سورة
اية:

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا

تفسير بن كثير

وهذا من الذنوب التي ارتكبوها مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم { وكفرهم بآيات اللّه} أي حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام، قوله: { وقتلهم الأنبياء بغير حق} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء اللّه، فإنهم قتلوا جماً غفيراً من الأنبياء عليهم السلام { وقولهم قلوبنا غلف} قال ابن عباس: أي في غطاء، وهذا كقول المشركين: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} الآية، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم أي أوعية للعلم قد حوته وحصلته، قال اللّه تعالى: { بل طبع اللّه عليها بكفرهم} ، فعلى القول الاول: كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول لأنها في غلف وفي أكنة، قال اللّه بل هي مطبوع عليها بكفرهم، وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة. { فلا يؤمنون إلا قليلا} أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} قال ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا. قال السدي: والظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك. زاد بعضهم وهي حائض، فعليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة، وقوله: { إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه} أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء كقول المشركين: { يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} . وكان من خبر اليهود عليهم لعائن اللّه وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث اللّه عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه اللّه تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرىء بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائراً ثم ينفخ فيه فيكون طائراً يشاهد طيرانه بإذن اللّه عزَّ وجلَّ إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه اللّه بها أجراها على يديه ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي اللّه عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلده، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان وكان رجلاً مشركاً من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلاً يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفراً - وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت - فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لامحالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم - قال لأصحابه: أيكم يُلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو ! وألقى اللّه عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى عليه السلام سَنَةً من النوم فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال اللّه تعالى: { إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} الآية، فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا - كما ظن اليهود - أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال إنه خاطبها واللّه أعلم، وهذا كله من امتحان اللّه عباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح اللّه الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد المعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي رأوا شهبه فظنوه إياه ولهذا قال: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} يعني ذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلّمه إليهم من جهال النصارى كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال. ولهذا قال: { وما قتلوه يقيناً} أي وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين { بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً} أي منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه، { حكيماً} أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد اللّه أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فخرج عليهم ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثم سناً، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: هو أنت ذاك، فأُلقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان اللّه فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية وقالت فرقة: كان فينا ابن اللّه ما شاء ثم رفعه اللّه إليه، وهؤلاء النسطورية وقالت فرقة: كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء اللّه ثم رفعه اللّه إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى يبعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم ""قال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس"" وروى ابن جرير عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له داود ، فلما أجمعوا لذلك منه لم يفظع عبد من عباد اللّه بالموت - فيما ذكر لي - فظعه، ولم يجزع منه جزعه ولم يدع في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني، وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دماً، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه وهم ثلاثة عشر بعيسى عليه السلام، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلاً سوى عيسى عليه السلام جحدته النصارى، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من الخبر. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانياً فأسلم، أن عيسى حين جاءه من اللّه إني رافعك إليّ، قال: يا معشر الحواريين أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس : أنا يا روح اللّه، قال: فاجلس في مجلسي فجلس فيه، ورفع عيسى عليه السلام، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليهم ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون وفقدوا رجلاً من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى جعلوا لـ( ليودس ركريا يوطا) ثلاثين درهماً على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله، وهو الذي أقبِّل فخذوه، فلما دخلوا وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى فلم يشك أنه هو، فأكب عليه فقبله، فأخذوه فصلبوه، ثم أن ( ليودس ركريا يوطا ) ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه ( ليودس ركريا يوطا )وهو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه واللّه أعلم أي ذلك كان. وقال ابن جرير عن مجاهد: صلبوا رجلاً شبه بعيسى ورفع اللّه عزَّ وجلَّ عيسى إلى السماء حياً، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه. وقوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم معنى ذلك: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى ابن مريم عليه السلام، وقال أبو مالك في قوله: { إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى وقبل موت عيسى ابن مريم عليه السلام لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به وقال: الحسن: قبل موت عيسى والله إنه لحي الآن عند اللّه ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. قال ابن جرير وقال آخرون يعني بذلك { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} بعيسى قبل موت صاحب الكتاب لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال ابن عباس في الآية: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى وعن مجاهد: كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته؛ قبل موت صاحب الكتاب. