سورة
اية:

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ} الآية. [154].
نزلت في قتلى بدر [من المسلمين]، وكانوا بضعة عشر رجلاً: ثمانيةً من الأنصار، وستة من المهاجرين: وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها. فأنزل الله هذه الآية.

تفسير بن كثير

لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في الحديث: (عجبا للمؤمن لا يقضي اللّه له قضاء إلا كان خيراً له: إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له). وبيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة كما تقدم في قوله: { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} وفي الحديث: (إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا حزّبه أمر صلّى) والصبر صبران: فصبرك على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثواباً لأنه المقصود، وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب. قال زين العابدين: إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ينادي مناد أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عُنُق ""جماعة متقدمة، وزين العابدين هو ""علي بن الحسين""رضي اللّه عنه""من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: مَن أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة اللّه وصبرنا عن معصية اللّه حتى توفانا اللّه، قالو: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ، وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد للّه بما أصاب منه، واحتسابه عند الّله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر. وقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم: ( أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ قالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالو: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أُخرى - لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب جلّ جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون) وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه) ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفاً لهم وتكريماً وتعظيماً.

تفسير الجلالين

{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله } هم { أموات بل } هم { أحياء } أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك { ولكن لا تشعرون } تعلمون ما هم فيه .

