سورة
اية:

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا

تفسير بن كثير

كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: { واللاتي يأتين الفاحشة} يعني الزنا { من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم؛ فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اللّه لهن سبيلا} فالسبيل الذي جعله اللّه هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس رضي اللّه عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل اللّه سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم؛ وهو أمر متفق عليه، وروى مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل اللّه لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) وقد روى الإمام أحمد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل اللّه لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} أي واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك حتى نسخه اللّه بالجلد أو الرجم، وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا اللواط , وقد روى أهل السنن عن ابن عباس مرفوعاً قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وقوله { فإن تابا وأصلحا} أي أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما وحسنت: { فأعرضوا عنهما} أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له: { إن اللّه كان تواباً رحيما} وقد ثبت في الصحيحين (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) أي لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.

تفسير الجلالين

( واللاتي يأتين الفاحشة ) الزنا ( من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) أي من رجالكم المسلمين ( فإن شهدوا ) عليهن بها ( فأمسكوهن ) احبسوهن ( في البيوت ) وامنعوهن من مخالطة الناس ( حتى يتوفاهن الموت ) أي ملائكته ( أو ) إلى أن ( يجعل الله لهن سبيلا ) طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة ، وفي الحديث لما بين الحد قال "" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا "" رواه مسلم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } وَالنِّسَاء يَأْتِينَ بِالزِّنَا : أَيْ يَزْنِينَ . { مِنْ نِسَائِكُمْ } وَهُنَّ مُحْصَنَات ذَوَات أَزْوَاج , أَوْ غَيْر ذَوَات أَزْوَاج . { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } يَقُولهُ : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ بِمَا أَتَيْنَ مِنْ الْفَاحِشَة أَرْبَعَة رِجَال مِنْ رِجَالكُمْ , يَعْنِي : مِنْ الْمُسْلِمِينَ . { فَإِنْ شَهِدُوا } عَلَيْهِنَّ , { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } يَقُول : فَاحْبِسُوهُنَّ فِي الْبُيُوت , { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت } يَقُول : حَتَّى يَمُتْنَ , { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي : أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ مَخْرَجًا وَطَرِيقًا إِلَى النَّجَاة مِمَّا أَتَيْنَ بِهِ مِنْ الْفَاحِشَة. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6988 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ مُحَمَّد بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَمُتْنَ { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ . 6989 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } قَالَ : الزِّنَا , كَانَ أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ حِين يَشْهَد عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة حَتَّى يَمُتْنَ ; { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } وَالسَّبِيل : الْحَدّ . 6990 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَكَانَتْ الْمَرْأَة إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْت حَتَّى تَمُوت , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا , فَهَذِهِ سَبِيلهمَا الَّذِي جَعَلَ اللَّه لَهُمَا . 6991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ , وَهُوَ الْجَلْد وَالرَّجْم . 6992 - حَدَّثَنِي بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } كَانَ هَذَا مِنْ قَبْل الْحُدُود , فَكَانَا يُؤْذَيَانِ بِالْقَوْلِ جَمِيعًا , وَبِحَبْسِ الْمَرْأَة . ثُمَّ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , فَكَانَ سَبِيل مَنْ أُحْصِنَ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَمْي بِالْحِجَارَةِ , وَسَبِيل مَنْ لَمْ يُحْصَن جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة . 6993 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير : الْفَاحِشَة : الزِّنَا , وَالسَّبِيل : الرَّجْم وَالْجَلْد. 6994 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } هَؤُلَاءِ اللَّاتِي قَدْ نُكِحْنَ وَأُحْصِنَّ , إِذَا زَنَتْ الْمَرْأَة فَإِنَّهَا كَانَتْ تُحْبَس فِي الْبَيْت وَيَأْخُذ زَوْجهَا مَهْرهَا فَهُوَ لَهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } 4 19 حَتَّى جَاءَتْ الْحُدُود فَنَسَخَتْهَا , فَجُلِدَتْ وَرُجِمَتْ , وَكَانَ مَهْرهَا مِيرَاثًا , فَكَانَ السَّبِيل هُوَ الْجَلْد . 6995 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ , نَسَخَ الْحَدّ هَذِهِ الْآيَة . 6996 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : جَلْد مِائَة , الْفَاعِل وَالْفَاعِلَة . * - حَدَّثَنَا الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْجَلْد . 6997 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي نَكَّسَ رَأْسه , وَنَكَّسَ أَصْحَابه رُءُوسهمْ ; فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسه , فَقَالَ : " قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ ; أَمَّا الثَّيِّب فَتُجْلَد ثُمَّ تُرْجَم ; وَأَمَّا الْبِكْر فَتُجْلَد ثُمَّ تُنْفَى " . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ تُجْلَد مِائَة وَتُرْجَم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة " . 6998 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه أَخِي بَنِي رَقَاش , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ رَسُول اللَّه قَدْ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي كَرَبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهه , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ ذَات يَوْم , فَلَقِيَ ذَلِكَ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَجْم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ جَلْد مِائَة ثُمَّ نَفْي سَنَة " . 6999 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ : اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ , فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : يَقُول : لَا تُنْكِحُوهُنَّ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت , وَلَمْ يُخْرِجهُنَّ مِنْ الْإِسْلَام . ثُمَّ نَسَخَ هَذَا , وَجَعَلَ السَّبِيل الَّتِي ذَكَرَ أَنْ يَجْعَل لَهُنَّ سَبِيلًا , قَالَ : فَجَعَلَ لَهَا السَّبِيل إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُحْصَنَة رُجِمَتْ وَأُخْرِجَتْ , وَجَعَلَ السَّبِيل لِلْبِكْرِ جَلْد مِائَة . 7000 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْجَلْد وَالرَّجْم . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا : الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ , الثَّيِّب تُجْلَد وَتُرْجَم وَالْبِكْر تُجْلَد وَتُنْفَى " . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم الْبَصْرِيّ , عَنْ الْحَسَن , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ اِحْمَرَّ وَجْهه , وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي , فَأَخَذَهُ كَهَيْئَةِ الْغَشْي لِمَا يَجِد مِنْ ثِقَل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنَة , وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَوْل مَنْ قَالَ السَّبِيل الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلثَّيِّبَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ , وَلِلْبِكْرَيْنِ جَلْد مِائَة , وَنَفْي سَنَة لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ وَلَمْ يَجْلِد ; وَإِجْمَاع الْحُجَّة الَّتِي لَا يَجُوز عَلَيْهَا فِيمَا نَقَلْته مُجْمِعَة عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالسَّهْو وَالْكَذِب ; وَصِحَّة الْخَبَر عَنْهُ , أَنَّهُ قَضَى فِي الْبِكْرَيْنِ بِجَلْدِ مِائَة , وَنَفْي سَنَة , فَكَانَ فِي الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مِنْ تَرْكه جَلْد مَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّنَاة فِي عَصْره دَلِيل وَاضِح عَلَى وَهْي الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْحَسَن عَنْ حِطَّان عَنْ عُبَادَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيل لِلثَّيِّبِ الْمُحْصَن : الْجَلْد وَالرَّجْم . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ بِالْفَاحِشَةِ مِنْ نِسَائِكُمْ , وَالْعَرَب تَقُول : أَتَيْت أَمْرًا عَظِيمًا , وَبِأَمْرٍ عَظِيم , وَتَكَلَّمْت بِكَلَامٍ قَبِيح , وَكَلَامًا قَبِيحًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } وَالنِّسَاء يَأْتِينَ بِالزِّنَا : أَيْ يَزْنِينَ . { مِنْ نِسَائِكُمْ } وَهُنَّ مُحْصَنَات ذَوَات أَزْوَاج , أَوْ غَيْر ذَوَات أَزْوَاج . { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } يَقُولهُ : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ بِمَا أَتَيْنَ مِنْ الْفَاحِشَة أَرْبَعَة رِجَال مِنْ رِجَالكُمْ , يَعْنِي : مِنْ الْمُسْلِمِينَ . { فَإِنْ شَهِدُوا } عَلَيْهِنَّ , { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } يَقُول : فَاحْبِسُوهُنَّ فِي الْبُيُوت , { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت } يَقُول : حَتَّى يَمُتْنَ , { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي : أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ مَخْرَجًا وَطَرِيقًا إِلَى النَّجَاة مِمَّا أَتَيْنَ بِهِ مِنْ الْفَاحِشَة. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6988 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ مُحَمَّد بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَمُتْنَ { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ . 6989 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } قَالَ : الزِّنَا , كَانَ أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ حِين يَشْهَد عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة حَتَّى يَمُتْنَ ; { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } وَالسَّبِيل : الْحَدّ . 6990 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَكَانَتْ الْمَرْأَة إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْت حَتَّى تَمُوت , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا , فَهَذِهِ سَبِيلهمَا الَّذِي جَعَلَ اللَّه لَهُمَا . 6991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ , وَهُوَ الْجَلْد وَالرَّجْم . 6992 - حَدَّثَنِي بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } كَانَ هَذَا مِنْ قَبْل الْحُدُود , فَكَانَا يُؤْذَيَانِ بِالْقَوْلِ جَمِيعًا , وَبِحَبْسِ الْمَرْأَة . ثُمَّ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , فَكَانَ سَبِيل مَنْ أُحْصِنَ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَمْي بِالْحِجَارَةِ , وَسَبِيل مَنْ لَمْ يُحْصَن جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة . 6993 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير : الْفَاحِشَة : الزِّنَا , وَالسَّبِيل : الرَّجْم وَالْجَلْد. 6994 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } هَؤُلَاءِ اللَّاتِي قَدْ نُكِحْنَ وَأُحْصِنَّ , إِذَا زَنَتْ الْمَرْأَة فَإِنَّهَا كَانَتْ تُحْبَس فِي الْبَيْت وَيَأْخُذ زَوْجهَا مَهْرهَا فَهُوَ لَهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } 4 19 حَتَّى جَاءَتْ الْحُدُود فَنَسَخَتْهَا , فَجُلِدَتْ وَرُجِمَتْ , وَكَانَ مَهْرهَا مِيرَاثًا , فَكَانَ السَّبِيل هُوَ الْجَلْد . 6995 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ , نَسَخَ الْحَدّ هَذِهِ الْآيَة . 6996 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : جَلْد مِائَة , الْفَاعِل وَالْفَاعِلَة . * - حَدَّثَنَا الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْجَلْد . 6997 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي نَكَّسَ رَأْسه , وَنَكَّسَ أَصْحَابه رُءُوسهمْ ; فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسه , فَقَالَ : " قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ ; أَمَّا الثَّيِّب فَتُجْلَد ثُمَّ تُرْجَم ; وَأَمَّا الْبِكْر فَتُجْلَد ثُمَّ تُنْفَى " . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ تُجْلَد مِائَة وَتُرْجَم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة " . 6998 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه أَخِي بَنِي رَقَاش , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ رَسُول اللَّه قَدْ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي كَرَبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهه , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ ذَات يَوْم , فَلَقِيَ ذَلِكَ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَجْم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ جَلْد مِائَة ثُمَّ نَفْي سَنَة " . 6999 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ : اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ , فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : يَقُول : لَا تُنْكِحُوهُنَّ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت , وَلَمْ يُخْرِجهُنَّ مِنْ الْإِسْلَام . ثُمَّ نَسَخَ هَذَا , وَجَعَلَ السَّبِيل الَّتِي ذَكَرَ أَنْ يَجْعَل لَهُنَّ سَبِيلًا , قَالَ : فَجَعَلَ لَهَا السَّبِيل إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُحْصَنَة رُجِمَتْ وَأُخْرِجَتْ , وَجَعَلَ السَّبِيل لِلْبِكْرِ جَلْد مِائَة . 7000 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْجَلْد وَالرَّجْم . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا : الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ , الثَّيِّب تُجْلَد وَتُرْجَم وَالْبِكْر تُجْلَد وَتُنْفَى " . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم الْبَصْرِيّ , عَنْ الْحَسَن , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ اِحْمَرَّ وَجْهه , وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي , فَأَخَذَهُ كَهَيْئَةِ الْغَشْي لِمَا يَجِد مِنْ ثِقَل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنَة , وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَوْل مَنْ قَالَ السَّبِيل الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلثَّيِّبَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ , وَلِلْبِكْرَيْنِ جَلْد مِائَة , وَنَفْي سَنَة لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ وَلَمْ يَجْلِد ; وَإِجْمَاع الْحُجَّة الَّتِي لَا يَجُوز عَلَيْهَا فِيمَا نَقَلْته مُجْمِعَة عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالسَّهْو وَالْكَذِب ; وَصِحَّة الْخَبَر عَنْهُ , أَنَّهُ قَضَى فِي الْبِكْرَيْنِ بِجَلْدِ مِائَة , وَنَفْي سَنَة , فَكَانَ فِي الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مِنْ تَرْكه جَلْد مَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّنَاة فِي عَصْره دَلِيل وَاضِح عَلَى وَهْي الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْحَسَن عَنْ حِطَّان عَنْ عُبَادَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيل لِلثَّيِّبِ الْمُحْصَن : الْجَلْد وَالرَّجْم . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ بِالْفَاحِشَةِ مِنْ نِسَائِكُمْ , وَالْعَرَب تَقُول : أَتَيْت أَمْرًا عَظِيمًا , وَبِأَمْرٍ عَظِيم , وَتَكَلَّمْت بِكَلَامٍ قَبِيح , وَكَلَامًا قَبِيحًا .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن، وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال، ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة، لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. قوله تعالى { واللاتي} "اللاتي" جمع التي، وهو اسم مبهم للمؤنث، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير، ولا يتم إلا بصلته؛ وفيه ثلاث لغات كما تقدم. ويجمع أيضا "اللات" بحذف الياء وإبقاء الكسرة؛ و"اللائي" بالهمزة وإثبات الياء، و"اللاء" بكسر الهمزة وحذف الياء، و"اللا" بحذف الهمزة. فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي، وفي اللاء : اللوائي. وقد روي عنهم "اللوات" بحذف الياء وإبقاء الكسرة؛ قال ابن الشجري. قال الجوهري : أنشد أبو عبيد : من اللواتي والتي واللات ** زعمن أن قد كبرت لدات واللوا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد؛ قال الراجز : بعد اللتيا واللتيا والتي ** وبعض الشعراء أدخل على "التي" حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده؛ فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. وقال : من أجلك يالتي تيمت قلبي ** وأنت بخيلة بالود عني ويقال : وقع في اللتيا والتي؛ وهما اسمان من أسماء الداهية. الثالثة: قوله تعالى { يأتين الفاحشة} الفاحشة في هذا الموضع الزنا، والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرأ ابن مسعود "بالفاحشة" بباء الجر. الرابعة: قوله تعالى { من نسائكم} إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات؛ كما قال { واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة : 282] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم. الخامسة: قوله تعالى { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} أي من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد. وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور : 4] وقال هنا { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} . وروى أبو داود عن جابر بن عبدالله قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال : النبي صلى الله عليه وسلم (ائتوني بأعلم رجلين منكم) فأتوه بابني صوريا فنشدهما : (كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟) قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال : (فما يمنعكما أن ترجموهما)؛ قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما؛ وهذا ضعيف؛ فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا. السادسة: ولا بد أن يكون الشهود ذكورا؛ لقوله { منكم} ولا خلاف فيه بين الأمة. وأن يكونوا عدولا؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة، وإن كان الحكم على ذمية، وسيأتي ذلك في "المائدة" وتعلق أبو حنيفة بقوله { أربعة منكم} في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانه في "النور" إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله تعالى { فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت} هذه أول عقوبات الزناة؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام؛ قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية "النور" وبالرجم في الثيب. وقالت فرقة : بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك، ولكن التلاوة أخرت وقدمت؛ ذكره ابن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن؛ قاله ابن العربي. الثامنة: واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو وعدا بالحد على قولين : أحدهما : أنه توعد بالحد، والثاني : أنه حد؛ قال ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد؛ غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل؛ وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وهذا نحو قوله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة : 187] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه. هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء : أن الأذى والتعيير باق مع الجلد؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 14 - 17