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: هي في قراءة أبيّ قبل موتهم ليس يهودي يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهويّ قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم قال: يلجلج بها لسانه، فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة وابن سيرين وبه يقول الضحاك وقال السدي وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبيّ بن كعب قبل موتهم. قال ابن جرير، وقال آخرون معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم قبل موت الكتاب. قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام. ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر اللّه أنه لم يكن الأمر كذلك وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنودرها إن شاء اللّه قريباً فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي قبل موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض، فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره، ينجلي له ما كان جاهلاً به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} الآية، وقال تعالى: { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللّه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين* فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا} الآية. ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قال البخاري رحمه اللّه في كتاب ذكر الأنبياء عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيراً له من الدنيا وما فيها)، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} ""أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري""وقال أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما) قال وتلا أبو هريرة: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة. طريق أخرى : قال البخاري عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم) ""أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد"" طريق أخرى: قال الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصَّران "" مصبوغان بالمِصْر وهو تراب أحمر "" كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك اللّه في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك اللّه في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون) وقد روى البخاري عن أبي هريرة، قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي) وفي رواية: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) حديث آخر : وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا واللّه لا نخلي بينكم وبين أخواننا، فيقاتلوهم فيهزم ثلث لا يتوب اللّه عليهم أبداً ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند اللّه، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً فيفتحون قسطنطينية فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفَكم ""خلفكم في أهليكم: أي طرق أهلهم وهم غائبون عنهم ""في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم فيؤمهم، فإذا رآه عدو اللّه ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله اللّه بيده فيريهم دمه في حربته) حديث آخر : روى ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله أن قال: (لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ اللّه ذرية آدم عليه السلام أعظم من فتنة الدجال وإن اللّه لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، وإن اللّه خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلَّة بين الشام والعراق، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً، ألا يا عباد اللّه: أيها الناس فاثبتوا وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول: أنا نبي فلا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور وإن ربكم عزَّ وجل ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً فناره جنة وجنته نار فمن ابتلي بناره فليستغث باللّه، وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أمك وأباك أتشهد أني ربك؟ فيقول نعم، فيتمثل له شيطان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بَنُيَّ اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى تلقى شقتين، ثم يقول انظر إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له رباً غيري، فيبعثه اللّه فيقول له الخبيث من ربك؟ فيقول: ربي اللّه، وأنت عدو اللّه الدجال، واللّه ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم) وإن من فتنته: أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده خواصر وأدره ضروعاً، وأنه لا يبقى شئ من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة و المدينة فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتةً حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فينفي الخبث عنها كما ينفى الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم (يوم الخلاص )فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول اللّه فأين العرب يومئذ؟ قال: (هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم عليه السلام، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وتاج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً، فيقول عيسى إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند (باب لُدّ الشرقي) فيقتله، ويهزم اللّه اليهود فلا يبقى شيء مما خلق اللّه تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق اللّه ذلك الشيء - لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة، إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال يا عبد اللّه المسلم: هذا يهودي فتعال اقتله) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي)، فقيل له: كيف نصلي يا نبي اللّه في تلك الأيام القصار؟ قال: (تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا)، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض، وتنزح حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة من الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا اللّه، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض لها نور الفضة، وتنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ويكون الفرس بالدريهمات قيل يا رسول اللّه ومايرخص الفرس؟ قال: (لا تركب لحرب أبداً)، قيل له فما يغلي الثور؟ قال: (يحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، ويأمر اللّه السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر اللّه السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر اللّه عزَّ وجلّ السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: (التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام) ""أخرجه ابن ماجة، قال الحافظ ابن كثير: غريب جداً من هذا الوجه ولبعضه شواهد من أحاديث أُخر"" حديث آخر : وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد اللّه هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله - إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) ""رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً"". حديث آخر : وقال مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فقال: (ما شأنكم)؟ قلنا: يا رسول اللّه ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، قال: (غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، واللّه خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد اللّه فاثبتوا( قلنا: يا رسول اللّه فما لبثه في الأرض؟ قال: (أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) قلنا يا رسول اللّه وذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره)، قلنا يا رسول اللّه وما إسراعه في الأرض؟ قال: (كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليهم قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل "" يعاسيب النحل: ذكروها ""، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث اللّه المسيح ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحّدَر منه كجمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى عليه السلام قوماً قد عصمهم اللّه منه فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللّه عزَّ وجلَّ إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث اللّه يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذا مرة ماء، ويحضر نبي اللّه عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي اللّه عيسى وأصحابه فيرسل اللّه عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرْسى ""أي: قتلى "" كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي اللّه عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ""رائحتهم النتنة المتغيرة "" ونتنهم فيرغب نبي اللّه عيسى وأصحابه إلى اللّه فيرسل اللّه طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللّه، ثم يرسل اللّه مطراً لا يُكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلفة ""الزلفة بالتحريك: المرآة"" . ثم يقال للأرض أخرجي ثمرك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك اللّه في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام ""الرسل بالتحريك: القطيع الجمع أرسال، واللقحة - بالكسر وبالفتح لغة - هي ذات اللبن، والفئام الجماعة ""من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فيقبض اللّه روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة) ""أخرجه مسلم ورواه أحمد وأهل السنن"" حديث آخر: قال مسلم في صحيحه عن يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول، سمعت عبد اللّه بن عمرو - وجاءه رجل - فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، فقال: سبحان اللّه أو لا إله إلا اللّه أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يخرج الدجال في أُمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً، فيبعث اللّه تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل اللّه ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير - أو إيمان - إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه) قال: سمعتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: لا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسُن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من سمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل اللّه - أو قال ينزل اللّه - مطراً كأنه الطل - أو قال الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم { وقفوهم إنهم مسؤولون} ، ثم يقال: أخرجوا بعث الناس، فيقال من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال فذلك { يوماً يجعل الولدان شيبا} وذلك { يوم يكشف عن ساق} ""أخرجه مسلم والنسائي"" حديث آخر قال الإمام أحمد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد اللّه بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جارية، قال، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد - أو إلى جانب لد - ) ورواه أحمد أيضاً عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهري عن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مجمع بن جارية، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يقتل ابن مريم الدجال بباب لد) وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به، وقال: هذا حديث صحيح. قال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عيينة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة، وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر وأبي أمامة، وابن مسعود، وعبد اللّه بن عمرو، وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان، وعمرو بن عوف، وحذيفة بن اليمان رضي اللّه عنهم. ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال، وقتل عيسى ابن مريم عليه السلام له. حديث آخر : وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق - أو تحشر - الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا) ""رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن""وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف: أنه يدفن مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في حجرته، فاللّه أعلم. وقوله تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من اللّه، وأقر بعبودية اللّه عزَّ وجلَّ، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: { وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس - إلى قوله - العزيز الحكيم} .