تفسير الطبري

/ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِي فِي جِهَاد عَدُوّكُمْ وَتَرْك مَعَاصِيَّ وَأَدَاء سَائِر فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ , وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه هُوَ مَيِّت , فَإِنَّ الْمَيِّت مِنْ خَلْقِي مَنْ سَلَبْته حَيَاته وَأَعْدَمْته حَوَاسّه , فَلَا يَلْتَذّ لَذَّة وَلَا يُدْرِك نَعِيمًا ; فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ وَمِنْ سَائِر خَلْقِي فِي سَبِيلِي أَحْيَاء عِنْدِي فِي حَيَاة وَنَعِيم وَعَيْش هَنِيّ وَرِزْق سَنِيّ , فَرِحِينَ بِمَا آتَيْتهمْ مِنْ فَضْلِي وَحَبْوَتهمْ بِهِ مِنْ كَرَامَتِي . كَمَا : 1922 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ } 3 169 مِنْ ثَمَر الْجَنَّة وَيَجِدُونَ رِيحهَا وَلَيْسُوا فِيهَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1923 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ أَرْوَاح الشُّهَدَاء تَعَارَف فِي طَيْر بِيض يَأْكُلْنَ مِنْ ثِمَار الْجَنَّة , وَأَنَّ مَسَاكِنهمْ سِدْرَة الْمُنْتَهَى , وَأَنَّ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه ثَلَاث خِصَال مِنْ الْخَيْر : مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه مِنْهُمْ صَارَ حَيًّا مَرْزُوقًا , وَمَنْ غُلِبَ آتَاهُ اللَّه أَجْرًا عَظِيمًا , وَمَنْ مَاتَ رَزَقَهُ اللَّه رِزْقًا حَسَنًا . 1924 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي صُوَر طَيْر بِيض . 1925 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } فِي صُوَر طَيْر خُضْر يَطِيرُونَ فِي الْجَنَّة حَيْثُ شَاءُوا مِنْهَا يَأْكُلُونَ مِنْ حَيْثُ شَاءُوا . 1926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طَيْر خُضْر فِي الْجَنَّة فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } مِنْ خُصُوصِيَّة الْخَبَر عَنْ الْمَقْتُول فِي سَبِيل اللَّه الَّذِي لَمْ يَعُمّ بِهِ غَيْره ؟ وَقَدْ عَلِمْت تَظَاهُر الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه أَنَّهُ وَصَفَ حَال الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بَعْد وَفَاتهمْ , فَأَخْبَرَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَح لَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ أَبْوَاب إلَى الْجَنَّة يَشُمُّونَ مِنْهَا رَوْحهَا , وَيَسْتَعْجِلُونَ اللَّه قِيَام السَّاعَة لِيَصِيرُوا إلَى مَسَاكِنهمْ مِنْهَا وَيَجْمَع بَيْنهمْ وَبَيْن أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ فِيهَا , وَعَنْ الْكَافِرِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَح لَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ أَبْوَاب إلَى النَّار يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَيُصِيبهُمْ مِنْ نَتِنهَا وَمَكْرُوههَا , وَيُسَلِّط عَلَيْهِمْ فِيهَا إلَى قِيَام السَّاعَة مَنْ يَقْمَعهُمْ فِيهَا , وَيَسْأَلُونَ اللَّه فِيهَا تَأْخِير قِيَام السَّاعَة حَذَارًا مِنْ الْمَصِير إلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ فِيهَا مَعَ أَشْبَاه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار . وَإِذَا كَانَتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَا الَّذِي خَصَّ بِهِ الْقَتِيل فِي سَبِيل اللَّه مِمَّا لَمْ يَعُمّ بِهِ سَائِر الْبَشَر غَيْره مِنْ الْحَيَاة وَسَائِر الْكُفَّار وَالْمُؤْمِنِينَ غَيْره أَحْيَاء فِي الْبَرْزَخ , أَمَّا الْكُفَّار فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ بِالْمَعِيشَةِ الضَّنْك , وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَمُنَعَّمُونَ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَان وَنَسِيم الْجِنَان ؟ قِيلَ : أَنَّ الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ الشُّهَدَاء فِي ذَلِكَ وَأَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْهُمْ تَعَالَى ذِكْره إعْلَامه إيَّاهُمْ أَنَّهُمْ مَرْزُوقُونَ مِنْ مَآكِل الْجَنَّة وَمَطَاعِمهَا فِي بَرْزَخهمْ قَبْل بَعْثهمْ , وَمُنَعَّمُونَ بِاَلَّذِي يُنَعَّم بِهِ دَاخِلُوهَا بَعْد الْبَعْث مِنْ سَائِر الْبَشَر مِنْ لَذِيذ مَطَاعِمهَا الَّذِي لَمْ يُطْعِمهَا اللَّه أَحَدًا غَيْرهمْ فِي بَرْزَخه قَبْل بَعْثه . فَذَلِكَ هُوَ الْفَضِيلَة الَّتِي فَضَّلَهُمْ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِهَا مِنْ غَيْرهمْ , وَالْفَائِدَة الَّتِي أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله } 3 169 : 170 وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1927 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان , وَعَبَدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ الْحَارِث بْن فُضَيْل , عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الشُّهَدَاء عَلَى بَارِق نَهْر بِبَابِ الْجَنَّة فِي قُبَّة خَضْرَاء " وَقَالَ عَبَدَة : " فِي رَوْضَة خَضْرَاء , يَخْرُج عَلَيْهِمْ رِزْقهمْ مِنْ الْجَنَّة بُكْرَة وَعَشِيًّا " . 