سورة
اية:

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ

تفسير بن كثير

لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحُد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمداً قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمداً، وإنما كان قد ضرب رسول اللّه فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قتل وجوزوا عليه ذلك - كما قد قص اللّه عن كثير من الأنبياء عليهم السلام - فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل اللّه تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه. قال ابن أبي نجيح عن أبيه: إن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} ""رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة"" ثم قال تعالى منكرا على من حصل له ضعف: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} أي رجعتم القهقرى، { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين} أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حياً وميتاً، وكذلك ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن أن الصدّيق رضي اللّه عنه تلا هذه الآية لما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . عن عائشة رضي اللّه عنها أن أبا بكر رضي اللّه عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مغطى بثوب حبرة: فكشف عن وجهه ثم أكب عليه قبّله وبكى، ثم قال: بأبي أن وأمي واللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين: أما الموتة التي كتب عليك فقد متها ""رواه البخاري""، وروى الزهري:عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، فقال اللّه تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - إلى قوله - وسيجزي اللّه الشاكرين} ، قال: فواللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبراني، عن عكرمة عن ابن عباس: أن علياً كان يقول في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} واللّه لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه، واللّه لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني؟ وقوله تعالى: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه كتاباً مؤجلاً} أي لا يموت أحد إلا بقدر اللّه وحتى يستوفي المدة التي ضربها اللّه له، ولهذا قال: { كتاباً مؤجلاً} كقوله: { وما يُعَمَّر من مُعَمَّرٍ ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} ، وكقوله: { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم عن حبيب بن ظبيان: قال رجل من المسلمين وهو حجر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة - يعني دجلة - { ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه كتاباً مؤجلا} ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدوّ قالوا: ديوان ... فهربوا. وقوله تعالى: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي من كان عمله للدنيا فقط ناله منها ما قدره اللّه له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه اللّه منها وما قسم له في الدنيا كما قال تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} ، وقال تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ، ولهذا قال ههنا: { وسنجزي الشاكرين} أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم. ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد، { وكأين من نبيّ قالت مع ربيون كثير} قيل معناه: كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. وقد عاتب اللّه بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل، فعذلهم اللّه على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: { أفإن مات أو قتل} ، أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم { وانقلبتم على أعقابكم} وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير. وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولاً آخر، فإنه قال: وكأين من نبي أصابه القتل ومع ربيون أي جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن اللّه وعن دينهم، وذلك الصبر { واللّه يحب الصابرين} فجعل قوله: { معه ربيون كثير} حالاً، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: { فما وهنوا لما أصابهم} الآية. وقرأ بعضهم: { قاتل معه ربيون كثير} أي ألوف، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الربيون الجموع الكثيرة، وقال الحسن: { ربيون كثير} ، أي علماء كثير، وعنه أيضاً: علماء صبر أي أبرار أتقياء، وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب عزّ وجل قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل الربيون بفتح الراء، وقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية والربانيون الولاة، { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه وما ضعفوا وما استكانوا} قال قتادة: { وما ضعفوا} بقتل نبيهم، { وما استكانوا} يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي اللّه حتى لحقوا باللّه، وقال ابن عباس: { وما استكانوا} تخشعوا، قال ابن زيد: وما ذلوا لعدوهم، { واللّه يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} أي لم يكن لهم هجير أي دأب وعادة وما يكثر على اللسان جريانه إلا ذلك، { فآتاهم اللّه ثواب الدنيا} أي النصر والظفر والعاقبة { وحسن ثواب الآخرة} أي جمع لهم ذلك مع هذا { واللّه يحب المحسنين} .