تفسير الجلالين

{ وبكفرهم } ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } حيث رموها بالزنا.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَبِكُفْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي : بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهَا , وَرَمْيهمْ إِيَّاهَا بِالزِّنَا , وَهُوَ الْبُهْتَان الْعَظِيم ; لِأَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِذَلِكَ وَهِيَ مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ بِغَيْرِ ثَبَت وَلَا بُرْهَان بَرِيئَة , فَبَهَتُوهَا بِالْبَاطِلِ مِنْ الْقَوْل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8481 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا . 8482 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } حِين قَذَفُوهَا بِالزِّنَا. 8483 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عُبَيْد , عَنْ جُوَيْبِر فِي قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } قَالَ : قَالُوا زَنَتْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَبِكُفْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي : بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهَا , وَرَمْيهمْ إِيَّاهَا بِالزِّنَا , وَهُوَ الْبُهْتَان الْعَظِيم ; لِأَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِذَلِكَ وَهِيَ مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ بِغَيْرِ ثَبَت وَلَا بُرْهَان بَرِيئَة , فَبَهَتُوهَا بِالْبَاطِلِ مِنْ الْقَوْل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8481 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا . 8482 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } حِين قَذَفُوهَا بِالزِّنَا. 8483 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عُبَيْد , عَنْ جُوَيْبِر فِي قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } قَالَ : قَالُوا زَنَتْ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فبما نقضهم ميثاقهم} { فبما نقضهم} خفض بالباء و { ما} زائدة مؤكدة كقوله { فبما رحمة من الله} [آل عمران : 159] وقد تقدم؛ والباء متعلقة بمحذوف، التقدير : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم؛ عن قتادة وغيره. وحذف هذا لعلم السامع. وقال أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي : هو متعلق بما قبله؛ والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله { فبما نقضهم ميثاقهم} قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بيّن من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم. وأنكر ذلك الطبري وغيره؛ لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان. قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم؛ لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم؛ على ما تقدم في البقرة. قال الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم؛ لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا} [النساء : 160]. ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم. وقيل : المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا؛ والفاء مقحمة. و { كفرهم} عطف، وكذا و { قتلهم} . والمراد { بآيات الله} كتبهم التي حرفوها. و { غلف} جمع غلاف؛ أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا. وقيل : هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف؛ أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول؛ وهو كقوله { قلوبنا في أكنة} [فصلت : 5] وقد تقدم هذا في البقرة وغرضهم بهذا درء حجة الرسل. والطبع الختم؛ وقد تقدم في البقرة. { بكفرهم} أي جزاء لهم على كفرهم؛ كما قال { بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة : 88] أي إلا إيمانا قليلا أي ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم. ثم كرر { وبكفرهم} ليخبر أنهم كفروا كفرا بعد كفر. وقيل : المعنى { وبكفرهم} بالمسيح؛ فحذف لدلالة ما بعده عليه، والعامل في { بكفرهم} هو العامل في { بنقضهم} لأنه معطوف عليه، ولا يجوز أن يكون العامل فيه { طبع} . والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان من الصالحين منهم. والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم. والله سبحانه وتعالى أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 154 - 156

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويقول قائل: ألم يقل الحق من قبل إن " كفرهم " هو سبب من أسباب طبع الله على قلوبهم؟ إياك أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى الذي لا ينسى شيئاً، ولا يكرر من غير داع، والكفر أيضاً على درجات، مرة يكون الكفر بالله، ومرة يكون الكفر بآيات الله، وثالثة يكون الكفر بالرسل، ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين، وخامسة يكون الكفر ببعض الكتب السماوية.

إذن فألوان الكفر شتى. والكفر في الآية السابقة كان كفراً بآيات الله، أما كفرهم في هذه الآية فالحق يشرحه: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً }. لقد كفروا بعيسى عليه السلام، وقالوا البهتان العظيم على مريم، هذا كفر بآيات الله وبرسول من عند الله.

وقوله الحق: " وبكفرهم " هو عطف على " نقضهم " وعلى " كفرهم بآيات الله " وعلى " قتلهم الأنبياء " وعلى " قولهم قلوبنا غلف ". ونلاحظ هنا أن الحق لم يذكر الباء التي جاءت في أول الآية السابقة حين قال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ }.

وهذا يدل على أننا أمام مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى. فقد كان يكفي ارتكابهم لأي واحدة من هذه الأعمال المذكورة لكي يطبع الله على قلوبهم، ولكنهم ارتكبوا كل الأعمال المذكورة مجتمعة، ولم يرتكبوا فعلاً واحداً منها. وهذا دليل على أن الله لا يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر ولكن يحنن العباد إلى الإيمان.

لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة: نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، وادعوا أن الله طبع على قلوبهم.

وحين جعل هذا الأفعال الأربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه.

وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة؛ لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة عيسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه، لقد خلقه الله خلقاً خاصاً. فسبحانه خلق الناس جميعاً من آدم عليه السلام الذي صوره الله من طين ثم نفخ فيه الروح، وجاء الخلق من التزاوج.

أما عيسى عليه السلام فقد خلقه الله بطريقة خاصة، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليها السلام وهي البتول؟.

