سورة
اية:

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

تفسير بن كثير

قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: { يخادعون اللّه والذين آمنوا} ، وقال ههنا: { إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم} ولا شك أن اللّه لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم - كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً - فكذلك يكون حكمهم عند اللّه يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: { يوم يبعثهم اللّه جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية، وقوله: { وهو خادعهم} أي هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم - إلى قوله - وبئس المصير} ، وقد ورد في الحديث: (من سمَّع سمع اللّه به، ومن رايا رايا اللّه به)، وفي الحديث الآخر: (إن اللّه يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار) عياذاً باللّه من ذلك. وقوله تعالى: { إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي اللّه، وإن اللّه تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} ، فقوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} هذه صفة ظواهرهم كما قال: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: { يراؤون الناس} أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع اللّه، بل إنما يشهدون الناس تقيَّة لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يرون فيها غالباً كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) وفي رواية: (والذي نفسي بيده لو علم أحدهم أنه يجد عِرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار) وقال الحافظ أبو يعلى عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه عزَّ وجلَّ)؛ وقوله: { ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً} أي في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. وقد روى الإمام مالك عن أنس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (تلكَ صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً) وقوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك، { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} ، وقال مجاهد { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء} يعني أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، { ولا إلى هؤلاء} يعني اليهود، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين) ""رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً"" وقال ابن جرير عن قتادة { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إليّ فإني أخشى عليك، وناداه المؤمنين: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين رأت غنماً على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنماً على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف)، ولهذا قال تعالى: { ومن يضلل اللّه فلن تجد له سبيلاً} أي ومن صرفه عن طريق الهدى { فلن تجد له ولياً مرشداً} ، فإنه { من يضلل اللّه فلا هادي له} ، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