تفسير الجلالين

{ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } بقضائه { كتابا } مصدر أي: كتب الله ذلك { مؤجَّلا } مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة { ومن يُرد } بعمله { ثواب الدنيا } أي جزاءه منها { نؤته منها } ما قسم له ولا حظَّ له في الآخرة { ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } أي من ثوابها { وسنجري الشاكرين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَمَا يَمُوت مُحَمَّد وَلَا غَيْره مِنْ خَلْق اللَّه إِلَّا بَعْد بُلُوغ أَجَله الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه غَايَة لِحَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ , فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجَل الَّذِي كَتَبَهُ اللَّه لَهُ وَأُذِنَ لَهُ بِالْمَوْتِ فَحِينَئِذٍ يَمُوت , فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَنْ تَمُوت بِكَيْدِ كَائِد وَلَا بِحِيلَةِ مُحْتَال . كَمَا : 6319 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا } أَيْ أَنَّ لِمُحَمَّدٍ أَجَلًا هُوَ بَالِغه إِذَا أَذِنَ اللَّه لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَتْ نَفْس لِتَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى النَّاصِب قَوْله : { كِتَابًا مُؤَجَّلًا } ; فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : هُوَ تَوْكِيد , وَنَصْبه عَلَى : كَتَبَ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا , قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن مِنْ قَوْله " حَقًّا " , إِنَّمَا هُوَ : أَحَقّ ذَلِكَ حَقًّا , وَكَذَلِكَ : { وَعْد اللَّه } 4 122 وَ { رَحْمَة مِنْ رَبّك } 18 82 وَ { صُنْع اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلّ شَيْء } 27 88 وَ { كِتَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ } 4 24 إِنَّمَا هُوَ : صُنْع اللَّه هَكَذَا صُنْعًا , فَهَكَذَا تَفْسِير كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن مِنْ نَحْو هَذَا , فَإِنَّهُ كَثِير . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } مَعْنَاهُ : كَتَبَ اللَّه آجَال النُّفُوس , ثُمَّ قِيلَ : كِتَابًا مُؤَجَّلًا , فَأَخْرَجَ قَوْله : كِتَابًا مُؤَجَّلًا , نَصْبًا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلَام , إِذْ كَانَ قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى " كَتَبَ " , قَالَ : وَكَذَلِكَ سَائِر مَا فِي الْقُرْآن مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ , فَهُوَ عَلَى هَذَا النَّحْو . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : قَوْل الْقَائِل : زَيْد قَائِم حَقًّا , بِمَعْنَى : أَقُول زَيْد قَائِم حَقًّا , لِأَنَّ كُلّ كَلَام قَوْل , فَأَدَّى الْمَقُول عَنْ الْقَوْل , ثُمَّ خَرَجَ مَا بَعْده مِنْهُ , كَمَا تَقُول : أَقُول قَوْلًا حَقًّا , وَكَذَلِكَ ظَنًّا وَيَقِينًا , وَكَذَلِكَ وَعْد اللَّه , وَمَا أَشْبَهَهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنَّ كُلّ ذَلِكَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر مِنْ مَعْنَى الْكَلَام الَّذِي قَبْله , لِأَنَّ فِي كُلّ مَا قَبْل الْمَصَادِر الَّتِي هِيَ مُخَالِفَة أَلْفَاظهَا أَلْفَاظ مَا قَبْلهَا مِنْ الْكَلَام مَعَانِي أَلْفَاظ الْمَصَادِر وَإِلَّا خَالَفَهَا فِي اللَّفْظ فَنَصْبهَا مِنْ مَعَانِي مَا قَبْلهَا دُون أَلْفَاظه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَمَا يَمُوت مُحَمَّد وَلَا غَيْره مِنْ خَلْق اللَّه إِلَّا بَعْد بُلُوغ أَجَله الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه غَايَة لِحَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ , فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجَل الَّذِي كَتَبَهُ اللَّه لَهُ وَأُذِنَ لَهُ بِالْمَوْتِ فَحِينَئِذٍ يَمُوت , فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَنْ تَمُوت بِكَيْدِ كَائِد وَلَا بِحِيلَةِ مُحْتَال . كَمَا : 6319 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا } أَيْ أَنَّ لِمُحَمَّدٍ أَجَلًا هُوَ بَالِغه إِذَا أَذِنَ اللَّه لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَتْ نَفْس لِتَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى النَّاصِب قَوْله : { كِتَابًا مُؤَجَّلًا } ; فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : