سورة
اية:

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثر الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، وأن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرَّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله) ""أخرجه النسائي وروى بعضه مسلم في صحيحه""وقوله في الحديث الآخر: (حبّب إليّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة). وحبُّ البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ممن يعبد اللّه وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود شرعاً، وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل كما قال الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: اثنا عشر ألفاً، وقيل: أربعون ألفاً، وقيل: ستون ألفاً، وقيل غير ذلك. وحب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل اللّه متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخراً ونِواء: مفاخرة ومعارضة لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق اللّه في رقابها فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء اللّه تعالى عند قوله تعالى: { وأعدوه لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} الآية، وأما المسوّمة: فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، قال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل، وقيل غير ذلك وقوله تعالى: { والأنعام} يعني الإبل والبقر والغنم، { والحرث} يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة: وقال الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة) المأمورة الكثيرة النسل، والسكة النخل المصطف، والمأبورة الملقحة. ثم قال تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا} أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة، { واللّه عنده حسن المآب} أي حسن المرجع والثواب، قال عمر بن الخطاب: لما نزلت { زين للناس حب الشهوات} قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا} الآية، ولهذا قال تعالى: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي قل يا محمد للناس أو أخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا، من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة؟ ثم أخبر عن ذلك فقال { للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولاً، { وأزواج مطهرة} أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا { ورضوان من اللّه} أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبداً، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة { ورضوان من اللّه أكبرْ أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: { واللّه بصير بالعباد} أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.

