سورة
اية:

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى مرشداً نبيّه صلوات اللّه وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: { قل أتحاجوننا في الله} أي تناظروننا في توحيد اللّه والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره { وهو ربنا وربكم} المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له { ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي نحن براء منكم ومما تعبدون وأنتم براء منا كما قال في الآية الأخرى: { فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} ، وقال تعالى: { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني} الآية. وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم: { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله} الآية. وقال تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} الآية. وقال في هذه الآية الكريمة: { ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} أي نحن براء منكم كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون أي في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية فقال: { قل أأنتم أعلم أم اللّه} ؟ يعين بل الّله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى كما كما قال تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} . وقوله: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} قال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب اللّه الذي أتاهم إن الدين الإسلام، وإن محمداً رسول اللّه، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا براء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا للّه بذلك وأقروا على أنفسهم اللّه، فكتموا شهادة اللّه عنهم من ذلك. وقوله: { وما اللّه بغافل عما تعملون} تهديد ووعيد شديد: أي أن علمه محيط بعلمكم وسيجزيكم عليه، ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت} أي قد مضت { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} أي لهم أعمالهم ولكم أعمالكم { ولا تسئلون عما كانوا يعملون} وليس بغني عنكم انتسابكم إليهم من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوام اللّه، واتباع رسله الذي بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء اللّه أجمعين.

تفسير الجلالين

{ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون } تقدم مثله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { تِلْكَ أُمَّة } إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط . كَمَا : 1766 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ } يَعْنِي إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط . 1767 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْأُمَّة : الْجَمَاعَة . فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : قُلْ يَا مُحَمَّد - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَك فِي اللَّه مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنْ كَتَمُوا مَا عِنْدهمْ مِنْ الشَّهَادَة فِي أَمْر إبْرَاهِيم وَمَنْ سَمَّيْنَا مَعَهُ , وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ , وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى فَكَذَّبُوا - أَنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط أُمَّة قَدْ خَلَتْ ; أَيْ مَضَتْ لِسَبِيلِهَا , فَصَارَتْ إلَى رَبّهَا , وَخَلَتْ بِأَعْمَالِهَا وَآمَالهَا , لَهَا عِنْد اللَّه مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْر فِي أَيَّام حَيَاتهَا , وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرّ , لَا يَنْفَعهَا غَيْر صَالِح أَعْمَالهَا وَلَا يَضُرّهَا إلَّا سَيِّئُهَا . فَاعْلَمُوا أَيّهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى ذَلِكَ , فَإِنَّكُمْ إنْ كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ بِهِمْ تَفْتَخِرُونَ وَتَزْعُمُونَ أَنَّ بِهِمْ تَرْجُونَ النَّجَاة مِنْ عَذَاب رَبّكُمْ مَعَ سَيِّئَاتكُمْ , وَعَظِيم خَطِيئَاتكُمْ , لَا يَنْفَعهُمْ عِنْد اللَّه غَيْر مَا قَدَّمُوا مِنْ صَالِح الْأَعْمَال , وَلَا يَضُرّهُمْ غَيْر سَيِّئِهَا ; فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يَنْفَعكُمْ عِنْد اللَّه غَيْر مَا قَدَّمْتُمْ مِنْ صَالِح الْأَعْمَال , وَلَا يَضُرّكُمْ غَيْر سَيِّئِهَا . فَاحْذَرُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ وَبَادِرُوا خُرُوجهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَة إلَى اللَّه مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر وَالضَّلَالَة وَالْفِرْيَة عَلَى اللَّه وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَدَعُوا الْأَنْكَال عَلَى فَضَائِل الْآبَاء وَالْأَجْدَاد , فَإِنَّمَا لَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ , وَعَلَيْكُمْ مَا اكْتَسَبْتُمْ , وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانَ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال , لِأَنَّ كُلّ نَفْس قَدَّمَتْ عَلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَإِنَّمَا تُسْأَل عَمَّا كَسَبَتْ وَأَسْلَفَتْ دُون مَا أَسْلَفَ غَيْرهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { تِلْكَ أُمَّة } إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط . كَمَا : 1766 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ } يَعْنِي إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط . 1767 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْأُمَّة : الْجَمَاعَة . فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : قُلْ يَا مُحَمَّد - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَك فِي اللَّه مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنْ كَتَمُوا مَا عِنْدهمْ مِنْ الشَّهَادَة فِي أَمْر إبْرَاهِيم وَمَنْ سَمَّيْنَا مَعَهُ , وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ , وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى فَكَذَّبُوا - أَنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط أُمَّة قَدْ خَلَتْ ; أَيْ مَضَتْ لِسَبِيلِهَا , فَصَارَتْ إلَى رَبّهَا , وَخَلَتْ بِأَعْمَالِهَا وَآمَالهَا , لَهَا عِنْد اللَّه مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْر فِي أَيَّام حَيَاتهَا , وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ شَرّ , لَا يَنْفَعهَا غَيْر صَالِح أَعْمَالهَا وَلَا يَضُرّهَا إلَّا سَيِّئُهَا . فَاعْلَمُوا أَيّهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى ذَلِكَ , فَإِنَّكُمْ إنْ كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ بِهِمْ تَفْتَخِرُونَ وَتَزْعُمُونَ أَنَّ بِهِمْ تَرْجُونَ النَّجَاة مِنْ عَذَاب رَبّكُمْ مَعَ سَيِّئَاتكُمْ , وَعَظِيم خَطِيئَاتكُمْ , لَا يَنْفَعهُمْ عِنْد اللَّه غَيْر مَا قَدَّمُوا مِنْ صَالِح الْأَعْمَال , وَلَا يَضُرّهُمْ غَيْر سَيِّئِهَا ; فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يَنْفَعكُمْ عِنْد اللَّه غَيْر مَا قَدَّمْتُمْ مِنْ صَالِح الْأَعْمَال , وَلَا يَضُرّكُمْ غَيْر سَيِّئِهَا . فَاحْذَرُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ وَبَادِرُوا خُرُوجهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَة إلَى اللَّه مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر وَالضَّلَالَة وَالْفِرْيَة عَلَى اللَّه وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَدَعُوا الْأَنْكَال عَلَى فَضَائِل الْآبَاء وَالْأَجْدَاد , فَإِنَّمَا لَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ , وَعَلَيْكُمْ مَا اكْتَسَبْتُمْ , وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانَ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال , لِأَنَّ كُلّ نَفْس قَدَّمَتْ عَلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَإِنَّمَا تُسْأَل عَمَّا كَسَبَتْ وَأَسْلَفَتْ دُون مَا أَسْلَفَ غَيْرهَا .'

