سورة
اية:

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

تفسير بن كثير

أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} فتارةً بالسرّاء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: { فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} ، فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: { لباس الجوع والخوف} وقال ههنا: { بشيء من الخوف والجوع} أي بقليل من ذلك، { ونقص من الأموال} أي ذهاب بعضها { والأنفس} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، { والثمرات} أي لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها، قال بعض السلف فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحة، وكل هذا وأمثاله مما يختبر اللّه به عباده، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: { وبشر الصابرين} ثمَّ بيَّن تعالى مَنِ الصابرون الذين شكرهم فقال: { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} أي تسلوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، وعلموا أنهم ملك للّه يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} أي ثناء من اللّه عليهم { وأولئك هم المهتدون} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العِدْلان ونعمت العِلاوة { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} هذان العدلان { وأولئك هم المهتدون} فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضاً. وقد ورد في ثواب الاسترجاع عند المصائب أحاديث كثيرة فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمى يوماً من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قولاً سررت به، قال: (لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به) قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أن لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن ليَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القرظ وأذْنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول اللّه ما بي أن لا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيَّ غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني اللّه به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال، فقال: (أمّا ما ذكرتِ من الغيرة فسوف يُذهبها اللّه عزّ وجلّ عنك، وأمّا ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأمّا ما ذكرتِ من العيال فإنما عيالك عيالي)، قالت: فقد سلَّمتُ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فتزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني اللّه بأبي سلمة خيراً منه: رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول { إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره اللّه في مصيبته وأخلف له خيراً منها)، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخلف اللّه لي خيراً منه: رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) ""رواه مسلم عن أُم سلمة"". وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدّد اللّه له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب) ""رواه أحمد وابن ماجة"" وعن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة ""يعني الخولاني"" فأخرجني وقال لي: ألا أبشِّرك؟ قلت: بلى، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (قال اللّه: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) ""رواه أحمد والترمذي""

تفسير الجلالين

هم { الذين إذا أصابتهم مصيبة} بلاء { قالوا إنا لله} ملكا وعبيدا يفعل بنا ما يشاء { وإنا إليه راجعون} في الآخرة فيجازينا وفي الحديث (من استرجع عند المصيبة أجره الله فيها وأخلف الله عليه خيرا ) وفيه أن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم طفئ فاسترجع فقالت عائشة : إنما هذا مصباح فقال : (كل ما أساء المؤمن فهو مصيبة) رواه أبو داود في مراسيله.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد الصَّابِرِينَ , الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ جَمِيع مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنِّي , فَيُقِرُّونَ بِعُبُودِيَّتِي , وَيُوَحِّدُونَنِي بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَيُصَدِّقُونَ بِالْمُعَادِ وَالرُّجُوع إلَيَّ فَيَسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِي , وَيَرْجَوْنَ ثَوَابِي وَيَخَافُونَ عِقَابِي , وَيَقُولُونَ عِنْد امْتِحَانِي إيَّاهُمْ بِبَعْضِ مِحَنِي , وَابْتِلَائِي إيَّاهُمْ بِمَا وَعَدْتهمْ أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَوْف وَالْجُوع وَنَقْص الْأَمْوَال وَالْأَنْفُس وَالثَّمَرَات وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَصَائِب الَّتِي أَنَا مُمْتَحِنهمْ بِهَا . إنَّا مَمَالِيك رَبّنَا وَمَعْبُودنَا أَحْيَاء وَنَحْنُ عَبِيده وَإِنَّا إلَيْهِ بَعْد مَمَاتنَا صَائِرُونَ ; تَسْلِيمًا لِقَضَائِي وَرِضَا بِأَحْكَامِي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّد الصَّابِرِينَ , الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ جَمِيع مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنِّي , فَيُقِرُّونَ بِعُبُودِيَّتِي , وَيُوَحِّدُونَنِي بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَيُصَدِّقُونَ بِالْمُعَادِ وَالرُّجُوع إلَيَّ فَيَسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِي , وَيَرْجَوْنَ ثَوَابِي وَيَخَافُونَ عِقَابِي , وَيَقُولُونَ عِنْد امْتِحَانِي إيَّاهُمْ بِبَعْضِ مِحَنِي , وَابْتِلَائِي إيَّاهُمْ بِمَا وَعَدْتهمْ أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَوْف وَالْجُوع وَنَقْص الْأَمْوَال وَالْأَنْفُس وَالثَّمَرَات وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَصَائِب الَّتِي أَنَا مُمْتَحِنهمْ بِهَا . إنَّا مَمَالِيك رَبّنَا وَمَعْبُودنَا أَحْيَاء وَنَحْنُ عَبِيده وَإِنَّا إلَيْهِ بَعْد مَمَاتنَا صَائِرُونَ ; تَسْلِيمًا لِقَضَائِي وَرِضَا بِأَحْكَامِي .'