هُوَ تَوْكِيد , وَنَصْبه عَلَى : كَتَبَ اللَّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا , قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن مِنْ قَوْله " حَقًّا " , إِنَّمَا هُوَ : أَحَقّ ذَلِكَ حَقًّا , وَكَذَلِكَ : { وَعْد اللَّه } 4 122 وَ { رَحْمَة مِنْ رَبّك } 18 82 وَ { صُنْع اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلّ شَيْء } 27 88 وَ { كِتَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ } 4 24 إِنَّمَا هُوَ : صُنْع اللَّه هَكَذَا صُنْعًا , فَهَكَذَا تَفْسِير كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن مِنْ نَحْو هَذَا , فَإِنَّهُ كَثِير . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة فِي قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } مَعْنَاهُ : كَتَبَ اللَّه آجَال النُّفُوس , ثُمَّ قِيلَ : كِتَابًا مُؤَجَّلًا , فَأَخْرَجَ قَوْله : كِتَابًا مُؤَجَّلًا , نَصْبًا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلَام , إِذْ كَانَ قَوْله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوت إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى " كَتَبَ " , قَالَ : وَكَذَلِكَ سَائِر مَا فِي الْقُرْآن مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ , فَهُوَ عَلَى هَذَا النَّحْو . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : قَوْل الْقَائِل : زَيْد قَائِم حَقًّا , بِمَعْنَى : أَقُول زَيْد قَائِم حَقًّا , لِأَنَّ كُلّ كَلَام قَوْل , فَأَدَّى الْمَقُول عَنْ الْقَوْل , ثُمَّ خَرَجَ مَا بَعْده مِنْهُ , كَمَا تَقُول : أَقُول قَوْلًا حَقًّا , وَكَذَلِكَ ظَنًّا وَيَقِينًا , وَكَذَلِكَ وَعْد اللَّه , وَمَا أَشْبَهَهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنَّ كُلّ ذَلِكَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر مِنْ مَعْنَى الْكَلَام الَّذِي قَبْله , لِأَنَّ فِي كُلّ مَا قَبْل الْمَصَادِر الَّتِي هِيَ مُخَالِفَة أَلْفَاظهَا أَلْفَاظ مَا قَبْلهَا مِنْ الْكَلَام مَعَانِي أَلْفَاظ الْمَصَادِر وَإِلَّا خَالَفَهَا فِي اللَّفْظ فَنَصْبهَا مِنْ مَعَانِي مَا قَبْلهَا دُون أَلْفَاظه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِعَمَلِهِ جَزَاء مِنْهُ بَعْض أَعْرَاض الدُّنْيَا دُون مَا عِنْد اللَّه مِنْ الْكَرَامَة , لِمَنْ اِبْتَغَى بِعَمَلِهِ مَا عِنْده { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَقُول : نُعْطِهِ مِنْهَا , يَعْنِي : مِنْ الدُّنْيَا , يَعْنِي : أَنَّهُ يُعْطِيه مِنْهَا مَا قَسَمَ لَهُ فِيهَا مِنْ رِزْق أَيَّام حَيَاته , ثُمَّ لَا نَصِيب لَهُ فِي كَرَامَة اللَّه الَّتِي أَعَدَّهَا لِمَنْ أَطَاعَهُ , وَطَلَبَ مَا عِنْده فِي الْآخِرَة . { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة } يَقُول : وَمَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ جَزَاء مِنْهُ ثَوَاب الْآخِرَة , يَعْنِي مَا عِنْد اللَّه مِنْ كَرَامَته الَّتِي أَعَدَّهَا لِلْعَامِلِينَ لَهُ فِي الْآخِرَة , { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَقُول : نُعْطِهِ مِنْهَا , يَعْنِي مِنْ الْآخِرَة ; وَالْمَعْنَى : مِنْ كَرَامَة اللَّه الَّتِي خَصَّ بِهَا أَهْل طَاعَته فِي الْآخِرَة . فَخَرَجَ الْكَلَام عَلَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَالْمَعْنَى مَا فِيهِمَا . كَمَا : 6320 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا } أَيْ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيد الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَة فِي الْآخِرَة , نُؤْتِهِ مَا قُسِمَ لَهُ مِنْهَا مِنْ رِزْق , وَلَا حَظّ لَهُ فِي الْآخِرَة , وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا وَعَدَهُ مَعَ مَا يُجْرَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقه فِي دُنْيَاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِعَمَلِهِ جَزَاء مِنْهُ بَعْض أَعْرَاض الدُّنْيَا دُون مَا عِنْد اللَّه مِنْ الْكَرَامَة , لِمَنْ اِبْتَغَى بِعَمَلِهِ مَا عِنْده { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَقُول : نُعْطِهِ مِنْهَا , يَعْنِي : مِنْ الدُّنْيَا , يَعْنِي : أَنَّهُ يُعْطِيه مِنْهَا مَا قَسَمَ لَهُ فِيهَا مِنْ رِزْق أَيَّام حَيَاته , ثُمَّ لَا نَصِيب لَهُ فِي كَرَامَة اللَّه الَّتِي أَعَدَّهَا لِمَنْ أَطَاعَهُ , وَطَلَبَ مَا