سورة
اية:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير} أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على اللّه فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب لقوله تعالى: { يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} فكان الرجم مما أخفوه ""أخرج ابن جرير: أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الرجم، فقال: (أيكم أعلم؟) فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى والذي رفع الطور والمواثيق، فقال: إنه لما كثر فينا، جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: { يا أهل الكتاب - إلى قوله - صراط مستقيم} ""ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: { قد جاءكم من اللّه نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة { ويخرجهم من لظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة.

تفسير الجلالين

{ يا أهل الكتاب } اليهود والنصارى { قد جاءكم رسولنا } محمد { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون } تكتمون { من الكتاب } التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته { ويعفو عن كثير } من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم { قد جاءكم من الله نورٌ } هو النبي صلى الله عليه وسلم { وكتابٌ } قرآن { مبين } بين ظاهر .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِجَمَاعَةِ أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا , يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا : 9056- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا } وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِجَمَاعَةِ أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا , يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا : 9056- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا } وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ' وَقَوْله : { يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب } يَقُول : يُبَيِّنُ لَكُمْ مُحَمَّد رَسُولنَا كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ النَّاس وَلَا تُبَيِّنُونَهُ لَهُمْ مِمَّا فِي كِتَابكُمْ . وَكَانَ مِمَّا يُخْفُونَهُ مِنْ كِتَابهمْ فَبَيَّنَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ : رَجْم الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي تَبْيِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ مِنْ إِخْفَائِهِمْ ذَلِكَ مِنْ كِتَابهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9057 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب , قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب } فَكَانَ الرَّجْم مِمَّا أَخْفَوْا . * - حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَة , أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . 9058 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ } إِلَى قَوْله : { صِرَاط مُسْتَقِيم } يَسْأَلُونَهُ عَنْ الرَّجْم , وَاجْتَمَعُوا فِي بَيْت , قَالَ : " أَيّكُمْ أَعْلَم " فَأَشَارُوا إِلَى اِبْن صُورِيَّا , فَقَالَ : " أَنْتَ أَعْلَمهُمْ ؟ " قَالَ : سَلْ عَمَّا شِئْت , قَالَ : " أَنْتَ أَعْلَمهُمْ " قَالَ : إِنَّهُمْ لَيَزْعُمُونَ ذَلِكَ . قَالَ : فَنَاشَدَهُ بِاَلَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى , وَاَلَّذِي رَفَعَ الطُّور , وَنَاشَدَهُ بِالْمَوَاثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ , حَتَّى أَخَذَهُ أَفْكَل , فَقَالَ : إِنَّ نِسَاءَنَا نِسَاء حِسَان , فَكَثُرَ فِينَا الْقَتْل , فَاخْتَصَرْنَا أُخْصُورَة , فَجَلَدْنَا مِائَة , وَحَلَقْنَا الرُّءُوس , وَخَالَفْنَا بَيْن الرُّءُوس إِلَى الدَّوَابّ - أَحْسَبهُ قَالَ : الْإِبِل - قَالَ : فَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ } الْآيَة , وَهَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا خَلَا بَعْضهمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ } وَقَوْله : { يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب } يَقُول : يُبَيِّنُ لَكُمْ مُحَمَّد رَسُولنَا كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ النَّاس وَلَا تُبَيِّنُونَهُ لَهُمْ مِمَّا فِي كِتَابكُمْ . وَكَانَ مِمَّا يُخْفُونَهُ مِنْ كِتَابهمْ فَبَيَّنَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ : رَجْم الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي تَبْيِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ مِنْ إِخْفَائِهِمْ ذَلِكَ مِنْ كِتَابهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9057 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب , قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب } فَكَانَ الرَّجْم مِمَّا أَخْفَوْا . * - حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَة , أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . 9058 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ } إِلَى قَوْله : { صِرَاط مُسْتَقِيم } يَسْأَلُونَهُ عَنْ الرَّجْم , وَاجْتَمَعُوا فِي بَيْت , قَالَ : " أَيّكُمْ أَعْلَم " فَأَشَارُوا إِلَى اِبْن صُورِيَّا , فَقَالَ : " أَنْتَ أَعْلَمهُمْ ؟ " قَالَ : سَلْ عَمَّا شِئْت , قَالَ : " أَنْتَ أَعْلَمهُمْ " قَالَ : إِنَّهُمْ لَيَزْعُمُونَ ذَلِكَ . قَالَ : فَنَاشَدَهُ بِاَلَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى , وَاَلَّذِي رَفَعَ الطُّور , وَنَاشَدَهُ بِالْمَوَاثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ , حَتَّى أَخَذَهُ أَفْكَل , فَقَالَ : إِنَّ نِسَاءَنَا نِسَاء حِسَان , فَكَثُرَ فِينَا الْقَتْل , فَاخْتَصَرْنَا أُخْصُورَة , فَجَلَدْنَا مِائَة , وَحَلَقْنَا الرُّءُوس , وَخَالَفْنَا بَيْن الرُّءُوس إِلَى الدَّوَابّ - أَحْسَبهُ قَالَ : الْإِبِل - قَالَ : فَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ } الْآيَة , وَهَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا خَلَا بَعْضهمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ } ' قَوْله : { وَيَعْفُو عَنْ كَثِير } يَعْنِي بِقَوْلِهِ وَيَعْفُو : وَيَتْرُك أَخْذكُمْ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ كِتَابكُمْ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه إِلَيْكُمْ , وَهُوَ التَّوْرَاة , فَلَا تَعْمَلُونَ بِهِ حَتَّى يَأْمُرهُ اللَّه بِأَخْذِكُمْ بِهِ .