سورة
اية:

إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا

تفسير بن كثير

قال ابن عباس في الآية يقول: لا يحب اللّه أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: { إلا من ظلم} ، وإن صبر فهو خير له، وقال الحسن البصري: لا يدعُ عليه، وليقل: اللهم أعني عليه واستخرج حقي منه، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه، وقال عبد الكريم الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه لقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ، وقال أبو داود عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم )0وعن مجاهد { لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال، قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي عن عقبة بن عامر قال، قلنا: يا رسول اللّه إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: (إذا نزلت بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (أيما مسلم ضاف قوماً فاصبح الضيف محروماً فإن حقاً على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله) تفرد به أحمد. ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة، أن رجلاً أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن لي جاراً يؤذيني، فقال له: (أخرج متاعك فضعه على الطريق)، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: مالك؟ قال جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه قال، فقال الرجل ارجع إلى منزلك واللّه لا أوذيك أبداً. وقوله: { إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن اللّه كان عفواً قديراً} ، أي إن أظهرتم أيها الناس خيراً أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند اللّه ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: { فإن اللّه كان عفواً قديرا} ، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون اللّه فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك وفي الحديث الصحيح: (ما نقص مال من صدقة، ولا زاد اللّه عبداً بعفوا إلا عزاً، ومن تواضع للّه رفعه) ""الحديث رواه مسلم ومالك والترمذي، وقد رواه الحافظ ابن كثير بلفظ ومن تواضع للّه رفعه ولفظه عندهم ولا تواضع عبدٌ للّه إلا رفعه الله