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و { وَٱللاَّتِي } اسم موصول لجماعة الإناث، وأنا أرى أن ذلك خاص باكتفاء المرأة بالمرأة. وماذا يقصد بقوله: { فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً }؟ إنه سبحانه يقصد به حماية الأعراض، فلا يبلغ كل واحد في عرض الآخر، بل لا بد أن يضع لها الحق احتياطا قويا، لأن الأعراض ستجرح، ولماذا " أربعة " في الشهادة؟ لأنهما اثنتان تستمتعان ببعضهما، ومطلوب أن يشهد على كل واحدة اثنان فيكونوا أربعة، وإذا حدث هذا ورأينا وعرفنا وتأكدنا، ماذا نفعل؟

قال سبحانه: { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ } أي احجزوهن واحبسوهن عن الحركة، ولا تجعلوا لهن وسيلة التقاء إلى أن يتوفاهن الموت { أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } وقد جعل الله.

والذين يقولون: إن هذه المسألة خاصة بعملية بين رجل وامرأة، نقول له: إن كلمة { وَٱللاَّتِي } هذه اسم موصول لجماعة الإناث، أما إذا كان هذا بين ذكر وذكر. ففي هذه الحالة يقول الحق:
{  وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً }
[النساء: 16].

الآية هنا تختص بلقاء رجل مع رجل، ولذلك تكون المسألة الأولى تخص المرأة مع المرأة، ولماذا يكون العقاب في مسألة لقاء المرأة بالمرأة طلبا للمتعة هو الإمساك في البيوت حتى يتوفاهن الموت؟ لأن هذا شر ووباء يجب أن يحاصر، فهذا الشر معناه الإفساد التام، لأن المرأة ليست محجوبة عن المرأة؛ فلأن تحبس المرأة حتى تموت خير من أن تتعود على الفاحشة. ونحن لا نعرف ما الذي سوف يحدث من أضرار، والعلم مازال قاصرا، فالذي خلق هو الذي شرع أن يلتقي الرجل بالمرأة في إطار الزواج وما يجب فيه من المهر والشهود، وسبحانه أعد المرأة للاستقبال، وأعد الرجل للإرسال، وهذا أمر طبيعي، فإذا دخل إرسال على استقبال ليس له، فالتشويش يحدث.

وإن لم يكن اللقاء على الطريقة الشرعية التي قررها من خلقنا فلا بد أن يحدث أمر خاطئ ومضر، ونحن عندما نصل سلكا كهربائيا بسلك آخر من النوع نفسه. أي سالب مع سالب أو موجب مع موجب تشب الحرائق، ونقول: " حدث ماس كهربائي " ، أي أن التوصيلة الكهربائية كانت خاطئة. فإذا كانت التوصيلة الكهربائية الخاطئة في قليل من الأسلاك قد حدث ما حدث منها من الأضرار، أفلا تكون التوصيلة الخاطئة في العلاقات الجنسية مضرة في البشر؟

إنني أقول هذا الكلام ليُسَجَّل، لأن العلم سيكشف - إن متأخرا أو متقدما - أن لله سرا، وحين يتخصص رجل بامرأة بمنهج الله " زوجني.. وتقول له زوجتك " فإن الحق يجعل اللقاء طبيعيا. أما إن حدث اختلاف في الإرسال والاستقبال فلسوف يحدث ماس صاعق ضار، وهذه هي الحرائق في المجتمع.أكرر هذا الكلام ليسجل وليقال في الأجيال القادمة: إن الذين من قبلنا قد اهتدوا إلى نفحة من نفحات الله، ولم يركنوا إلى الكسل، بل هداهم الإيمان إلى أن يكونوا موصولين بالله، ففطنوا إلى نفحات الله. والحق هو القائل:
{  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ }
[فصلت: 53].

فإذا كنا قد اهتدينا إلى معرفة أن اتصال سلك صحيح بسلك صحيح فالكهرباء تعطي نورا جميلا. أما إذا حدث خطأ في الاتصال، فالماس يحدث وتنتج منه حرائق، كذلك في العلاقة البشرية، لأن المسألة ذكورة وأنوثة.

والحق سبحانه القائل:
{  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }
[الذاريات: 49].

فإذا كان النور الجميل يحدث من الاتصال الصحيح بين الموجب والسالب في غير الإنسان، وتحدث الحرائق إن كان الاتصال خاطئا، فما بالنا بالإنسان؟

وفي بعض رحلاتنا في الخارج، سألنا بعض الناس:

- لماذا عَدَّدتم للرجل نساءً، ولم تعددوا رجالاً للمرأة؟

هم يريدون أن يثيروا حفيظة المرأة وسخطها على دين الله؛ حتى تقول المرأة الساذجة - متمردة على دينها -: " ليس في هذا الدين عدالة "؛ لذلك سألت من سألوني: أعندكم أماكن يستريح فيها الشباب المتحلل جنسيا؟

فكان الجواب: نعم في بعض الولايات هناك مثل هذه الأماكن.

قلت: بماذا احتطتم لصحة الناس؟

قالوا: بالكشف الطبي الدوري المفاجئ.

قلت: لماذا؟

قالوا: حتى نعزل المصابة بأي مرض.

قلت: أيحدث ذلك مع كل رجل وامرأة متزوجين؟

قالوا: لا.