قَوْله : { وَيَعْفُو عَنْ كَثِير } يَعْنِي بِقَوْلِهِ وَيَعْفُو : وَيَتْرُك أَخْذكُمْ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ كِتَابكُمْ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه إِلَيْكُمْ , وَهُوَ التَّوْرَاة , فَلَا تَعْمَلُونَ بِهِ حَتَّى يَأْمُرهُ اللَّه بِأَخْذِكُمْ بِهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه نُور } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب : قَدْ جَاءَكُمْ يَا أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ اللَّه نُور , يَعْنِي بِالنُّورِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي أَنَارَ اللَّه بِهِ الْحَقّ , وَأَظْهَرَ بِهِ الْإِسْلَام , وَمَحَقَ بِهِ الشِّرْك فَهُوَ نُور لِمَنْ اِسْتَنَارَ بِهِ يُبَيِّن الْحَقّ , وَمِنْ إِنَارَته الْحَقّ تَبْيِينه لِلْيَهُودِ كَثِيرًا مِمَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه نُور } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب : قَدْ جَاءَكُمْ يَا أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ اللَّه نُور , يَعْنِي بِالنُّورِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي أَنَارَ اللَّه بِهِ الْحَقّ , وَأَظْهَرَ بِهِ الْإِسْلَام , وَمَحَقَ بِهِ الشِّرْك فَهُوَ نُور لِمَنْ اِسْتَنَارَ بِهِ يُبَيِّن الْحَقّ , وَمِنْ إِنَارَته الْحَقّ تَبْيِينه لِلْيَهُودِ كَثِيرًا مِمَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ الْكِتَاب .' وَقَوْله : { وَكِتَاب مُبِين } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه تَعَالَى النُّور الَّذِي أَنَارَ لَكُمْ بِهِ مَعَالِم الْحَقّ . { وَكِتَاب مُبِين } يَعْنِي : كِتَابًا فِيهِ بَيَان مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ بَيْنهمْ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَحَلَاله وَحَرَامه وَشَرَائِع دِينه , وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُبَيِّن لِلنَّاسِ جَمِيع مَا بِهِمْ الْحَاجَة إِلَيْهِ مِنْ أَمْر دِينهمْ وَيُوَضِّحهُ لَهُمْ , حَتَّى يَعْرِفُوا حَقّه مِنْ بَاطِله .وَقَوْله : { وَكِتَاب مُبِين } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه تَعَالَى النُّور الَّذِي أَنَارَ لَكُمْ بِهِ مَعَالِم الْحَقّ . { وَكِتَاب مُبِين } يَعْنِي : كِتَابًا فِيهِ بَيَان مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ بَيْنهمْ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَحَلَاله وَحَرَامه وَشَرَائِع دِينه , وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُبَيِّن لِلنَّاسِ جَمِيع مَا بِهِمْ الْحَاجَة إِلَيْهِ مِنْ أَمْر دِينهمْ وَيُوَضِّحهُ لَهُمْ , حَتَّى يَعْرِفُوا حَقّه مِنْ بَاطِله .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مكتوب في الإنجيل. { فنسوا حظا} وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ أي لم يعملوا بما أمروا به، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى { أخذنا ميثاقهم} هو كقولك : أخذت من زيد ثوبه ودرهمه؛ قاله الأخفش. ورتبة { الذين} أن تكون بعد { أخذنا} وقيل الميثاق؛ فيكون التقدير : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم؛ لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا. وتقديره عند الكوفيين ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه؛ فالهاء والميم تعودان على { من} المحذوفة، وعلى القول الأول تعودان على { الذين} . ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ولا ألينها لبست من الثياب؛ لئلا يتقدم مضمر على ظاهر. وفي قولهم { إنا نصارى} ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها؛ روي معناه عن الحسن. قوله تعالى { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} أي هيجنا. وقيل : ألصقنا بهم؛ مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه. يقال : غري بالشيء يغرى غرا (بفتح الغين) مقصورا وغراء (بكسر الغين) ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به. وحكى الرماني : الإغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل : الإغراء التحريش، وأصله اللصوق؛ يقال : غريت بالرجل غرا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذ لصقت به. وقال كثير. إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا ** غراء ومدتها حوافل نهل وأغريت زيدا بكذا حتى غري به؛ ومنه الغراء الذي يغري به للصوقه؛ فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التسليط عليه. وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد. { بينهم} ظرف للعداوة. { والبغضاء} البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما. عن السدي وقتادة : بعضهم لبعض عدو. وقيل : أشار إلى افتراق النصارى خاصة؛ قاله الربيع بن أنس، لأنهم أقرب مذكور؛ وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية؛ أي كفر بعضهم بعضا. قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معنى { أغرينا بينهم العداوة والبغضاء} أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمُورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار. وقوله { وسوف ينبئهم الله} تهديد لهم؛ أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. قوله تعالى { يا أهل الكتاب} الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب؛ فجميعهم مخاطبون. { قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم. { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} أي من كتبكم؛ من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة؛ فإنهم كانوا يخفونها. { ويعفو عن كثير} أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل { ويعفو عن كثير} يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين؛ وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه : أرى أنه صادق فيما يقول : لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه. { قد جاءكم من الله نور} أي ضياء؛ قيل : الإسلام. وقيل : محمد عليه السلام؛ عن الزجاج. { وكتاب مبين} أي القرآن؛ فإنه يبين الأحكام، وقد تقدم. { يهدي به الله من اتبع رضوانه} أي ما رضيه الله. { سبل السلام} طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة؛ وهي الجنة. وقال الحسن والسدي { السلام} الله عز وجل؛ فالمعنى دين الله - وهو الإسلام - كما قال { إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 19]. { ويخرجهم من الظلمات إلى النور} أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات. { بإذنه} أي بتوفيقه وإرادته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 13 - 15


