سورة
اية:

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخاطباً عباده المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون: { قد خلت من قبلكم سنن} ، أي قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ، ثم قال تعالى: { هذا بيان للناس} يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم، { وهدى وموعظة} يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم وهدى لقلوبكم وموعظة أي زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين: { ولا تهنوا} أي لا تضعفوا بسبب ما جرى، { ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون، { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} أي إن كنتم قد أصبتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعدائكم قريب من ذلك من قتل وجراح، { وتلك الأيام نداولها بين الناس} أي نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: { وليعلم اللّه الذين آمنوا} قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء { ويتخذ منكم شهداء} يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته، { واللّه لا يحب الظالمين وليمحص اللّه الذين آمنوا} أي يكفِّر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله تعالى: { ويمحق الكافرين} أي فإنهم إذا ظفرا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلو الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} وقال تعالى: { أم حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} الآية، ولهذا قال ههنا: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى اللّه منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. وقوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتحترقون عليه وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا اللّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ولهذا قال تعالى: { فقد رأيتموه} يعني الموت شاهدتموه وقت حدِّ الأسنة واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب.

تفسير الجلالين

{ ولقد كنتم تمنون } فيه حذف إحدى التاءين في الأصل { الموت من قبل أن تلقوه } حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه { فقد رأيتموه } أي سببه الحرب { وأنتم تنظرون } أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم ؟ ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت } وَلَقَدْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَر أَصْحَاب مُحَمَّد تَمَنَّوْنَ الْمَوْت يَعْنِي أَسْبَاب الْمَوْت وَذَلِكَ الْقِتَال ; { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ . وَالْهَاء فِي قَوْله " رَأَيْتُمُوهُ " , عَائِدَة عَلَى الْمَوْت , وَمَعْنَى : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يَعْنِي : قَدْ رَأَيْتُمُوهُ بِمَرْأًى مِنْكُمْ وَمَنْظَر : أَيْ بِقُرْبٍ مِنْكُمْ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَزْعُم أَنَّهُ قِيلَ : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } عَلَى وَجْه التَّوْكِيد لِلْكَلَامِ , كَمَا يُقَال : رَأَيْته عِيَانًا , وَرَأَيْته بِعَيْنِي , وَسَمِعْته بِأُذُنِي ; وَإِنَّمَا قِيلَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } لِأَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَد بَدْرًا , كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ قَبْل أُحُد يَوْمًا مِثْل يَوْم بَدْر , فَيُبْلُوا اللَّه مِنْ أَنْفُسهمْ خَيْرًا , وَيَنَالُوا مِنْ الْأَجْر مِثْل مَا نَالَ أَهْل بَدْر ; فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد فَرَّ بَعْضهمْ وَصَبَرَ بَعْضهمْ , حَتَّى أَوْفَى بِمَا كَانَ عَاهَدَ اللَّه قَبْل ذَلِكَ , فَعَاتَبَ اللَّه مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ , فَقَالَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } . .. الْآيَة , وَأَثْنَى عَلَى الصَّابِرِينَ مِنْهُمْ وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ . ذِكْر الْأَخْبَار بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ : 6297 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قَالَ : غَابَ رِجَال عَنْ بَدْر , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِثْل يَوْم بَدْر أَنْ يَلْقَوْهُ , فَيُصِيبُوا مِنْ الْخَيْر وَالْأَجْر مِثْل مَا أَصَابَ أَهْل بَدْر . فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد وَلَّى مَنْ وَلَّى , فَعَاتَبَهُمْ اللَّه - أَوْ فَعَابَهُمْ , أَوْ فَعَتَبَهُمْ - عَلَى ذَلِكَ , شَكَّ أَبُو عَاصِم . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه , أَلَا أَنَّهُ قَالَ : فَعَاتَبَهُمْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَشُكّ . 6298 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } . أُنَاس مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْم بَدْر وَاَلَّذِي أَعْطَى اللَّه أَهْل بَدْر مِنْ الْفَضْل وَالشَّرَف وَالْأَجْر , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرْزَقُوا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا , فَسِيقَ إِلَيْهِمْ الْقِتَال حَتَّى كَانَ فِي نَاحِيَة الْمَدِينَة يَوْم أُحُد , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْمَعُونَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت } حَتَّى بَلَغَ : { الشَّاكِرِينَ } 6299 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } قَالَ : كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَلْقَوْا الْمُشْرِكِينَ فَيُقَاتِلُوهُمْ , فَلَمَّا لَقُوهُمْ يَوْم أُحُد وَلَّوْا . 6300 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرِّيع , قَالَ : إِنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْم بَدْر وَاَلَّذِي أَعْطَاهُمْ اللَّه مِنْ الْفَضْل , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا , فَسِيقَ إِلَيْهِمْ الْقِتَال , حَتَّى كَانَ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَة يَوْم أُحُد , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } . .. الْآيَة . 6301 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : لَئِنْ لَقِينَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ ! فَابْتُلُوا بِذَلِكَ , فَلَا وَاَللَّه مَا كُلّهمْ صَدَقَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } 6302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : كَانَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا , فَلَمَّا رَأَوْا فَضِيلَة أَهْل بَدْر , قَالُوا : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك أَنْ تُرِينَا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْر , نُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا ! فَرَأَوْا أُحُدًا , فَقَالَ لَهُمْ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } 6303 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } . أَيْ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَة عَلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ قَبْل أَنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ , يَعْنِي الَّذِينَ حَمَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُرُوجه بِهِمْ إِلَى عَدُوّهُمْ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ الْحُضُور فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ قَبْله بِبَدْرٍ , رَغْبَة فِي الشَّهَادَة الَّتِي قَدْ فَاتَتْهُمْ بِهِ يَقُول : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } أَيْ الْمَوْت بِالسُّيُوفِ فِي أَيْدِي الرِّجَال , قَدْ حَلَّ بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ , وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ , فَصَدَدْتُمْ عَنْهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت } وَلَقَدْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَر أَصْحَاب مُحَمَّد تَمَنَّوْنَ الْمَوْت يَعْنِي أَسْبَاب الْمَوْت وَذَلِكَ الْقِتَال ; { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ . وَالْهَاء فِي قَوْله " رَأَيْتُمُوهُ " , عَائِدَة عَلَى الْمَوْت , وَمَعْنَى : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يَعْنِي : قَدْ رَأَيْتُمُوهُ بِمَرْأًى مِنْكُمْ وَمَنْظَر : أَيْ بِقُرْبٍ مِنْكُمْ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَزْعُم أَنَّهُ قِيلَ : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } عَلَى وَجْه التَّوْكِيد لِلْكَلَامِ , كَمَا يُقَال : رَأَيْته عِيَانًا , وَرَأَيْته بِعَيْنِي , وَسَمِعْته بِأُذُنِي ; وَإِنَّمَا قِيلَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } لِأَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَد بَدْرًا , كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ قَبْل أُحُد يَوْمًا مِثْل يَوْم بَدْر , فَيُبْلُوا اللَّه مِنْ أَنْفُسهمْ خَيْرًا , وَيَنَالُوا مِنْ الْأَجْر مِثْل مَا نَالَ أَهْل بَدْر ; فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد فَرَّ بَعْضهمْ وَصَبَرَ بَعْضهمْ , حَتَّى أَوْفَى بِمَا كَانَ عَاهَدَ اللَّه قَبْل ذَلِكَ , فَعَاتَبَ اللَّه مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ , فَقَالَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } . .. الْآيَة , وَأَثْنَى عَلَى الصَّابِرِينَ مِنْهُمْ وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ . ذِكْر الْأَخْبَار بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ : 6297 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قَالَ : غَابَ رِجَال عَنْ بَدْر , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِثْل يَوْم بَدْر أَنْ يَلْقَوْهُ , فَيُصِيبُوا مِنْ الْخَيْر وَالْأَجْر مِثْل مَا أَصَابَ أَهْل بَدْر . فَلَمَّا كَانَ يَوْم أُحُد وَلَّى مَنْ وَلَّى , فَعَاتَبَهُمْ اللَّه - أَوْ فَعَابَهُمْ , أَوْ فَعَتَبَهُمْ - عَلَى ذَلِكَ , شَكَّ أَبُو عَاصِم . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه , أَلَا أَنَّهُ قَالَ : فَعَاتَبَهُمْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَشُكّ . 6298 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } . أُنَاس مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْم بَدْر وَاَلَّذِي أَعْطَى اللَّه أَهْل بَدْر مِنْ الْفَضْل وَالشَّرَف وَالْأَجْر , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرْزَقُوا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا , فَسِيقَ إِلَيْهِمْ الْقِتَال حَتَّى كَانَ فِي نَاحِيَة الْمَدِينَة يَوْم أُحُد , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْمَعُونَ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت } حَتَّى بَلَغَ : { الشَّاكِرِينَ } 6299 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } قَالَ : كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَلْقَوْا الْمُشْرِكِينَ فَيُقَاتِلُوهُمْ , فَلَمَّا لَقُوهُمْ يَوْم أُحُد وَلَّوْا . 6300 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرِّيع , قَالَ : إِنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْم بَدْر وَاَلَّذِي أَعْطَاهُمْ اللَّه مِنْ الْفَضْل , فَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا , فَسِيقَ إِلَيْهِمْ الْقِتَال , حَتَّى كَانَ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَة يَوْم أُحُد , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ } . .. الْآيَة . 6301 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : لَئِنْ لَقِينَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ ! فَابْتُلُوا بِذَلِكَ , فَلَا وَاَللَّه مَا كُلّهمْ صَدَقَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } 6302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : كَانَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا , فَلَمَّا رَأَوْا فَضِيلَة أَهْل بَدْر , قَالُوا : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك أَنْ تُرِينَا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْر , نُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا ! فَرَأَوْا أُحُدًا , فَقَالَ لَهُمْ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } 6303 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } . أَيْ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَة عَلَى الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ قَبْل أَنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ , يَعْنِي الَّذِينَ حَمَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُرُوجه بِهِمْ إِلَى عَدُوّهُمْ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ الْحُضُور فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ قَبْله بِبَدْرٍ , رَغْبَة فِي الشَّهَادَة الَّتِي قَدْ فَاتَتْهُمْ بِهِ يَقُول : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } أَيْ الْمَوْت بِالسُّيُوفِ فِي أَيْدِي الرِّجَال , قَدْ حَلَّ بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ , وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ , فَصَدَدْتُمْ عَنْهُمْ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولقد كنتم تتمنون الموت} أي الشهادة من قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش { من قبل أن تلاقوه} أي من قبل القتل. وقيل : من قبل أن تلقوا أسباب الموت وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروا بدرا كانوا يتمنون يوما يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال : إيها إنها ريح الجنة! إني لأجدها، ومضى حتى استشهد. قال أنس : فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة. وفيه وفي أمثاله نزل { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب : 23]. فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حَمْل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة، وسيأتي. وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل. قوله تعالى { وأنتم تنظرون} قال الأخفش : هو تكرير بمعنى التأكد لقوله { فقد رأيتموه} مثل { ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام : 38]. وقيل : معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم علل؛ كما تقول : قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك علة، أي فقد رأيته رؤية حقيقية؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد. وقال بعضهم { وأنتم تنظرون} إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم انهزمتم ؟.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 139 - 144

