد الْأَشْهَل وَخَارِجَة بْن زَيْد أَخُو بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , نَفَرًا مِنْ أَحْبَار يَهُود - قَالَ أَبُو كُرَيْب : عَمَّا فِي التَّوْرَاة , وَقَالَ ابْن حُمَيْد عَنْ بَعْض مَا فِي التَّوْرَاة - فَكَتَمُوهُمْ إيَّاهُ , وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } 1965 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1966 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى } قَالَ : كَتَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ , فَكَتَمُوهُ حَسَدًا وَبَغْيًا . 1967 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } أُولَئِكَ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا الْإِسْلَام وَهُوَ دِين اللَّه , وَكَتَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . 1968 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُود كَانَ لَهُ صَدِيق مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة بْن غَنَمَةَ , قَالَ لَهُ : هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدكُمْ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مُحَمَّد " الْبَيِّنَات " ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } بَعْض النَّاس ; لِأَنَّ الْعِلْم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَمَبْعَثه لَمْ يَكُنْ إلَّا عِنْد أَهْل الْكِتَاب دُون غَيْرهمْ , وَإِيَّاهُمْ عَنَى تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } وَيَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي خَاصّ مِنْ النَّاس , فَإِنَّهَا مَعْنِيّ بِهَا كُلّ كَاتِم عِلْمًا فَرَضَ اللَّه تَعَالَى بَيَانه لِلنَّاسِ . وَذَلِكَ نَظِير الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم يَعْلَمهُ فَكَتَمَهُ , أُلْجِم يَوْم الْقِيَامَة بِلِجَامِ مِنْ نَار " . وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُول مَا : 1969 - حَدَّثَنَا بِهِ نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا حَاتِم بْن وَرْدَان , قَالَ : ثنا أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ : لَوْلَا آيَة مِنْ كِتَاب اللَّه مَا حَدَّثْتُكُمْ . وَتَلَا : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } 1970 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم قَالَ : ثنا أَبُو زُرْعَة وَعَبْد اللَّه بْن رَاشِد عَنْ يُونُس قَالَ : قَالَ ابْن شِهَاب , قَالَ ابْن الْمُسَيِّب قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّه فِي كِتَابه مَا حَدَّثْت شَيْئًا : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات } إلَى آخِر الْآيَة . وَالْآيَة الْأُخْرَى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } 3 178 إلَى آخِر الْآيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } بَعْض النَّاس ; لِأَنَّ الْعِلْم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَمَبْعَثه لَمْ يَكُنْ إلَّا عِنْد أَهْل الْكِتَاب دُون غَيْرهمْ , وَإِيَّاهُمْ عَنَى تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب } وَيَعْنِي بِذَلِكَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي خَاصّ مِنْ النَّاس , فَإِنَّهَا مَعْنِيّ بِهَا كُلّ كَاتِم عِلْمًا فَرَضَ اللَّه تَعَالَى بَيَانه لِلنَّاسِ . وَذَلِكَ نَظِير الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم يَعْلَمهُ فَكَتَمَهُ , أُلْجِم يَوْم الْقِيَامَة بِلِجَامِ مِنْ نَار " . وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُول مَا : 1969 - حَدَّثَنَا بِهِ نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا حَاتِم بْن وَرْدَان , قَالَ : ثنا أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ : لَوْلَا آيَة مِنْ كِتَاب اللَّه مَا حَدَّثْتُكُمْ . وَتَلَا : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } 1970 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم قَالَ : ثنا أَبُو زُرْعَة وَعَبْد اللَّه بْن رَاشِد عَنْ يُونُس قَالَ : قَالَ ابْن شِهَاب , قَالَ ابْن الْمُسَيِّب قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّه فِي كِتَابه مَا حَدَّثْت شَيْئًا : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات } إلَى آخِر الْآيَة . وَالْآيَة الْأُخْرَى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } 3 178 إلَى آخِر الْآيَة . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه } هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَأَمْر دِينه أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَهُ اللَّه لَهُمْ فِي كُتُبهمْ , يَلْعَنهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ وَتَرْكهمْ تَبْيِينه لِلنَّاسِ . وَاللَّعْنَة الْفَعْلَة , مِنْ لَعَنَهُ اللَّه بِمَعْنَى : أَقْصَاهُ وَأَبْعَده وَأَسْحَقَهُ . وَأَصْل اللَّعْن : الطَّرْد , كَمَا قَالَ الشَّمَّاخ بْن ضِرَار , وَذَكَرَ مَاء وَرَدَ عَلَيْهِ : ذَعَرْت بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْت عَنْهُ مَقَام الذِّئْب كَالرَّجُلِ اللَّعِين يَعْنِي مَقَام الذِّئْب الطَّرِيد . وَاللَّعِين مِنْ نَعْت الذِّئْب , وَإِنَّمَا أَرَادَ مَقَام الذِّئْب الطَّرِيد وَاللَّعِين كَالرَّجُلِ . فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : أُولَئِكَ يُبْعِدهُمْ اللَّه مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَته , وَيَسْأَل رَبّهمْ اللَّاعِنُونَ أَنْ يَلْعَنهُمْ ; لِأَنَّ لَعْنَة بَنِي آدَم وَسَائِر خَلْق اللَّه مَا لَعَنُوا أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ , إذْ كَانَ مَعْنَى اللَّعْن هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْإِقْصَاء وَالْإِبْعَاد . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ لَعْنَة اللَّاعِنِينَ هِيَ مَا وَصَفْنَا : مِنْ مَسْأَلَتهمْ رَبّهمْ أَنْ يَلْعَنهُمْ , وَقَوْلهمْ : لَعَنَهُ اللَّه , أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه ; لِأَنَّ : 1971 - مُحَمَّد بْن خَالِد بْن خِدَاش وَيَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم حَدَّثَانِي قَالَا : ثنا إسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم , قَالَ : إذَا أَسْنَتَتْ السَّنَة , قَالَتْ الْبَهَائِم : هَذَا مِنْ أَجْل عُصَاة بَنِي آدَم , لَعَنَ اللَّه عُصَاة بَنِي آدَم ! ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِاللَّاعِنِينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ دَوَابّ الْأَرْض وَهَوَامّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1972 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَلْعَنهُمْ دَوَابّ الْأَرْض وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب تَقُول : نُمْنَع الْقَطْر بِذُنُوبِهِمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : دَوَابّ الْأَرْض الْعَقَارِب وَالْخَنَافِس يَقُولُونَ : مُنِعْنَا الْقَطْر بِخَطَايَا بَنِي آدَم . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : تَلْعَنهُمْ الْهَوَامّ وَدَوَابّ الْأَرْض تَقُول : أَمْسَكَ الْقَطْر عَنَّا بِخَطَايَا بَنِي آدَم . 1973 - حَدَّثَنَا مُشْرِف بْن أَبَانَ الْخَطَّاب الْبَغْدَادِيّ قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : يَلْعَنهُمْ كُلّ شَيْء حَتَّى الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب يَقُولُونَ : مُنِعْنَا الْقَطْر بِذُنُوبِ بَنِي آدَم . 1974 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : اللَّاعِنُونَ الْبَهَائِم . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم تَلْعَن عُصَاة بَنِي آدَم حِين أَمْسَكَ اللَّه عَنْهُمْ بِذُنُوبِ بَنِي آدَم الْمَطَر فَتَخْرُج الْبَهَائِم فَتَلْعَنهُمْ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن خَالِد , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , فَتَلْعَن عُصَاة بَنِي آدَم إذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْض . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } إلَى أَنَّ اللَّاعِنِينَ هُمْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ هَوَامّ الْأَرْض , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا إذَا جَمَعَتْ مَا كَانَ مِنْ نَوْع الْبَهَائِم وَغَيْر بَنِي آدَم , فَإِنَّمَا تَجْمَعهُ بِغَيْرِ الْيَاء وَالنُّون وَغَيْر الْوَاو وَالنُّون , وَإِنَّمَا تَجْمَعهُ بِالتَّاءِ , وَمَا خَالَفَ مَا ذَكَرْنَا , فَتَقُول اللَّاعِنَات وَنَحْو ذَلِكَ ؟ قِيلَ : الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا وَصَفَتْ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِم أَوْ غَيْرهَا مِمَّا حُكْم جَمْعه أَنْ يَكُون بِالتَّاءِ وَبِغَيْرِ صُورَة جَمْع ذُكْرَان بَنِي آدَم بِمَا هُوَ مِنْ صِفَة الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَجْمَعُوهُ جَمْع ذُكُورهمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا } 41 21 فَأَخْرَجَ خِطَابهمْ عَلَى مِثَال خِطَاب بَنِي آدَم إذْ كَلَّمَتْهُمْ وَكَلَّمُوهَا , وَكَمَا قَالَ : { يَا أَيّهَا النَّمْل اُدْخُلُوا مَسَاكِنكُمْ } 27 18 وَكَمَا قَالَ : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } 12 4 وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1975 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : يَقُول اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْمَلَائِكَة . 1976 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِاللَّاعِنِينَ : كُلّ مَا عَدَا بَنِي آدَم وَالْجِنّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1977 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب : إنَّ الْكَافِر إذَا وُضِعَ فِي قَبْره أَتَتْهُ دَابَّة كَانَ عَيْنَيْهَا قَدْرَانِ مِنْ نُحَاس مَعَهَا عَمُود مِنْ حَدِيد , فَتَضْرِبهُ ضَرْبَة بَيْن كَتِفَيْهِ فَيَصِيح فَلَا يَسْمَع أَحَد صَوْته إلَّا لَعَنَهُ , وَلَا يَبْقَى شَيْء إلَّا سَمِعَ صَوْته , إلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس . 1978 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ , ثنا إسْحَاق , قَالَ , ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : الْكَافِر إذَا وُضِعَ فِي حُفْرَته ضُرِبَ ضَرْبَة بِمِطْرَقِ فَيَصِيح صَيْحَة يَسْمَع صَوْته كُلّ شَيْء إلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس فَلَا يَسْمَع صَيْحَته شَيْء إلَّا لَعَنَهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : اللَّاعِنُونَ : الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنُونَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ وَصَفَ الْكُفَّار بِأَنَّ اللَّعْنَة الَّتِي تَحِلّ بِهِمْ إنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ } 2 161 فَكَذَلِكَ اللَّعْنَة الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّهَا حَالَّة بِالْفَرِيقِ الْآخَر الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ , هِيَ لَعْنَة اللَّه الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّ لَعْنَتهمْ حَالَّة بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار , وَهُمْ اللَّاعِنُونَ , لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَهْل كُفْر . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّاعِنِينَ هُمْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ دَبِيب الْأَرْض وَهَوَامّهَا , فَإِنَّهُ قَوْل لَا تُدْرَك حَقِيقَته إلَّا بِخَبَرِ عَنْ اللَّه أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهَا تَقُوم بِهِ الْحُجَّة , وَلَا خَبَر بِذَلِكَ عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَجُوز أَنْ يُقَال إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِيمَا قَالُوهُ أَنْ يُقَال : إنَّ الدَّلِيل مِنْ ظَاهِر كِتَاب اللَّه مَوْجُود بِخِلَافِ أَهْل التَّأْوِيل , وَهُوَ مَا وَصَفْنَا . فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ تَكُون الْبَهَائِم وَسَائِر خَلْق اللَّه تَلْعَن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه مِنْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَنُبُوَّته , بَعْد عِلْمهمْ بِهِ , وَتَلْعَن مَعَهُمْ جَمِيع الظَّلَمَة , فَغَيْر جَائِز قَطْع الشَّهَادَة فِي أَنَّ اللَّه عَنَى بِاللَّاعِنِينَ الْبَهَائِم وَالْهَوَامّ وَدَبِيب الْأَرْض , إلَّا بِخَبَرِ لِلْعُذْرِ قَاطِع , وَلَا خَبَر بِذَلِكَ وَظَاهِر كِتَاب لِلَّهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ دَالّ عَلَى خِلَافه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه } هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَته وَأَمْر دِينه أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَهُ اللَّه لَهُمْ فِي كُتُبهمْ , يَلْعَنهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ وَتَرْكهمْ تَبْيِينه لِلنَّاسِ . وَاللَّعْنَة الْفَعْلَة , مِنْ لَعَنَهُ اللَّه بِمَعْنَى : أَقْصَاهُ وَأَبْعَده وَأَسْحَقَهُ . وَأَصْل اللَّعْن : الطَّرْد , كَمَا قَالَ الشَّمَّاخ بْن ضِرَار , وَذَكَرَ مَاء وَرَدَ عَلَيْهِ : ذَعَرْت بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْت عَنْهُ مَقَام الذِّئْب كَالرَّجُلِ اللَّعِين يَعْنِي مَقَام الذِّئْب الطَّرِيد . وَاللَّعِين مِنْ نَعْت الذِّئْب , وَإِنَّمَا أَرَادَ مَقَام الذِّئْب الطَّرِيد وَاللَّعِين كَالرَّجُلِ . فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : أُولَئِكَ يُبْعِدهُمْ اللَّه مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَته , وَيَسْأَل رَبّهمْ اللَّاعِنُونَ أَنْ يَلْعَنهُمْ ; لِأَنَّ لَعْنَة بَنِي آدَم وَسَائِر خَلْق اللَّه مَا لَعَنُوا أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ , إذْ كَانَ مَعْنَى اللَّعْن هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْإِقْصَاء وَالْإِبْعَاد . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ لَعْنَة اللَّاعِنِينَ هِيَ مَا وَصَفْنَا : مِنْ مَسْأَلَتهمْ رَبّهمْ أَنْ يَلْعَنهُمْ , وَقَوْلهمْ : لَعَنَهُ اللَّه , أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه ; لِأَنَّ : 1971 - مُحَمَّد بْن خَالِد بْن خِدَاش وَيَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم حَدَّثَانِي قَالَا : ثنا إسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم , قَالَ : إذَا أَسْنَتَتْ السَّنَة , قَالَتْ الْبَهَائِم : هَذَا مِنْ أَجْل عُصَاة بَنِي آدَم , لَعَنَ اللَّه عُصَاة بَنِي آدَم ! ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِاللَّاعِنِينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ دَوَابّ الْأَرْض وَهَوَامّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1972 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَلْعَنهُمْ دَوَابّ الْأَرْض وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب تَقُول : نُمْنَع الْقَطْر بِذُنُوبِهِمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : دَوَابّ الْأَرْض الْعَقَارِب وَالْخَنَافِس يَقُولُونَ : مُنِعْنَا الْقَطْر بِخَطَايَا بَنِي آدَم . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : تَلْعَنهُمْ الْهَوَامّ وَدَوَابّ الْأَرْض تَقُول : أَمْسَكَ الْقَطْر عَنَّا بِخَطَايَا بَنِي آدَم . 1973 - حَدَّثَنَا مُشْرِف بْن أَبَانَ الْخَطَّاب الْبَغْدَادِيّ قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : يَلْعَنهُمْ كُلّ شَيْء حَتَّى الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب يَقُولُونَ : مُنِعْنَا الْقَطْر بِذُنُوبِ بَنِي آدَم . 1974 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : اللَّاعِنُونَ الْبَهَائِم . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم تَلْعَن عُصَاة بَنِي آدَم حِين أَمْسَكَ اللَّه عَنْهُمْ بِذُنُوبِ بَنِي آدَم الْمَطَر فَتَخْرُج الْبَهَائِم فَتَلْعَنهُمْ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن خَالِد , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْبَهَائِم : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , فَتَلْعَن عُصَاة بَنِي آدَم إذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْض . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه الَّذِينَ وَجَّهُوا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } إلَى أَنَّ اللَّاعِنِينَ هُمْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ هَوَامّ الْأَرْض , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا إذَا جَمَعَتْ مَا كَانَ مِنْ نَوْع الْبَهَائِم وَغَيْر بَنِي آدَم , فَإِنَّمَا تَجْمَعهُ بِغَيْرِ الْيَاء وَالنُّون وَغَيْر الْوَاو وَالنُّون , وَإِنَّمَا تَجْمَعهُ بِالتَّاءِ , وَمَا خَالَفَ مَا ذَكَرْنَا , فَتَقُول اللَّاعِنَات وَنَحْو ذَلِكَ ؟ قِيلَ : الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا وَصَفَتْ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِم أَوْ غَيْرهَا مِمَّا حُكْم جَمْعه أَنْ يَكُون بِالتَّاءِ وَبِغَيْرِ صُورَة جَمْع ذُكْرَان بَنِي آدَم بِمَا هُوَ مِنْ صِفَة الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَجْمَعُوهُ جَمْع ذُكُورهمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا } 41 21 فَأَخْرَجَ خِطَابهمْ عَلَى مِثَال خِطَاب بَنِي آدَم إذْ كَلَّمَتْهُمْ وَكَلَّمُوهَا , وَكَمَا قَالَ : { يَا أَيّهَا النَّمْل اُدْخُلُوا مَسَاكِنكُمْ } 27 18 وَكَمَا قَالَ : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } 12 4 وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1975 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : يَقُول اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } الْمَلَائِكَة . 1976 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : اللَّاعِنُونَ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِاللَّاعِنِينَ : كُلّ مَا عَدَا بَنِي آدَم وَالْجِنّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1977 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب : إنَّ الْكَافِر إذَا وُضِعَ فِي قَبْره أَتَتْهُ دَابَّة كَانَ عَيْنَيْهَا قَدْرَانِ مِنْ نُحَاس مَعَهَا عَمُود مِنْ حَدِيد , فَتَضْرِبهُ ضَرْبَة بَيْن كَتِفَيْهِ فَيَصِيح فَلَا يَسْمَع أَحَد صَوْته إلَّا لَعَنَهُ , وَلَا يَبْقَى شَيْء إلَّا سَمِعَ صَوْته , إلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس . 1978 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ , ثنا إسْحَاق , قَالَ , ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } قَالَ : الْكَافِر إذَا وُضِعَ فِي حُفْرَته ضُرِبَ ضَرْبَة بِمِطْرَقِ فَيَصِيح صَيْحَة يَسْمَع صَوْته كُلّ شَيْء إلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس فَلَا يَسْمَع صَيْحَته شَيْء إلَّا لَعَنَهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : اللَّاعِنُونَ : الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِنُونَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ وَصَفَ الْكُفَّار بِأَنَّ اللَّعْنَة الَّتِي تَحِلّ بِهِمْ إنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ } 2 161 فَكَذَلِكَ اللَّعْنَة الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّهَا حَالَّة بِالْفَرِيقِ الْآخَر الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ , هِيَ لَعْنَة اللَّه الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّ لَعْنَتهمْ حَالَّة بِاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار , وَهُمْ اللَّاعِنُونَ , لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَهْل كُفْر . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّاعِنِينَ هُمْ الْخَنَافِس وَالْعَقَارِب وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ دَبِيب الْأَرْض وَهَوَامّهَا , فَإِنَّهُ قَوْل لَا تُدْرَك حَقِيقَته إلَّا بِخَبَرِ عَنْ اللَّه أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهَا تَقُوم بِهِ الْحُجَّة , وَلَا خَبَر بِذَلِكَ عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَجُوز أَنْ يُقَال إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِيمَا قَالُوهُ أَنْ يُقَال : إنَّ الدَّلِيل مِنْ ظَاهِر كِتَاب اللَّه مَوْجُود بِخِلَافِ أَهْل التَّأْوِيل , وَهُوَ مَا وَصَفْنَا . فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ تَكُون الْبَهَائِم وَسَائِر خَلْق اللَّه تَلْعَن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه مِنْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَنُبُوَّته , بَعْد عِلْمهمْ بِهِ , وَتَلْعَن مَعَهُمْ جَمِيع الظَّلَمَة , فَغَيْر جَائِز قَطْع الشَّهَادَة فِي أَنَّ اللَّه عَنَى بِاللَّاعِنِينَ الْبَهَائِم وَالْهَوَامّ وَدَبِيب الْأَرْض , إلَّا بِخَبَرِ لِلْعُذْرِ قَاطِع , وَلَا خَبَر بِذَلِكَ وَظَاهِر كِتَاب لِلَّهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ دَالّ عَلَى خِلَافه .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون. واختلفوا من المراد بذلك، فقيل : أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم اليهود أمر الرجم. وقيل : المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار). رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجة. ويعارضه قول عبدالله بن مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال عليه السلام : (حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله). وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه جميع العوام، فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه، وينزل كل إنسان منزلته، والله تعالى أعلم. الثانية: هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله : لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا. وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون أخذ الأجرة عليه، إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام، وقد مضى القول في هذا. وتحقيق الآية هو : أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله، ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره الرعية، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات ونحو ذلك. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير)، يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. وقد قال سحنون : إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ابن العربي : والصحيح خلافه، لأن في الحديث (من سئل عن علم) ولم يقل عن شهادة، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله، والله اعلم. الثالثة: قوله تعالى { من البينات والهدى} يعم المنصوص عليه والمستنبط، لشمول اسم الهدى للجميع. وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد، لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقال { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} [البقرة : 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل : إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر. قلنا : هذا غلط، لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجبا للعلم، والله تعالى أعلم. الرابعة: لما قال { من البينات والهدى} دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبدالله : البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم. الخامسة: قوله تعالى { من بعد ما بيناه} الكناية في { بيناه} ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى. والكتاب : اسم جنس، فالمراد جميع الكتب المنزلة. السادسة: قوله تعالى { أولئك يلعنهم الله} أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم : عليكم لعنتي، كما قال للّعين { وإن عليك لعنتي} [ص:78]. وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد، وقد تقدم. السابعة: قوله تعالى { ويلعنهم اللاعنون} قال قتادة والربيع : المراد { باللاعنون} الملائكة والمؤمنون. قال ابن عطية : وهذا واضح جار على مقتضى الكلام. وقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. قال الزجاج : والصواب قول من قال { اللاعنون} الملائكة والمؤمنون، فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذينك شيئا. قلت : قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} قال : (دواب الأرض). أخرجه ابن ماجة عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المنهال عن زاذان عن البراء، إسناد حسن. فإن قيل : كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل؟ قيل : لأنه أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال { رأيتهم لي ساجدين} [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات، وقد قال { لم شهدتم علينا} [فصلت: 21]، وقال { وتراهم ينظرون إليك} [الأعراف:198]، ومثله كثير، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال البراء بن عازب وابن عباس { اللاعنون} كل المخلوقات ما عدا الثقلين : الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل سامع). وقال ابن مسعود والسدي : هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى، فهو قوله { ويلعنهم اللاعنون} فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 155 - 159


