سورة
اية:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

تفسير بن كثير

قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: { يخادعون اللّه والذين آمنوا} ، وقال ههنا: { إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم} ولا شك أن اللّه لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم - كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً - فكذلك يكون حكمهم عند اللّه يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: { يوم يبعثهم اللّه جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية، وقوله: { وهو خادعهم} أي هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم - إلى قوله - وبئس المصير} ، وقد ورد في الحديث: (من سمَّع سمع اللّه به، ومن رايا رايا اللّه به)، وفي الحديث الآخر: (إن اللّه يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار) عياذاً باللّه من ذلك. وقوله تعالى: { إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الآية، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي اللّه، وإن اللّه تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} ، فقوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} هذه صفة ظواهرهم كما قال: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: { يراؤون الناس} أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع اللّه، بل إنما يشهدون الناس تقيَّة لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يرون فيها غالباً كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) وفي رواية: (والذي نفسي بيده لو علم أحدهم أنه يجد عِرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار) وقال الحافظ أبو يعلى عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه عزَّ وجلَّ)؛ وقوله: { ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً} أي في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون. وقد روى الإمام مالك عن أنس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (تلكَ صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اللّه فيها إلا قليلاً) وقوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك، { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} ، وقال مجاهد { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء} يعني أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، { ولا إلى هؤلاء} يعني اليهود، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين) ""رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً"" وقال ابن جرير عن قتادة { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إليّ فإني أخشى عليك، وناداه المؤمنين: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين رأت غنماً على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنماً على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف)، ولهذا قال تعالى: { ومن يضلل اللّه فلن تجد له سبيلاً} أي ومن صرفه عن طريق الهدى { فلن تجد له ولياً مرشداً} ، فإنه { من يضلل اللّه فلا هادي له} ، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

