سورة
اية:

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلالة وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر اللّه له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى، ولهذا قال: { لم يكن اللّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً} قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: { ثم ازدادوا كفراً} قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وعن علي رضي اللّه عنه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن اللّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً} ، ثم قال: { بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} يعني أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم { إنا معكم إنما نحن مستهزءون} أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة، قال اللّه تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين { أيبتغون عندهم العزة} ثم أخبر اللّه تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له كما قال تعالى في الآية الأخرى: { من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} وقال تعالى: { وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} ، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب اللّه، والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وقوله تعالى: { وقد نزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات اللّه ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم في فلهذا قال تعالى: { إنكم إذا مثلهم} في المأثم كما جاء في الحديث: (من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} الآية. قال مقاتل بن حيان: نَسَختْ هذه الآية التي في سورة الأنعام، يعني نسخ قوله: { إنكم إذا مثلهم} ، لقوله: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون} وقوله: { إن اللّه جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} ، أي كما أشركوهم في الكفر، كذلك يشارك اللّه بينهم في الخلود في نار جهنم أبداً، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين.

تفسير الجلالين

{ بشِّر } أخبر يا محمد { المنافقين بأن لهم عذابا أليماً } مؤلما هو عذاب النار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ } : أَخْبِرْ الْمُنَافِقِينَ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّبْشِير فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ } : أَخْبِرْ الْمُنَافِقِينَ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّبْشِير فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته.' يَعْنِي : بِأَنَّ لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ اللَّه عَلَى نِفَاقهمْ , عَذَابًا أَلِيمًا , وَهُوَ الْمُوجِع , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .يَعْنِي : بِأَنَّ لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ اللَّه عَلَى نِفَاقهمْ , عَذَابًا أَلِيمًا , وَهُوَ الْمُوجِع , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

التبشير الإخبار بما ظهر أثره على البشرة، وقد تقدم بيانه في البقرة ومعنى النفاق.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 137 - 141

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سمة التردد والتذبذب بين الإيمان والكفر لا تأتي من أصيل في الإيمان، بل تأتي من متلون في الإيمان، تبدو له أسباب فيؤمن، وبعد هذا تبدو له أغيار فيكفر. وذلك شأن المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء. فيقول الحق: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }.

ونحن نعلم أن المنافق هو الذي جمع بين أمرين: إعلان إسلام، وإبطان كفر. والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهي إحدى جحوره التي يستتر ويختفي فيها، واليربوع حيوان صحراوي يخادع من يريد به شراً فيفتح لنفسه بابين؛ يدخل أمام الرجل من باب ثم يخرج من باب آخر. فإن انتظره الرجل على باب فاليربوع يخرج من الآخر.

{ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } والبشارة هي الإخبار بشيء يسر سيأتي زمنه بعد. وهل المنافقون يبشرون؟ لا. إن البشارة تكون بخير؛ لذلك نتوقع أن ينذر المنافقون ولا يبشرون، ولكن لله في أساليبه البلاغية تعبيرات لتصعيد العذاب. فلو قال: أنذرهم بعذاب أليم، لكان الكلام محتملاً، فهم - كمنافقين - مستعدون لسماع الشر. ولكن الحق يقول: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وذلك هو التهكم والاستهزاء والسخرية، وهي من معينات البليغ على أداء مهمته البلاغية. ونسمع المفارقات أحياناً لتعطينا صورة أصدق من الحقيقة. فإذا جئت إلى بخيل مثلاً، وقلت له: مرحباً بك يا حاتم. ماذا يكون موقف من يحضر هذا اللقاء؟

أنت تنقله من واقع البخيل إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم. وبذلك نقلت البخيل نقلتين: نقلة من وضعه كبخيل؛ ثم السخرية منه؛ لأن قولك لبخيل ما: يا حاتم هو تقريع وتهكم وسخرية واستهزاء، لأنك نقلته من وصف خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سَام ورفيعٍ وعظيم تحقيرا له واستهزاء به، ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير. وإذا ما جئت مثلاً لرجل طويل جداً، وقلت: مرحبا بك يا قزم. هذه هي المفارقة، كما تقول لقصير: مرحبا يا مارد. أو إذا جئت لطويل لتصافحه، فيجلس على الأرض ليُسلم عليك.. هذه أيضاً مفارقة. وإن جئت لرجل قصير لتصافحه فتجلس على الأرض لتسلم عليه فهذه هي السخرية والتهكم.