1928 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ الْإِفْرِيقِيّ , عَنْ ابْن بَشَّار السُّلَمِيّ - أَوْ أَبِي بَشَّار , شَكَّ أَبُو جَعْفَر - قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي قِبَاب بِيض مِنْ قِبَاب الْجَنَّة فِي كُلّ قُبَّة زَوْجَتَانِ , رِزْقهمْ فِي كُلّ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس ثَوْر وَحُوت , فَأَمَّا الثَّوْر فَفِيهِ طَعْم كُلّ ثَمَرَة فِي الْجَنَّة , وَأَمَّا الْحُوت فَفِيهِ طَعْم كُلّ شَرَاب فِي الْجَنَّة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ الْخَبَر عَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْ الشُّهَدَاء مِنْ النِّعْمَة الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا فِي الْبَرْزَخ غَيْر مَوْجُود فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَبَر عَنْ حَالهمْ أَمْوَات هُمْ أَمْ أَحْيَاء . قِيلَ : إنَّ الْمَقْصُود بِذِكْرِ الْخَبَر عَنْ حَيَاتهمْ إنَّمَا هُوَ الْخَبَر عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ النِّعْمَة , وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره لَمَّا كَانَ قَدْ أَنْبَأَ عِبَاده عَمَّا قَدْ خَصَّ بِهِ الشُّهَدَاء فِي قَوْله : { وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ } 3 169 وَعَلِمُوا حَالهمْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْمُرَاد مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } نَهَى خَلْقه عَنْ أَنْ يَقُولُوا لِلشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ مَوْتَى , تَرَكَ إعَادَة ذِكْر مَا قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خَبَرهمْ ./ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِي فِي جِهَاد عَدُوّكُمْ وَتَرْك مَعَاصِيَّ وَأَدَاء سَائِر فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ , وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه هُوَ مَيِّت , فَإِنَّ الْمَيِّت مِنْ خَلْقِي مَنْ سَلَبْته حَيَاته وَأَعْدَمْته حَوَاسّه , فَلَا يَلْتَذّ لَذَّة وَلَا يُدْرِك نَعِيمًا ; فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ وَمِنْ سَائِر خَلْقِي فِي سَبِيلِي أَحْيَاء عِنْدِي فِي حَيَاة وَنَعِيم وَعَيْش هَنِيّ وَرِزْق سَنِيّ , فَرِحِينَ بِمَا آتَيْتهمْ مِنْ فَضْلِي وَحَبْوَتهمْ بِهِ مِنْ كَرَامَتِي . كَمَا : 1922 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ } 3 169 مِنْ ثَمَر الْجَنَّة وَيَجِدُونَ رِيحهَا وَلَيْسُوا فِيهَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1923 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ أَرْوَاح الشُّهَدَاء تَعَارَف فِي طَيْر بِيض يَأْكُلْنَ مِنْ ثِمَار الْجَنَّة , وَأَنَّ مَسَاكِنهمْ سِدْرَة الْمُنْتَهَى , وَأَنَّ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه ثَلَاث خِصَال مِنْ الْخَيْر : مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه مِنْهُمْ صَارَ حَيًّا مَرْزُوقًا , وَمَنْ غُلِبَ آتَاهُ اللَّه أَجْرًا عَظِيمًا , وَمَنْ مَاتَ رَزَقَهُ اللَّه رِزْقًا حَسَنًا . 1924 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي صُوَر طَيْر بِيض . 1925 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } فِي صُوَر طَيْر خُضْر يَطِيرُونَ فِي الْجَنَّة حَيْثُ شَاءُوا مِنْهَا يَأْكُلُونَ مِنْ حَيْثُ شَاءُوا . 1926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طَيْر خُضْر فِي الْجَنَّة فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } مِنْ خُصُوصِيَّة الْخَبَر عَنْ الْمَقْتُول فِي سَبِيل اللَّه الَّذِي لَمْ يَعُمّ بِهِ غَيْره ؟ وَقَدْ عَلِمْت تَظَاهُر الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه أَنَّهُ وَصَفَ حَال الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بَعْد وَفَاتهمْ , فَأَخْبَرَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَح لَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ أَبْوَاب إلَى الْجَنَّة يَشُمُّونَ مِنْهَا رَوْحهَا , وَيَسْتَعْجِلُونَ اللَّه قِيَام السَّاعَة لِيَصِيرُوا إلَى مَسَاكِنهمْ مِنْهَا وَيَجْمَع بَيْنهمْ وَبَيْن أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ فِيهَا , وَعَنْ الْكَافِرِينَ أَنَّهُمْ يُفْتَح لَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ أَبْوَاب إلَى النَّار يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَيُصِيبهُمْ مِنْ نَتِنهَا وَمَكْرُوههَا , وَيُسَلِّط عَلَيْهِمْ فِيهَا إلَى قِيَام السَّاعَة مَنْ يَقْمَعهُمْ فِيهَا , وَيَسْأَلُونَ اللَّه فِيهَا تَأْخِير قِيَام السَّاعَة حَذَارًا مِنْ الْمَصِير إلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ فِيهَا مَعَ أَشْبَاه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار . وَإِذَا كَانَتْ الْأَخْبَار بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَا الَّذِي خَصَّ بِهِ الْقَتِيل فِي سَبِيل اللَّه مِمَّا لَمْ يَعُمّ بِهِ سَائِر الْبَشَر غَيْره مِنْ الْحَيَاة وَسَائِر الْكُفَّار وَالْمُؤْمِنِينَ غَيْره أَحْيَاء فِي الْبَرْزَخ , أَمَّا الْكُفَّار فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ بِالْمَعِيشَةِ الضَّنْك , وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَمُنَعَّمُونَ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَان وَنَسِيم الْجِنَان ؟ قِيلَ : أَنَّ الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ الشُّهَدَاء فِي ذَلِكَ وَأَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْهُمْ تَعَالَى ذِكْره إعْلَامه إيَّاهُمْ أَنَّهُمْ مَرْزُوقُونَ مِنْ مَآكِل الْجَنَّة وَمَطَاعِمهَا فِي بَرْزَخهمْ قَبْل بَعْثهمْ , وَمُنَعَّمُونَ بِاَلَّذِي يُنَعَّم بِهِ دَاخِلُوهَا بَعْد الْبَعْث مِنْ سَائِر الْبَشَر مِنْ لَذِيذ مَطَاعِمهَا الَّذِي لَمْ يُطْعِمهَا اللَّه أَحَدًا غَيْرهمْ فِي بَرْزَخه قَبْل بَعْثه . فَذَلِكَ هُوَ الْفَضِيلَة الَّتِي فَضَّلَهُمْ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِهَا مِنْ غَيْرهمْ , وَالْفَائِدَة الَّتِي أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله } 3 169 : 170 وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1927 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان , وَعَبَدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ الْحَارِث بْن فُضَيْل , عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الشُّهَدَاء عَلَى بَارِق نَهْر بِبَابِ الْجَنَّة فِي قُبَّة خَضْرَاء " وَقَالَ عَبَدَة : " فِي رَوْضَة خَضْرَاء , يَخْرُج عَلَيْهِمْ رِزْقهمْ مِنْ الْجَنَّة بُكْرَة وَعَشِيًّا " . 1928 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ الْإِفْرِيقِيّ , عَنْ ابْن بَشَّار السُّلَمِيّ - أَوْ أَبِي بَشَّار , شَكَّ أَبُو جَعْفَر - قَالَ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي قِبَاب بِيض مِنْ قِبَاب الْجَنَّة فِي كُلّ قُبَّة زَوْجَتَانِ , رِزْقهمْ فِي كُلّ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس ثَوْر وَحُوت , فَأَمَّا الثَّوْر فَفِيهِ طَعْم كُلّ ثَمَرَة فِي الْجَنَّة , وَأَمَّا الْحُوت فَفِيهِ طَعْم كُلّ شَرَاب فِي الْجَنَّة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ الْخَبَر عَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَفَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِخَبَرِهِ عَنْ الشُّهَدَاء مِنْ النِّعْمَة الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا فِي الْبَرْزَخ غَيْر مَوْجُود فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } وَإِنَّمَا فِيهِ الْخَبَر عَنْ حَالهمْ أَمْوَات هُمْ أَمْ أَحْيَاء . قِيلَ : إنَّ الْمَقْصُود بِذِكْرِ الْخَبَر عَنْ حَيَاتهمْ إنَّمَا هُوَ الْخَبَر عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ النِّعْمَة , وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره لَمَّا كَانَ قَدْ أَنْبَأَ عِبَاده عَمَّا قَدْ خَصَّ بِهِ الشُّهَدَاء فِي قَوْله : { وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ } 3 169 وَعَلِمُوا حَالهمْ بِخَبَرِهِ ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْمُرَاد مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي قَوْله : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَات بَلْ أَحْيَاء } نَهَى خَلْقه عَنْ أَنْ يَقُولُوا لِلشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ مَوْتَى , تَرَكَ إعَادَة ذِكْر مَا قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خَبَرهمْ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَلَكِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُمْ فَتَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاء , وَإِنَّمَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِخَبَرِي إيَّاكُمْ بِهِ . وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْله : " أَمْوَات " بِإِضْمَارِ مُكَنَّى عَنْ أَسْمَاء مَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه هُمْ أَمْوَات . وَلَا يَجُوز النَّصْب فِي الْأَمْوَات , لِأَنَّ الْقَوْل لَا يَعْمَل فِيهِمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله : " بَلْ أَحْيَاء " , رُفِعَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْيَاء .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَلَكِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُمْ فَتَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاء , وَإِنَّمَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِخَبَرِي إيَّاكُمْ بِهِ . وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْله : " أَمْوَات " بِإِضْمَارِ مُكَنَّى عَنْ أَسْمَاء مَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه هُمْ أَمْوَات . وَلَا يَجُوز النَّصْب فِي الْأَمْوَات , لِأَنَّ الْقَوْل لَا يَعْمَل فِيهِمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله : " بَلْ أَحْيَاء " , رُفِعَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْيَاء .'