تفسير الجلالين

{ إن المنافقين يخادعون الله } بإظهارهم خلاف ما أبطنوا من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية { وهو خادعهم } مجازيهم على خداعهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة { وإذا قاموا إلى الصلاة } مع المؤمنين { قاموا كسالى } متثاقلين { يراءون الناس } بصلاتهم { ولا يذكرون الله } يصلون { إلا قليلا } رياء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى مَعْنَى خِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَوَجْه خِدَاع اللَّه إِيَّاهُمْ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , مَعَ اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ . فَتَأْوِيل ذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه بِإِحْرَازِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَاَللَّه خَادِعهمْ بِمَا حَكَمَ فِيهِمْ مِنْ مَنْع دِمَائِهِمْ بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِيمَان , مَعَ عِلْمه بِبَاطِنِ ضَمَائِرهمْ , وَاعْتِقَادهمْ الْكُفْر , اِسْتِدْرَاجًا مِنْهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَلْقَوْهُ فِي الْآخِرَة , فَيُورِدهُمْ بِمَا اسْتَبْطَنُوا مِنْ الْكُفْر نَار جَهَنَّم . كَمَا : 8436 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : يُعْطِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة نُورًا يَمْشُونَ بِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يَسْلُبهُمْ ذَلِكَ النُّور فَيُطْفِئهُ , فَيَقُومُونَ فِي ظُلْمَتهمْ وَيَضْرِب بَيْنهمْ بِالسُّورِ . 8437 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَأَبِي عَامِر بْن النُّعْمَان , وَفِي الْمُنَافِقِينَ ; يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ , قَالَ : مِثْل قَوْله فِي الْبَقَرَة : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ } 2 9 . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ خَادِعهمْ } فَيَقُول : فِي النُّور الَّذِي يُعْطَى الْمُنَافِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , فَيُعْطَوْنَ النُّور , فَإِذَا بَلَغُوا السُّور سُلِبَ , وَمَا ذَكَرَ اللَّه مِنْ قَوْله : { اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ } 57 13 قَالَ : قَوْله : { وَهُوَ خَادِعهمْ } . 8438 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الْحَسَن , أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : يُلْقَى عَلَى كُلّ مُؤْمِن وَمُنَافِق نُور يَمْشُونَ بِهِ , حَتَّى إِذَا اِنْتَهَوْا إِلَى الصِّرَاط طَفِئَ نُور الْمُنَافِقِينَ , وَمَضَى الْمُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ , فَيُنَادُونَهُمْ : { اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ } . .. إِلَى قَوْله : { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسكُمْ } 57 14 قَالَ الْحَسَن : فَتِلْكَ خَدِيعَة اللَّه إِيَّاهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى مَعْنَى خِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَوَجْه خِدَاع اللَّه إِيَّاهُمْ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , مَعَ اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ . فَتَأْوِيل ذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه بِإِحْرَازِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَاَللَّه خَادِعهمْ بِمَا حَكَمَ فِيهِمْ مِنْ مَنْع دِمَائِهِمْ بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِيمَان , مَعَ عِلْمه بِبَاطِنِ ضَمَائِرهمْ , وَاعْتِقَادهمْ الْكُفْر , اِسْتِدْرَاجًا مِنْهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَلْقَوْهُ فِي الْآخِرَة , فَيُورِدهُمْ بِمَا اسْتَبْطَنُوا مِنْ الْكُفْر نَار جَهَنَّم . كَمَا : 8436 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : يُعْطِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة نُورًا يَمْشُونَ بِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يَسْلُبهُمْ ذَلِكَ النُّور فَيُطْفِئهُ , فَيَقُومُونَ فِي ظُلْمَتهمْ وَيَضْرِب بَيْنهمْ بِالسُّورِ . 8437 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَأَبِي عَامِر بْن النُّعْمَان , وَفِي الْمُنَافِقِينَ ; يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ , قَالَ : مِثْل قَوْله فِي الْبَقَرَة : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ } 2 9 . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ خَادِعهمْ } فَيَقُول : فِي النُّور الَّذِي يُعْطَى الْمُنَافِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , فَيُعْطَوْنَ النُّور , فَإِذَا بَلَغُوا السُّور سُلِبَ , وَمَا ذَكَرَ اللَّه مِنْ قَوْله : { اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ } 57 13 قَالَ : قَوْله : { وَهُوَ خَادِعهمْ } . 8438 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الْحَسَن , أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } قَالَ : يُلْقَى عَلَى كُلّ مُؤْمِن وَمُنَافِق نُور يَمْشُونَ بِهِ , حَتَّى إِذَا اِنْتَهَوْا إِلَى الصِّرَاط طَفِئَ نُور الْمُنَافِقِينَ , وَمَضَى الْمُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ , فَيُنَادُونَهُمْ : { اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ } . .. إِلَى قَوْله : { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسكُمْ } 57 14 قَالَ الْحَسَن : فَتِلْكَ خَدِيعَة اللَّه إِيَّاهُمْ . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاس } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَال الَّتِي فَرَضَهَا اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى وَجْه التَّقَرُّب بِهَا إِلَى اللَّه , لِأَنَّهُمْ غَيْر مُوقِنِينَ بِمَعَادٍ وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب , وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة بَقَاء عَلَى أَنْفُسهمْ وَحِذَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَسْلُبُوا أَمْوَالهمْ , فَهُمْ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة الَّتِي هِيَ مِنْ الْفَرَائِض الظَّاهِرَة , قَامُوا كُسَالَى إِلَيْهَا , رِيَاء لِلْمُؤْمِنِينَ , لِيَحْسَبُوهُمْ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ غَيْر مُعْتَقِدِي فَرْضهَا وَوُجُوبهَا عَلَيْهِمْ , فَهُمْ فِي قِيَامهمْ إِلَيْهَا كُسَالَى . كَمَا : 8439 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى } قَالَ : وَاَللَّه لَوْلَا النَّاس مَا صَلَّى الْمُنَافِق وَلَا يُصَلِّي إِلَّا رِيَاء وَسُمْعَة . 