تفسير الجلالين

{ مذبذبين } مترددين { بين ذلك } الكفر والإيمان { لا } منسوبين { إلى هؤلاء } أي الكفار { ولا إلى هؤلاء } أي المؤمنين { ومن يضللـ } ـه { الله فلن تجد له سبيلا } طريقا إلى الهدى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مُذَبْذَبِينَ } : مُرَدِّدِينَ , وَأَصْل التَّذَبْذُب : التَّحَرُّك وَالِاضْطِرَاب , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَعْطَاك سُورَة تَرَى كُلّ مُلْك دُونهَا يَتَذَبْذَب وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مُتَحَيِّرُونَ فِي دِينهمْ , لَا يَرْجِعُونَ إِلَى اِعْتِقَاد شَيْء عَلَى صِحَّة فَهْم لَا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَصِيرَة , وَلَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى جَهَالَة , وَلَكِنَّهُمْ حَيَارَى بَيْن ذَلِكَ , فَمَثَلهمْ الْمَثَل الَّذِي ضَرَبَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي : 8443 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَثَل الْمُنَافِق كَمَثَلِ الشَّاة الْعَائِرَة بَيْن الْغَنَمَيْنِ , تَعِير إِلَى هَذِهِ مَرَّة وَإِلَى هَذِهِ مَرَّة , لَا تَدْرِي أَيَّتهمَا تَتْبَع " . * - وَحَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى مَرَّة أُخْرَى عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , فَوَقَفَهُ عَلَى اِبْن عُمَر وَلَمْ يَرْفَعهُ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب مَرَّتَيْنِ كَذَلِكَ . * - ثني عِمْرَان بْن بَكَّار , قَالَ : ثنا أَبُو رَوْح , قَالَ : ثنا اِبْن عَبَّاس , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8444 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُوا الشِّرْك , وَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. 8445 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ وَلَا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَضْرِب مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِق وَالْكَافِر , كَمَثَلِ رَهْط ثَلَاثَة دُفِعُوا إِلَى نَهَر , فَوَقَعَ الْمُؤْمِن فَقَطَعَ , ثُمَّ وَقَعَ الْمُنَافِق حَتَّى إِذَا كَادَ يَصِل إِلَى الْمُؤْمِن , نَادَاهُ الْكَافِر : أَنْ هَلُمَّ إِلَيَّ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك ! وَنَادَاهُ الْمُؤْمِن : أَنْ هَلُمَّ إِلَيَّ فَإِنَّ عِنْدِي وَعِنْدِي ! يُحْصِي لَهُ مَا عِنْده . فَمَا زَالَ الْمُنَافِق يَتَرَدَّد بَيْنهمَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَاء فَغَرَّقَهُ , وَإِنَّ الْمُنَافِق لَمْ يَزَلْ فِي شَكّ وَشُبْهَة حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَوْت وَهُوَ كَذَلِكَ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " مَثَل الْمُنَافِق كَمَثَلِ ثَاغِيَة بَيْن غَنَمَيْنِ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز , فَأَتَتْهَا فَلَمْ تُعْرَف , ثُمَّ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تُعْرَف " . 8446 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ } قَالَ : الْمُنَافِقُونَ . 8447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود. 8448 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ } قَالَ : لَمْ يُخْلِصُوا الْإِيمَان فَيَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَيْسُوا مَعَ أَهْل الشِّرْك . 8449 - حَدَّثَنَا : يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ } : بَيْن الْإِسْلَام وَالْكُفْر { لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مُذَبْذَبِينَ } : مُرَدِّدِينَ , وَأَصْل التَّذَبْذُب : التَّحَرُّك وَالِاضْطِرَاب , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَعْطَاك سُورَة تَرَى كُلّ مُلْك دُونهَا يَتَذَبْذَب وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مُتَحَيِّرُونَ فِي دِينهمْ , لَا يَرْجِعُونَ إِلَى اِعْتِقَاد شَيْء عَلَى صِحَّة فَهْم لَا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَصِيرَة , وَلَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى جَهَالَة , وَلَكِنَّهُمْ حَيَارَى بَيْن ذَلِكَ , فَمَثَلهمْ الْمَثَل الَّذِي ضَرَبَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي : 8443 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَثَل الْمُنَافِق كَمَثَلِ الشَّاة الْعَائِرَة بَيْن الْغَنَمَيْنِ , تَعِير إِلَى هَذِهِ مَرَّة وَإِلَى هَذِهِ مَرَّة , لَا تَدْرِي أَيَّتهمَا تَتْبَع " . * - وَحَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى مَرَّة أُخْرَى عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , فَوَقَفَهُ عَلَى اِبْن عُمَر وَلَمْ يَرْفَعهُ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب مَرَّتَيْنِ كَذَلِكَ . * - ثني عِمْرَان بْن بَكَّار , قَالَ : ثنا أَبُو رَوْح , قَالَ : ثنا اِبْن عَبَّاس , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر , عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8444 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ فَيُظْهِرُوا الشِّرْك , وَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. 8445 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ وَلَا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يَضْرِب مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِق وَالْكَافِر , كَمَثَلِ رَهْط ثَلَاثَة دُفِعُوا إِلَى نَهَر , فَوَقَعَ الْمُؤْمِن فَقَطَعَ , ثُمَّ وَقَعَ الْمُنَافِق حَتَّى إِذَا كَادَ يَصِل إِلَى الْمُؤْمِن , نَادَاهُ الْكَافِر : أَنْ هَلُمَّ إِلَيَّ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك ! وَنَادَاهُ الْمُؤْمِن : أَنْ هَلُمَّ إِلَيَّ فَإِنَّ عِنْدِي وَعِنْدِي ! يُحْصِي لَهُ مَا عِنْده . فَمَا زَالَ الْمُنَافِق يَتَرَدَّد بَيْنهمَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَاء فَغَرَّقَهُ , وَإِنَّ الْمُنَافِق لَمْ يَزَلْ فِي شَكّ وَشُبْهَة حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَوْت وَهُوَ كَذَلِكَ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " مَثَل الْمُنَافِق كَمَثَلِ ثَاغِيَة بَيْن غَنَمَيْنِ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز , فَأَتَتْهَا فَلَمْ تُعْرَف , ثُمَّ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تُعْرَف " . 8446 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ } قَالَ : الْمُنَافِقُونَ . 8447 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } يَقُول : لَا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود. 8448 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ } قَالَ : لَمْ يُخْلِصُوا الْإِيمَان فَيَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَيْسُوا مَعَ أَهْل الشِّرْك . 8449 - حَدَّثَنَا : يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مُذَبْذَبِينَ بَيْن ذَلِكَ } : بَيْن الْإِسْلَام وَالْكُفْر { لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : مَنْ يَخْذُلهُ اللَّه عَنْ طَرِيق الرَّشَاد وَذَلِكَ هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي دَعَا اللَّه إِلَيْهِ عِبَاده , يَقُول : مَنْ يَخْذُلهُ اللَّه عَنْهُ فَلَمْ يُوَفِّقهُ لَهُ , فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد سَبِيلًا : يَعْنِي طَرِيقًا يَسْلُكهُ إِلَى الْحَقّ غَيْره . وَأَيّ سَبِيل يَكُون لَهُ إِلَى الْحَقّ غَيْر الْإِسْلَام ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ مَنْ يَتَّبِع غَيْره دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ , وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَنْهُ فَقَدْ غَوَى , فَلَا هَادِي لَهُ غَيْره .وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : مَنْ يَخْذُلهُ اللَّه عَنْ طَرِيق الرَّشَاد وَذَلِكَ هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي دَعَا اللَّه إِلَيْهِ عِبَاده , يَقُول : مَنْ يَخْذُلهُ اللَّه عَنْهُ فَلَمْ يُوَفِّقهُ لَهُ , فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد سَبِيلًا : يَعْنِي طَرِيقًا يَسْلُكهُ إِلَى الْحَقّ غَيْره . وَأَيّ سَبِيل يَكُون لَهُ إِلَى الْحَقّ غَيْر الْإِسْلَام ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ مَنْ يَتَّبِع غَيْره دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ , وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَنْهُ فَقَدْ غَوَى , فَلَا هَادِي لَهُ غَيْره .'