عِنْده فِي الْآخِرَة . { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة } يَقُول : وَمَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ جَزَاء مِنْهُ ثَوَاب الْآخِرَة , يَعْنِي مَا عِنْد اللَّه مِنْ كَرَامَته الَّتِي أَعَدَّهَا لِلْعَامِلِينَ لَهُ فِي الْآخِرَة , { نُؤْتِهِ مِنْهَا } يَقُول : نُعْطِهِ مِنْهَا , يَعْنِي مِنْ الْآخِرَة ; وَالْمَعْنَى : مِنْ كَرَامَة اللَّه الَّتِي خَصَّ بِهَا أَهْل طَاعَته فِي الْآخِرَة . فَخَرَجَ الْكَلَام عَلَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَالْمَعْنَى مَا فِيهِمَا . كَمَا : 6320 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا } أَيْ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيد الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَة فِي الْآخِرَة , نُؤْتِهِ مَا قُسِمَ لَهُ مِنْهَا مِنْ رِزْق , وَلَا حَظّ لَهُ فِي الْآخِرَة , وَمَنْ يُرِدْ ثَوَاب الْآخِرَة نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا وَعَدَهُ مَعَ مَا يُجْرَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقه فِي دُنْيَاهُ . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } يَقُول : وَسَأُثِيبُ مَنْ شَكَرَ لِي مَا أَوْلَيْته مِنْ إِحْسَانِي إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِيَّايَ وَانْتِهَائِهِ إِلَى أَمْرِي وَتَجَنُّبه مَحَارِمِي فِي الْآخِرَة , مِثْل الَّذِي وَعَدْت أَوْلِيَائِي مِنْ الْكَرَامَة عَلَى شُكْرهمْ إِيَّايَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ بِمَا : 6321 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } أَيْ ذَلِكَ جَزَاء الشَّاكِرِينَ , يَعْنِي بِذَلِكَ : إِعْطَاء اللَّه إِيَّاهُ مَا وَعَدَهُ فِي الْآخِرَة مَعَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ الرِّزْق فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } يَقُول : وَسَأُثِيبُ مَنْ شَكَرَ لِي مَا أَوْلَيْته مِنْ إِحْسَانِي إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِيَّايَ وَانْتِهَائِهِ إِلَى أَمْرِي وَتَجَنُّبه مَحَارِمِي فِي الْآخِرَة , مِثْل الَّذِي وَعَدْت أَوْلِيَائِي مِنْ الْكَرَامَة عَلَى شُكْرهمْ إِيَّايَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ بِمَا : 6321 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } أَيْ ذَلِكَ جَزَاء الشَّاكِرِينَ , يَعْنِي بِذَلِكَ : إِعْطَاء اللَّه إِيَّاهُ مَا وَعَدَهُ فِي الْآخِرَة مَعَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ الرِّزْق فِي الدُّنْيَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} هذا حض على الجهاد، وإعلام أن الموت لا بد منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له؛ لأن معنى { مؤجلا} إلى أجل. ومعنى { بإذن الله} بقضاء الله وقدره. و { كتابا} نصب على المصدر، أي كتب الله كتابا مؤجلا. وأجل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله. ولا يصح أن يقال : لو لم يقتل لعاش. والدليل على قوله { كتابا مؤجلا} { إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف : 34] { إن أجل الله لآت} [العنكبوت : 5] { لكل أجل كتاب} [الرعد : 38]. والمعتزلي يقول : يتقدم الأجل ويتأخر، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله؛ لأنه يجب على القاتل الضمان والدية. وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها. وسيأتي لهذا مزيد بيان في "الأعراف" إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في "طه" عند قوله. { قال علمها عند ربي في كتاب} [طه : 52] إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} يعني الغنيمة. نزلت في الذين تركوا المركز طلبا للغنيمة. وقيل : هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة؛ والمعنى نؤته منها ما قسم له. وفي التنزيل { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} [الإسراء : 18]. { ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء. وقيل : لمراد منها عبدالله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قتلوا. { وسنجزي الشاكرين} أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد لما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة. وقيل { وسنجزي الشاكرين} من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما قسم له مما يناله الكافر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 144 - 146