8440 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاس } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ , لَوْلَا الرِّيَاء مَا صَلَّوْا. وَأَمَّا قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاس } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَال الَّتِي فَرَضَهَا اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى وَجْه التَّقَرُّب بِهَا إِلَى اللَّه , لِأَنَّهُمْ غَيْر مُوقِنِينَ بِمَعَادٍ وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب , وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة بَقَاء عَلَى أَنْفُسهمْ وَحِذَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَسْلُبُوا أَمْوَالهمْ , فَهُمْ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة الَّتِي هِيَ مِنْ الْفَرَائِض الظَّاهِرَة , قَامُوا كُسَالَى إِلَيْهَا , رِيَاء لِلْمُؤْمِنِينَ , لِيَحْسَبُوهُمْ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ غَيْر مُعْتَقِدِي فَرْضهَا وَوُجُوبهَا عَلَيْهِمْ , فَهُمْ فِي قِيَامهمْ إِلَيْهَا كُسَالَى . كَمَا : 8439 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى } قَالَ : وَاَللَّه لَوْلَا النَّاس مَا صَلَّى الْمُنَافِق وَلَا يُصَلِّي إِلَّا رِيَاء وَسُمْعَة . 8440 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاس } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ , لَوْلَا الرِّيَاء مَا صَلَّوْا. ' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } فَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : وَهَلْ مِنْ ذِكْر اللَّه شَيْء قَلِيل ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبَتْ , إِنَّمَا مَعْنَاهُ : وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا ذِكْرًا رِيَاء , لِيَدْفَعُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسهمْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَسَلْب الْأَمْوَال , لَا ذِكْر مُوقِن مُصَدِّق بِتَوْحِيدِ اللَّه مُخْلِص لَهُ الرُّبُوبِيَّة , فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه قَلِيلًا , لِأَنَّهُ غَيْر مَقْصُود بِهِ اللَّه وَلَا مُبْتَغًى بِهِ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه , وَلَا مُرَادًا بِهِ ثَوَاب اللَّه , وَمَا عِنْده فَهُوَ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ وَجْه نَصَبِ عَامِله , وَذَاكِرِهِ فِي مَعْنَى السَّرَاب الَّذِي لَهُ ظَاهِر بِغَيْرِ حَقِيقَة مَاء . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8441 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , قَالَ : قَرَأَ الْحَسَن : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : إِنَّمَا قَلَّ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ اللَّه. 8442 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : إِنَّمَا قَلَّ ذِكْر الْمُنَافِق لِأَنَّ اللَّه لَمْ يَقْبَلهُ , وَكُلّ مَا رَدَّ اللَّه قَلِيل وَكُلّ مَا قَبِلَ اللَّه كَثِير . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } فَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : وَهَلْ مِنْ ذِكْر اللَّه شَيْء قَلِيل ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبَتْ , إِنَّمَا مَعْنَاهُ : وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا ذِكْرًا رِيَاء , لِيَدْفَعُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسهمْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَسَلْب الْأَمْوَال , لَا ذِكْر مُوقِن مُصَدِّق بِتَوْحِيدِ اللَّه مُخْلِص لَهُ الرُّبُوبِيَّة , فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه قَلِيلًا , لِأَنَّهُ غَيْر مَقْصُود بِهِ اللَّه وَلَا مُبْتَغًى بِهِ التَّقَرُّب إِلَى اللَّه , وَلَا مُرَادًا بِهِ ثَوَاب اللَّه , وَمَا عِنْده فَهُوَ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ وَجْه نَصَبِ عَامِله , وَذَاكِرِهِ فِي مَعْنَى السَّرَاب الَّذِي لَهُ ظَاهِر بِغَيْرِ حَقِيقَة مَاء . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8441 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , قَالَ : قَرَأَ الْحَسَن : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : إِنَّمَا قَلَّ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ اللَّه. 8442 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّه إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : إِنَّمَا قَلَّ ذِكْر الْمُنَافِق لِأَنَّ اللَّه لَمْ يَقْبَلهُ , وَكُلّ مَا رَدَّ اللَّه قَلِيل وَكُلّ مَا قَبِلَ اللَّه كَثِير . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} قد مضى في البقرة معنى الخدع. والخداع من الله مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله. قال الحسن : يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نور يوم القيامة فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا؛ فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم { انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد : 13]. قوله تعالى { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون تركها عقابا. وفي صحيح الحديث : (إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح). فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. والرياء : إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله؛ وقد تقدم بيانه. ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف. وقال صلى الله عليه وسلم ذاما لمن أخر الصلاة : (تلك صلاة المنافقين - ثلاثا - يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان - أو - على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا) رواه مالك وغيره. فقيل : وصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل : وصفه بالقلة لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل : لعدم الإخلاص فيه. وهنا مسألتان : الأولى : بين الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين، وبينها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى { قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون : 1]. وسيأتي اللهم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض حسب ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم. للأعرابي حين رآه أخل بالصلاة فقال له : (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). رواه الأئمة. وقال صلى الله عليه وسلم : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن). وقال : (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود). أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود). قال ابن العربي : وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست بفرض. وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكيين أن يشتغل بها. وقد مضى في البقرة هذا المعنى. الثانية : قال ابن العربي : إن من صلى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج؛ وإنما الرياء المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة. قلت : قوله (وأراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة) فيه نظر. وقد تقدم بيانه في النساء فتأمله هناك. ودلت هذه الآية على أن الرياء يدخل الفرض والنفل؛ لقول الله تعالى { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا} فعم. وقال قوم : إنما يدخل النفل خاصة؛ لأن الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة لذلك. وقيل بالعكس؛ لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 141 - 145