وهذه المفارقات إنما تأتي للأداء البلاغي للمعنى الذي يريده المتكلم، فقول الحق: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ } معناه: أنكم أيها المنافقون قد صنعتم لأنفسكم بالنفاق ما كنتم تحبون، وكأنكم نافقتم لأنكم تحبون العذاب. ومادمتم قد نافقتم لأنكم تحبون العذاب، فأنا أبشركم بأنكم ستتعذبون. والذي ينافق ألا يريد من ذلك غاية؟ لذلك يصور له الحق أن غايته هي العذاب، فقال الحق: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }.

إنك حين تريد تصعيد أمر ما، فأنت تنقل مخاطبك من شيء إلى الشيء المقابل وهو النقيض، مثال ذلك: إنسان عطشان لأنه محجوز أو مسجون وأراد أن يشرب شربة ماء، من الممكن أن يقول له الحارس: لا.ويجعله ييأس من أن يَأتي له بكوب ماء، أما إذا أراد الحارس تصعيد العذاب له فهو يذهب ويأتي بكوب ماء ويقربه منه، فإذا مد السجين يده ليأخذ كوب الماء فيسكب الحارس كوب الماء على الأرض هذا هو تصيعد العذاب. وحين يقال: " بَشِّر " فالمستمع يفهم أن هناك شيئاً يسر، فإذا قال الحق: { بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } فمعنى ذلك أن الغم يأتي مركباً. فقد بسط الحق أنفسهم بالبشارة أولاً، ثم أنهاها بالنذارة.

وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - يقول الأب لابنه: استذكر يا بني حتى لا ترسب، لكن الابن يستمر في اللعب ثم يقول الأب: يا بني لقد اقترب الامتحان ولا بد أن تذاكر. ولا يأبه الابن لكلام الأب، ثم يأتي الامتحان ويذهب الأب يوم اعلان النتيجة، فيكون الابن راسباً؛ فيقول الأب لابنه: أهنئك لقد رسبت في الامتحان! فقوله أهنئك تبسط نفس الابن؛ لأنه يتوقع سماع خبر سار، ويسمع بعدها لقد رسبت تعطيه الشعور بالقبض.

والحق سبحانه وتعالى يبلغ رسوله: { بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } " بشر " لها علاقة بالمدلول الاشتقاقي؛ لأن الانفعالات يظهر أثرها على بشرة وجهه؛ فإن كان الانفعال حزنا فالوجه يظهر عليه الحزن بالانقباض، وإن كان الانفعال سروراً فالوجه يظهر عليه السرور بالانبساط. وتعكس البشرة انفعالات النفس البشرية من سرور وبشاشة وإشراق أو عبوس وتجهم، فالبشارة تصلح للإخبار بخبر يسر، أو بخبر يحزن ويسيء، ولكنها غلبت على الخبر السار، وخصت النذارة بالخبر الذي يحزن وتنقبض النفس له.

{ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }. والبشارة - كما قلنا - توحي بأن هناك خبراً ساراً، فيأتي الخبر غير سار. وكما يقول الحق في آية أخرى يصور بها عذاب الكافرين يوم القيامة وكيف أنّه يصعد العذاب معهم:
{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ }
[الكهف: 29]

ساعة نسمع { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ } نفهم أن برداً يأتي لهم أو رحمة تهب عليهم، ولكن الإغاثة التي تأتي لهم هي:
{  كَٱلْمُهْلِ }
[الكهف: 29]

ويتساءل السامع أو القارئ: هل هذه إغاثة أو تعذيب؟ وهذا تصوير لتصعيد العذاب؛ فالماء الذي يعطى لهم كالمهل يصعِّد الألم في نفوسهم.

والعذاب - كما نعلم - يأخذ قوته من المعذِّب، فإن كان المعذِّب ذا قوة محدودة، كان العذاب محدوداً. وإن كان المعذِّب غير محدود القوة فالعذاب غير محدود، فإذا ما نسب العذاب إلى قوة القوى وهو الله فكيف يكون؟ والعذاب يوصف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، هذه الأوصاف كلها تتجمع ولكل وصف منها جهة؛ فالألم هو إحساس النفس بما يتبعها، والعذاب العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة، وقد يبلغ العذاب القمة ولكن المعذِّب يتجلد، وعذاب الحق يفوق قدرة متلقي العذاب فلا يقدر أن يكتم الألم؛ لأن درجة تحمل أي إنسان مهما تجلد لا تستطيع أن تدفع الألم، ومع العذاب العظيم، نجده أليماً أيضا، فيكون العذاب الأليم العظيم مؤلما للمادة، لكن النفس قد تكون متجلدة متأبية، ثم تنهار، حينئذ يكون العذاب مهينا.

ولأن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر الله وصف العذاب بأنه أليم لأن الإيلام يكون للمادة، ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى بعض الأوصاف للمنافقين فيقول: { ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ... }


www.alro7.net