قلت: لماذا؟؟ فسكتوا ولم يجيبوا، فقلت: لأن الواقع أن الحياة الزوجية للمرأة مع رجل واحد تكون المرأة وعاء للرجل وحده لا ينشأ منها أمراض، ولكن المرض ينشأ حين يتعدد ماء الرجال في المكان الواحد.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يستبقي النوع بقاء نظيفا؛ لذلك قال:

{ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } [النساء: 15].

والمقصود بـ { نسائكم } هنا المسلمات، لأننا لا نشرع لغيرنا، لأنهم غير مؤمنين بالله، وطلب الشهادة يكون من أربعة من المسلمين، لأن المسلم يعرف قيمة العرض والعدالة. وإن شهدوا فليحدث حكم الله بالحبس في البيوت.

وقد عرفنا ذلك فيما يسمى في العصر الحديث بالحجر الصحي الذي نضع فيه أصحاب المرض المعدي. وهناك فرق بين من أُصِبْن بـ " مرض معدٍ " ومن أصبن بـ " العطب والفضيحة ".

فإذا كنا نعزل أصحاب المرض المعدي فكيف لا نعزل اللاتي أصبن بالعطب والفضيحة؛ لذلك يقول الحق: { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } أي أن تظل كل منهما في العزل إلى أن يأتي لكل منهن ملك الموت. وحدثتنا كتب التشريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الآية على أنها تختص بزنا يقع بين رجل وامرأة وليس بين امرأتين.عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خذوا عني خذوا عني: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ".

ثم جاء التشريع بعد ذلك فصفى قضية الحدود إلى أن البكر بالبكر جلد.. والثيب بالثيب رجم. وبعض من الناس يقول: إن الرجم لم يرد بالقرآن.

نرد فنقول: ومن قال: إن التشريع جاء فقط بالقرآن؟ لقد جاء القرآن معجزة ومنهجا للأصول، وكما قلنا من قبل: إن الحق قال:
{  وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ }
[الحشر: 7].

وبعد ذلك نتناول المسألة: حين يوجد نص ملزم بحكم، قد نفهم الحكم من النص وقد لا نفهمه، فإذا فهمنا فله تطبيق عملي في السيرة النبوية.

فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بالنص فقط ولكن جاء بالعمل نفسه، فالأسوة تكون بالفعل في إقامة الحد؛ لأن الفعل أقوى من النص، فالنص قد يوجد ولا يطبق لسبب كالنَّسْخ للحكم مثلا، أما الفعل فإنه تطبيق، وقد رجم الرسول ماعزا والغامدية ورجم اليهودي واليهودية عندما جاءوا يطلبون تعديل حكم الرجل الوارد بالتوارة. إذن فالفعل من الرسول أقوى من النص وخصوصا أن الرسول مشرع أيضاً.

وقال واحد مرة: إن الرجم لمن تزوج، فماذا نفعل برجل متزوج قد زنا بفتاة بكر؟

والحكم هنا: يُرجم الرجل وتجلد الفتاة، فإن اتفقا في الحالة، فهما يأخذان حكما واحدا. وإن اختلفا فكل واحد منهما يأخذ الحكم الذي يناسبه.

وحينما تكلم الحق عن الحد في الإماء - المملوكات - قال:
{  فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ }
[النساء: 25].

ويفهم من ذلك الجلد فقط، لأن الرجم لا يمكن أن نقوم بتقسيمه إلى نصفين، فالأمة تأخذ في الحد نصف الحرة، لأن الحرة البكر في الزنا تجلد مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين جلدة.

وما دام للأمة نصف حد المحصنة، فلا يأتي - إذن - حد إلا فيما ينصَّف، والرجم لا ينصَّف، والدليل أصبح نهائيا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرع وليس مستنبطا، وقد رجم رسول الله. ولماذا تأخذ الأمَةُ نصف عقاب الحرة؟ لأن الإماء مهدورات الكرامة، أما الحرائر فلا. ولذلك فهند امرأة أبي سفيان قالت: أو تزني الحرة؟ قالت ذلك وهي في عنف جاهليتها. أي أن الزنا ليس من شيمة الحرائر، أما الأمة فمهدورة الكرامة نظرا لأنه مجترأ عليها وليست عرض أحد.

لذلك فعليها نصف عقاب المحصنات، وقد تساءل بعضهم عن وضع الأمة المتزوجة التي زنت، والرجم ليس له نصف.