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف واقع المنافقين أنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ ويوضح الحق: إياكم أن تظنوا أن في قدرة مخلوق أن يفعل شيئاً بدون علم الله، وقد يمكر إنسان بك، وهو يعلم أنك تعلم بمكره، فهل هذا مكر؟ لا؛ لأن المكر هو الأمر الذي يتم خفية بتدبير لا تعلمه، والأصول في المكر ألا يعلم الممكور به شيئاً. والمنافقون حين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر يخادعون من يعلم خافية الصدور. وكان يجب أن يأخذوا درساً من معاملة الله بوساطة المؤمنين لهم، فقد صان المؤمنون دم المنافقين ومالهم. وأجرى المسلمون على المنافقين أحكام الإسلام، لكن ما الذي يبيته الله لهؤلاء المنافقين؟ لقد بيت لهم الدرك الأسفل من النار. فمن الأقدر - إذن - على الخداع؟

إن الذكي حقاً هو من لا يخدع من يعلم أنه قادر على كشف الخداع. وكلمة " خدع " تعني مكر به مكراً فيبدي له قولاً وفعلاً ويخفى سواهما حتى يثق فيه. وبعد ذلك ينفذ المكر. وهناك كلمة " خدع " وكلمة " خادع ". والحق في هذه الآية لم يقل إن الله يخدعهم، بل قال: { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }.

و " خادع " تعني حدوث عمليتين، مثل قولنا: قاتل فلان فلانا. فالقتال يحدث بين طرفين, وكذلك نقول: شارك فلان فلانا؛ لأن مادة " فاعل " تحتاج إلى طرفين. لكن عندما نقول " قتل " ، فالفعل يحدث من جانب واحد. والخداع يبدأ من واحد، وعندما يرى الشخص الذي يُراد خداعه أن خصمه أقوى منه فإنه يبيت له خداعاً آخر، وتسمى العملية كلها " مخادعة " ، ويقال: خادعه فخدعه إذا غلبه وكان أخدع منه. ومن إذن الذي غلب؟ إن الذي بيَّت الخداع رداً على خداع خصمه هو الغالب.

ولأن الخداع يحدث أولاً، وبعد ذلك يتلقى " المخدوع " الأمر بتبييت أكبر؛ فهو " خادع " ، والذي يغلب نقول عنه: " أخدعه " أي أزال خداعه. والله سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن يعاملوا به المؤمنين، فالمنافقون أظهروا الإيمان أولاً وأضمروا الكفر، وأعطاهم الله في ظاهر الأمر أحكام المسلمين، وفي الباطن قرر أن يعذبهم عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك؛ لأنهم سيكونون في الدرك الأسفل من النار.

{ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وإياك أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما لله وتقول " المخادع "؛ لأن أسماء الله توقيفية أي لا نسمي الله إلا بالأسماء التي سمَّى بها نفسه. وسبحانه يفعل الفعل، لكن لا تأخذ من هذا الفعل اسماً، والحق يعطينا هنا " مشاكلة " ليوضح لنا أن المنافقين يمكرون ويبيتون شراً للمؤمنين، وأنت أيها المسلم تعرف أن الإنسان إنما يبيت الشر على قدر طاقته التي مهما كبرت فهي محدودة بجانب طلاقة قدرة الله.ولذلك يفضح الله هذا الشر المبيت من هؤلاء المنافقين، وهم حين يمكرون فالله بطلاقة قدرته يمكر بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم، ولا نقول: " الله ماكر ". ولله أن يقول في الفعل المشاكل ما يشاء.

{ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ }.

إن الغايات من الأحداث هي التي تضفي على الجوارح الإقبال على الأحداث، فإذا كنت تحب الحدث الذي تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة. ويقيسون لهفة اللقاء لأنها تحدد درجة المحبة. والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته:
لقاء الاثنين يبين حَدَّهْ   تلهف كَيْفٍ واستطالة مًدَّهْ
فلحظة اللقاء تبين ما بين الحبيبين من مودة، فإن كانت المسألة بينهما عشر خطوات فهما يسرعان باللهفة فيقطعان العشر خطوات في ثلاث خطوات، وهذا معناه تقصير زمن الابتعاد، وكذلك تظهر الكيفية التي يتم بها السلام درجة المودة، فقد يسلم أحدهما على الآخر ببرود أو بنصف ود، أو بود كبير، أو بود مصحوب بلهفة وأخذ متبادل بالأحضان؛ وكذلك المدة التي يحتضن كلاهما الآخر، هل هي دقيقة أو دقيقتان أو ثلاث؟

إذن فالذي يبين قيمة الود: التلهف، الكيفية، المدة. وهذه العناصر الثلاثة أخذها الشعراء للتعبير عن المودة والحب بين البشر، وقديماً كان الذين يُتَيَّمون بالنساء يسترون في السلام مودتهم. وفي الحصارة الغربية التي سقطت فيها قيم الأديان نجد أن الرجل يتلقى المرأة بالقبلات.