تفسير القرطبي

هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران : 169]، وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر. والشهداء أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا. ويدل على هذا قوله تعالى { ولكن لا تشعرون} والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. وارتفع { أموات} على إضمار مبتدأ، وكذلك { بل أحياء} أي هم أموات وهم أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب، كما يصح في قولك : قلت كلاما وحجة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 152 - 154

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق جل جلاله يعلم أن أحداث الإيمان وخصوم الإيمان سيواجهون المسلمين بمشقة عنيفة.. لا تهددهم في أموالهم فقط ولكن تهددهم في نفوسهم، فأراد الله عز وجل أن يعطي المؤمنين مناعة ضد هذه الأحداث.. وأوصاهم بالصبر والصلاة يواجهون بها كل حدث يهزهم بعنف.. قال لهم إن المسألة قد تصل إلى القتل.. إلى الاستشهاد في سبيل الله. وأراد أن يطمئنهم بأن الشهادة هي أعلى مرتبة إيمانية يستطيع الإنسان المؤمن أن يصل إليها في الدنيا فقال سبحانه: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ }.

إن القتل هو أشد ما يمكن أن يقع على الإنسان.. فأنت تصاب في مالك أو في ولدك أو في رزقك أو في صحتك، أما أن تصاب في نفسك فتقتل فهذه هي المصيبة الكبرى.. والله سبحانه سَمَّى الموتَ مصيبة واقرأ قوله تعالى:
{  إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ }
[المائدة: 106]

الله تبارك وتعالى أراد أن يفهم المؤمنون أن الذي يقتل في سبيل الله لا يموت.. وإنما يعطيه الله لونا جديدا من الحياة فيه من النعم ما لا يعد ولا يحصى. يقول جل جلاله: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.

ما هو مظهر الحياة التي يعيشونها؟ الحياة عندنا مظهرها الحركة، والذي قتل في سبيل الله ما هي حركته؟ حركته بالنسبة لغير المؤمنين خصوم الإسلام والإيمان بأنه لن يسلب منه الحياة.. لأنه سيذهب إلى حياة أسعد والموت ينقله إلى خير مما هو يعيش فيه.. فإذا كان الكفار قد قتلوه فهم لم يسلبوه شيئا وإنما نقلوه إلى نعمة أكبر مما كان يعيش فيها.. أما بالنسبة للمؤمنين فإنه سيحمي لهم منهج الله ليصل إليهم إلى أن تقوم الساعة.