سورة المائدة الايات 15 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كأن الحق سبحانه وتعالى يعطيهم الفرصة والعذر حتى لا يقولن واحد منهم: لم يبلغني عن رسولي شيء. وهناك فترة لم يأت فيها رسول. وها هوذا رسول من الله يأتي حاملاً لمنهج متكامل. ومجيء الرسول يمنحهم ويعطيهم فرصة لتجديد ميثاق الإيمان. وهم قد أخفوا من كتبهم بعض الأحكام. مثل الرجم والربا، وقال بعض من بني إسرائيل في الربا ما ذكره القرآن عنهم:
{  لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ }
[آل عمران: 75]

أي أنهم أقروا الإقراض بالربا لمن هم على غير دينهم، ولكن لا ربا في تعاملهم مع أبناء دينهم. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلم الشمل وأن يجمع أيديهم مع يده؛ لأنه نبي انتظروه ولهم في كتبهم البشارة به. وأن يقف الجمع المؤمن أمام موجة الإلحاد في الأرض حتى يسيطر نظام السماء على حركة الأرض؛ لذلك قال الحق: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌْ }. ومعنى ذلك ان كتمانهم لبعض منهج الله قد صنع ظلمة في الكون. ومادامت قد حدثت ظلمانية في الكون، وخاصة ظلمانية القيم، إذن فالكون صار في حاجة إلى من ينير له الطريق. ونعرف أن النور هو ما نتبين به الأشياء.

وحين يعرض الحق لنا قضية النور الحسي يريد أن يأخذ بيدنا من النور الحسي إلى النور المعنوي؛ فالنور الحسي يبدد ظلام الطريق حتى لا نصطدم بالأشياء أو نقع في هوة أو نكسر شيئاً، لكن عندما يحمل الإنسان نوراً فهو يمشي على بينة من أمره. والنور الحسي يمنع من تصادم الحركات في المخلوقات، حتى لا تبدد الطاقة، فتبديد الطاقة يرهق الكون ولا يتم إنجاز ما.

إن الشمس في أثناء النهار تضيء الكون، ثم يأتي القمر من بعد الشمس ليلقي بعضاً من الضوء، وكذلك النجوم بمواقعها تهدي الناس في ظلمات البر والبحر. وجعل الله هذه الكائنات من أجل ألا تتصادم الحركة المادية للموجودات، فإذا كان الله قد صنع نوراً مادياً حتى لا يصطدم مخلوق بمخلوق، فهو القادر على ألا يترك القيم والمعاني والموازين بدون نور، لذلك خلق الحق نور القيم ليهدي الإنسان سواء السبيل، فإذا كان الكافر أو الملحد يتساوى مع المؤمن في الاستفادة بالنور المادي لحماية الحركة المادية في الأرض، ولم نجد أحداً يقول: أنا في غير حاجة للانتفاع بالنور المادي، ونقول للكافرين والملاحدة: مادمتم قد انتفعتم بهذا النور فكان يجب أن تقولوا: إن لله نوراً في القيم يجب أن نتبعه. ويلخص المنهج هذا النور بـ " افعل ولا تفعل ".