تفسير القرطبي

فيه ست مسائل : الأولى: قوله تعالى { مصيبة} المصيبة : كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال : أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة بضم الصاد مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال الشاعر : أسليم إن مصابكم رجلا ** أهدى السلام تحية ظلم وصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه. والمصيبة : النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر، روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال { إنا لله وإنا إليه راجعون} فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال : (نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة) قلت : هذا ثابت معناه في الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته) الثانية: خرج ابن ماجة في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب). الثالثة: من أعظم المصائب المصيبة في الدين، ذكر أبو عمر عن الفريابي قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب). أخرجه السمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال : أنبأنا فطر...، فذكر مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلا. قال أبو عمر : وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة. وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. قال أبو سعيد : ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول : اصبر لكل مصيبة وتجلد ** واعلم بأن المرء غير مخلد أو ما ترى أن المصائب جمة ** وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟ **هذا سبيل لست فيه بأوحد فإذا ذكرت محمدا ومصابه ** فاذكر مصابك بالنبي محمد الرابعة: قوله تعالى { قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين : لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله { إنا لله} توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله { وإنا إليه راجعون} إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسفي على يوسف. الخامسة: قال أبو سنان : دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال : ألا أبشرك يا أبا سنان، حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد). وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها). فهذا تنبيه على قوله تعالى { وبشر الصابرين} [البقرة:155] إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها. وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما. السادسة: قوله تعالى { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} هذه نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده : عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج : الصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا للمعنى، كما قال { من البينات والهدى} [البقرة : 159]، وقوله { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} [الزخرف : 80]. وقال الشاعر : صلى على يحيى وأشياعه ** رب كريم وشفيع مطاع وقيل : أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه : نعم العدلان ونعم العلاوة { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . أراد بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء. قيل : إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل : إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 155 - 159

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والمصيبة هي الأمر الذي ينال الإنسان منه المشقة والألم، وهي مأخوذة من إصابة الهدف. والمؤمن يستقبل المصيبة واثقا أنها على قدر إيلامها يكون الثواب عليها، ولذلك عندما فرح الكفار بما يصيب المسلمين في بعض المعارك، أنزل الله ذلك القول الحق للمؤمنين:
{  قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا }
[التوبة:51]

أي قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء الحمقى من الكافرين: إنه لن يحدث لنا إلا ما كتبه الله.

وعندما نتأمل قوله الحق: { مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } أي أن المسألة ستكون لحسابنا، وسنأخذ عليها حسن الثواب من الله، ولم يقل الحق: كتب الله علينا، لأنها لو كانت كذلك لكان معناها أنها جزاء وعقاب من الله.

وأي أمر يصيب الإنسان، إما أن يكون له دخل فيه، وعند ذلك لا يصح أن يجزع لأنه هو الذي جاء بالأمر المؤلم لنفسه، وإما أن تكون مصيبة لا دخل له بها، وحدثت له من غيره مثلا، وعند ذلك عليه أن يبحث عن سببها: أعدلا أم ظلما؟ إن كانت عدلا فهي قد جبرت الذنب، وإن كانت ظلما فسوف يقتص الله له ممن ظلمه. وعلى هذا فالمؤمن في كلتا الحالتين رابح.

إذن فالمؤمن يستقبل كل مصيبة متوقعا أن يأتي له منها خير. وعلى كل مؤمن أن يقيم نفسه تقييما حقيقيا، " هل لي على الله حق؟ أنا مملوك الله وليس لي حق عنده، فما يجريه علي فهو يجريه في ملكه هو ". ومن لا يعجبه ذلك فليتأب على أي مصيبة؛ ويقول لها: " لا تصيبيني " ، ولن تستطيع درء أي مصيبة ـ ومادمنا لا نستطيع أن نمنع وقوع المصائب والأحداث، فلنقبلها ـ كمؤمنين ـ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد بنسبتنا إليه أن يعزنا ويكرمنا. إنه يدعونا أن نقول: { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }. إننا بهذا القول ننسب ملكيتنا إلى الله ونقبل ما حدث لنا. ولابد لنا هنا أن نأتي بمثال ـ ولله المثل الأعلى ـ هل رأيت إنسانا يفسد ملكه؟ أبداً.

إن صاحب الملك يعمل كل ما يؤدي إلى الصلاح في ملكه، وإن رأى الناس في ظاهر الأمر أنه فساد، فما بالنا بالله سبحانه وتعالى ونحن ملك له، وهو سبحانه لا يُعرِّض ملكه أبداً للضرر، وإنما يقيمه على الحكمة والصلاح.

{ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } أي نحن مملوكون لله، ونحن راجعون إليه، وحتى إن كان في مصائب الدنيا ظلم لنا وقع علينا من إنسان، فسوف نأخذ ثواب ما ظُلمنا فيه عند الرجوع إلى الله، إذن فنحن لله ابتداء بالملكية، ونحن لله نهاية في المرجع؛ هو سبحانه ملك القوسين؛ الابتداء والانتهاء، ولذلك علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أي مصيبة تصيب الإنسان أن يسترجع؛ أي أن يقول: { إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }.وزادنا أيضا أن نقول: " اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " إنك إذا ما قلتها عند أي مصيبة تصيبك فلا بد أن تجد فيما يأتي بعدها خيراً منها، وحتى إن نسى الإنسان أن يقول ذلك عند وقوع المصيبة، ثم تذكرها وقالها فله جزاؤها، كأنه قالها ساعة المصيبة.

وهناك قصة عن أم سلمة رضي الله عنها؛ حين مات أبو سلمة زوجها ـ وكان ملء السمع والبصر ـ وجزعت عليه أم سلمة، فقيل لها قولي: ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وما علمكم؟ قالوا: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " فقالت ما قيل لها، فإذا بها بعد انقضاء عدتها يذهب إليها النبي خاطبا، فقيل لها: أوجد خير من أبي سلمة أم لم يوجد؟ قالت: ما كنت لأتسامى ـ أي أتوقع ـ مثل هذا الموقف ".

فإذن، كل مصيبة يتعرض لها الإنسان يجب أن يقول عندها: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها ".

وماذا يكون حال الذين يقولون هذا الدعاء؟. هاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ... }


www.alro7.net