سورة البقرة الايات 159 - 164

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق سبحانه حين يعرض هذه القضية، يبين لنا موقف الجزاء من الذين يكتمون ما أنزل الله، لقد كتم بعض من أهل الكتاب البينات التي أنزلها الله في الكتاب الذي معهم، بينات تثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته، وهذا الكتمان سيورث شرورا، وكلما نال العالم شر من كتمانهم فسيلعنهم، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.

والحق سبحانه وتعالى ينبه المؤمنين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الجزاء من الطرد ومن اللعن ليس مقصورا على هؤلاء، وإنما ينسحب ويشمل كل من يكتم ما أنزل الله من البينات، إذن فذلك فيه واقع مما حدث من أهل الكتاب، وفيه ـ أيضا ـ تحذير للذين يؤمنون بالإسلام أن يكتموا بينات الله؛ وإلا صاروا إلى ما صار إليه هؤلاء، وهو اللعن.

وكلمة " اللعن " وردت في القرآن إحدى وأربعين مرة، وساعة تأتي للعذاب تكون للطرد والإبعاد بغضب، وهو الخلود في النار، وساعة يكون الطرد إبعاد تأديب، فلا يوجد بغضب؛ لأن المؤدب لا يغضب على من يؤدبه، وإنما يغضب لمن يؤدبه.

