سورة
اية:

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ

تفسير بن كثير

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} أي عن إخوانهم، { إذا ضربوا في الأرض} أي سافروا للتجارة ونحوها، { أو كانوا غزَّى} أي كانوا في الغزو، { لو كانوا عندنا} أي في البلد، { ما ماتوا وما قتلوا} أي ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو. وقوله تعالى: { ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم} أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم، ثم قال تعالى رداً عليهم: { واللّه يحيي ويميت} أي بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقَدَره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره، { واللّه بما تعملون بصير} أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، وقوله تعالى: { ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متم لمغفرة من اللّه ورحمة خير مما يجمعون} تضمن هذا أن القتل في سبيل اللّه والموت أيضاً وسيلة إلى نيل رحمة اللّه وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى اللّه عزّ وجلّ فيجزيه بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر فقال تعالى: { ولئن متم أو قتلتم لإلى اللّه تحشرون} .

تفسير الجلالين

{ ولئن } لام قسم { قُتِلْتُمْ في سبيل الله } أي الجهاد { أو مُتُّمْ } بضم الميم وكسرها من مات يموت أي أتاكم الموت فيه { لمغفرة } كائنة { من الله } لذنوبكم { ورحمة } منه لكم على ذلك واللام ومدخولها جواب القسم وهو في موضوع الفعل مبتدأ خبره { خير مما تجمعون } من الدنيا بالتاء والياء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } يُخَاطِب جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ يَقُول لَهُمْ : لَا تَكُونُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي شَكّ مِنْ أَنَّ الْأُمُور كُلّهَا بِيَدِ اللَّه , وَأَنَّ إِلَيْهِ الْإِحْيَاء وَالْإِمَاتَة , كَمَا شَكّ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنْ جَاهِدُوا فِي سَبِيل اللَّه , وَقَاتِلُوا أَعْدَاء اللَّه عَلَى يَقِين مِنْكُمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَل فِي حَرْب , وَلَا يَمُوت فِي سَفَر إِلَّا مَنْ بَلَغَ أَجَله وَحَانَتْ وَفَاته . ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى جِهَادهمْ فِي سَبِيله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَوْتًا فِي سَبِيل اللَّه وَقَتْلًا فِي اللَّه خَيْر لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُطَامهَا وَرَغِيد عَيْشهَا الَّذِي مِنْ أَجْله يَتَثَاقَلُونَ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَيَتَأَخَّرُونَ عَنْ لِقَاء الْعَدُوّ . كَمَا : 6457 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } أَيْ إِنَّ الْمَوْت كَائِن لَا بُدّ مِنْهُ , فَمَوْت فِي سَبِيل اللَّه أَوْ قَتْل خَيْر لَوْ عَلِمُوا فَأَيْقَنُوا مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي لَهَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ الْجِهَاد , تَخَوُّفًا مِنْ الْمَوْت وَالْقَتْل لَمَا جَمَعُوا مِنْ زَهِيد الدُّنْيَا وَزَهَادَة فِي الْآخِرَة . وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَابْتَدَأَ الْكَلَام : " وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ " بِحَذْفِ جَزَاء " لَئِنْ " لِأَنَّ فِي قَوْله : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } مَعْنَى جَوَاز لِلْجَزَاءِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ وَعْد خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ , لَيَغْفِرَنَّ اللَّه لَكُمْ وَلَيَرْحَمَنَّكُم , فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَجَمَعَ مَعَ الدَّلَالَة بِهِ عَلَيْهِ الْخَبَر عَنْ فَضْل ذَلِكَ عَلَى مَا يُؤْثِرُونَهُ مِنْ الدُّنْيَا , وَمَا يَجْمَعُونَ فِيهَا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّهُ إِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُون : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة } جَوَابًا لِقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ } فَإِنَّ الْقَوْل فِيهِ أَنْ يُقَال فِيهِ : كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ , فَذَكَرَ لَهُمْ رَحْمَة مِنْ اللَّه وَمَغْفِرَة , إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّبِيل , فَقَالَ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة } يَقُول : لِذَلِكَ { خَيْر مِمَّا تَجْمَعُونَ } يَعْنِي لَتِلْكَ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة خَيْر مِمَّا تَجْمَعُونَ . وَدَخَلَتْ اللَّام فِي قَوْله : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه } لِدُخُولِهَا فِي قَوْله : " وَلَئِنْ " , كَمَا قِيلَ : { وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار } 59 12 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } يُخَاطِب جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ يَقُول لَهُمْ : لَا تَكُونُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي شَكّ مِنْ أَنَّ الْأُمُور كُلّهَا بِيَدِ اللَّه , وَأَنَّ إِلَيْهِ الْإِحْيَاء وَالْإِمَاتَة , كَمَا شَكّ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنْ جَاهِدُوا فِي سَبِيل اللَّه , وَقَاتِلُوا أَعْدَاء اللَّه عَلَى يَقِين مِنْكُمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَل فِي حَرْب , وَلَا يَمُوت فِي سَفَر إِلَّا مَنْ بَلَغَ أَجَله وَحَانَتْ وَفَاته . ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى جِهَادهمْ فِي سَبِيله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَوْتًا فِي سَبِيل اللَّه وَقَتْلًا فِي اللَّه خَيْر لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُطَامهَا وَرَغِيد عَيْشهَا الَّذِي مِنْ أَجْله يَتَثَاقَلُونَ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَيَتَأَخَّرُونَ عَنْ لِقَاء الْعَدُوّ . كَمَا : 6457 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } أَيْ إِنَّ الْمَوْت كَائِن لَا بُدّ مِنْهُ , فَمَوْت فِي سَبِيل اللَّه أَوْ قَتْل خَيْر لَوْ عَلِمُوا فَأَيْقَنُوا مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي لَهَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ الْجِهَاد , تَخَوُّفًا مِنْ الْمَوْت وَالْقَتْل لَمَا جَمَعُوا مِنْ زَهِيد الدُّنْيَا وَزَهَادَة فِي الْآخِرَة . وَإِنَّمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَابْتَدَأَ الْكَلَام : " وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ " بِحَذْفِ جَزَاء " لَئِنْ " لِأَنَّ فِي قَوْله : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } مَعْنَى جَوَاز لِلْجَزَاءِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ وَعْد خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ , لَيَغْفِرَنَّ اللَّه لَكُمْ وَلَيَرْحَمَنَّكُم , فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَجَمَعَ مَعَ الدَّلَالَة بِهِ عَلَيْهِ الْخَبَر عَنْ فَضْل ذَلِكَ عَلَى مَا يُؤْثِرُونَهُ مِنْ الدُّنْيَا , وَمَا يَجْمَعُونَ فِيهَا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّهُ إِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُون : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة } جَوَابًا لِقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مُتُّمْ } فَإِنَّ الْقَوْل فِيهِ أَنْ يُقَال فِيهِ : كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ , فَذَكَرَ لَهُمْ رَحْمَة مِنْ اللَّه وَمَغْفِرَة , إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّبِيل , فَقَالَ : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرَحْمَة } يَقُول : لِذَلِكَ { خَيْر مِمَّا تَجْمَعُونَ } يَعْنِي لَتِلْكَ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة خَيْر مِمَّا تَجْمَعُونَ . وَدَخَلَتْ اللَّام فِي قَوْله : { لَمَغْفِرَة مِنْ اللَّه } لِدُخُولِهَا فِي قَوْله : " وَلَئِنْ " , كَمَا قِيلَ : { وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار } 59 12 '