فالمنهج - إذن - نور من الله. ولنقرأ:
{  ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }
[النور: 35]

إنه يأخذ بيدنا في الطريق بالنور المادي الذي يستفيد منه الكل، سواء من كان مؤمنا أو غير ذلك، ويضرب سبحانه لنا مثل النور.
{  مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ }
[النور: 35]

والمشكاة هي الطاقة التي توجد في الجدار وهي غير النافذة، إنّها كوة في الجدار يوضع فيها المصباح الزيتي أو " الكيروسيني " وتوجد في المباني البدائية قبل أن يخترع الإنسان المصابيح الكهربية والثريات. ولا تتجاوز مساحة الكوة ثلاثين سنتيمترا، وطولها أربعون سنتيمتراً ولا يزيد عمقها على خمسة عشر سنتيمتراً؛ أما الحجرة فمساحتها تزيد أحياناً على ثلاثة أمتار في الطول والعرض والارتفاع.

ويتحدث الحق عن الكوة فقط ولا يتحدث عن الحجرة. وأي مصباح في الكوة قادر على إنارة الحجرة. ولننتبه إلى أن هذا المصباح غير عادي، فهو مصباح في زجاجة. ونعرف أن المصباح الذي في زجاجة هو من الارتقاءات الفكرية للبشر. فالمصابيح قديماً كانت بدون زجاجة وكان يخرج منها ألسنة من السَّناج " الهباب " الذي يُسوّد ما حولها، فالسَّناج أثر دخان السراج في الحائط وغيره. وقد ينطفئ المصباح لأن الهواء يهب من كل ناحية، ثم وضع الإنسان حول شعلة المصباح زجاجة تحمي النار وتركز النور وتعكس الأشعة ويأخذ المصباح من الهواء من خلال الزجاجة على قدر احتياج الاشتعال.
{  كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ }
[النور: 35]

أي أن النور من هذا المصباح أشد قوة؛ لأن الزجاجة تعكس أشعة المصباح وتنشر الضوء في كل المكان. والزجاجة التي يوجد فيها هذا المصباح ليست عادية:
{  ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ }
[النور: 35]

والكوكب نفسه مضيء، وتكون الزجاجة كأنها هذا الكوكب الدري في ضيائه ولمعانه. والمصباح يوقد من ماذا؟.
{  يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ }
[النور: 35]

وهذا ارتقاء في إضاءة المصباح من زيت شجرة زيتون، والشجرة غير عادية:
{  لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ }
[النور: 35]

فهي شجرة يتوافر لها أدق أنواع الاعتدال:
{  نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ }
[النور: 35]

ذلك هو من قدرة الله في نور الكونيات المادية، ولذلك فليس من المعقول أن يترك القيم والمعنويات بدون نور. فكما اهتدى الإنسان في الماديات فينبغي أن يفطن إلى قدرة الحق في هداية المعنويات، بدليل أن الله قال:
{  يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ }
[النور: 35]

يهدي الله بنور القيم والمنهج والمعاني من يريد. وقد يهتدي الملحد بنور الشمس المادي إلى الماديات ولكن بصره أعمى عن رؤية نور المنهج والقيم؛ لذلك يوضح سبحانه أن هناك نوراً إلهياً هو المنهج. وضرب هذا المثل ليوضح المعاني الغيبية المعنوية بالمعاني الحسية. ونحن على مقاديرنا نستضيء، فالفقير أو البدائي يستضيء بمصباح غازي صغير، والذي في سعة من العيش قد يشتري مولداً كهربياً. وكل إنسان يستضيء بحسب قدرته. ولكن عندما تشرق الشمس في الصباح ما الذي يحدث؟.

يطفئ الإنسان تلك المصابيح، فالشمس هي نور أهداه الله لكل بني الإنسان، ولكل الكون. كذلك إذا فكرنا بعقولنا فيما ينير حياتنا فكل منا يفكر بقدرة عقله.ولكن إذا ما نزل من عند الله نور فهو يغني عن كل نور أخر. وكما نفعل في الماديات نفعل في المعنويات:
{  نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ }
[النور: 35]

والذي يدلنا على أن النور الثاني هو نور القيم الذي يكشف لنا بضوء " افعل ولا تفعل " أن الله قال بعد ذلك:
{  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ }
[النور: 36]

ولوبحثت عن متعلق الجار والمجرور لم تجده إلا في قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع) كأن النور على النور يأتي من مطالع الهدى في مساجده. فهي بيوت الله نقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق.
{  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }
[النور: 36-37]

وكلمة { لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ } لا تعني تحريم التجارة، فالإنسان الصادق لا تلهيه التجارة عن ذكر الله. وليكن الله على بال المؤمن دائما، فعندما يكون الإنسان على ذكر لله فالله يعطيه من مدده.