تفسير الجلالين

{ إن تبدوا } تظهروا { خيرا } من أعمال البر { أو تخفوه } تعملوه سرا { أو تعفوا عن سوء } ظلم { فإن الله كان عفّوا قديرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ تَبْدُوَا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِنْ تَبْدُوا } أَيّهَا النَّاس خَيْرًا يَقُول : إِنْ تَقُولُوا جَمِيلًا مِنْ الْقَوْل لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ , فَتُظْهِرُوا ذَلِكَ شُكْرًا مِنْكُمْ لَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ حُسْن إِلَيْكُمْ , { أَوْ تُخْفُوهُ } يَقُول : أَوْ تَتْرُكُوا إِظْهَار ذَلِكَ فَلَا تُبْدُوهُ , { أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء } يَقُول : أَوْ تَصْفَحُوا لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ عَنْ إِسَاءَته , فَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل الَّذِي قَدْ أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا لَهُ بِهِ . { فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا } يَقُول : لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْو عَنْ خَلْقه , يَصْفَح لَهُمْ عَمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره . { قَدِيرًا } يَقُول : ذَا قُدْرَة عَلَى الِانْتِقَام مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْو عَنْ عِبَاده مَعَ قُدْرَته عَلَى عِقَابهمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ . يَقُول : فَاعْفُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَيّهَا النَّاس عَمَّنْ أَتَى إِلَيْكُمْ ظُلْمًا , وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل وَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى الْإِسَاءَة إِلَيْهِ , كَمَا يَعْفُو عَنْكُمْ رَبّكُمْ مَعَ قُدْرَته عَلَى عِقَابكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَتُخَالِفُونَ أَمْره . وَفِي قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } بِخِلَافِ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ زَيْد بْن أَسْلَم فِي زَعْمه أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل لِأَهْلِ النِّفَاق , إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى نِفَاقه , فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِالْجَهْرِ لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ عَقِيب ذَلِكَ : { إِنْ تَبْدُوَا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء } ومَعْقُول أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَأْمُر الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى نِفَاقهمْ , وَلَا نَهَاهُمْ أَنْ يُسَمُّوا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعْلِن النِّفَاق مُنَافِقًا , بَلْ الْعَفْو عَنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا وَجْه لَهُ مَعْقُول , لِأَنَّ الْعَفْو الْمَفْهُوم إِنَّمَا هُوَ صَفْح الْمَرْء عَمَّا لَهُ قِبَل غَيْره مِنْ حَقّ , وَتَسْمِيَة الْمُنَافِق بِاسْمِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأَحَدٍ قَبْله فَيُؤْمَر بِعَفْوِهِ عَنْهُ , وَإِنَّمَا هُوَ اِسْم لَهُ , وَغَيْر مَفْهُوم الْأَمْر بِالْعَفْوِ عَنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا هُوَ اِسْمه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ تَبْدُوَا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِنْ تَبْدُوا } أَيّهَا النَّاس خَيْرًا يَقُول : إِنْ تَقُولُوا جَمِيلًا مِنْ الْقَوْل لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ , فَتُظْهِرُوا ذَلِكَ شُكْرًا مِنْكُمْ لَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ حُسْن إِلَيْكُمْ , { أَوْ تُخْفُوهُ } يَقُول : أَوْ تَتْرُكُوا إِظْهَار ذَلِكَ فَلَا تُبْدُوهُ , { أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء } يَقُول : أَوْ تَصْفَحُوا لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ عَنْ إِسَاءَته , فَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل الَّذِي قَدْ أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا لَهُ بِهِ . { فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا } يَقُول : لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْو عَنْ خَلْقه , يَصْفَح لَهُمْ عَمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره . { قَدِيرًا } يَقُول : ذَا قُدْرَة عَلَى الِانْتِقَام مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْو عَنْ عِبَاده مَعَ قُدْرَته عَلَى عِقَابهمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ . يَقُول : فَاعْفُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَيّهَا النَّاس عَمَّنْ أَتَى إِلَيْكُمْ ظُلْمًا , وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل وَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى الْإِسَاءَة إِلَيْهِ , كَمَا يَعْفُو عَنْكُمْ رَبّكُمْ مَعَ قُدْرَته عَلَى عِقَابكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَتُخَالِفُونَ أَمْره . وَفِي قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } بِخِلَافِ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ زَيْد بْن أَسْلَم فِي زَعْمه أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل لِأَهْلِ النِّفَاق , إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى نِفَاقه , فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِالْجَهْرِ لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ عَقِيب ذَلِكَ : { إِنْ تَبْدُوَا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء } ومَعْقُول أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَأْمُر الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى نِفَاقهمْ , وَلَا نَهَاهُمْ أَنْ يُسَمُّوا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعْلِن النِّفَاق مُنَافِقًا , بَلْ الْعَفْو عَنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا وَجْه لَهُ مَعْقُول , لِأَنَّ الْعَفْو الْمَفْهُوم إِنَّمَا هُوَ صَفْح الْمَرْء عَمَّا لَهُ قِبَل غَيْره مِنْ حَقّ , وَتَسْمِيَة الْمُنَافِق بِاسْمِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأَحَدٍ قَبْله فَيُؤْمَر بِعَفْوِهِ عَنْهُ , وَإِنَّمَا هُوَ اِسْم لَهُ , وَغَيْر مَفْهُوم الْأَمْر بِالْعَفْوِ عَنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا هُوَ اِسْمه .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} وتم الكلام. ثم قال عز وجل: { إلا من ظلم} استثناء ليس من الأول في موضع نصب؛ أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. وقراءة الجمهور { ظلم} بضم الظاء وكسر اللام؛ ويجوز إسكانها. ومن قرأ { ظلم} بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأولى قالت طائفة : المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به. ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك؛ فقال الحسن : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ابن عباس وغيره : المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له؛ فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم. وقال أيضا هو والسدي : لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقال ابن المستنير { إلا من ظلم} معناه؛ إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح. والآية على هذا في الإكراه؛ وكذا قال قطرب { إلا من ظلم} يريد المكره؛ لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر؛ قال : ويجوز أن يكون المعنى { إلا من ظلم} على البدل؛ كأنه قال : لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب الله الظالم؛ فكأنه يقول : يحب من ظلم أي يأجر من ظلم. والتقدير على هذا القول : لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على البدل. وقال مجاهد : نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. قال ابن جريج عن مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت { إلا من ظلم} ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد؛ قال : نزلت هذه الآية { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه : إنه لم يحسن ضيافته. وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية؛ قالوا : لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها؛ وهو قول الليث بن سعد. والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في هود والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - وإن كان مؤمنا كما قال الحسن؛ فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا؛ وقد تقدم في البقرة. وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : (اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وقال : (اللهم عليك بفلان وفلان) سماهم. وإن كان مجاهرا بالظلم دعي عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روي أبو داود عن عائشة قال : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تسبخي عنه) أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه. وروي، أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته). قال ابن المبارك : يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. وفي صحيح مسلم (مطل الغني ظلم). فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك؛ حكي معناه عن سفيان، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما. الثانية: وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبدالرحمن بن عوف : (يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن). الحديث. ولم يرد عليه واحد منهم؛ لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب؛ قاله ابن العربي. وقال علماؤنا : هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب؛ وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه آخر : وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة ! فإن العم صنو الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف بتلك الأمور؛ ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية؛ فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور؛ فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه؛ ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه؛ أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما. الثالثة: فأما من قرأ { ظلم} بالفتح في الظاء واللام - وهي، قراءة زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب - فالمعنى : إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول؛ في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه؛ المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق : ألست نافقت ؟ إلا من ظلم، أي أقام على النفاق؛ ودل على هذا قوله تعالى { إلا الذين تابوا} . قال ابن زيد : وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول، ثم قال لهم بعد ذلك { ما يفعل الله بعذابكم} [النساء : 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان. ثم قال للمؤمنين { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} في إقامته على النفاق؛ فإنه يقال له : ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا من القول. وقال قوم : معنى الكلام : لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم استثنى استثناء منقطعا؛ أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك. قلت : وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم؛ فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم. وقال أبو إسحاق الزجاج : يجوز أن يكون المعنى { إلا من ظلم} فقال سوءا؛ فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه؛ ويكون الاستثناء ليس من الأول. قلت : ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام : (خذوا على أيدي سفهائكم). وقوله : (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : (تكفه عن الظلم). وقال الفراء { إلا من ظلم} يعني ولا من ظلم. قوله تعالى { وكان الله سميعا عليما} تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء} فندب إلى العفو ورغب فيه. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام؛ وقد تقدم في آل عمران فضل العافين عن الناس. ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها. وقيل : إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روي ابن المبارك قال : حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؛ يصدق هذا الحديث قوله تعالى { فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى : 40].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 145 - 149