تفسير القرطبي

جواب الجزاء محذوف، استغني عنه بجواب القسم في قوله { لمغفرة من الله ورحمة} وكان الاستغناء بجواب القسم أولى؛ لأن له صدر الكلام، ومعناه ليغفرن لكم. وأهل الحجاز يقولون : متم، بكسر الميم مثل نمتم، من مات يمات مثل خفت يخاف. وسفلى مضر يقولون : متم، بضم الميم مثل نمتم، من مات يموت. كقولك كان يكون، وقال يقول. هذا قول الكوفيين وهو حسن. وقوله { لإلى الله تحشرون} وعظ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تفروا من القتال ومما أمركم به، بل فروا من عقابه وأليم عذابه، فإن مردكم إليه لا يملك لكم أحد ضرا ولا نفعا غيره. والله سبحانه وتعالى أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 154 - 159

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والذي يحرص على ألا يخوض المعركة مخافة أن يُقتل، فما الذي يرجح عنده هذا العمل؟ إنه يبتغي الخير بالحياة. وما دام يبتغي الخير بالحياة، إذن فحركته في الحياة في وهمه ستأتيه بخير، فهو يخشى أن يموت ويترك ذلك الخير، إنه لم يمتلك بصيرة إيمانية، ونقول له: الخير في حياتك على قدر حركتك: قوة وعلما وحكمة، أما تمتعك حين تلتقي بالله شهيداً فعلى قدر ما عند الله من فضل ورحمة وهي عطاءات بلا حدود، إذن فأنت ضيعت على نفسك الفرق بين قُدرتك وحِكمتك وعِلمك وحَركتك في الكسب وبين ما يُنسب إلى الله في كل ذلك، ولذلك يقول الحق:

{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }

وبعد ذلك يقول الحق: { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ }


www.alro7.net