ومن الجائز أن تُتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شيء: كاذبة، سارقة، أو دميمة، لكن الاتهام في العرض: لا. والحق هنا يحدد موضوعين للكفر: قولهم البهتان على مريم وهو كفر بالله، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا: (أرنا الله جهرة).بل إن الحق رزقهم برزق غيبي لا يعرفون أسبابه: في التيه رزقهم بالمن والسلوى، والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو شيء يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات، والسلوى طائر يشبه السُّماني، وكانوا يأخذون المن من الأشجار ويجعلونه رزقاً يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتعبون فيه. لكنهم قالوا: لا، نحن نريد أن نزرع نباتاً ينمو من الأرض ولا ننتظر الغيب، لأن الغيب قد يضن علينا.
{  فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا }
[البقرة: 61]

هم - إذن - لا يثقون بما في يد الله، ويريدون الأمر المادي، ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية، ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه؛ وهو ميلاد عيسى عليه السلام بأسلوب غير تقليدي، والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم، ويأتي الحق بعيسى مخلوقاً من أم دون أب، فانتقضت المادية، وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول:
{  أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }
[ق: 15]

إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام؟. لقد نقض أمامهم الأساس التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى، وجاء عيسى عليه السلام من أم دون أب. ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر، فإن أراد البشر مُسَبَّباً فعليهم أن يأخذوا الأسباب، أما سبحانه وتعالى فهو مسبِّبُ الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على إيجاد الشيء بتنحية كل الأسباب.

ونعلم أن قضية الخلق دارت على اربعة أنحاء، إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين، هذه هي الصورة الأولى. وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية. وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الأول وعدم وجود الشيء الثاني، وهذه هي الصورة الثالثة، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول، وهذه هي الصورة الرابعة.

تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما. ولم يشأ الله أن يجعل الخلق - وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد؛ حتى لا يقولن أحد: إن السببية مشروطة للوجود.

بل المسبَّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلقنا جميعاً نحن من أب وأم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق حواء من أب دون أم.

هذه هي القسمة العقلية الواضحة، فليست المسألة عنصرية موجودة، ولكن قيمة واقتدار واجد. وقدرة الحق تتجلى أيضاً أمامنا حينما تكون الأسباب موجودة كالأب والأم. لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو القائل:
{  لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً }
[الشورى: 49-50]

إذن فليست المسألة مدار أسباب تُوجَد، بل مسَبِّبِ يريد أن يُوجِد، وأراد الحق أن يكون مجيء عيسى عليه السلام بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية، فأوجده من أم دون أب، فكان هذا آية على طلاقة قدرته، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالاً على غير مراد الله، فكذبوا عيسى، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالانجيل. ووقفوا أمام رسالته بعنف، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون، هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم، وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم للزانية، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى؟ ولماذا لم يعاقبوها حسب سريعة التوراة؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه السلام بالإنجيل ليقولوا: يا فاعل يا ابن الفاعلة. كان انتظارهم دليلاً على أن ميلاد عيسى عليه السلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك، فقد نطق عيسى عليه السلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قطّ؛ لأن ما حدث أمر فوق منطقها، وجهزها الله لهذا الموقف؟، وأمرها بالصمت عندما يسألونها، وأن تشير إلى المولود الذي في المهد:
{  فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً }
[مريم: 29-31]

وانبهروا انبهاراً فتت فيهم القوى، فقوى الخصومة ساعة ترى هذا لا تجد إلا الانهيار، فألحق أبلج، والباطل لجلج. إذن كان الأمر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم، فلماذا لم يرجموا أم عيسى إذن؟. لا بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن مريم في المهد: { إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار، وتخور قواه.

وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد، ولكننا فقط نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين، أما أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون، والمهم بالنسبة لنا أن يكون ديننا وقرآننا متضحاً أمام أعيننا، ولا يجرؤ أحد أن يميل به.