تفسير الجلالين

{ قل } يا محمد لقومك { أؤنبِّئكم } أخبركم { بخير من ذلكم } المذكور من الشهوات استفهام تقرير { للذين اتقوا } الشرك { عند ربهم } خبر مبتدأُه { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين } أي مقدرين الخلود { فيها } إذا دخلوها { وأزواج مطهرة } من الحيض وغيره مما يستقذر { ورضوان } بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير { من الله والله بصير } عالم { بالعباد } فيجازي كلاً منهم بعمله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاج مُطَهَّرَة } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلنَّاسِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمْ حُبّ الشَّهَوَات , مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ , وَسَائِر مَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَؤُنَبِّئُكُمْ } أَأُخْبِرُكُمْ وَأُعْلِمكُمْ { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } يَعْنِي بِخَيْرٍ وَأَفْضَل لَكُمْ . { مِنْ ذَلِكُمْ } يَعْنِي مِمَّا زُيِّنَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا حُبّ شَهْوَته مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِير الْمُقَنْطَرَة مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَنْوَاع الْأَمْوَال الَّتِي هِيَ مَتَاع الدُّنْيَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَوْضِع الَّذِي تَنَاهَى إِلَيْهِ الِاسْتِفْهَام مِنْ هَذَا الْكَلَام , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْد قَوْله : { مِنْ ذَلِكُمْ } ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَمَّا { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ } فَقِيلَ : لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا , فَلِذَلِكَ رُفِعَ " الْجَنَّات " . وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل , لَمْ يُجِزْ فِي قَوْله : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } إِلَّا الرَّفْع , وَذَلِكَ أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَإٍ غَيْر مَرْدُود عَلَى قَوْله بِخَيْرٍ , فَيَكُون الْخَفْض فِيهِ جَائِزًا . وَهُوَ وَإِنْ كَانَ خَبَر مُبْتَدَأ عِنْدهمْ , فَفِيهِ إِبَانَة عَنْ مَعْنَى الْخَيْر الَّذِي أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِلنَّاسِ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِهِ ؟ وَالْجَنَّات عَلَى هَذَا الْقَوْل مَرْفُوعَة بِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَوْل , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ جُعِلَتْ اللَّام الَّتِي فِي قَوْله " لِلَّذِينَ " مِنْ صِلَة الْإِنْبَاء جَازَ فِي الْجَنَّات الْخَفْض وَالرَّفْع : الْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " الْخَيْر " , وَالرَّفْع عَلَى أَنْ يَكُون قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا } خَبَر مُبْتَدَإٍ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مُنْتَهَى الِاسْتِفْهَام قَوْله : { عِنْد رَبّهمْ } ثُمَّ اِبْتَدَأَ : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } وَقَالُوا : تَأْوِيل الْكَلَام : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ؟ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ , ثُمَّ كَأَنَّهُ قِيلَ : مَاذَا لَهُمْ , أَوْ مَا ذَاكَ ؟ أَوْ عَلَى أَنَّهُ يُقَال : مَاذَا لَهُمْ أَوْ مَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ : هُوَ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار . .. الْآيَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ جَعَلَ الِاسْتِفْهَام مُتَنَاهِيًا عِنْد قَوْله : { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } وَالْخَبَر بَعْده مُبْتَدَأ عَمَّنْ لَهُ الْجَنَّات بِقَوْلِهِ : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات } فَيَكُون مَخْرَج ذَلِكَ مَخْرَج الْخَبَر , وَهُوَ إِبَانَة عَنْ مَعْنَى الْخَيْر الَّذِي قَالَ : أُنَبِّئكُمْ بِهِ ؟ فَلَا يَكُون بِالْكَلَامِ حِينَئِذٍ حَاجَة إِلَى ضَمِير . قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ : وَأَمَّا قَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا } فَمَنْصُوب عَلَى الْقَطْع ; وَمَعْنَى قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا } لِلَّذِينَ خَافُوا اللَّه فَأَطَاعُوهُ , بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . { عِنْد رَبّهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار عِنْد رَبّهمْ , وَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ فِيمَا مَضَى , وَأَنَّ قَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَعْنِي بِهِ : مِنْ تَحْت الْأَشْجَار , وَأَنَّ الْخُلُود فِيهَا دَوَام الْبَقَاء فِيهَا , وَأَنَّ الْأَزْوَاج الْمُطَهَّرَة : هُنَّ نِسَاء الْجَنَّة اللَّوَاتِي طَهُرْنَ مِنْ كُلّ أَذًى يَكُون بِنِسَاءِ أَهْل الدُّنْيَا مِنْ الْحَيْض وَالْمَنِيّ وَالْبَوْل وَالنِّفَاس وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَذَى , بِمَا أَغْنَى مِنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاج مُطَهَّرَة } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلنَّاسِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمْ حُبّ الشَّهَوَات , مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ , وَسَائِر مَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَؤُنَبِّئُكُمْ } أَأُخْبِرُكُمْ وَأُعْلِمكُمْ { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } يَعْنِي بِخَيْرٍ وَأَفْضَل لَكُمْ . { مِنْ ذَلِكُمْ } يَعْنِي مِمَّا زُيِّنَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا حُبّ شَهْوَته مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِير الْمُقَنْطَرَة مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَأَنْوَاع الْأَمْوَال الَّتِي هِيَ مَتَاع الدُّنْيَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَوْضِع الَّذِي تَنَاهَى إِلَيْهِ الِاسْتِفْهَام مِنْ هَذَا الْكَلَام , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْد قَوْله : { مِنْ ذَلِكُمْ } ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَمَّا { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ } فَقِيلَ : لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا , فَلِذَلِكَ رُفِعَ " الْجَنَّات " . وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل , لَمْ يُجِزْ فِي قَوْله : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } إِلَّا الرَّفْع , وَذَلِكَ أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَإٍ غَيْر مَرْدُود عَلَى قَوْله بِخَيْرٍ , فَيَكُون الْخَفْض فِيهِ جَائِزًا . وَهُوَ وَإِنْ كَانَ خَبَر مُبْتَدَأ عِنْدهمْ , فَفِيهِ إِبَانَة عَنْ مَعْنَى الْخَيْر الَّذِي أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِلنَّاسِ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِهِ ؟ وَالْجَنَّات عَلَى هَذَا الْقَوْل مَرْفُوعَة بِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَوْل , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ جُعِلَتْ اللَّام الَّتِي فِي قَوْله " لِلَّذِينَ " مِنْ صِلَة الْإِنْبَاء جَازَ فِي الْجَنَّات الْخَفْض وَالرَّفْع : الْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " الْخَيْر " , وَالرَّفْع عَلَى أَنْ يَكُون قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا } خَبَر مُبْتَدَإٍ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مُنْتَهَى الِاسْتِفْهَام قَوْله : { عِنْد رَبّهمْ } ثُمَّ اِبْتَدَأَ : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } وَقَالُوا : تَأْوِيل الْكَلَام : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ؟ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ , ثُمَّ كَأَنَّهُ قِيلَ : مَاذَا لَهُمْ , أَوْ مَا ذَاكَ ؟ أَوْ عَلَى أَنَّهُ يُقَال : مَاذَا لَهُمْ أَوْ مَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ : هُوَ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار . .. الْآيَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ جَعَلَ الِاسْتِفْهَام مُتَنَاهِيًا عِنْد قَوْله : { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } وَالْخَبَر بَعْده مُبْتَدَأ عَمَّنْ لَهُ الْجَنَّات بِقَوْلِهِ : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ جَنَّات } فَيَكُون مَخْرَج ذَلِكَ مَخْرَج الْخَبَر , وَهُوَ إِبَانَة عَنْ مَعْنَى الْخَيْر الَّذِي قَالَ : أُنَبِّئكُمْ بِهِ ؟ فَلَا يَكُون بِالْكَلَامِ حِينَئِذٍ حَاجَة إِلَى ضَمِير . قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ : وَأَمَّا قَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا } فَمَنْصُوب عَلَى الْقَطْع ; وَمَعْنَى قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا } لِلَّذِينَ خَافُوا اللَّه فَأَطَاعُوهُ , بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . { عِنْد رَبّهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار عِنْد رَبّهمْ , وَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ فِيمَا مَضَى , وَأَنَّ قَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَعْنِي بِهِ : مِنْ تَحْت الْأَشْجَار , وَأَنَّ الْخُلُود فِيهَا دَوَام الْبَقَاء فِيهَا , وَأَنَّ الْأَزْوَاج الْمُطَهَّرَة : هُنَّ نِسَاء الْجَنَّة اللَّوَاتِي طَهُرْنَ مِنْ كُلّ أَذًى يَكُون بِنِسَاءِ أَهْل الدُّنْيَا مِنْ الْحَيْض وَالْمَنِيّ وَالْبَوْل وَالنِّفَاس وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَذَى , بِمَا أَغْنَى مِنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' وَقَوْله : { وَرِضْوَان مِنْ اللَّه } يَعْنِي . وَرِضَا اللَّه , وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : رَضِيَ اللَّه عَنْ فُلَان , فَهُوَ يَرْضَى عَنْهُ رِضًا مَنْقُوص , وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاة . فَأَمَّا الرُّضْوَان بِضَمِّ الرَّاء فَهُوَ لُغَة قَيْس , وَبِهِ كَانَ عَاصِم يَقْرَأ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا ذَكَرَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْده مِنْ الْخَيْر . رِضْوَانه , لِأَنَّ رِضْوَانه أَعْلَى مَنَازِل كَرَامَة أَهْل الْجَنَّة . كَمَا : 5305 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثني أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أُعْطِيكُمْ أَفْضَل مِنْ هَذَا ! فَيَقُولُونَ : أَيْ رَبّنَا أَيّ شَيْء أَفْضَل مِنْ هَذَا ؟ قَالَ . رِضْوَانِي . وَقَوْله : { وَرِضْوَان مِنْ اللَّه } يَعْنِي . وَرِضَا اللَّه , وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : رَضِيَ اللَّه عَنْ فُلَان , فَهُوَ يَرْضَى عَنْهُ رِضًا مَنْقُوص , وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاة . فَأَمَّا الرُّضْوَان بِضَمِّ الرَّاء فَهُوَ لُغَة قَيْس , وَبِهِ كَانَ عَاصِم يَقْرَأ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا ذَكَرَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْده مِنْ الْخَيْر . رِضْوَانه , لِأَنَّ رِضْوَانه أَعْلَى مَنَازِل كَرَامَة أَهْل الْجَنَّة . كَمَا : 5305 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثني أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أُعْطِيكُمْ أَفْضَل مِنْ هَذَا ! فَيَقُولُونَ : أَيْ رَبّنَا أَيّ شَيْء أَفْضَل مِنْ هَذَا ؟ قَالَ . رِضْوَانِي . ' وَقَوْله : { وَاَللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ } يَعْنِي بِذَلِكَ , وَاَللَّه ذُو بَصَر بِاَلَّذِي يَتَّقِيه مِنْ عِبَاده , فَيَخَافهُ فَيُطِيعهُ , وَيُؤْثِر مَا عِنْده مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْهُ عَلَى حُبّ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي عَاجِل الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَات النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَسَائِر مَا عَدَّدَ مِنْهَا تَعَالَى ذِكْره , وَبِاَلَّذِي لَا يَتَّقِيه فَيَخَافهُ , وَلَكِنَّهُ يَعْصِيه , وَيُطِيع الشَّيْطَان , وَيُؤْثِر مَا زُيِّنَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُبّ شَهْوَة النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْأَمْوَال , عَلَى مَا عِنْده مِنْ النَّعِيم الْمُقِيم , عَالِم تَعَالَى ذِكْره بِكُلِّ فَرِيق مِنْهُمْ , حَتَّى يُجَازِي كُلّهمْ عِنْد مَعَادهمْ إِلَيْهِ جَزَاءَهُمْ , الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ .وَقَوْله : { وَاَللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ } يَعْنِي بِذَلِكَ , وَاَللَّه ذُو بَصَر بِاَلَّذِي يَتَّقِيه مِنْ عِبَاده , فَيَخَافهُ فَيُطِيعهُ , وَيُؤْثِر مَا عِنْده مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْهُ عَلَى حُبّ مَا زُيِّنَ لَهُ فِي عَاجِل الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَات النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَسَائِر مَا عَدَّدَ مِنْهَا تَعَالَى ذِكْره , وَبِاَلَّذِي لَا يَتَّقِيه فَيَخَافهُ , وَلَكِنَّهُ يَعْصِيه , وَيُطِيع الشَّيْطَان , وَيُؤْثِر مَا زُيِّنَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُبّ شَهْوَة النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْأَمْوَال , عَلَى مَا عِنْده مِنْ النَّعِيم الْمُقِيم , عَالِم تَعَالَى ذِكْره بِكُلِّ فَرِيق مِنْهُمْ , حَتَّى يُجَازِي كُلّهمْ عِنْد مَعَادهمْ إِلَيْهِ جَزَاءَهُمْ , الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ .'

تفسير القرطبي

منتهى الاستفهام عند قوله { من ذلكم} ، { للذين اتقوا} خبر مقدم، و { جنات} رفع بالابتداء. وقيل : منتهاه { عند ربهم} ، و { جنات} على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل { جنات} بالخفض بدلا من { خير} ولا يجوز ذلك على الأول. قال ابن عطية : وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام : (تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) خرجه مسلم وغيره. فقوله (فاظفر بذات الدين) مثال لهذه الآية. وما قبل مثال للأولى. فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها. وقد تقدم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية. والرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة يقول الله تعالى لهم (تريدون شيئا أزيدكم)؟ فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول : (رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدأ) خرجه مسلم. وفي قوله تعالى { والله بصير بالعباد} وعد ووعيد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 14 - 17

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وحين تسمع كلمة " أؤخبركم " فما نسمعه بعد ذلك كلام عادي، أما عندما نسمع " أَؤُنَبِّئُكُمْ " فما نسمعه بعدها هو خبر هائل لا يقال إلا في الأحداث العظام، فلا يقول أحد لآخر: سأنبئك بأنك ستأكل كذا وكذا في الغداء، ولكن يقال " أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى " ، هذا في المستوى البشرى فما بالنا بالله الخالق الأعلى، ولذلك يقول الله الحق:
{  عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ }
[النبأ: 1-2].