نقول: الرجم فقد للحياة فلا نصف معه، إذن فنصف ما على المحصنات من العذاب، والعذاب هو الذي يؤلم. ونستشهد على ذلك بآية لنبين الرأي القاطع بأن العذاب شيء، والقتل وإزهاق الحياة شيء آخر، ونجد هذه الآية هي قول الحق على لسان سليمان عليه السلام حينما تفقد الطير ولم يجد الهدهد:
{  لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ }
[النمل: 21].

إذن، فالعذاب غير الذبح، وكذلك يكون العذاب غير الرجم. فالذي يحتج به البعض ممن يريدون إحداث ضجة بأنه لا يوجد رجم؛ لأن الأمة عليها نصف ما على المحصنات، والرجم ليس فيه تنصيف نقول له: إن ما تستشهد به باطل؛ لأن الله فرق بين العذاب وبين الذبح، فقال على لسان سليمان: { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } فإذا كان العذاب غير إزهاق الروح بالذبح، والعذاب أيضاً غير إزهاق الروح بالرجم. إذن فلا يصح أن يحاول أحد الإفلات من النص وفهمه على غير حقيقته ولنناقش الأمر بالعقل:

حين يعتدي إنسان على بكر، فما دائرة الهجوم على العرض في البكر؟ إنها أضيق من دائرة الهجوم على الثيب؛ لأن الثيب تكون متزوجة غالبا، فقصارى ما في البكر أن الاعتداء يكون على عرضها وعرض الأب والأخ. أما الثيب فالاعتداء يكون على عرض الزوج أيضاً، وهكذا تكون دائرة الاعتداء أكبر، إنه اعتداء على عرض الأب والأم. والإخوة والأعمام مثل البكر، وزاد على ذلك الزوج والأبناء المتسلسلون. فإذا كان الآباء والأمهات طبقة وتنتهي، فالأبناء طبقة تستديم؛ لذلك يستديم العار. واستدامة العار لا يصح أن تكون مساوية لرقعة ليس فيها هذا الاتساع، فإن سوينا بين الاثنين بالجلد فهذا يعني أن القائم بالحكم لم يلحظ اتساع جرح العرض.

إن جرح العرض في البكر محصور وقد ينتهي لأنه يكون في معاصرين كالأب والأم والإخوة، لكن ما رأيك أيها القائم بالحكم في الثيب المتزوجة ولها أولاد يتناسلون؟ إنها رقعة متسعة، فهل يساوي الله - وهو العادل- بين ثيب وبكر بجلد فقط؟ إن هذا لا يتأتى أبدا.

إذن فالمسألة يجب أن تؤخذ مما صفّاه رسول الله وهو المشرِّع الثاني الذي امتاز لا بالفهم في النص فقط، ولكن لأن له حق التشريع فيما لم يرد فيه نص! فسنأخذ بما عمله وقد رجم رسول الله فعلا، وانتهى إلى أن هذا الحكم قد أصبح نهائيا، الثيب بالثيب هو الرجم، والبكر بالبكر هو الجلد، وبكر وثيب كل منهما يأخذ حكمه، ويكون الحكم منطبقا تماما، وبذلك نضمن طهارة حفظ النوع؛ لأن حفظ النوع هو أمر أساسي في الحياة باستبقاء حياة الفرد واستبقاء نوعه، فاستبقاء حياة الفرد بأن نحافظ عليه، ونحسن تربيته ونطعمه حلالا، ونحفظ النوع بالمحافظة على طهارة المخالطة.

والحق سبحانه وتعالى يمد خلقه حين يغفلون عن منهج الله بما يلفتهم إلى المنهج من غير المؤمنين بمنهج الله، ويأتينا بالدليل من غير المؤمنين بمنهج الله، فيثبت لك بأن المنهج سليم. ولقد تعرضنا لذلك من قبل مراراً ونكررها حتى تثبت في أذهان الناس قال الحق:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }
[التوبة: 33].

فلا يقولن قائل: إن القرآن أخبر بشيء لم يحدث لأن الإسلام لم يطبق ولم يظهر على الأديان كلها. ونرد عليه: لو فهمت أن الله قال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } وأضاف سبحانه: { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } ، { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } كما جاء في موقع آخر من القرآن الكريم، لقد أوضح الحق أن الإسلام يظهر ويتجلى مع وجود كاره له وهو الكافر والمشرك. ولم يقل سبحانه: إن الإسلام سيمنع وجود أي كافر أو مشرك.

