سورة
اية:

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً...} الآية. [153].
نزلت في اليهود، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً فائتنا بكتاب جملة من السماء، كما أتى به موسى، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

قال السدي وقتادة: سأل اليهود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من اللّه مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة الإسراء: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} الآيات، ولهذا قال تعالى: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: { أرنا اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} ، أي بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} ، وقوله تعالى: { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} أي من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى عليه السلام في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيراً حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى: { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} . ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة اللّه عزَّ وجلَّ، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل اللّه توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده فجعل يقتل بعضهم بعضاً، ثم أحياهم اللّه عزَّ وجلَّ، وقال اللّه تعالى: { فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} ، ثم قال: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} ، وذلك حين امتنعوا من الإلتزام بأحكام التوراة وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام رفع اللّه على رؤوسهم جبلاً ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة} الآية، { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً} أي فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سجداً وهم يقولون حطة، أي (اللهم حط عنا ذنوبنا) في تركنا الجهاد ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاهم، وهم يقولون حنطة في شعرة { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم اللّه عليهم ما دام مشروعاً لهم، { وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أي شديداً فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم اللّه عزَّ وجلَّ، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: { اسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: { ولقد أتينا موسى تسع آيات بينات} وفيه(وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت)