إذن يا أهل الكتاب قد جاءكم النور، وبين لكم الرسول كثيراً مما تختلفون فيه. وتسامح عن كثير من خطاياكم، ويريد أن يجري معكم تصفية شاملة. فعليكم أن تلتفتوا وتنتبهوا وتُعَدِّلوا من موقفكم من هذا الدين الجديد. ولتبحثوا ماذا يريد الله بهذا المنهج. والله قد ضرب المثل بالنور، وهذا النور يهدي إلى " افعل ولا تفعل ". ومن الذي يقول لنا إن هذا النور قادم من الله؟ إنه الرسول، ومن الذي يدلنا على أن الرسول صادق في البلاغ عن الله؟ الذي يدل على صدقه هو قول الله:
{  يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }
[النساء: 174]

فالذي جاء أولا من ربكم هو البرهان على أن رسول الله صادق في البلاغ عن الله، وليبلغنا أن الكتاب قد جاء بالمنهج. والقرآن يتميز بأنه البرهان على صدق النبي وهو المنهج النوراني؛ لأن البرهان هو الحجة على صدق الرسول في البلاغ عن الله.

ونعرف البرهان في حياتنا التعليمية أثناء دراسة مادة الهندسة عندما نقابل تمرينا هندسيا فنأخذ المعطيات وبعد ذلك ننظر إلى المطلوب إثباته. ونعيد النظر في المعطيات لنأخذ منها قوة للبرهنة على إثبات المطلوب. وإن كانت المعطيات لا تعطي ذلك فإننا نتجه إلى خطوة أخرى هي العمل على إثبات المطلوب. وهذا الكون فيه معطيات، وهو كون محكم، ونلمس إحكامه فيما لا دخل لحركتنا فيه:
{  لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ }
[يس: 40]

كون موزون بالسماء والأرض وحركة الرياح وغير ذلك، وتلك الأمور التي لا دخل للإنسان فيها نجد القوانين فيها مستقيمة تمام الاستقامة وكمالها. فإن أراد الإنسان أن يأخذ المعطيات من الكون، فليأخذ في اعتباره النظر إلى الأمور التي للإنسان دخل فيها ولسوف يجدها تتعرض للفساد؛ لأن الهوى في البشر له مدخل على هذه الأشياء.لكن الخالق الأعلى لا تطوله ولا تتناوله أمور الهوى. ولذلك يقول سبحانه:
{  وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }
[الرحمن: 7]

فلا السماء تنطبق على الأرض، ولا كوكب يزاحم كوكبا آخر. ويبين لنا الحق كيفية السير بنظام الكون:
{  أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ }
[الرحمن: 8]

فإن أردتم أن تكون حركتكم منتظمة فانظروا إلى ما لأيديكم دخل فيه واصنعوه كصنع الله فيما ليس لأيديكم مدخل فيه.
{  وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ }
[الرحمن: 9]

فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام دقيق. وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج بـ " افعل كذا ولا تفعل كذا " فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج، وتصرفت في حياتك بمنهج الله ويكون الميزان معتدلاً. إذن فقد أعطانا الحق معطيات عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى الإيمان. وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق؛ لأن الإنسان طرأ عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان. ولا أحد من البشر يدعي أنه صنع هذا الكون.

إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق، والدعوى حين تسلم من الضعف، أتكون صادقة أم غير صادقة؟ تكون صادقة تماما. والله هو الذي قال إنه خلق السماء والأرض والكون. ولم يأت مدعٍ آخر يقول لنا: إنه الذي خلق. إذن يثبت الأمر لله إلى أن يوجد مدعٍ. ومع توالي الأزمنة وتطاولها لم يدع ذلك أحد.

وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشري أن يفكر ويقدح الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ليحل له هذا اللغز.

وقد جاءت الرسل لتحل هذا اللغز ولتدلنا على مطلوب عقلي فطري، ولو أننا سلسلنا الوجود لوجدنا أن الإنسان هو سيد هذا الوجود؛ لأن كل الكائنات تعمل وتجهد في خدمته. وأجناس الوجود كما نعرفها التي تخدم الإنسان هي الحيوان ويتميز عنه الإنسان بالعقل، وهناك جنس تحت الحيوان هو النبات فيه النمو، وهناك جنس أدنى وهو الجماد. وكل هذه الأجناس مهمتها خدمة الإنسان. والجماد ليس هو الشيء الجامد، بل الهواء جماد والشمس جماد والتربة جماد، وكل ذلك يمارس مهمته في الوجود لخدمة الأجناس الأعلى منها ويستفيد الإنسان منها جميعا والحيوان يستفيد من الجماد وكذلك النبات يستفيد من الجماد، والحيوان يستفيد من النبات والجماد، والمحصلة النهائية لخدمة الإنسان.