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة تسمع " ما كان " أي " ما ينبغي ". فنحن في حياتنا نقول: ما كان لك أن تضرب زيدا، ونقصد أنه ما ينبغي أن تضرب زيدا. فقوله: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } هذا القول قد يدفع إلى التساؤل: وهل الموت أمر اختياري؟ لا، ولكن تعبير الحق سبحانه له إيحاء؛ لأنك عندما تقول: ما كان لفلان أن يفعل كذا، فهذا معناه أن لفلان أن يختار أن يفعل ذلك أو لا يفعله، وفي قدرة فلان أن يفعل أو لا يفعل. أما عن قدرة الله فلا يمكن أن يقول أحد ذلك.

إننا نفهمه على فرض أن النفس تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، فما لها أن تموت إلا أن بأذن الله. فإذا كانت النفس هي التي تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، ومع ذلك لا تملك أن تموت، فكيف إذا لم تدفع نفسها إلى موارد التهلكة. إذن فالموت إن أرادته النفس فلن يأتي إلا أن يكون الله قد أذن بذلك. وإننا نجد في واقع الحياة صورا شتى من هذه الصور.

نجد من يضيق ذرعا بهذه الحياة؛ لأن طاقته الإيمانية لا تتسع للبلاء والكد في الدنيا فينتحر، إنه يريد أن يفر مما لا يقدر على دفع أسبابه. أما الذي يملك الطاقة الإيمانية الرحبة فأي شقاء أو بلاء يقابله يقول: إن لي ربا، وما أجراه عليّ ربي فهو المربي الحكيم الذي يعرف مصلحتي أكثر مما أعلم، ولعل هذا البلاء كفارة لي عن ذنب.

وهذا عكس من يفر مما لا يقدر على دفع أسبابه، فيحاول أن يقتل نفسه، وكل منا قد رأى أو سمع عن بعض الذين يريدون ذلك لكن يتم إنقاذهم ويدركهم من ينفذ مشيئة الله في إنقاذهم، كغسيل المعدة لمن ابتلع أقراصا سامة، أو إطفاء حريق من أشعل في نفسه النار. فالمنتحر يريد لنفسه الموت ولكن الله إذا لم يأذن، فلا يبلغه الله هذا، فقد تجد مُنتحرا يريد أن يطلق على نفسه رصاصة من مسدس فلا تنطلق الرصاصة، أو تجد منتحرا آخر يريد أن يشنق نفسه بحبل معلق في السقف فينقطع الحبل، لماذا؟ لا يقبض الحياة إلا من وَهَب الحياة.

قد يقول قائل: ولكن هناك المقتول الذي يقتله إنسان آخر. وهنا يرد المثل الشعبي: لو صبر القاتل على المقتول لمات بمفرده، إن اللحظة التي تفارق الروح مادة الجسد موقوتة بأجل محدود، فمرة تأتي اللحظة بدون سبب، فيموت الإنسان حتف أنفه، ويقول أصدقاؤه: لقد كان معنا منذ قليل. إنهم ينسون أنه مات لأنه يموت بكتاب مؤجل.

ولذلك نجد إنسانا يسعى إلى عافية الحياة، فيذهب إلى إجراء جراحة ما، وأثناء إجراء الجراحة يموت.ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يقول في ذلك:
في الموت ما أعيا وفي أسبابه   كل امرئ رهن بطيِّ كتابه
أسد لعمرك من يموت بظفره   عند اللقاء كمن يموت بنابه
إن نام عنك فكل طب نافع   أو لم ينم فالطب من أذنابه
إن الكتاب إذا انطوى فقد انتهى الأمر، حتى عندما يلتقي الإنسان بأسد، فيستوي الموت بالناب، كالموت بظفر الأسد. فإن نام الموت عن الإنسان فقد يشفيه من أمراضه قرص دواء أو جرعة ماء. أما إن استيقظ الموت فالطب والعلاج قد يكون ذَنَبَاً أو أداة للموت، والقاتل كل ما فعله أنه نقض بنْية المقتول، وهذا هو ما يعاقب عليه.