إنه الأمر الذي يقلب كيان هذه الدنيا كلها، فحين يقول الحق: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ } فمعنى ذلك أن الله يخبرنا بخبر من هذه الأشياء، ومن ذلك نعرف أن الله قد جعل هذه الأشياء مقياساً، لماذا؟

لأنه مقياس محس، وأوضح لنا كيفية التصعيد فقال: { لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ } والمؤمن هو من ينظر بثقة إلى كلمة { عِندَ رَبِّهِمْ } أي الرب المتولى التربية والذي يتعهد المربيَِّ حتى يبلغه درجة الكمال المطلوب منه.

والعندية هنا هي عند الرب الأعلى. فماذا أعد المربي الأعلى للمتقين؟ لقد أعد لهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } ولنر الخيرية في هذه الجنات، وهي تقابلٍ في الدنيا الحرث والزرع، وقد قلنا: إن الحق حين تكلم عن الزرع تكلم واصفاً له ب " الحرث " لنعرف أن الزرع يتطلب منا حركة وعملاً.

أما في الآخرة فالجنات جاهزة لا تتطلب من المؤمن حركة أو تعباً، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن هذه الجنات تجر من تحتها الأنهار وفيها للإنسان المؤمن ما وعده الله به: { خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } إنه الخلود الذي لا يفنى، ولا يتركه الإنسان ولا يترك هو الإنسانِ.

والأزواج المطهرة هي وعد من الله للمؤمنين، ومن يحب النساء في الدنيا يعرف أن المرأة في الدنيا يطرأ عليها أشياء قد تنفر، إما خَلْقاً تكوينياً، وإمَّا خُلًُقاً، فهناك وقت لا يحب الرجل أن يقرب فيه المرأة، وقد يكون فيها خصلة من الخصال السيئة فيكره الإنسان جمالها.

لذلك فالرجل قد ينخدع بالمنظر الخارجي للمرأة في الدنيا، وقد يقع الإنسان في هوى واحدة فيجد فيها خصلة تجعله يكرهها، أما في الآخرة فالأمر مختلف، إنها { أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } أي مطهرة من كل عيب يعيب نساء الدنيا، فيأخذ المؤمن جمالها، ولا يوجد فيها شرور الدنيا، فقد طهرها الله منها.

{ وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } من الذي طهرها؟ إنه هو الله - سبحانه - طهرها خَلْقاً وَخُلُقاً. فالرجل في الدنيا قد يهوى إمرأة، وتستمر نضارتها خمسة عشر عاماً تستميله وتجذبه، ثم تبدأ التجاعيد والترهل والتنافر. أما في الآخرة فالمرأة مطهرة من كل شيء، وتظل على نضارتها وجمالها إلى الأبد، أليس هذا تصعيداً للخير؟ ونلاحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين:

الأمر الأول: هو جنات تجري من تحتها الأنهار، ونقارن بينها وبين الحرث في الدنيا.والأمر الآخر: هو الأزواج المطهرة، ونقارن بينها وبين النساء في الدنيا أيضا، ولم يورد الحق أي شيء عن بقية الأشياء، فأين القناطير المقنطرة من الذهب؟ وأين الخيل؟ وأين الأنعام وأين البنون؟

إننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل الأمرين المزينين، واحداً يستهل به الآية، والأمر الآخر يأتي في آخر الآية، ولنقرأ الآية التي فيها التزيين: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ }

إن البداية هي النساء، ذلك هو القوس الأول، والنهاية هي الحرث وذلك هو القوس الثاني، وبين القوسين بقية الأشياء المزينة، وقد أعطانا الله عوض القوسين، وأوضح لنا إنهما هما الخير الْمُصَعَّد، ولم يورد بقية الأشياء المزينة، وهذا يعني أن نفهم ذلك في ضوء أن الرزق ما به انتُفِعَ، أي أن كل ما ينتفع به الإنسان رزق، الخُلُق الطيب رزق, سماع العلم رزق، أدب الإنسان رزق، حلم الإنسان رزق، صدق الإنسان رزق، ولكن الرزق يأتي مرة مباشرا بحيث تنتفع به مباشرة، ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه لا ينفع مباشرة، بل قد يكون سببا ووسيلة لما ينفع مباشرة.

مثال ذلك الخبز، إنه رزق مباشر، والنقود هي رزق، لكنها رزق غير مباشر؛ لأن الإنسان قد يكون جائعاً وعنده جبل من الذهب فلو قال واحد لهذا الإنسان: خذ رغيفا مقابل جبل من الذهب. سيعطي الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف؛ لأن الإنسان لا يأكل الذهب، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان.



إذن فهناك رزق لا يطلب لذاته، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره فالوسيلة لغيره أنت لن تحتاج إليها في الآخرة؛ لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق: " كن ". فالإنسان لن يحتاج في الجنة إلى مال. أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة؛ لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده، ولن تحتاج في الآخرة إلى خيل مسومة؛ لأنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها.

وكل ما لا تحتاج إليه في الآخرة من أشياء أعطاها لك الله في الدنيا لتسعى بها في الأسباب، ولم يورده الله في قوله: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } لم يوردها في النص الكريم، لأن عطاء الله في الآخرة بالرزق المباشر، أما الأشياء التي يسعى بها الإنسان إلى الرزق المباشر في الدنيا فلم يوردها لعدم الحاجة إليها في الآخرة، فنحن نحب المال، ولماذا؟ لأنه يحقق لنا شراء الأشياء، والخيل المسومة نحبها؛ لأنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد في سبيل الله.والأنعام؛ لتحقق لنا المتعة.

أما الجنة في الآخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما تشتهيه الأنفس، وكل ما يخطر ببال من يرزقه الله الجنة سوف يجده؛ فالوسائط لا لزوم لها. لذلك تكلم الحق عن الأشياء المباشرة، فأورد لنا ذكر الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر لنا الأزواج المطهرة.

وعندما نتأمل قول الحق: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ } قد يقول قائل: ألم يَكن من المنطق أن يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن يخبرنا به، بدلاً من أن يسألنا: أيخبرنا بهذا الخير، أم لا؟

ونقول: أنت لم تلتفت إلى التشويق بالأسلوب الجميل، وحنان الله على خلقه. إنه سبحانه وتعالى يقول لنا: ألا تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الأشياء التي تسيركم في الدنيا. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه. ولم ينتظر الحق أن نقول له: قل لنا يارب.

لا، إنه يقول لنا دون طلب منا، ويقال عن هذا الأسلوب في اللغة إنه " استفهام للتقرير " ، فالإنسان حين يسمع: { أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ } فالذهن ينشغل، فإن لم يسمع النبأ، فلسوف يظل الذهن مشغولاً بالنبأ، ويأتي الجواب على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن.

ويأتي النبأ { لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا } ، فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث، ألا يكون من المناسب فيها أن يتقي الإنسان ربه في مجالها؟

إن التقوى لله في هذه الأشياء واجبة، ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن يجعلوا الحياة زهداً وانحساراً عن الحركة، وأن يوقفوا الحياة على العبادة في أمور الصلاة والصوم، وأن نترك كل شيء. لهؤلاء نقول: لا؛ إن حركتك في الحياة تعينك على التقوى؛ لأننا عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل الإنسان بينه وبين النار حجاباً، وأن تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية. فإذا ما أخذت نعم الله لتصرفها في ضوء منهج الله فهذا هو حسن استخدام النعم.