أليس من اللائق والواجب - إذن - أن يسأل الإنسان نفسه من الذي وهبه هذه المكانة؟ فإذا جاء الرسول ليحل هذا اللغز ويبلغنا أن الذي خلق الكون هو الله وهذه صفاته، ويبلغنا أن هذا المنهج جاء من الله ويحمل معه معجزةً هي دليل صدقِ البلاغِ عن الله، وهي معجزة لا يقدر عليها البشر، ويتحدى الرسول البشر أن يأتوا بمثل معجزته.إذن فلا بد أن يؤمن كل البشر لو صَدَقُوا الفهم وأخلصوا النية.

ما هو البرهان إذن؟ البرهان هو المعجزة الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن الله. هذا البلاغ عن الله الذي بحث عنه العقل الفطري وآمن أنه لا بد أن يكون موجودا، لكنه لم يتعرف على أنه " الله ". إن الرسول هو الذي يبلغنا عن اسم الخالق، وهو الذي يقدم لنا المنهج.

إذن فمجيء الرسل أمر منطقي تحتمه الفطرة ويحتمه العقل. ولذلك أنزل الحق النور العقدي، أنزل - سبحانه - المنهج ليحمي المجتمع من الاضطراب، ولذلك يقول الحق:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ }
[المؤمنون: 71]

إذن فالدين جاء من الله ليتدخل في الأمور التي تختلف فيها الأهواء، فحسم الله النزاع بين الأهواء بأن انفرد سبحانه أن يشرع لنا تشريعا تلتقي فيه أهواؤنا، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".

أي أن تتحد الأهواء تحت مظلة تشريع واحد؛ لأن كل إنسان إن انفرد بهواه، لا بد أن نصطدم، ولا نزال نكرر ونقول: إن خلافات البشر سواء أكانت على مستوى الأسرة أم الجماعة أم الأمة أم العالم، جاءت من اختلاف الأهواء، ولكن الأشياء التي لا دخل للأهواء فيها فالعالم متفق فيها تماما، بدليل أننا قلنا: إن المعسكر الشرقي السابق والمعسكر الغربي الحالي اختلفا بسياستين نظريتين، هذا يقول: " شيوعية "؛ وهذا يقول: " رأس مالية ".

إنه لا يوجد معمل مادي كي ندخل فيه الشيوعية أو الرأسمالية ونرى ما ينفعنا. أنَّها أهواء، لذلك تصادما في أكثر من موقع، وانهزمت الشيوعية وبقيت آثارها تدل عليها. لكن الأمور المادية المعملية. لم يختلفوا فيها. ونقول الكلمة المشهورة: " لا توجد كهرباء روسي ولا كهرباء أمريكاني ". " ولا توجد كيمياء روسي ولا كيمياء أمريكاني "؛ فكل الأمور الخاضعة للتجربة والمعمل فيها اتفاق، والخلاف فقط فيما تختلف وتصطدم فيه الأهواء.

فكأن الله ترك لنا ما في الأرض لنتفاعل معه بعقولنا المخلوقة له، وطاقاتنا وجوارحنا المخلوقة له، ويوضح: إن التجرية المعملية المادية لن تفرقكم بل ستجتمعون عليها. وسيحاول كل فريق منكم أن يأخذ ما انتهى إليه الفريق الآخر من التجارب المادية ولو تلصصها، ولو سرقها، أما الذي يضركم ويضر مجتمعكم فهو الاختلاف في الأهواء. وليت الأمر اقتصر على الاتفاق في الماديات والاختلاف في الأهواء، لا، بل جعلوا مما اتفقوا عليه من التجارب المادية والاختراعات والابتكارات وسيلة قهرية لفرض النظرية التي خضعت لأهوائهم.فكأننا أفسدنا المسألة.. أخذنا ما اتفقنا فيه لنفرض ما اختلفنا عليه.

إن الحق سبحانه وتعالى أعطانا كل هذه المسائل كي تستقيم الحياة، ولا تستقيم الحياة إلا إن كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي يحسم في مسائل الهوى، ولذلك حتى في الريف يقولون: " من يقطع إصبعه الشرع لن يسيل منه دم "؛ لأن الذي يقول ذلك مؤمن، أي أن الحكم حين يأتي من أعلى فلا غضاضة في أن نكون محكومين بمن خلقنا وخلق لنا الكون، وتدخلت السماء في مسألة الأهواء بالمنهج: افعل هذا ولا تفعل هذا، لكن ما ليس فيه أهواء أوضح سبحانه: أنتم ستتفقون فيها غصباً عنكم، بل ستسرقونها من بعضكم، إذن فلا خطر منها.