وعندما يحدث الطرد من بعد غضب، فذلك دليل على أنه ليس من بعد ذلك رجعة، فالإنسان إذا ترك لشيء صامت ليعذب به كالنار، يقول لنفسه: " ربما جاء من يرق لحالي ويعطف علي فيخرجني من النار " ، إنه يقول ذلك لنفسه: لأن الذي يعذب به صامت لا عاطفة له، لكن ما المخرج إذا كانت اللعنة من الله والملائكة والناس؟ كما يقول الحق في آية أخرى:
{  أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
[آل عمران: 87]

ويتضح لنا هنا أن لعنة الله تكون في الدنيا وفي الآخرة، ويلعنهم اللاعنون من الناس، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا فيها نجد أن اللعنة أشمل، لأن " اللاعنون " تضم الناس وغير الناس من الكائنات الأخرى، كأن كل من في الوجود يشترك في لعنهم، وعلى سبيل المثال، إذا حبس الله الماء عن قوم لعصيانهم، فالنبات يلعنهم لأنه حُرم من الماء، وتلعنهم الحيوانات لأنها حُرمت من الماء، وتلعنهم الأمكنة لأنهم خالفوا ما عليه الأمكنة من التسبيح لله. أما لعنة الآخرة حيث لا ري لنبات أو حيوان؛ فسيكون اللعن لهم صادرا من الله والملائكة والناس أجمعين. والناس هم بنو آدم إلى أن تقوم الساعة، وهؤلاء منهم كافر ومنهم مؤمن، كيف ـ إذن ـ يوجد اللعن ممن كفر مع أنه هو أيضا ملعون؟

نقول: نحن في الدنيا نجد من يخدع غيره في دين الله، وهناك من ينخدع، فإذا ما انجلت الأمور في الآخرة، وانفضح الخادعون، وأسقط في يد المخدوعين، فهنا يتبرأ الذين اتُّبِعُوا من الذين اتَّبَعُوا، يتبرأ الخادع من المخدوع، ويتبرأ المخدوع من الخادع، وكلما دخلت أمة من المخدوعين إلى النار لعنت الأمة التي خدعتها، وكلما دخلت أمة خادعة إلى النار، فإنها تلعن الذين استسلموا للخديعة، ويتبادلون اللعن.يقول الحق:
{  إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ }
[البقرة: 166]

ويقول أيضا:
{  كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا }
[الأعراف: 38]

إذن فاللعنة موجودة بين الكافرين بعضهم لبعض، كما هي موجودة في الدنيا أيضا، فالذين يكفرون بمنهج الله وينحرفون ويظلمون، هؤلاء يتلقون اللعنة من أهل منهج الله، ويتلقون اللعنة من المظلومين منهم، ثم يأتي لهم موقف آخر، يأتي لهم من يظلمهم، فيلعنونه ويلعنهم، وهكذا يلعنهم الناس أجمعون.

واللعن بطرد وغضب وزجر يختلف عن اللعن التأديبي الذي يأخذ صيغة الإبعاد، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المتخلفين في غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانوا يسمونها غزوة العسرة، لأنها جاءت في مشقة من كل جهاتها، لبعد المكان بين تبوك والمدينة، ومشقة أخرى من نقص الدواب التي تحمل المقاتلين، فقد كان كل عشرة من المقاتلين يتناوبون على دابة واحدة، ومشقة وعسرة في الزاد، حتى أنهم كانوا يأكلون التمر بدوده، وكانوا يأكلون الشحم والدهن والإهالة الزنخة، وعسرة في الماء حتى أنهم كانوا يذبحون البعير ليشربوا من فرثه وكرشه الماء، وعسرة في الجو القائظ الشديد الحرارة، كانت كل الظروف صعبة وقاسية وتحتم ألا يخرج للغزوة إلا الصادق في يقينه.