تفسير القرطبي

المذبذب : المتردد بين أمرين؛ والذبذبة الاضطراب. يقال : ذبذبته فتذبذب؛ ومنه قول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة ** ترى كل ملك دونها يتذبذب آخر : خيال لأم السلسبيل ودونها ** مسيرة شهر للبريد المذبذب كذا روي بكسر الذال الثانية. قال ابن جني : أي المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى) وفي رواية (تكر) بدل (تعير). وقرأ الجمهور { مذبذبين} بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية. وفي حرف أبي { متذبذبين} . ويجوز الإدغام على هذه القراءة { مذبذبين} بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية. وعن الحسن { مذبذبين} بفتح الميم والذالين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 141 - 145

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والشيء المذبذب مثل المعلق في خيط فيأخذه الريح إلى ناحية ليقذفه في ناحية أخرى لأنه غير ثابت، مأخوذ من " المذبة " ومنه جاءت تسمية " الذباب: الذي يذبه الإنسان فيعود مرة أخرى، فمن سلوك الذباب أنه إذا ذُبّ عن مكان لا بد أن يعود إليه.

{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } فهل هم الذين ذبذبوا أنفسهم أم تلك هي طبيعتهم؟ ولنتأمل عظمة الحق الذي سوى النفس البشرية؛ ففي الذات الواحدة آمر ومأمور، والحق يقول:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }
[التحريم: 6]

أي أن الإنسان يقي نفسه بأن يجعل الآمر يوجه الأمر للمأمور، ويجعل المأمور يطيع الآمر، ودليل ذلك قول الحق عن قابيل:
{  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ }
[المائدة: 30]

أي أن جزءًا من الذات هو الذي طوَّع بقية ذات قابيل لتقتل هابيل. فقد خلق الله النفس البشرية كملكات متعددة، ملكة تحب الأريحية وأخرى تحب الشح، والملكة التي تحب الأريحية إنما تطلب ثناء الناس، والتي تحب الشح إنما تفعل ذلك ليطمئن صاحبها أنه يملك ما يغنيه. وكلتا الملكتين تتصارع في النفس الواحدة؛ لذلك يقول الحق: { قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } فالنفس تقي النفس؛ لأن الملكات فيها متعددة. وبعض الملكات تحب تحقيق المتعة والشهوة، لكن هناك ملكة إيمانية تقول: تذكر أن هذه الشهوات عاجلة ولكنها عظيمة المتاعب فيما بعد.

إذن فهناك صراع داخل ملكات الإنسان، ويوضح لنا الحق هذا الصراع في قوله: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ }.

لأن قابيل أراد أن يقتل هابيل بغريزة الاستعلاء، ونازعته نفسه بالخوف من الإثم. لقد دارت المراودة في نفس قابيل إلى أن سيطرت غريزة الاستعلاء فأمرت بالقتل وطوعت بقية النفس. وهذا يكشف لنا أن النفس البشرية فيها ملكات متعددة، كل ملكة لها مطلوب. والدين هو الذي يقيم التعايش السلمي بين الملكات.