وكيف يكره الكفار والمشركون إظهار الله للإسلام؟ إنهم لا يدينون بدين الإسلام؛ لذلك يحزنهم أن يظهر الإسلام على بقية الأديان. وهل يظهر الإسلام على الأديان بأن يسيطر عليها ويبطل تلك الأديان؟ لا. إنه هو سبحانه يوضح بالقرآن والسنة كما يوضح لأهل الأديان الأخرى:

بأنكم ستضطرون وتضغط عليكم أحداث الدنيا وتجارب الحياة فلا تجدون مخلصا لكم مما أنتم فيه إلا أن تطبقوا حكما من حكم الإسلام الذي تكرهونه.

وحين تضغط الحياة على الخصم أن ينفذ رأى خصمة فهذا دليل على قوة الحجة، وهذا هو الإظهار على الدين كله ولو كره الكافرون والمشركون، وهذا قد حدث في زماننا، فقد روعت أمة الحضارة الأولى في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1981 بما يثبت صدق الإسلام في أنه حين ضمن ووضع للمخالطات التي تبقي النوع نظاما، وهو التعاقد العلني والزواج المشروع، فالحق قد ضمن صحة الخلق. لكن الحضارة الأمريكية لم تنتبه إلى عظمة قانون الحق سبحانه فَرُوِّعت بظهور مرض جديد يسمى " الإيدز " و " إيدز " مأخوذة من بدايات حروف ثلاث كلمات: حرف " A " ، وحرف " I " و، " D ".

ومعنى اسم المرض بالترجمة العربية الصحيحة " نقص مناعي مكتسب " والوسيلة الأولى للإصابة به هي المخالطة الشاذة، ونشأت من هذه المخالطات الشاذة فيروسات، هذه الفيروسات مازال العلماء يدرسون تكوينها، وهي تفرز سموما وتسبب آلاما لا حصر لها، وإلى الآن يعيش أهل الحضارة الغربية هول الفزع والهلع من هذا المرض.

ومن العجيب أن هذه الفيروسات تأتي من كل المخالطات الشاذة سواء أكانت بين رجل ورجل، أو بين رجل وامرأة على غير ما شرع الله.

لقد جعل الحق سبحانه وتعالى عناصر الزواج " إيجابا " و " قبولا " و " علانية " إنه جعل من الزواج علاقة واضحة محسوبة أمام الناس، هذا هو النظام الرباني للزوج الذي جعل في التركيب الكيميائي للنفس البشرية " استقبالا " و " إرسالا ".

والبشر حين يستخدمون الكهرباء.. فالسلك الموجب والسلك السالب - كما قلنا - يعطيان نورا في حالة استخدامهما بأسلوب طبيعي، لكن لو حدث خلل في استخدام هذه الأسلاك فالذي يحدث هو ماس كهربائي تنتج منه حرائق.وكذلك الذكورة والأنوثة حين يجمعها الله بمنطق الإيجاب والقبول العلني على مبدأ الإسلام، فإن التكوين الكيميائي الطبيعي للنفس البشرية التي ترسل، والنفس البشرية التي تستقبل تعطي نورا وهو أمر طبيعي.

وأوضحنا من قبل أن الإنسان حين يجد شابا ينظر إلى إحدى محارمه، فهو يتغير وينفعل ويتمنى الفتك به، لكن إن جاء هذا الشاب بطريق الله المشروع وقال والد الشاب لوالد الفتاة: " أنا أريد خطبة ابنتك لابني " فالموقف يتغير وتنفرج الأسارير ويقام الفرح.

إنها كلمة الله التي أثرت في التكوين الكيميائي للنفس وتصنع كل هذا الإشراق والبِشر، وإعلان مثل هذه الأحداث بالطبول والأنوار والزينات هو دليل واضح على أن هناك حاجة قد عملت وأحدثت في النفس البشرية مفعولها الذي أراده الله من الاتصال بالطريق النظيف الشريف العفيف.

فكل اتصال عن غير هذا الطريق الشريف والعفيف لا بد أن ينشأ عنه خلل في التكوين الإنساني يؤدي إلى أوبئة نفسية وصحية قد لا يستطيع الإنسان دفعها مثل ما هو كائن الآن.

وعلى هذا قول الحق سبحانه: { وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } [النساء: 15].

وكانت هذه مرحلة أولية إلى أن طبق الرسول إقامة الحد. ويقول الحق: { وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ... }.


www.alro7.net