وفي بعض البلاد نجد الرجل يصافح المرأة، فهل يصافحها بتلهف، وهل تبادله هذه اللهفة؟ فإن وجدت الكف مفردة ومبسوطة للمصافحة فقط فهذا سلام عادي. أما إذا ثنى أحدهما إصبعه البنصر على كف الآخر فعليم أن ترى أي طرف هو الذي قام بثني أصبعه ليحتضن اليد كلها في يده، فإن كان ذلك من الرجل فاللهفة منه، وإن كان من المرأة فاللهفة منها، وإن كان من الاثنين فاللهفة منهما معا، ثم ما المدة التي يستغرقها بقاء اليد في اليد؟

وقد يحلو لكليهما معاً - رجل وامرأة - وكأن الكلام قد أخذهما فنسي كل منهما يده في يد الآخر.
سلام نوعين يبين حَدَّهْ   تلهف كيف واستطالة مُدَّهْ
هكذا يقابل الإنسان الأحداث، فإن كان الحدث ساراً فالإنسان يقبل عليه بلهفة. وإن كان غير ذلك فالإنسان يقوم إليه متثاقلاً. وكان المنافقون يقومون إلى الصلاة بتثاقل وتكاسل: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ } كأنهم يؤدون الصلاة كستار يخفون به نفاقهم، ويستترون بها عن أعين المسلمين. ولم يكن قيامهم للصلاة شوقاً إلى لقاء الله مثلما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - رضي الله عنه - طالبا منه أن يؤذن للصلاة:

" يا بلال أرحنا بالصلاة ".

لأن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلاة، أما المنافق فهي عملية شاقة بالنسبة إليه لأنه يؤديها ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها بتكاسل. { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }.

هم يقيمون الصلاة ظاهرياً أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم يصلون. وفي الصلاة التي يراءون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم لتمامها، يقولون فقط المطلوب قوله جهراً. كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع لا يسبحون باسم الله العظيم وكذلك في السجود لايسبحون باسم الله الأعلى.

ففي داخل كل منافق تياران متعارضان.. تيار يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين. والتيار الذي مع المؤمنين يجبر المنافق على أن يقوم إلى الصلاة ويذكر الله قليلاً، والتيار الذي مع الكافرين يجعله كسولاً عن ذلك، ولا يذكر الله كثيرا.

وإذا ما حسبنا كم شيئا يجهر به المصلي وكم شيئاً يجريه سراً فسنجد أن ما يجريه المصلي سراً في أثناء الصلاة أكثر من الجهر. ففي الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، ويقول: سبحان ربي الأعلى، في كل سجود ثلاث مرات، أما المنافق فلا يذكر الله إلا جهراً، وهو ذكر قليل. ونجد المنافق لا يفعل فعلاً إلا إذا كان مَرْئيا ومسموعا من غيره، هذا هو معنى المراءاة. أما الأعمال والأقوال التي لا تُرَى من الناس ولا تُسمع فلا يؤديها.

ولا يهز المجتمعات ولا يزلزلها ويهدُّها إلا هذه المراءاة؛ لأن الحق سبحانه يحب أن يؤدي المسلم كل عمل جاعلاً الله في باله، وهو الذي لا تخفى عليه خافية. ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن الإحسان:

" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

وإذا كان الإنسان يخجل من أن يغش واحداً مثله من البشر غشاً ظاهرياً فما بالنا بالذي يحاول غش الله وهو يعلم أن الله يراه؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ربه أهون الناظرين إليه؟

وعندما يغش واحداً آخر واكتشف الآخر غشه فهو يعاقبه فما بالنا بغش الله؟! ولذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل لنا حال المرائي للناس فيقول: " إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟ ".

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة " يا فاجر " " يا غادر " " يا مرائي " ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له ".

إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه، هو يتظاهر بالصلاة ليراه الناس. ويزكي ليراه الناس، ويحج ليراه الناس، هو يعمل ما أمر الله به، لكنه لا يعلمه الله، ولذلك قال القرآن:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39]

وقال عن لون ثان من نفاقهم:
{  كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 264]

والصفوان هو الحجر الأملس تماما وهو الذي ليس فيه خشونة، لأن الحجر إن كان به جزء من خشونة وعليه تراب ثم سقط عليه المطر، فالتراب يتخلل الخشونة. أما الحجر الأملس فمن فور نزول المطر ينزلق من عليه التراب. ومن يرائي المؤمنين عليه أن يأخذ أجره ممن عمل له.

ويستكمل الحق وصف الحالة النفسية للمنافقين فيقول: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ... }


www.alro7.net