مثال آخر: الغريزة الجنسية تقيم السعار في النفس، فيقوم الوعي الإيماني بردع ذلك بأن تقول النفس الإيمانية: إياك أن تلغ في أعراض الناس حتى لا تلغ الناس في أعراضك، ولماذا لا تذهب وتتزوج كما شرع الله، ولا ترم أبنائك في فراش غيرك؛ لأن الغريزة مخلوقة لله فلا تجعل سلطان الغريزة يأمر وينهى.

وهكذا نرى أن النفس تضم وتشمل الملكات والغرائز، ولا يصح أن يعدي الإنسان غريزة إلى أمر آخر؛ لأنه إن عدى الشهوات فسدت الدنيا.

وعلى سبيل المثال نحن نستخدم الكهرباء التي تعطي لنا النور في حدود ما يرسم لنا مهندس الكهرباء، الذي وضع القطب الموجب في مجاله وكذلك القطب السالب، بحيث نأخذ الضوء الذي نريده أو تعطينا شرارة لنستخدمها كقوة لإدارة آلة، لكن لو التقى القطب الموجب بالقطب السالب على غير ما صنع المهندس لحدثت قفلة كهربائية تسبب حريقاً أو فساداً.وكذلك النفس البشرية، إن التقى الذكر مع الأنثى كما شرع الله فإن البشرية تسعد، وإن حدث غير ذلك فالذي يحدث في المجتمع يصير حريقاً نفسياً واجتماعياً لا حدود لآثاره الضارة، وهكذا نرى أن النفس ليس فيها دافع واحد بل فيها دوافع متعددة.

ونجد غريزة الجوع تحرك النفس إلى الطعام، ويستجيب الدين لذلك لكنه يوصي أن يأكل الإنسان بشرط ألا يتحول تناول الطعام إلى شره، كما جاء في الحديث: " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ".

فالطعام لبقاء النوع. والإنسان محب للاستطلاع، فيأمر الإسلام الإنسان بأن يستطلع أسباب الله في الكون ليزيد من صلاح الكون، وينهى الإسلام عن استخدام حب الاستطلاع في التجسس على الناس، وهكذا تتوازن الملكات بمنهج الإسلام، وعلى المسلم أن يعايش ملكاته في ضوء منهج الله معايشة سليمة حتى تكون النفس الإنسانية متساندة لا متعاندة، لتعيش كل الملكات في سلام، ويؤدي كل جهاز مهمته كما أراد الله.

لكن المنافق يحيا مذبذباً وقد صنع بنفسه، فقد أرخى لبعض ملكاته العِنان على حساب ملكات أخرى { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } إن الكافر يمتاز عن المنافق - ظاهرا - بأنه منسجم مع نفسه، هو غير مؤمن بالإسلام ويعلن ذلك ولكنه في حقيقة الأمر يتصارع مع فطرته التي تدعوه إلى الإيمان.

قد يقول قائل: وكيف يتساوى الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر مع الذي أعلن الكفر؟ ونقول: الكافر لم يخدع الطائفة المؤمنة ولم يقل كالمنافق إنه مع الفئة المؤمنة وهو ليس معها؛ بل يعلن الكافر كفره منسجماً مع نفسه، لكن المنافق مذبذب خسيس في وضعه الإنساني والرجولي.

{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.

والله لا يضل عبداً بشكل مباشر؛ فسبحانه يُعلم خلقه أولاً بالرسل والمنهج، لكنه يضل من يصر على عدم الإيمان، لذلك يتركه على ضلالة وعماه. صحيح أن في قدرة الله أن يأخذه إلى الإيمان قهراً، لكنه سبحانه يترك الإنسان لاختياره.

فإن أقبل الإنسان على الله فسبحانه يعينه على الهداية، أما إن لم يقبل فليذهب إلى تيه الضلال. ويزين له الدنيا ويعطيه منها لكنه لن يجد سبيلاً؛ فسبيل الله واحد. وليس هناك سبيلان.

ونذكر هذه الحكاية؛ لنعرف قيمة سبيل الله. كان الأصمعي - وهو مؤلف عربي له قيمة كبيرة - يملك أذناً أدبية تميل إلى الأساليب الجميلة من الشعر والنثر، ووجد الأصمعي إنساناً يقف أمام باب الملتزم بالكعبة المشرفة، وكان الرجل يدعو الله دعاء حاراً " يا رب: أنا عاصيك، ولولا أنني عاصيك لما جئت أطلب منك المغفرة، فلا إله إلا أنت، كان يجب أن أخجل من معصيتك ولكن ماذا أفعل ". وأعجب الأصمعي بالدعاء، فقال: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }


www.alro7.net