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول، والبهتان هو الكذب الشرس. فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولاً، ولون من الكذب غير مقبول: فأن يقول قائل عن رجل ورع: إنه شرب الخمر، والقائل يعلم أنه كاذب، فهذا كذب ثقيل شرس، يتحير ويتعجب من يسمعه؛ وهذا هو البهتان. ولم يستح ويمتنع اليهود حينما رموا مريم - الطاهرة بأمر الله - بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة.لقد كان ماضي مريم ناصعاً؛ لأنه جرح مريم في عرضها، ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها. وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء، وأبلغ بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم، تماماً مثل قضية البشارة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:
{  فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 89]

ومن رحمة الله بمريم نفسها أن الله جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة، وأن العملية كلها قد تمت بـ " كن " من الله، ولم يجعل الله المسألة سرّاً عن مريم فتحمل بأمر قوله: " كن " دون أن تدري، لا. بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية. وجاء الملك لمريم ونفخ فيها بالحمل. وعرفت هي السبب مادياً بالملك والنفخ حتى لا تتهم أو تشك بأن شيئاً قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك.

لقد أراد الله المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمراً يقطع الشك لديها، وهي التي بُشرت به - إيناساً لها - عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها: { أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } أجابت:
{  هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37]

لقد نطقت مريم البتول من قبل: { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق بالولد، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب. ومن العجيب أنها في هذا القول نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره؛ ولذلك يقول الحق:
{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ * فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }
[آل عمران: 38-40]

إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه، وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السلام إنما جاءت بـ " كن " وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قالت لسيدنا زكريا: { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } تنبه ودخل من هذا الباب، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر، وأنه بلغ من الكبر عتياً، ومفهوم لنا معنى قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا؛ أي أنه لم يعد يملك القدرة على الإنجاب.وهذه القضية تعطينا سبقاً قرآنيا لكثير من قضايا العلم:
{  قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }
[مريم: 4]

هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا. ويثبت العلم الحديث أن العظام هي آخر وعاء لتغذية الإنسان، فإن امتنع الإنسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذية. وإن امتنع الماء عن الإنسان وهو المكوِّن لتسعين في المائة من وزنه يمتص الإنسان الماء من خلايا الجسم والعضلات واللحم. ولذلك يقال في المثل العربي: سنة اذابت الشحم، وسنة أفنت اللحم، وسنة محت العظم.

فكأن البداية تكون التغذية من الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم غذاءه من العظم. وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا: { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي }. فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن يستمد منه زكريا طاقة الإنجاب.

وما الذي يغذيه العظم من الجسم؟ إنه يغذي المخ، وهو السيد الأعلى الذي يدير كل جارحة في الجسم، وتعمل كل جارحة في خدمته، ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح، يرتب لها قدرات العمل والتفكير والإحساس والسلوك، وما دام المخ موجوداً، فكل شيء يتم تعويضه.

ولذلك يحاولون - الآن - تعريف الموت طبياً، فيقولون: لا يحدث الموت مادامت خلايا المخ حية؛ فإذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت. ومن عجيب الأمر أن سيد الإنسان له مكان في أعلى الجسم إنه هو المخ، داخل الجمجمة، أما النبات فسيده في الجذور. وإن لم تجد الجذور مياها تذيب بها العناصر في الأرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق، وبعد أن يذبل الورق يأخذ النبات غذاءه من الفروع الصغيرة. وعندما تذبل تلك القروع وتجف ولا ينقذ النبات إلا مجيء بعض الماء للجذور. وكذلك المخ بالنسبة للإنسان.

فكأن مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه: { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فدعا سيدنا زكريا الله أن يرزقه بالولد، فجاءه الولد. وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في سيدنا زكريا. وبعد ذلك جاءها البشير بميلاد المسيح عيسى ابن مريم:
{  إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ }
[آل عمران: 45-46]

كيف يصوغ القرآن هذه الصياغة، وكيف تقول هي:
{  قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ }
[آل عمران: 47]

لقد كانت سيدتنا مريم البتول تحسن الاستقبال عن الله، فساعة سمعت أن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، عرفت أن نسبه لها يعني أنه بلا أب. وعرفت أن الحق سبحانه ما نسبه إليها إلا لأنه لا أب له.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ... }


www.alro7.net