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكان القوم الذي فاتهم شرف الاشتراك في بدر قد أرادوا ان يذهبوا مع الرسول للمشاركة في غزوة أُحُد، ويوضح لهم الحق: أكنتم تظنون أن تمنى المعارك وحده يحقق النصر، وهل كنتم تظنون أن كل معركة يدخلها المؤمنون لا بد أن تكون منتصرة؟ وإن كنتم تظنون أن المسألة هي نصر لمجرد التمني، فمعنى ذلك أنكم دخلتم إلى معسكر الإيمان من أجل الفأل واليُمن والنصر، ونحن نريد ان نعرف من الذي يدخل معسكر الإيمان وهو بائع روحه وهو مُحتسب حياته في سبيل الله.

فلو أن الأمر يمر رخاء، لدخل كل واحد إلى معسكر الإيمان، لذلك يقول الحق: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ }. فهل ظننتم أنكم تدخلون الجنة بدون أن يُخرج الحق على الملأ ما علمه غيبا، وتترجمه الأحداث التي يجريها سبحانه فيصير واقعا وحُجة عليكم، ويبرز الله سبحانه من الذين جاهدوا؛ أي دخلوا في زُمرة الحق، والذين صبروا على الأذى في الحق.

ويقول سبحانه: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } أي إن ما كنتم تتمنونه قديما صار أمامكم، فلو أن التمني كان صحيحا لأقبلتم على الموت كما تقبلون على الحياة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ... }


www.alro7.net