تفسير القرطبي

كرّرها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 140 - 143

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعض الناس يقول إن هذه الآية مكررة فقد تقدمتها آية تقول:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
[البقرة: 133-134]

بعض السطحيين يقولون إن في هاتين الآيتين تكرارا.. نقول إنك لم تفهم المعنى.. الآية الأولى تقول لليهود إن نسبكم إلى إبراهيم واسحق لن يشفع لكم عند الله بما حرفتموه وغيرتموه في التوراة.. وبما تفعلونه من غير ما شرع الله. فاعملوا أن عملكم هو الله ستحاسبون عليه وليس نسبكم.

أما في الآية التي نحن بصددها فقد قالوا إن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى.. الله تبارك وتعالى لا يجادلهم وإنما يقول لهم لنفرض ـ وهذا فرض غير صحيح ـ إن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى فهذا لن يكون عذرا لكم.. لأن لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم، فلا تأخذوا ذلك حجة على الله يوم القيامة.. ولا تقولوا إننا كنا نحسب أن إبراهيم وإسماعيل واسحق كانوا هودا أو نصارى أي كانوا على غير دين الإسلام لأن هذه حجة غير مقبولة.. وهل أنتم أعلم أم الله سبحانه الذي يشهد بأنهم كانوا مسلمين.

إياك أن تقول إن هناك تكراراً.. فإن السياق في الآية الأولى يقول لا شفاعة لكم يوم القيامة في نسبكم إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق.. والسياق في الآية الثانية يقول لا حجة لكم يوم القيامة في قولكم إنهم كانوا هودا أو نصارى.. فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يقبل الله حجتكم.. وهكذا فإن المعنى مختلف تماما يمس موقفين مختلفين يوم القيامة.


www.alro7.net