إن كل المعارك التي يستشهد فيها المؤمنون إنما هي سلسلة متصلة لحماية حركة الإيمان في الوجود.. وعظمة الحياة ليست في أن أتحرك أنا ولكن أن اجعل مَن بعدي يتحرك.. والمؤمن حين يستشهد يبقى أثره في الوجود لكل حركة من متحرك بعده.. فكل حركة لحماية الإيمان تستشهد به وبما فعله وتأخذ من سلوكه الإيماني دافعا لتقاتل وتستشهد. فكأن الحركة متصلة والعملية متصلة.. أما الكافر فإن الحياة تنتهي عنده بالموت ولكن تنتظره حياة أخرى حينما يبعث الله الناس جميعا ثم يأتي بالموت فيموت.. وحين يموت الموت تصبح الحياة بلا موت إما في الجنة وإما في النار.

الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم أن من يقتل في سبيل الله هو حي عند ربه ينتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة مباشرة.. ولا يكتب عليه الموت في حياة البرزخ حتى يوم القيامة مثل من يموت ميتة طبيعية ولا يموت شهيدا.. ولأن هذه الحياة حياة الشهداء أخفى الله سبحانه عنا تفاصيلها لأنها من حياة الآخرة.. وهي غيب عنا قال تبارك وتعالى: { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }.. ومادمنا لا نشعر بها فلابد أن تكون حياة أعلى من حياتنا الدنيوية.

الذي استشهد في عرف الناس سلب نفسه الحياة ولكنه في عرف الله أخذ حياة جديدة.. ونحن حين نفتح قبر أحد الشهداء نجد جسده كما هو فنقول إنه ميت أمامنا.. لابد أن تتنبه إنك لحظة فتحت عليه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة والله سبحانه قال: { أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ } ولم يقل أحياء في عالم الشهادة.. فهو حي مادام في عالم الغيب ولكن أن تفتح وتكشف تجده جسدا في قبره لأنه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.. أما كيف؟ قلنا إن الغيب ليس فيه كيف.. لذلك لن تعرف وليس مطلوبا منك أن تعرف.

إننا حين نجري عملية جراحية لمريض يعطيه الطبيب (البنج) لكي يفقده الوعي والحس ولكن لا يعطيه له ليموت ثم يبدأ يجري العملية فلا يشعر المريض بشيء من الألم.

فالمادة لا تحس لأنها هي التي أجريت عليها العملية والجسد لازال فيه الحياة من نبض وتنفس ولكنه لا يحس.. ولكن النفس الواعية التي غابت هي التي تحس بالألم.

أنت عندما يكون هناك ألم في جسدك وتنام ينقطع الإحساس بالألم فكأن الألم ليس مسألة عضوية ولكنه مرتبط بالوعي.. فعند النوم تنتقل إلى عالم آخر قوانينه مختلفة.. والعلماء فحصوا مخ الإنسان وهو نائم فوجدوا أنه لا يستطيع أن يعمل أكثر من سبع ثوان يرى فيها رؤيا يظل يحكيها ساعات.. فإذا قال الحق تبارك وتعالى: " إنهم أحياء عند ربهم ".. فلابد أن نأخذ هذه الحياة على أنها بقدرات الله ومن عنده.. والله عز وجل أراد أن يقرب لنا مسألة البعث والقيامة مثل مسألة النوم.

واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{  ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }
[الزمر: 42]

فكأن الحق جل جلاله يعطي الشهداء حياة دائمة خالدة لأنهم ماتوا في سبيله.. ومادام تعالى قال: " لا تشعرون " فلا تحاول أن تدركها بشعورك وحسك لأنك لن تدركها على أن الشهيد لابد أن يقتل في سبيل الله وليس لأي غرض دنيوي.. وإنما لتكون كلمة الله هي العليا.


www.alro7.net