سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

تفسير بن كثير

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} أي عن إخوانهم، { إذا ضربوا في الأرض} أي سافروا للتجارة ونحوها، { أو كانوا غزَّى} أي كانوا في الغزو، { لو كانوا عندنا} أي في البلد، { ما ماتوا وما قتلوا} أي ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو. وقوله تعالى: { ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم} أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم، ثم قال تعالى رداً عليهم: { واللّه يحيي ويميت} أي بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقَدَره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره، { واللّه بما تعملون بصير} أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، وقوله تعالى: { ولئن قتلتم في سبيل اللّه أو متم لمغفرة من اللّه ورحمة خير مما يجمعون} تضمن هذا أن القتل في سبيل اللّه والموت أيضاً وسيلة إلى نيل رحمة اللّه وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى اللّه عزّ وجلّ فيجزيه بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر فقال تعالى: { ولئن متم أو قتلتم لإلى اللّه تحشرون} .

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } أي المنافقين { وقالوا لإخوانهم } أي في شأنهم { إذا ضربوا } سافروا { في الأرض } فماتوا { أو كانوا غُزٌى } جمع غاز فقتلوا { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } أي لا تقولوا كقولهم { ليجعل الله ذلك } القول في عاقبة أمرهم { حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت } فلا يمنع عن الموت قعود { والله بما تعملون } بالتاء والياء { بصير } فيجازيكم به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَل اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد مِنْ عِنْد اللَّه , لَا تَكُونُوا كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , فَجَحَدَ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ لِإِخْوَانِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } فَخَرَجُوا مِنْ بِلَادهمْ سَفْرًا فِي تِجَارَة , { أَوْ كَانُوا غُزًّى } يَقُول : أَوْ كَانَ خُرُوجهمْ مِنْ بِلَادهمْ غَزَاة , فَهَلَكُوا فَمَاتُوا فِي سَفَرهمْ , أَوْ قُتِلُوا فِي غَزْوهمْ , { لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } يُخْبِر بِذَلِكَ عَنْ قَوْل هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ غَزَا مِنْهُمْ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ فِي سَفَر خَرَجَ فِيهِ فِي طَاعَة اللَّه أَوْ تِجَارَة : لَوْ لَمْ يَكُونُوا خَرَجُوا مِنْ عِنْدنَا , وَكَانُوا أَقَامُوا فِي بِلَادهمْ مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا . { لِيَجْعَلَ اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ , كَيْ يَجْعَل اللَّه قَوْلهمْ ذَلِكَ حُزْنًا فِي قُلُوبهمْ وَغَمًّا , وَيَجْهَلُونَ أَنَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَبِيَدِهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ سُوء الْيَقِين بِاَللَّهِ , هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول وَأَصْحَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6449 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُو لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } . .. الْآيَة . قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . 6450 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى } قَوْل الْمُنَافِق عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : هُمْ جَمِيع الْمُنَافِقِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6451 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد . قَالَ : ثنا مَسْلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } . .. الْآيَة : أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِي يَنْهَوْنَ إِخْوَانهمْ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَالضَّرْب فِي الْأَرْض فِي طَاعَة اللَّه , وَطَاعَة رَسُوله , وَيَقُولُونَ إِذَا مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا : لَوْ أَطَاعُونَا مَا مَاتُوا , وَمَا قُتِلُوا . وَأَمَّا قَوْله : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ السَّفَر فِي التِّجَارَة , وَالسَّيْر فِي الْأَرْض لِطَلَبِ الْمَعِيشَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6452 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } وَهِيَ التِّجَارَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ السَّيْر فِي طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6453 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } الضَّرْب فِي الْأَرْض فِي طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله . وَأَصْل الضَّرْب فِي الْأَرْض : الْإِبْعَاد فِيهَا سَيْرًا . وَأَمَّا قَوْله : { أَوْ كَانُوا غُزًّى } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَوْ كَانُوا غُزَاة فِي سَبِيل اللَّه . وَالْغُزَّى : جَمْع غَازٍ , جُمِع عَلَى فُعَّل كَمَا يُجْمَع شَاهِد : شُهَّد , وَقَائِل : قُوَّل . وَقَدْ يُنْشَد بَيْت رُؤْبَة : فَالْيَوْم قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي وَأَوَّل حِلْم لَيْسَ بِالْمُسَفِّهِ وَقُوَّل إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ وَيُنْشَد أَيْضًا : وَقَوْلهمْ إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ وَإِنَّمَا قِيلَ : { لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى } بِإِصْحَابِ مَاضِي الْفِعْل الْحَرْف الَّذِي لَا يُصْحَب مَعَ الْمَاضِي مِنْهُ إِلَّا الْمُسْتَقْبَل , فَقِيلَ : وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ثُمَّ قِيلَ : إِذَا ضَرَبُوا . وَإِنَّمَا يُقَال فِي الْكَلَام : أَكْرَمْتُك إِذْ زُرْتنِي , وَلَا يُقَال : أَكْرَمْتُك إِذَا زُرْتنِي , لِأَنَّ الْقَوْل الَّذِي فِي قَوْله : { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظ الْمَاضِي فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَذْهَب بِاَلَّذِينَ مَذْهَب الْجَزَاء , وَتُعَامِلهَا فِي ذَلِكَ مُعَامَلَة " مَنْ " وَ " مَا " , لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ فِي كَثِير مِنْ الْأَشْيَاء , وَإِنْ جَمَعَهُنَّ أَشْيَاء مَجْهُولَات غَيْر مُؤَقَّتَات تَوْقِيت عَمْرو وَزَيْد . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ صَحِيحًا فِي الْكَلَام فَصِيحًا أَنْ يُقَال لِلرِّجَالِ : أَكْرِمْ مَنْ أَكْرَمَك , وَأَكْرِمْ كُلّ رَجُل أَكْرَمَك , فَيَكُون الْكَلَام خَارِجًا بِلَفْظِ الْمَاضِي مَعَ مَنْ وَكُلّ مَجْهُول , وَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَال , إِذْ كَانَ الْمَوْصُوف بِالْفِعْلِ غَيْر مُوَقِّت , وَكَانَ " الَّذِينَ " فِي قَوْله : { لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } غَيْر مُوَقَّتَيْنِ , أُجْرِيَتْ مَجْرَى " مَنْ " وَ " مَا " فِي تَرْجَمَتهَا الَّتِي تَذْهَب مَذْهَب الْجَزَاء وَإِخْرَاج صِلَاتهَا بِأَلْفَاظِ الْمَاضِي مِنْ الْأَفْعَال وَهِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال , كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي " مَا " : وَإِنِّي لَآتِيكُمْ تَشَكُّر مَا مَضَى مِنْ الْأَمْر وَاسْتِيجَاب مَا كَانَ فِي غَد فَقَالَ : مَا كَانَ فِي غَد , وَهُوَ يُرِيد : مَا يَكُون فِي غَد , وَلَوْ كَانَ أَرَادَ الْمَاضِي لَقَالَ : مَا كَانَ فِي أَمْس , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقُول : مَا كَانَ فِي غَد . وَلَوْ كَانَ الَّذِي مُوَقَّتًا , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال : ذَلِكَ خَطَأ أَنْ يُقَال لَك : مَنْ هَذَا الَّذِي أَكْرَمَك إِذَا زُرْته ؟ لِأَنَّ الَّذِي هَهُنَا مُوَقَّت , فَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْجَزَاء , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام هَذَا , لَكَانَ جَائِزًا فَصِيحًا , لِأَنَّ الَّذِي يَصِير حِينَئِذٍ مَجْهُولًا غَيْر مُوَقَّت , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } 22 25 فَرُدَّ " يَصُدُّونَ " عَلَى " كَفَرُوا " , لِأَنَّ " الَّذِينَ " غَيْر مُوَقَّتَة , فَقَوْله : { كَفَرُوا } وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظ مَاضٍ , فَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَال , وَكَذَلِكَ قَوْله : { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } 19 60 وَقَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } مَعْنَاهُ : إِلَّا الَّذِينَ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ , وَإِلَّا مَنْ يَتُوب وَيُؤْمِن , وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام كَثِير ; وَالْعِلَّة فِي كُلّ ذَلِكَ وَاحِدَة . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَجْعَل اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : حُزْنًا فِي قُلُوبهمْ . كَمَا : 6454 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فِي قُلُوبهمْ } قَالَ : يُحْزِنهُمْ قَوْلهمْ لَا يَنْفَعهُمْ شَيْئًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 6455 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لِيَجْعَلَ اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } لِقِلَّةِ الْيَقِين بِرَبِّهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَل اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد مِنْ عِنْد اللَّه , لَا تَكُونُوا كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , فَجَحَدَ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ لِإِخْوَانِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } فَخَرَجُوا مِنْ بِلَادهمْ سَفْرًا فِي تِجَارَة , { أَوْ كَانُوا غُزًّى } يَقُول : أَوْ كَانَ خُرُوجهمْ مِنْ بِلَادهمْ غَزَاة , فَهَلَكُوا فَمَاتُوا فِي سَفَرهمْ , أَوْ قُتِلُوا فِي غَزْوهمْ , { لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } يُخْبِر بِذَلِكَ عَنْ قَوْل هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ غَزَا مِنْهُمْ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ فِي سَفَر خَرَجَ فِيهِ فِي طَاعَة اللَّه أَوْ تِجَارَة : لَوْ لَمْ يَكُونُوا خَرَجُوا مِنْ عِنْدنَا , وَكَانُوا أَقَامُوا فِي بِلَادهمْ مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا . { لِيَجْعَلَ اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ , كَيْ يَجْعَل اللَّه قَوْلهمْ ذَلِكَ حُزْنًا فِي قُلُوبهمْ وَغَمًّا , وَيَجْهَلُونَ أَنَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَبِيَدِهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ سُوء الْيَقِين بِاَللَّهِ , هُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول وَأَصْحَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6449 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُو لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } . .. الْآيَة . قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ . 6450 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى } قَوْل الْمُنَافِق عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : هُمْ جَمِيع الْمُنَافِقِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6451 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد . قَالَ : ثنا مَسْلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } . .. الْآيَة : أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِي يَنْهَوْنَ إِخْوَانهمْ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَالضَّرْب فِي الْأَرْض فِي طَاعَة اللَّه , وَطَاعَة رَسُوله , وَيَقُولُونَ إِذَا مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا : لَوْ أَطَاعُونَا مَا مَاتُوا , وَمَا قُتِلُوا . وَأَمَّا قَوْله : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ السَّفَر فِي التِّجَارَة , وَالسَّيْر فِي الْأَرْض لِطَلَبِ الْمَعِيشَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6452 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } وَهِيَ التِّجَارَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ السَّيْر فِي طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6453 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } الضَّرْب فِي الْأَرْض فِي طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله . وَأَصْل الضَّرْب فِي الْأَرْض : الْإِبْعَاد فِيهَا سَيْرًا . وَأَمَّا قَوْله : { أَوْ كَانُوا غُزًّى } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَوْ كَانُوا غُزَاة فِي سَبِيل اللَّه . وَالْغُزَّى : جَمْع غَازٍ , جُمِع عَلَى فُعَّل كَمَا يُجْمَع شَاهِد : شُهَّد , وَقَائِل : قُوَّل . وَقَدْ يُنْشَد بَيْت رُؤْبَة : فَالْيَوْم قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي وَأَوَّل حِلْم لَيْسَ بِالْمُسَفِّهِ وَقُوَّل إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ وَيُنْشَد أَيْضًا : وَقَوْلهمْ إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ وَإِنَّمَا قِيلَ : { لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض أَوْ كَانُوا غُزًّى } بِإِصْحَابِ مَاضِي الْفِعْل الْحَرْف الَّذِي لَا يُصْحَب مَعَ الْمَاضِي مِنْهُ إِلَّا الْمُسْتَقْبَل , فَقِيلَ : وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ثُمَّ قِيلَ : إِذَا ضَرَبُوا . وَإِنَّمَا يُقَال فِي الْكَلَام : أَكْرَمْتُك إِذْ زُرْتنِي , وَلَا يُقَال : أَكْرَمْتُك إِذَا زُرْتنِي , لِأَنَّ الْقَوْل الَّذِي فِي قَوْله : { وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ } وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظ الْمَاضِي فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَذْهَب بِاَلَّذِينَ مَذْهَب الْجَزَاء , وَتُعَامِلهَا فِي ذَلِكَ مُعَامَلَة " مَنْ " وَ " مَا " , لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ فِي كَثِير مِنْ الْأَشْيَاء , وَإِنْ جَمَعَهُنَّ أَشْيَاء مَجْهُولَات غَيْر مُؤَقَّتَات تَوْقِيت عَمْرو وَزَيْد . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ صَحِيحًا فِي الْكَلَام فَصِيحًا أَنْ يُقَال لِلرِّجَالِ : أَكْرِمْ مَنْ أَكْرَمَك , وَأَكْرِمْ كُلّ رَجُل أَكْرَمَك , فَيَكُون الْكَلَام خَارِجًا بِلَفْظِ الْمَاضِي مَعَ مَنْ وَكُلّ مَجْهُول , وَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَال , إِذْ كَانَ الْمَوْصُوف بِالْفِعْلِ غَيْر مُوَقِّت , وَكَانَ " الَّذِينَ " فِي قَوْله : { لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْض } غَيْر مُوَقَّتَيْنِ , أُجْرِيَتْ مَجْرَى " مَنْ " وَ " مَا " فِي تَرْجَمَتهَا الَّتِي تَذْهَب مَذْهَب الْجَزَاء وَإِخْرَاج صِلَاتهَا بِأَلْفَاظِ الْمَاضِي مِنْ الْأَفْعَال وَهِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال , كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي " مَا " : وَإِنِّي لَآتِيكُمْ تَشَكُّر مَا مَضَى مِنْ الْأَمْر وَاسْتِيجَاب مَا كَانَ فِي غَد فَقَالَ : مَا كَانَ فِي غَد , وَهُوَ يُرِيد : مَا يَكُون فِي غَد , وَلَوْ كَانَ أَرَادَ الْمَاضِي لَقَالَ : مَا كَانَ فِي أَمْس , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقُول : مَا كَانَ فِي غَد . وَلَوْ كَانَ الَّذِي مُوَقَّتًا , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال : ذَلِكَ خَطَأ أَنْ يُقَال لَك : مَنْ هَذَا الَّذِي أَكْرَمَك إِذَا زُرْته ؟ لِأَنَّ الَّذِي هَهُنَا مُوَقَّت , فَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْجَزَاء , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام هَذَا , لَكَانَ جَائِزًا فَصِيحًا , لِأَنَّ الَّذِي يَصِير حِينَئِذٍ مَجْهُولًا غَيْر مُوَقَّت , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } 22 25 فَرُدَّ " يَصُدُّونَ " عَلَى " كَفَرُوا " , لِأَنَّ " الَّذِينَ " غَيْر مُوَقَّتَة , فَقَوْله : { كَفَرُوا } وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظ مَاضٍ , فَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَال , وَكَذَلِكَ قَوْله : { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } 19 60 وَقَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } مَعْنَاهُ : إِلَّا الَّذِينَ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ , وَإِلَّا مَنْ يَتُوب وَيُؤْمِن , وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام كَثِير ; وَالْعِلَّة فِي كُلّ ذَلِكَ وَاحِدَة . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَجْعَل اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : حُزْنًا فِي قُلُوبهمْ . كَمَا : 6454 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فِي قُلُوبهمْ } قَالَ : يُحْزِنهُمْ قَوْلهمْ لَا يَنْفَعهُمْ شَيْئًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 6455 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لِيَجْعَلَ اللَّه ذَلِكَ حَسْرَة فِي قُلُوبهمْ } لِقِلَّةِ الْيَقِين بِرَبِّهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } وَاَللَّه الْمُعَجِّل الْمَوْت لِمَنْ يَشَاء مِنْ حَيْثُ يَشَاء , وَالْمُمِيت مَنْ يَشَاء كُلَّمَا شَاءَ دُون غَيْره مِنْ سَائِر خَلْقه . وَهَذَا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَرْغِيب لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جِهَاد عَدُوّهُ , وَالصَّبْر عَلَى قِتَالهمْ , وَإِخْرَاج هَيْبَتهمْ مِنْ صُدُورهمْ , وَإِنْ قَلَّ عَدَدهمْ , وَكَثُرَ عَدَد أَعْدَائِهِمْ وَأَعْدَاء اللَّه , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الْإِمَاتَة وَالْإِحْيَاء بِيَدِهِ , وَأَنَّهُ لَنْ يَمُوت أَحَد وَلَا يُقْتَل إِلَّا بَعْد فَنَاء أَجَله الَّذِي كُتِبَ لَهُ , وَنَهْي مِنْهُ لَهُمْ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَجْزَعُوا لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ قَتْل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي حَرْب الْمُشْرِكِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } وَاَللَّه الْمُعَجِّل الْمَوْت لِمَنْ يَشَاء مِنْ حَيْثُ يَشَاء , وَالْمُمِيت مَنْ يَشَاء كُلَّمَا شَاءَ دُون غَيْره مِنْ سَائِر خَلْقه . وَهَذَا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَرْغِيب لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جِهَاد عَدُوّهُ , وَالصَّبْر عَلَى قِتَالهمْ , وَإِخْرَاج هَيْبَتهمْ مِنْ صُدُورهمْ , وَإِنْ قَلَّ عَدَدهمْ , وَكَثُرَ عَدَد أَعْدَائِهِمْ وَأَعْدَاء اللَّه , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الْإِمَاتَة وَالْإِحْيَاء بِيَدِهِ , وَأَنَّهُ لَنْ يَمُوت أَحَد وَلَا يُقْتَل إِلَّا بَعْد فَنَاء أَجَله الَّذِي كُتِبَ لَهُ , وَنَهْي مِنْهُ لَهُمْ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَجْزَعُوا لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ قَتْل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي حَرْب الْمُشْرِكِينَ .' ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه يَرَى مَا تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْر وَشَرّ , فَاتَّقُوهُ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَإِنَّهُ مُحْصٍ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِي كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ عَلَى قَدْر اِسْتِحْقَاقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق . 6456 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } أَيْ يُعَجِّل مَا يَشَاء وَيُؤَخِّر مَا يَشَاء مِنْ آجَالهمْ بِقُدْرَتِهِ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه يَرَى مَا تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْر وَشَرّ , فَاتَّقُوهُ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَإِنَّهُ مُحْصٍ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِي كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ عَلَى قَدْر اِسْتِحْقَاقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ اِبْن إِسْحَاق . 6456 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَاَللَّه يُحْيِي وَيُمِيت } أَيْ يُعَجِّل مَا يَشَاء وَيُؤَخِّر مَا يَشَاء مِنْ آجَالهمْ بِقُدْرَتِهِ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} يعني المنافقين. { وقالوا لإخوانهم} يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة. { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} فنهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم. وقوله { إذا ضربوا} هو لما مضى؛ أي إذ ضربوا؛ لأن في الكلام معنى الشرط من حيث كان { الذين} مبهما غير موقت، فوقع { إذا} موقع { إذ} كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل. ومعنى { ضربوا في الأرض} سافروا فيها وساروا لتجارة أو غيرها فماتوا. { أو كانوا غزى} غزاة فقتلوا. والغُزَّى جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع وخفض، وأحدهم غاز، كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ونوم، وشاهد وشهد، وغائب وغيب. ويجوز في الجمع غزاة مثل قضاة، وغزاء بالمد مثل ضراب وصوام. ويقال : غَزِيّ جمع الغَزَاة. قال الشاعر : قل للقوافل والغزي إذا غزوا ** وروي عن الزهري أنه قرأه "غزى" بالتخفيف. والمعزية المرأة التي غرا زوجها. وأتان مغزية متأخرة النتاج ثم تنتج. وأغزت الناقة إذا عسر لقاحها. والغزو قصد الشيء. والمغزى المقصد. ويقال في النسب إلى الغزو : غَزَوِيّ. قوله تعالى { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} يعني ظنهم وقولهم. واللام متعلقة بقوله { قالوا} أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا. { حسرة} أي ندامة { في قلوبهم} . والحسرة الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه؛ قال الشاعر : فواحسرتي لم أقض منها لبانتي ** ولم أتمتع بالجوار وبالقرب وقيل : هي متعلقة بمحذوف. والمعنى : لا تكونوا مثلهم { ليجعل الله ذلك} القول { حسرة في قلوبهم} لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل : المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم؛ فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة. قوله تعالى { والله يحيي ويميت} أي يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. { والله بما تعملون بصير} قرئ بالياء والتاء. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 154 - 159

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والضرب في الأرض هو السعي واستنباط فضل الله في الأرض وفي سبيله لإعلاء كلمته، فالذين كفروا يرتبون الموت والقتل والعمليات التي يفارق الإنسان فيها الحياة على ماذا؟ على أنه ضرب في الأرض أو خرج ليقاتل في سبيل الله، وقالوا: لو لم يخرجوا ما حصل لهم هذا! سنرد عليهم، ونقول لهم: كأنكم لم تروا أبداً ميتاً في فراشه. كأنكم لم تروا مقتولا يسقط عليه جدار، أو يصول عليه جمل، أو تصيبه طلقة طائشة، هل كل من يموت أو يقتل يكون ضارباً في الأرض لشيء أو خارجا للجهاد في سبيل الله؟!

