سورة
اية:

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يذكِّر تعالى عباده المؤمنين، ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم، يتلو عليهم آيات اللّه مبينات { ويزكيهم} أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو القرآن، والحكمة وهي السنّة، ويعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يُسفِّهون بالقول القُرّاء، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة. وقال تعالى: { قد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: { ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللّه كفراً وأحلوا قومهم دار البوار} قال ابن عباس: يعني بنعمة الله محمداً صلى اللّه عليه وسلم ولهذا ندب اللّه المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. وقال: { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} قال مجاهد في قوله: { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} يقول: كما فعلتُ فاذكروني. قال زيد بن أسلم: إن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: (تذكرني ولا تنساني فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذ نسيتني فقد كفرتني) قال الحسن البصري: إن اللّه يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره، وقال بعض السلف في قوله تعالى: { اتقوا اللّه حق تقاته} هو ( أن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنْسى، ويُشْكَر فلا يُكْفر) وقال الحسن البصري في قوله: { فاذكروني أذكركم} اذكروني فيما افترضت عليكم اذكركم فيا أوجبت لكم على نفسي، عن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية برحمتي. وفي الصحيح: (يقول اللّه تعالى مَن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) وعن أنَس قال: قال قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : (قال اللّه عزّ وجلّ يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبراً دنوتُ منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولةً) ""أخرجه البخاري من حديث قتادة، ورواه الإمام أحمد عن أنَس بن مالك"") قال قتادة: اللّه أقرب بالرحمة وقوله: { واشكروا لي ولا تكفرون} أمر اللّه تعالى بشكره ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} روى أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا ""عمران بن حصين"" وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من أنعم اللّه عليه نعمة فإن اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه ""أخرجه الإمام أحمد عن أبي رجاء العطاردي"") وروي: على عبده.

تفسير الجلالين

{ كما أرسلنا } متعلق بأتم أي إتماما كإتمامها بإرسالنا { فيكم رسولا منكم } محمد { يتلو عليكم آياتنا } القرآن { ويزكيكم } يطهركم من الشرك { ويعلمكم الكتاب } القرآن { والحكمة } ما فيه من الأحكام { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { كما أرسلنا} الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، المعنى : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا، قاله الفراء. قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال، أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا. وقيل : المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا. وقيل : هي في موضع نصب على الحال، والمعنى : ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال. والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة. وقيل : معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي فاذكروني كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج. أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقف على { تهتدون} على هذا القول جائز. قلت : وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه، أي كما فعلت بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد، لأن في ذكركم ذلك شكرا لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله { لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم : 7]، فالكاف في قوله { كما} هنا، وفي الأنفال { كما أخرجك ربك} [الأنفال : 5] وفي آخر الحجر { كما أنزلنا على المقتسمين} [الحجر : 90] متعلقة بما بعده، على ما يأتي بيانه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 146 - 153

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الله جل جلاله بعد أن حدثنا عن الهداية إلى منهجه وإلى طريقه. حدثنا عن نعمته علينا بإرسال رسول يتلو علينا آيات الله. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ستأتي على يديه قمة النعم وهو القرآن والدين الخاتم.

قوله تعالى: { رَسُولاً مِّنْكُمْ } أي ليس من جنس آخر. ولكنه صلى الله عليه وسلم رسول منكم تعرفونه قبل أن يكلف بالرسالة وقبل أن يأتي بالحجة.. لماذا؟ لأنه معروف بالخلق العظيم وبالقول الكريم والأمانة وبكل ما يزيد الإنسان رفعة وعلوا واحتراما.. إن أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولئك الذين يعرفونه أكثر من غيرهم.. كأبي بكر الصديق وزجته صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب.. هؤلاء آمنوا دون أن يطلبوا دليلا لأنهم أخذوا الإيمان من معرفتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلف بالرسالة.. فهم لم يعرفوا عنه كذبا قط. فقالوا إن الذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله فآمنوا.. فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه أرسل إليهم رسولا منهم أميا ليعلمه ربه.. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى:
{  لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 128]

الحق سبحانه يقول: { يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ }.. الآيات هي القرآن الكريم والتزكية هي التطهير ولابد أن يكون هناك دنس ليطهرهم منه.. فيطهرهم من عبادة الأصنام ومن وأد البنات والخمر والميسر والربا.. ومعنى التزكية أيضا سلب الضار فكأنه جاءهم بالنفع وسلب منهم الضر.

وقوله تعالى: { وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ }.. الكتاب على إطلاقه ينصرف إلى القرآن الكريم والحكمة هي وضع الشيء في موضعه.. والكتاب يعطيك التكليف إما أن يأمرك بشيء وإما أن ينهاك عن شيء.

إذن فهي دائرة بين الفعل والترك.. والحكمة أن تفعل الفعل الذي يحقق لك خيرا ويمنع عنك الشر. وهي مأخوذة من الحكمة أو الحديدة التي توضع في فم الجواد لتحكم حركته في السير والوقوف، وتصبح كل حركة تؤدي الغرض منها والحكمة أيضا هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى:
{  وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ }
[الأحزاب: 34]

وقوله سبحانه: { وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } لأنكم أمة أمية. فإن بهرتكم الدنيا بحضارتها فستبهرونهم بالإشعاعات الإيمانية التي تجعلكم متفوقين عليهم.. فكل ما يأتيكم من السماء هو فوق كل حضارات الأرض.. لذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما عمر لولا الإسلام.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net