إذن فقول الحق: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } يطلق قضية عامة. والكتاب المؤجل يطلق مرة على زمن العمر كله، ومرة يطلق على النهاية النهائية منه، والنهاية النهائية هي الموت الحقيقي. فالقاتل حين ينقض بنية القتيل إنما يوافق الأجل المكتوب الذي أراده الله. لكن لماذا نعاقب القاتل إذن؟ نحن نعاقبه لأنه نقض بنية إنسان آخر.

والحق يقول: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً }. ولنلحظ قوله: { بِإِذْنِ الله } فهي تدلنا على أن الله هو الذي يطلق الإذن. والإذن يكون للملائكة ليقوموا بهذه المسألة، ولذلك نجد القرآن الكريم حين يتعرض لهذه المسألة يسند مرة هذه العملية لله فيقول سبحانه:
{  ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
[الزمر: 42]

ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لِملَكٍ واحد:
{  قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }
[السجدة: 11]

ومرة يسندها الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك الموت:
{  وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }
[الأنعام: 61]

والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلاغ عنه؛ لأن كل أمر يحدد الأجل ليس بمراد الموكَّل بإنهاء الأجل، إنما هو بإذن من الله تعالى الذي يحدد ذلك. وما دام كل أمر قد صدر منه فهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس، وبعد ذلك فالملك الذي يتوفى الأنفس - عزرائيل - له أعوان؛ فهو عندما يتلقى الأمر من الله فهو ينقل الأوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته. إذن فصيرورة الأمر بالموت نهائيا إلى الله.

وصيرورة الأمر بالموت إلى الملائكة ببلاغ من الله، هذا هو الإذن، والإذن يقتضي مأذونا، والمأذون هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك، وملك الموت تلقي الإذن من الله سبحانه وتعالى.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } فالذي يريد جزاء الدنيا وهو الذي يطلب جزاء حركته فيها، يأخذها، ولو كان كافرا:
{  مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً }
[الإسراء: 18]

ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن الكريم:
{  مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }
[الشورى: 20]

وهذا ينهي عملية أن تقول: إن الكفار حالتهم أفضل من حالتنا، الكفار متقدمون؛ ونحن متخلفون. وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون متقدمين جدا؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون، وكانوا متقدمين لألف سنة، وهم الدولة الأولى في العالم. وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم بأنها تحيا في عصور الظلمات. لماذا أنكرتم هذه!؟ لان التاريخ جاء لنا من ناحية هؤلاء وقد شوهوه، ولذلك نقول لهم: نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ يشهد بذلك.

ولذلك قلنا: يجب على المؤمن بالله أن يكون غيورا على أسباب الله، فلا يدع أسباب الله للكافر بالله، أيأخذ الكافر بأسباب الله وأنت يا مؤمن بالله تترك الأسباب ليأخذها هو!؟ لا؛ لأن من يعبد الله أولى بسرِّه في الوجود، فكوننا نتركهم يأخذون الأسرار العلمية ولا ننافسهم في هذا المجال هذا تقصير منا.

{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ } ونلحظ أن الحق قد جاء بلفظ { ٱلشَّاكِرِينَ } مرتين، والقرآن يؤكد هذا المعنى. إنه سبحانه أعطاكم أسبابا فإن كانت الأسباب قد جاءت لكم بمسائل الدنيا فهي تستحق الشكر، وإن كانت ستعطيكم تكليفا مع الأسباب فهذا التكليف سيعطيكم خير الآخرة، وهو أمر يستحق الشكر أيضا.

وبعد هذا الكلام النظري { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً }.. يقول ما يؤكد وجوده في موكب الإيمان الذي سبقكم؛ لأن فيه فرقا بين الكلام وبين أن يقع مدلول الكلام، فواقع الكلام سبقكم فيقول: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ... }


www.alro7.net