ّإذن فهذا حُمق في استقراء الواقع، وجاء الحق بذلك ليعطينا صورة من حكمهم على الأشياء، إنه حكم غير مبني على قواعد استقرائية حقيقية. فإذا عرفنا أنهم كفروا نقول: هذه طبيعتهم، لأننا نجد أن حكمهم ليس صحيحا في الأشياء الواضحة، وما دام حكمهم ليس صحيحاً أو حقيقيا في الجزئيات التي تحدث - فإذا عرفتم أنهم كفروا فهذا كلام منطقي بالنسبة لهم - فشأنهم أنهم لا يتثبتون في أحكامهم فلا عجب - إذن - أن كانوا كافرين.

{ أَوْ كَانُواْ غُزًّى } , وغُزى: جمع غازٍ، مثل: صُوّم وقُوَّم؛ يعني جمع: صائم وقائم. { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ }. إذن فالله سبحانه وتعالى يصور لهم ما يقولونه ليعذبهم به، كيف؟ لأنهم عندما يقولون: لو كانوا عندنا لكنا منعناهم أن يخرجوا أو يُقتلوا، إذن فنحن السبب.

وهكذا نجد أنهم كلما ذكروا قتلاهم أو موتاهم يعرفون أنهم أخطأوا، وهذه حسرة في قلوبهم، ولو أنهم ردوها إلى الحق الأعلى لكان في ذلك راحة لهم ولَما كانوا قد أدخلوا أنفسهم في متاهة، ويحدُث منهم هذا حتى نعرف غباءهم أيضاً؛ فهم أغبياء في كل حركاتهم وفي استقراء الأحداث الجزئية، وأغبياء في استخراج القضية الإيمانية الكلية، أغبياء في أنهم حشروا أنفسهم وأدخلوها في مسألة ليست من شأنهم، فأراد ربنا سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك حسرة عليهم.

{ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ } إن القضية الإيمانية هي { وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ } أي هو الذي يَهَب الحياة وهو الذي يهب الموت، فلا الضرب في الأرض ولا الخروج في سبيل الله هو السبب في الموت، ولذلك يقول خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربةُ سيف أو طعنة رمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر - أي حتف أنفه - فلا نامت أعين الجبناء.

والشاعر يقول:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى   وأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلِدِي؟
أي يا من تمنعني أن أحضر الحرب هل تضمن لي الخلود ودوام البقاء إذا أحجمت عن القتال. ويكمل الشاعر قوله:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي   فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ويختم الحق الآية بقوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فكأنهم قد بلغوا من الغباء أنهم لم يستتروا حتى في المعصية، ولكنهم جعلوها حركة تٌُرى، وهذا القول هنا أقوى من " عليم "؛ لأن " عليم " تؤدي إلى أن نفهم أنهم يملكون بعضاً من حياء ويسترون الأشياء، ولكن علم الله هو الذي يفضحهم لا، هي صارت حركة واضحة بحيث تُبْصَر. فجاء قوله: { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. ويقول الحق من بعد ذلك: { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }


www.alro7.net