تفسير الجلالين

{ يسألك } يا محمد { أهل الكتاب } اليهود { أن تنزِّل عليهم كتابا من السماء } جملة كما أنزل على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك { فقد سألوا } أي آباؤهم { موسى أكبر } أعظم { من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } عيانا { فأخذتهم الصاعقة } الموت عقابا لهم { بظلمهم } حيث تعتنوا في السؤال { ثم اتخذوا العجل } إلها { من بعد ما جاءتهم البينات } المعجزات على وحدانية الله { فعفونا عن ذلك } ولم نستأصلهم { وآتينا موسى سلطانا مبينا } تسلطا بينا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَسْأَلك } يَا مُحَمَّد { أَهْل الْكِتَاب } يَعْنِي بِذَلِكَ : أَهْل التَّوْرَاة مِنْ الْيَهُود , { أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْكِتَاب الَّذِي سَأَلَ الْيَهُود مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء , فَقَالَ بَعْضهمْ : سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء مَكْتُوبًا , كَمَا جَاءَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل بِالتَّوْرَاةِ مَكْتُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8473 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } قَالَتْ الْيَهُود : إِنْ كُنْت صَادِقًا أَنَّك رَسُول اللَّه , فَأْتِنَا كِتَابًا مَكْتُوبًا مِنْ السَّمَاء كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى. 8474 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : جَاءَ أُنَاس مِنْ الْيَهُود إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا , إِنَّ مُوسَى جَاءَ بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْد اللَّه , فَأْتِنَا بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْد اللَّه حَتَّى نُصَدِّقك ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } ... إِلَى قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا خَاصًّا لَهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8475 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } أَيْ كِتَابًا خَاصًّا { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَى رِجَال مِنْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ كُتُبًا بِالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8476 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : لَنْ نُتَابِعك عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ , حَتَّى تَأْتِينَا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه إِلَى فُلَان أَنَّك رَسُول اللَّه , وَإِلَى فُلَان بِكِتَابٍ أَنَّك رَسُول اللَّه ! قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ أَهْل التَّوْرَاة سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَل رَبّه أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء آيَة , مُعْجِزَة جَمِيع الْخَلْق عَنْ أَنْ يَأْتُوا مِثْلهَا , شَاهِدَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ , آمِرَة لَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ. وَجَائِز أَنْ يَكُون الَّذِي سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ كِتَابًا مَكْتُوبًا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء إِلَى جَمَاعَتهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كُتُبًا إِلَى أَشْخَاص بِأَعْيُنِهِمْ . بَلْ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ التِّلَاوَة أَنْ تَكُون مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ كَانَتْ مَسْأَلَة لِيَنْزِل الْكِتَاب الْوَاحِد إِلَى جَمَاعَتهمْ لِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى فِي خَبَره عَنْهُمْ الْكِتَاب بِلَفْظِ الْوَاحِد , بِقَوْلِهِ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } وَلَمْ يَقُلْ : " كُتُبًا ". الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَسْأَلك } يَا مُحَمَّد { أَهْل الْكِتَاب } يَعْنِي بِذَلِكَ : أَهْل التَّوْرَاة مِنْ الْيَهُود , { أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْكِتَاب الَّذِي سَأَلَ الْيَهُود مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء , فَقَالَ بَعْضهمْ : سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء مَكْتُوبًا , كَمَا جَاءَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل بِالتَّوْرَاةِ مَكْتُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8473 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } قَالَتْ الْيَهُود : إِنْ كُنْت صَادِقًا أَنَّك رَسُول اللَّه , فَأْتِنَا كِتَابًا مَكْتُوبًا مِنْ السَّمَاء كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى. 8474 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : جَاءَ أُنَاس مِنْ الْيَهُود إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا , إِنَّ مُوسَى جَاءَ بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْد اللَّه , فَأْتِنَا بِالْأَلْوَاحِ مِنْ عِنْد اللَّه حَتَّى نُصَدِّقك ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } ... إِلَى قَوْله : { وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا خَاصًّا لَهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8475 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } أَيْ كِتَابًا خَاصًّا { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّل عَلَى رِجَال مِنْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ كُتُبًا بِالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8476 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : لَنْ نُتَابِعك عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ , حَتَّى تَأْتِينَا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه إِلَى فُلَان أَنَّك رَسُول اللَّه , وَإِلَى فُلَان بِكِتَابٍ أَنَّك رَسُول اللَّه ! قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ أَهْل التَّوْرَاة سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَل رَبّه أَنْ يُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء آيَة , مُعْجِزَة جَمِيع الْخَلْق عَنْ أَنْ يَأْتُوا مِثْلهَا , شَاهِدَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ , آمِرَة لَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ. وَجَائِز أَنْ يَكُون الَّذِي سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ كِتَابًا مَكْتُوبًا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء إِلَى جَمَاعَتهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كُتُبًا إِلَى أَشْخَاص بِأَعْيُنِهِمْ . بَلْ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ التِّلَاوَة أَنْ تَكُون مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ كَانَتْ مَسْأَلَة لِيَنْزِل الْكِتَاب الْوَاحِد إِلَى جَمَاعَتهمْ لِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى فِي خَبَره عَنْهُمْ الْكِتَاب بِلَفْظِ الْوَاحِد , بِقَوْلِهِ : { يَسْأَلك أَهْل الْكِتَاب أَنْ تُنَزِّل عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاء } وَلَمْ يَقُلْ : " كُتُبًا ".' وَأَمَّا قَوْله : { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ } فَإِنَّهُ تَوْبِيخ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَائِلِي الْكِتَاب الَّذِي سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّلهُ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء فِي مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ , وَتَقْرِيع مِنْهُ لَهُمْ . يَقُول لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك مَسْأَلَتهمْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ مِنْ جَهْلهمْ بِاَللَّهِ وَجَرَاءَتهمْ عَلَيْهِ وَاغْتِرَارهمْ بِحِلْمِهِ , لَوْ أَنْزَلْت عَلَيْهِمْ الْكِتَاب الَّذِي سَأَلُوك أَنْ تُنْزِلهُ عَلَيْهِمْ , لَخَالَفُوا أَمْر اللَّه كَمَا خَالَفُوهُ بَعْد إِحْيَاء اللَّه أَوَائِلهمْ مِنْ صَعْقَتهمْ , فَعَبَدُوا الْعِجْل , وَاِتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون خَالِقهمْ وَبَارِئِهِمْ الَّذِي أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَته وَعَظِيم سُلْطَانه مَا أَرَاهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا كَأَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافهمْ . ثُمَّ قَصَّ اللَّه مِنْ قِصَّتهمْ وَقِصَّة مُوسَى مَا قَصَّ , يَقُول اللَّه : { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ } يَعْنِي : فَقَدْ سَأَلَ أَسْلَاف هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَأَوَائِلهمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَعْظَم مِمَّا سَأَلُوك مِنْ تَنْزِيل كِتَاب عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء فَقَالُوا لَهُ { أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } : أَيْ عِيَانًا نُعَايِنهُ وَنَنْظُر إِلَيْهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَعْنَى الْجَهْرَة بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَة وَالشَّوَاهِد عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي مَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ بِمَا : 8477 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِث , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ هَارُون بْن مُوسَى , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُعَاوِيَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة , قَالَ : إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ فَقَدْ رَأَوْهُ , إِنَّمَا قَالُوا : " جَهْرَة أَرِنَا اللَّه " قَالَ : هُوَ مُقَدَّم وَمُؤَخَّر. وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَتَأَوَّل ذَلِكَ أَنَّ سُؤَالهمْ مُوسَى كَانَ جَهْرَة.وَأَمَّا قَوْله : { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ } فَإِنَّهُ تَوْبِيخ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَائِلِي الْكِتَاب الَّذِي سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّلهُ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء فِي مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ , وَتَقْرِيع مِنْهُ لَهُمْ . يَقُول لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك مَسْأَلَتهمْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ مِنْ جَهْلهمْ بِاَللَّهِ وَجَرَاءَتهمْ عَلَيْهِ وَاغْتِرَارهمْ بِحِلْمِهِ , لَوْ أَنْزَلْت عَلَيْهِمْ الْكِتَاب الَّذِي سَأَلُوك أَنْ تُنْزِلهُ عَلَيْهِمْ , لَخَالَفُوا أَمْر اللَّه كَمَا خَالَفُوهُ بَعْد إِحْيَاء اللَّه أَوَائِلهمْ مِنْ صَعْقَتهمْ , فَعَبَدُوا الْعِجْل , وَاِتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون خَالِقهمْ وَبَارِئِهِمْ الَّذِي أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَته وَعَظِيم سُلْطَانه مَا أَرَاهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا كَأَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافهمْ . ثُمَّ قَصَّ اللَّه مِنْ قِصَّتهمْ وَقِصَّة مُوسَى مَا قَصَّ , يَقُول اللَّه : { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ } يَعْنِي : فَقَدْ سَأَلَ أَسْلَاف هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَأَوَائِلهمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَعْظَم مِمَّا سَأَلُوك مِنْ تَنْزِيل كِتَاب عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء فَقَالُوا لَهُ { أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } : أَيْ عِيَانًا نُعَايِنهُ وَنَنْظُر إِلَيْهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَعْنَى الْجَهْرَة بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَة وَالشَّوَاهِد عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي مَعْنَاهُ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ بِمَا : 8477 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِث , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ هَارُون بْن مُوسَى , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن مُعَاوِيَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة , قَالَ : إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ فَقَدْ رَأَوْهُ , إِنَّمَا قَالُوا : " جَهْرَة أَرِنَا اللَّه " قَالَ : هُوَ مُقَدَّم وَمُؤَخَّر. وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَتَأَوَّل ذَلِكَ أَنَّ سُؤَالهمْ مُوسَى كَانَ جَهْرَة.' وَأَمَّا قَوْله : { فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة } فَإِنَّهُ يَقُول : فَصَعِقُوا بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسهمْ , وَظُلْمهمْ أَنْفُسهمْ كَانَ مَسْأَلَتهمْ مُوسَى أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّهمْ جَهْرَة , لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْأَلَته . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّاعِقَة فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلهَا وَالدَّلِيل عَلَى أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهَا بِالصَّوَابِ .وَأَمَّا قَوْله : { فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة } فَإِنَّهُ يَقُول : فَصَعِقُوا بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسهمْ , وَظُلْمهمْ أَنْفُسهمْ كَانَ مَسْأَلَتهمْ مُوسَى أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّهمْ جَهْرَة , لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْأَلَته . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّاعِقَة فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلهَا وَالدَّلِيل عَلَى أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهَا بِالصَّوَابِ .' وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْل } فَإِنَّهُ يَعْنِي : ثُمَّ اِتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى مَا سَأَلُوهُ مِنْ رُؤْيَة رَبّهمْ جَهْرَة , بَعْد مَا أَحْيَاهُمْ اللَّه , فَبَعَثَهُمْ مِنْ صَعْقَتهمْ الْعِجْل الَّذِي كَانَ السَّامِرِيّ نَبَذَ فِيهِ مَا نَبَذَ مِنْ الْقَبْضَة الَّتِي قَبَضَهَا مِنْ أَثَر فَرَس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون اللَّه . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْر السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله اِتَّخَذُوا الْعِجْل وَكَيْفَ كَانَ أَمْرهمْ وَأَمْره فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة .وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْل } فَإِنَّهُ يَعْنِي : ثُمَّ اِتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى مَا سَأَلُوهُ مِنْ رُؤْيَة رَبّهمْ جَهْرَة , بَعْد مَا أَحْيَاهُمْ اللَّه , فَبَعَثَهُمْ مِنْ صَعْقَتهمْ الْعِجْل الَّذِي كَانَ السَّامِرِيّ نَبَذَ فِيهِ مَا نَبَذَ مِنْ الْقَبْضَة الَّتِي قَبَضَهَا مِنْ أَثَر فَرَس جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون اللَّه . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْر السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله اِتَّخَذُوا الْعِجْل وَكَيْفَ كَانَ أَمْرهمْ وَأَمْره فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة .' وَقَوْله : { مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَات } يَعْنِي : مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى مَا سَأَلُوا الْبَيِّنَات مِنْ اللَّه , وَالدَّلَالَات الْوَاضِحَات بِأَنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا اللَّه عِيَانًا جِهَارًا . وَإِنَّمَا عَنَى بِالْبَيِّنَاتِ : أَنَّهَا آيَات تُبَيِّن عَنْ أَنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا اللَّه فِي أَيَّام حَيَاتهمْ فِي الدُّنْيَا جَهْرَة , وَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَات الْبَيِّنَات لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , إِصْعَاق اللَّه إِيَّاهُمْ عِنْد مَسْأَلَتهمْ مُوسَى أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّه جَهْرَة , ثُمَّ إِحْيَاءَهُ إِيَّاهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ مَعَ سَائِر الْآيَات الَّتِي أَرَاهُمْ اللَّه دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ . يَقُول اللَّه مُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ فِعْلهمْ ذَلِكَ وَمُوَضِّحًا لِعِبَادِهِ جَهْلهمْ وَنَقْص عُقُولهمْ وَأَحْلَامهمْ : ثُمَّ أَقَرُّوا لِلْعِجْلِ بِأَنَّهُ لَهُمْ إِلَه , وَهُمْ يَرَوْنَهُ عِيَانًا وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ جِهَارًا , بَعْد مَا أَرَاهُمْ رَبّهمْ مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات مَا أَرَاهُمْ , أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبّهمْ جَهْرَة وَعِيَانًا فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , فَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَته مُصَدِّقِينَ بِأُلُوهَتِهِ .وَقَوْله : { مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَات } يَعْنِي : مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى مَا سَأَلُوا الْبَيِّنَات مِنْ اللَّه , وَالدَّلَالَات الْوَاضِحَات بِأَنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا اللَّه عِيَانًا جِهَارًا . وَإِنَّمَا عَنَى بِالْبَيِّنَاتِ : أَنَّهَا آيَات تُبَيِّن عَنْ أَنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا اللَّه فِي أَيَّام حَيَاتهمْ فِي الدُّنْيَا جَهْرَة , وَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَات الْبَيِّنَات لَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , إِصْعَاق اللَّه إِيَّاهُمْ عِنْد مَسْأَلَتهمْ مُوسَى أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّه جَهْرَة , ثُمَّ إِحْيَاءَهُ إِيَّاهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ مَعَ سَائِر الْآيَات الَّتِي أَرَاهُمْ اللَّه دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ . يَقُول اللَّه مُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ فِعْلهمْ ذَلِكَ وَمُوَضِّحًا لِعِبَادِهِ جَهْلهمْ وَنَقْص عُقُولهمْ وَأَحْلَامهمْ : ثُمَّ أَقَرُّوا لِلْعِجْلِ بِأَنَّهُ لَهُمْ إِلَه , وَهُمْ يَرَوْنَهُ عِيَانًا وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ جِهَارًا , بَعْد مَا أَرَاهُمْ رَبّهمْ مِنْ الْآيَات الْبَيِّنَات مَا أَرَاهُمْ , أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبّهمْ جَهْرَة وَعِيَانًا فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , فَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَته مُصَدِّقِينَ بِأُلُوهَتِهِ .' وَقَوْله : { فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ } يَقُول : فَعَفَوْنَا لِعَبَدَةِ الْعِجْل عَنْ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ , وَلِلْمُصَدِّقِينَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ إِلَههمْ , بَعْد الَّذِي أَرَاهُمْ اللَّه أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبّهمْ فِي حَيَاتهمْ مِنْ الْآيَات مَا أَرَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي تَابُوهَا إِلَى رَبّهمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسهمْ وَصَبْرهمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَمْر رَبّهمْ .وَقَوْله : { فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ } يَقُول : فَعَفَوْنَا لِعَبَدَةِ الْعِجْل عَنْ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ , وَلِلْمُصَدِّقِينَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ إِلَههمْ , بَعْد الَّذِي أَرَاهُمْ اللَّه أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبّهمْ فِي حَيَاتهمْ مِنْ الْآيَات مَا أَرَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي تَابُوهَا إِلَى رَبّهمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسهمْ وَصَبْرهمْ فِي ذَلِكَ عَلَى أَمْر رَبّهمْ .' { وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا } يَقُول : وَآتَيْنَا مُوسَى حُجَّة تُبَيِّن عَنْ صِدْقه وَحَقِّيَّة نُبُوَّته , وَتِلْكَ الْحُجَّة هِيَ الْآيَات الْبَيِّنَات الَّتِي آتَاهُ اللَّه إِيَّاهَا . { وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا } يَقُول : وَآتَيْنَا مُوسَى حُجَّة تُبَيِّن عَنْ صِدْقه وَحَقِّيَّة نُبُوَّته , وَتِلْكَ الْحُجَّة هِيَ الْآيَات الْبَيِّنَات الَّتِي آتَاهُ اللَّه إِيَّاهَا .'