إن الخطر في أهوائكم. ولذلك اذكروا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمهات المسائل التي يترتب عليها حسن نظام المجتمع كما يريده الله كان - عليه الصلاة والسلام - يتحمل هو التجربة في نفسه، ولا يجعل واحداً من المؤمنين به يتحمل التجربة، فمسألة التبني حين أراد ربنا أن ينهيها حتى لا يدعي واحد آخر أنه ابنه وهو ليس أباه، أنهاها الله في رسوله صلى الله عليه وسلم:
{  لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ }
[الأحزاب: 37]

وفي مسألة الماديات والأهواء يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: " لو لم تفعلوا لصلح " قال: فخرج شيصا، فمر عليهم فقال: " ما لنخلكم " قالوا: قلت كذا وكذا قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم " إنه - صلى الله عليه وسلم - تركهم لتجربتهم.

السماء - إذن - لا تتدخل في المسائل التجريبية؛ لأنه سبحانه وهب العقل ووهب المادة ووهب التجربة، ورأينا رسول الله يتراجع عما اجتهد فيه بعد أن رأى غيره خيرا منه كي يثبت قضية هامة هي أن المسائل المادية المعملية الخاضعة للتجربة ليس للدين شأن بها فلا ندخلها في شئوننا، فلا نقول مثلاً: الأرض ليست كروية، أو أن الأرض لا تدور. فما لهذا بهذا؛ لأن الدين ليس له شأن بها أبداً، وهذه مسائل خاضعة للتجربة وللمعمل وللبرهان وللنظرية، بل دخل الدين ليحمينا من اختلاف أهوائنا؛ فالأمر الذي نختلف فيه يقول فيه: افعل كذا ولا تفعل كذا بحسم، والأمر الذي لم يتدخل فيه بـ " افعل ولا تفعل " أوضح لك: سواء فعلته أم لم تفعله لا يترتب عليه فساد في الكون، وخذوا راحتكم فيما لم يرد فيه " افعل ولا تفعل " ، وأريحوا أنفسكم واختلفوا فيه؛ لأن الخلاف البشري مسألة في الفطرة والجبلّة والخلقة.

وهنا يقول: " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " و " النور " أهو الكتاب أم غيره؟.وفي آية أخرى يقول:
{  يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }
[النساء: 174]

وهذا القول يدل على أن النور هنا هو " القرآن " وجمع بين أمرين؛ برهان.. أي معجزة، ونور ينير لنا سبيلنا.

{ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا } والإيمان بالله مسألة تطبيقية مرحلية. " الله " هو قمة الإيمان و " رسوله " هو المبلغ عن الله؛ لأنه جاء لنا بالنور. إلا أن أهل الشطح يقولون: النور مقصود به النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونقول: نحن لا نمانع أنه نور، وإن كان النص يحتمل أن يكون عطف تفسير، وحتى لا ندخل في متاهة مع بعض من يقولون: لا ليس الرسول نوراً؛ لأنه مأخوذ من المادة وسنجد من يرد عليهم بحديث جابر: ما أول ما خلق الله يا رسول الله؟ قال له: نور نبيك يا جابر.

فعن جابر بن عبدالله قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال: " يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنّة ولا نار ولا مَلَك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي ".

وحتى لا ندخل في مسألة غيبية لا تستوي الأذهان في استقبالها ونفتن بعضنا. ويقول فلان كذا ويقول علان كذا. هنا نقول: من تجلى له أن يقنع بها أحداً كي لا ندخل في متاهة، وعندما يتعرض أحد لحديث جابر - رضي الله عنه - نسأل: أهو قال: أول خلق الله نبيك يا جابر أم نور نبيك يا جابر؟. قال الحديث: نور نبيك ولم يقل النبي نفسه الذي هو من لحم ودم، فمحمد صلى الله عليه وسلم من آدم وآدم من تراب؛ لذلك ليس علينا أن نتناول المسائل التي لا يصل إليها إلا أهل الرياضيات المتفوقة، حتى لا تكون فتنة؛ لأن من يقول لك: أنت تقول: النور هو رسول الله، ونقول: على العين والرأس،فرسول الله نور ولاشك؛ لأن النور يعني ألا نصطدم، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج كي ينير لنا الطريق، والقرآن منهج نظامي، والرسول منهج تطبيقي، فإن أخذت النور كي لا نصطدم، فالحق يقول:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }
[الأحزاب: 21]

إذن فسنأخذ بالمنهج النظري الذي هو القرآن، ونأخذ بالمنهج التطبيقي. { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } و " مبين " أي محيط بكل أمر وكل شيء مصداقاً لقوله الحق:
{  مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ }
[الأنعام: 38]

أي مما تختلف فيه أهواؤكم. وسُئل الإمام محمد عبده، وهو في باريس: أنتم تقولون { مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ } فكم رغيفاً في أردب الدقيق؟. فقال: انتظروا: واستدعى خبازاً وسأله: كم رغيفا في أردب القمح؟. فقال له: كذا رغيف. فقالوا له: أنت تقول إنه في الكتاب. فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي:
{  فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 43]

إن قوله: { مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ } أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض. فربنا هو - سبحانه - جعل أناساً تتخصص في الموضوعات المختلفة.

{ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } يعني: يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفي مسألة العقيدة في الأرض وننهي الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعاً، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ }
[الفتح: 29]

انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين: فلم يجيء الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديداً؛ لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة، فلم يطبع الإنسان في قالب، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث.

ويقول الحق:
{  أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }
[المائدة: 54]

أي لا تقل إنّه طبع المؤمن على أن يكون ذليلاً ولا طبعه ليكون عزيزاً، بل طبعه ليكيّف نفسه التكييف الذي يتطلبه المقام، فيكون مرة ذليلاً للمؤمن وعزيزاً على الكافر. وقال الإسلام لنا:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }
[البقرة: 143]

أي لا بد أن تعرف الطرفين أولاً، ثم تحدد، لأن الوسط لا يعرف إلا بتحديد الطرفين؛ فاليهودية بالغت في المادية، والنصرانية بالغت في الروحانية والبرهانية:
{  وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا }
[الحديد: 27]

وعندما سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث قال: " أنا لم أبعث مورثاً "؛ لأنه جاء ليجدد الشحنة للطاقة الدينية، وبرغم الخلاف العميق بين اليهودية والنصرانية جاء أهل الفكر عندهم ليضعوا العهد القديم والعهد الجديد في كتاب واحد، ومع ذلك فقد جاء من اعتبر الإسلام خصماً عنيفاً عليهم على رغم أن الإسلام ليس خصماً إنما جاء ليمنح الناس حرية الاختيار، وعندما ننظر إلى المنهج المادي والمنهج الروحاني تجد أن اليهود أسرفوا في المادية وقالوا:
{  لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }
[البقرة: 55]

لقد أسرفوا في المادية لدرجة أن المسألة المتعلقة بقُوتِهم حينما كانوا في التيه وأنزل ربنا عليهم المن والسلوى، و " المن " كما نعرف طعام مثل كرات بيضاء ينزل من السماء على شجر أو حجر ينعقد ويجف جفاف الصمغ وهو حلو يؤكل وطعمه يقرب من عسل النحل، وجاء لهم بالسلوى وهو طائر يشبه الدجاج وهو السُّماني فقالوا:
{  لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ }
[البقرة: 61]

إننا نريد مما تخرجه الأرض من بقلها، والذي دعاهم إلى غلوهم في الأمر المادي أنهم قالوا: قد لا يأتي المن، وقد لانستطيع صيد الطير، نحن نريد أن نضمن الطعام. إذن فالغيبيات بعيدة عنهم فهم قد أسرفوا في هذه المادية وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعدل هذا النظام المادي المتطرف فأنزل منهجية روحانية متمثلة في منهج عيسى عليه السلام، وشحنهم بمواجيد دينية ليس فيها حكم مادي، كي تلتحم هذه بتلك ويصير المنهج مستقيماً، لكن الخلاف دب بينهم، فكان ولا بد أن يأتي دين جديد يجمع المادية المتعلقة الرزينة المتأنية، والروحانية المقسطة التي لا تفريط فيها ولا إفراط، إنها الروحانية المتلقاة من السماء دون ابتداع دين يأتي بالاثنتين في صلب دين واحد. فقال لنا:
{  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ }
[الفتح: 29]

وهذه كلها قيم تعبدية. فيكون هؤلاء ماديين وروحانيين في آن واحد. ويتابع الحق:
{  ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ }
[الفتح: 29]

كأن الله ضرب في التوراة مثلاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: يا من أسرفتم في المادية سيأتي رسول ليعدل ميزان العقائد والتشريع، فتكون أمته مخالفة لكم تماماً. فأنتم ماديون وقوم محمد ركع سجد، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. أي: ما فقدتموه أنتم في منهجكم سيوجد في أمة محمد. ويقول الحق:
{  وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ }
[الفتح: 29]

فمثلهم في التوراة ما فُقد عند اليهود؛ ومثلهم في الإنجيل ما فُقد عند النصارى. إذن فدين محمد صلى الله عليه وسلم جمع بين القيم المادية والقيم الروحية فكان ديناً وسطاً بين الاثنين. فقال: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } أي انتهزوا الفرصة لتصححوا أخطاءكم ولتستأنفوا حياة صافية تربطكم بالسماء رباطاً يجمع بين دين قيمي يتطلب حركة الدنيا ويتطلب حركة الآخرة.

ويقول الحق بعد ذلك: { يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ... }


www.alro7.net