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد عرفنا أن الحق لا يسمح لك بالجهر بالسوء من القول إلا إذا كنت مظلوماً. وهذا يعني أن المسألة تحتمل الجهر وتحتمل الإخفاء، فقال: { إِن تُبْدُواْ خَيْراً } أي إن تظهر الخير، أو تخفي ذلك، أو تعفو عن السوء. وكل هذه الأمور من ظاهر وخفي من الأغيار البشرية، لكن شيئاً لا يخفى على الله. ولا يمكن أن يكون للعفو مزية إيمانية إلا إذا كان مصحوبا بقدرة، فإن كان عاجزاً لما قال: عفوت. وسبحانه يعفو مع القدرة. فإن أردت أن تعفو فلتتخلق بأخلاق منهج الله، فيكون لك العفو مع القدرة. ولنا أن نعلم أن الحق لا يريد منا أن نستخزي أو نستذل ولكن يريد منا أن نكون قادرين، ومادمنا قادرين فالعفو يكون عن قدرة وهذه هي المزية الإيمانية؛ لأن عفو العاجز لا يعتبر عفواً.

والناس تنظر إلى العاجز الذي يقول: إنه عفا - وهو على غير قدرة - تراه أنه استخزى. أما من أراد أن يتخلق بأخلاق منهج الله فليأخذ من عطاءات الله في الكون، ليكون قادراً وعزيزاً بحيث إن ناله سوء، فهو يعفو عن قدرة { فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً }.

وقلنا من قبل: إنك إذا لمحت كلمة " كان " على نسبة لله سبحانه وتعالى كنسبة الغفران له أو الرحمة، فعلينا أن نقول: كان ولا يزال؛ لأن الفعل مع الله ينحل عن الزمان الماضي وعن الحاضر وعن المستقبل؛ فهو سبحانه مادام قد كان، وهو لا تناله الأغيار، فهو يظل إلى الأبد.

ويقول الحق بعد ذلك: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ... }


www.alro7.net