وقد أوضحت من قبل أن التقوى حين تأتي مرة في قول الحق: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وتأتي مرة أخرى { ٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } فهما ملتقيان؛ فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان بأذى، وعندما يتقي الإنسان الله فهو يتقي غضب الله؛ لأن غضب الله يورد العذاب، والعذاب من جنود النار. إذن فالذين يتقون الله لا يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها، إنه الطمع في النعيم الأخروي الدائم.

ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: أنكم لن تتمتعوا في الآخرة لضرورة الحاجة للمتعة، بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها، إن الأمر لا يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم - أيها المؤمنون - تحبون فقط أن تروا المنعم، فمادام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما يشتهي بل إنه لا يشتهي شيئا حتى يأتيه، ويستمتع على قدر عطاء الله وقدراته.وإذا لم يشته الإنسان ثماراً في الجنة أو نساء، ويصبح مشغولاً برؤية ربه فإن مكانه جنة من الجنان اسمها " عليّون " و " عليّون " هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن الجنة، ليس فيها الا أن تلقى الله. إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام الحياة في الجنة، بل إن الإنسان سيكون له الخلود فيها؛ فالذي يحتاج إليه الإنسان هو رضوان من الله.

إن رضواناً من الله أكبر من كل شيء. ولقد نبأنا الله بما في الجنات، ونبأنا بالخير من كل ذلك. لقد نبأنا الله بأن رضوانه الأكبر هو أن يضمن المؤمن أنْ يظفر برؤية ربّه. وهذا ما يقول في الله.
{  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
[القيامة: 22-23].

إذن فهناك في الجنة مراتب ارتقائية. ويخبرنا الحق من بعد ذلك: { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } أي أن الله سيعطى كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه، فمن أطاع الله رغبة في النعيم بالجنة يأخذ جنة الله، ومن أطاع الله لأن ذات الله أهل لأن تطاع فإن الله يعطيه متعة ولذة النظر إليه - سبحانه - تقول رابعة العدوية في هذا المعنى:
كلهم يعبدون من خوف نار   ويرون النجاة حظا جزيلاً
إنِنّي لست مثلهم ولهذا   لست أبغي بمن أحب بديلا
وقالت أيضاً: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فادخلني فيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، إنما أعبدك لأنك تستحق أن تُعبد.

إذن فـ { ٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة؛ فالذي أحب ما عند الله من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها الله عليه. أما الذي أحب الله وإن سلب منه النعمة، فإن الله يعطيه العطاء الأوفى، وذلك هو مجال مباهاة الله لملائكته.. ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله.. إيثار محبة الله ورسوله على كل شيء في الوجود:

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: مّنْ كان الله ورسوله أحبُّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يَقَذف في النار " إن هناك العبد الذي يحب الله لذاته؛ لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد، فذات الله تستحق العبادة؛ لأنه الوهاب، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل.

إذن فقوله الحق: { وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } يعني أن الله يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه، وعلى مقدار حركته ونيته في ربه يكون الجزاء، فمن عبد الله للنعمة أعطاه الله النعمة المرجوة في الجنة ليأخذها، ومن أطاع الله لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء - النعمة منه فإن الله يعطيه مكاناً في عليين.ولذلك قيل: إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. لماذا؟ لأن ذلك دليل صدق المحبة. والإنسان عادة يحب من يحسن إليه، ولا يحب من تأتي منه الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة. إنه مطمئن إلى حكمته، إنه ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثوابا جزيلا وأجرا كبيرا، والحق يقول:
{  قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }
[الكهف: 110].

لقد قال: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ } ولم يقل جنة ربه وهكذا يجب ألا تشغلنا النعمة - الجنة - عن المنعم وهو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الحق قد طلب منا ألا نشرك بعبادة ربنا أحداً فلنعلم أن الجنة أَحَدٌ.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا... }


www.alro7.net