تفسير القرطبي

سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة؛ تعنتا له صلى الله عليه وسلم؛ فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا { فقالوا أرنا الله جهرة} أي عيانا؛ وقد تقدم في البقرة. و { جهرة} نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة؛ فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم من بعد ما رأوا من المعجزات. قوله تعالى { ثم اتخذوا العجل} في الكلام حذف تقديره : فأحييناهم فلم يبرحوا فاتخذوا العجل؛ وقد تقدم في البقرة ويأتي ذكره في طه إن شاء الله. { من بعد ما جاءتهم البينات} أي البراهين والدلالات والمعجزات الظاهرات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها بأنه لا معبود إلا الله عز وجل. { فعفونا عن ذلك} أي عما كان منهم من التعنت. { وآتينا موسى سلطانا مبينا} أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها؛ وسميت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة، وهي قاهرة للقلوب، بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 150 - 153

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا خطأ منهم في السؤال، وكان المفروض أن يكون: يسألك أهل الكتاب أن تسأل الله أن ينزل عليهم كتاباً. وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة وبلاغة ولسان، واعترفوا بأن القرآن عظيم ولكن الآفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31]

هم اعترفوا بعظمة القرآن، واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم من نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم مضطربين فكرياً، لقد اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه.. فمرة قالوا: إنه سحر، ومرة قالوا: إنه من تلقين بعض البشر، وقالوا: إنه شعر، وقالوا: إنه من أساطير الأولين. وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن. ثم أخيرا قالوا: { لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }.

ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل؟ إذن. فالآفة - عندهم - أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من الحسد:
{  أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }
[النساء: 54]

لأن قولهم لا يتسم أبداً بالموضوعية، بل كل كلامهم بُعْدٌ عن الحق وتخبط. لقد قالوا مرة عن القرآن: إنه سحر، وعندما سألهم الناس: لماذا لم يسحركم القرآن إذن؟ فليس للمسحور إرادة مع الساحر. ولم يجدوا إجابة. وقالوا مرة عن القرآن: إنه شعر، فتعجب منهم القوم لأنهم أمة الشعر، وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة، لكنه كلام التخبط.

إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم الإيمان، فإذا أمسكتهم الحجة من تلابيبهم في شيء، انتقلوا إلى شيء آخر.

ويوضح سبحانه: إن كانوا يطلبون كتاباً فالكتاب قد نزل، تماماً كما نزل كتاب من قبل على موسى. وماداموا قد صدقوا نزول الكتاب على موسى، فلماذا لا يصدقون نزول الكتاب على محمد؟ ولا بد أن هناك معنى خاصاً وراء قوله الحق: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }. ونعلم أن الكتاب نزل على موسى مكتوباً جملة واحدة، وهم كأهل كتاب يطلبون نزول القرآن بالطريقة نفسها، وعندما ندقق في الآية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم الكتاب من السماء؛ وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول الله وأن يكون الكلام مباشرة من الله لهم؛ لذلك يقول الحق في موقع آخر:
{  أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ }
[الزخرف: 32]

الحق - إذن - قسم الأمور في الحياة الدنيا، فكيف يتدخلون في مسألة الوحي وهو من رحمة الله: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }. وهم قد نسبوا التنزيل إلى رسول الله، ورسول الله ما قال إني نزَّلْت، بل قال: " أنزل علي ".ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الأشرف والجماعة الذين كانوا حوله أرادوا أن ينزل الوحي على كل واحد منهم بكتاب، فيقول الوحي لكعب: " يا كعب آمن بمحمد ".