لقد كانت تلك الغزوة اختبارا وابتلاء للإيمانية في نفوس الناس. ولذلك فإن بعضهم استسلم لحديث النفس في أن يظل بالمدينة، وقال واحد منهم: " أظل ظليل وراحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القيظ؟! والله لا يكون هذا أبدا " ، ثم قام وتبع جيش المؤمنين، وآخر عنده بستان فيه ظلال وثمار؛ فنظر إلى بستانه وقال: " أأنت الذي منعتني أن أكون في ركاب رسول الله؟! والله لا تكون ملكي بعد الآن، وأنت لله في سبيل الله " ، وثالث جلس في بيته وأمامه زوجته الجميلة وحوله أشجار وزروع، فقال: " أأجلس في ظل ورطب وماء وامرأة حسناء ورسول الله في حمارة القيظ، والله لا يكون هذا أبدا " ، وامتطى حصانه إلى الصحراء لينضم لجيش المسلمين.

وعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا اعتذر له من لم يشاركوه رحلة النصر بأنهم كانوا لا يملكون وسائل الحرب من دواب ودروع وسيوف ونبال، فقبل رسول الله علانيتهم وترك سرائرهم لله، إلا ثلاثة صدقوا وقالوا: " يا رسول الله ما كنا أغنى منا ساعة امتنعنا عن الذهاب معك فعندنا عدة الحرب والدواب ".

لقد أمر رسول الله الناس ألا يكلموهم ولا يتعاملوا معهم، واستكان اثنان منهم وظلا في بيتهما، وهما هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أما كعب بن مالك فكان يخرج ويلقى الناس فلا يكلمه أحد، ويذهب للصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسارق النظر إلى النبي ويسلم عليه، لكن رسول الله لا يرد، ويغض طرفه ويعرض عنه، حتى أن كعباً يقول: " فانظر هل حرك رسول الله شفتيه برد السلام أم لا؟ ".لماذا كل ذلك؟. لقد أرادها النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة إيضاح لكيفية إبعاد التأديب. وضاقت الدنيا على الثلاثة، وذهب كعب إلى ابن عمه أبي قتادة وتسلق عليه الحائط، لأنه يعلم أنه لو طرق الباب فلن يفتح له. ورغم تسلق الحائط إلا أن ابن العم أعرض عنه، فقال راجيا: " أنشدك الله، أنشدك الله، أنشدك الله " كل ذلك وابن عمه لا يرد عليه، ثم قال له: " تعلم أني أحب رسول الله ". فلم يرد عليه ابن العم وظل يتوسل سائلا عن موعد العفو، فقال أبو قتادة: " الله ورسوله أعلم ".

فلما مضت أربعون ليلة على هذا الإبعاد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصعد التأديب فيطلب من الرجال الثلاثة ـ من خلال رسول أرسله إليهم ـ ألا يقربوا نساءهم. لقد دخل العزل إلى دائرة جديدة وهي دائرة المجتمع الخاص حيث الرجل وامرأته، فقال كعب لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أطلق زوجتي "؟. قال الرسول: " بل لا تقربها ". وقال قوم لكعب: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فلتذهب امرأتك لتستأذنه في أن تظل معك لتخدمك؛ فقد استأذنت امرأة هلال بن أمية رسول الله؛ فأذن لها أن تخدم زوجها. فقال كعب: والله لا أفعل، لأن امرأة هلال حينما ذهبت إلى رسول الله قال لها: " لا يقربنك " فقالت: " يا رسول الله والله إن هلالا ما به حركة لشيء " فأذن لها أن تظل لتخدمه. لكني رجل شاب وأخاف أن أستأذن رسول الله فلا يعطيني هذا الحق.

هكذا كان إبعاد التأديب، وليس بالطرد الكامل من حظيرة الإيمان، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل من يتلقون التأديب أهلا لأوامر يلقيها عليهم، ثم جاءت البشرى بالإفراج بعد عشرة أيام عندما أنزل الحق قوله:
{  وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }
[التوبة:118]

وهكذا لم يقفل الحق الباب بل جعله مفتوحا أمام الإنسان، حتى لمن كفر، وحتى لمن كتم، فلا يظن أن سابق كفره أو تراخيه عن نصرة الحق سيغلق أمامه الباب، أو يحول بينه وبين ربه، لذلك يقول الحق: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} . [159].
نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم وأَمْرَ محمد صلى الله عليه وسلم.


www.alro7.net