ويًنَزَّلُ إلى كل واحد كتاباً بهذا الشكل الخصوصي. أو أن ينزل الله لهم كتاباً مخصوصاً مع القرآن. وكيف يطلبون ذلك وعندهم التوراة، ويوضح الله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تستكثر منهم يا محمد أن يسألوك كتاباً ينزل عليهم لأنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وطلبهم تنزيل الكتاب، هو طلب لفعل من الله، وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما قالوا لموسى: { أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً }. وهم بمثل هذا القول تعدوا من فعل الله إلى ذات الحق سبحانه وتعالى، لذلك لا تستكثر عليهم مسألة طلبهم لنزول كتاب إليهم، فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية الله جهرة: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }.

ولحظة أن ترى كلمة " الصاعقة " تفهم أنها شيء يأتي من أعلى، يبدأ بصوت مزعج. وقلنا من قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة:
{  يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ }
[البقرة: 19]

أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، وهذا دليل على أن صوت الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن، ودليل على أن ازعاج الصاعقة فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة؛ لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الأصبع لا بكل الأصابع. وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج.

إذن فالصاعفة صوت مزعج يأتي من أعلى، وبعد ذلك ينزل قضاء الله إما بأمر مهلك وإمّا بنار تحرق وإما بريح تدمر { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ } والظلم هو أن تجعل حقاً لغير صاحبه؛ ولا تجعل حقاً لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقاً من صاحبه. وسؤالهم هذا لون من الظلم؛ لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المُدْرِك بالمُدْرَك.

وحين تدرك شيئاً بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء المدَرَك وحيَّزته بالتفصيل، وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة، وكذلك الذوق ليحس الإنسان الطعم. إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء المُدْرَك إحاطة شاملة جامعة.

فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا الله جهرة، فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة بالله. وحين يحيط المُدْرِك بالمُدْرَك، يقال قدر عليه. وهل ينقلب القادر الأعلى مقدوراً عليه؟ حاشا لله. وذلك مطلق الظلم ونهايته، فمن الجائز أن يرى الإنسان إنساناً، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه المسألة إلى الله، لماذا؟ لأنه سبحانه القائل:
{  لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ }
[الأنعام: 103]

ومادام الله إلها قادراً فلن ينقلب إلى مقدور.

ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها، فهذا معناه أن فكرة قد قدر عليها. وأما إذا أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها. إذن فكل شيء يقع تحت دائرة الإدراك، يقول لنا: إن الآلة المدرِكة قد قدرت عليه.

والحق سبحانه وتعالى قادر أعلى لا ينقلب مقدوراً لما خلق. { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ }. وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن يتأدبوا ولا يجترئوا على الله، ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق بهم البحر وعَبره بهم تيسيرا عليهم وتأييداً لهم وأراهم معجزة حقيقية، بعد أن قالوا:
{  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }
[الشعراء: 61]

فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ولا مفر من هلاكهم؛ لأن المنطق الطبيعي أن يدركهم فرعون، وآتى الله سيدنا موسى إلهامات الوحي، فقال:
{  قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
[الشعراء: 62]

لقد لجأ موسى إلى القانون الأعلى، قانون الله، فأمره الله أن يضرب بعصاه البحر، ويتفرق البحر وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم، وبعد أن ساروا في البحر، وأغرق فرعون أمامهم، وأنجاهم سبحانه، لكنهم من بعد ذلك كله يتخذون العجل إلهاً!!

هكذا قابلوا جميل الله بالنكران والكفران. { ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً } والسلطان المبين الذي آتاه الله لموسى عليه السلام هو التسلط والاستيلاء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم، وجاءوا بالسيوف لأن الله قد أعطى سيدنا موسى قوة فلا يخرج أحد عن أمره، والقوة سلطان قاهر.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ... }


www.alro7.net