سورة
اية:

أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى وفي الآخرة، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا اللّه والرسول لعلكم ترحمون} ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن في معنى قوله: { عرضها السموات والأرض} تنبيهاً على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: { بطائنها من إستبرق} أي فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: (إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن) وهذه الآية كقوله في سورة الحديد: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية. وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار) وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء اللّه عزّ وجل، وهذا أظهر، الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال اللّه عزّ وجلّ: { كعرض السموات والأرض} والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم. ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء} أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} ، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة اللّه تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} ، أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفو مع ذلك عمن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول تعالى يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك) "رواه ابن أبي حاتم" وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصُرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) "أخرجه الإمام أحمد" وقال الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)، قالوا: يا رسول اللّه ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من مالِكَ إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرت) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما تعدون الصرعة فيكم! قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال: (لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتدرون ما الرقوب) قلنا الذي لا ولد له، قال(لا، ولكن الرقوب الذي لا يقدم من ولده شيئاً) "رواه أحمد وأخرج البخاري النّص الأول منه". حديث آخر قال الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنَس عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللّه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) حديث آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه جوفه أمناً وإيماناً) فقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند اللّه عز وجلّ، ثم قال تعالى: { والعافين عن الناس} أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال ولهذا قال: { واللّه يحب المحسنين} فهذا من مقامات الإحسان. وفي الحديث: (ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة، وما زاد اللّه عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع للّه رفعه اللّه) وروى الحاكم في مستدركه، عن أُبّي بن كعب، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ومن سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصلْ من قطعه) وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة) "أخرجه ابن مردويه" وقوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال اللّه عزّ وجلّ: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفر لي، فقال عزَّ وجلَّ: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال اللّه عزّ وجلّ عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) وعن علي رضي اللّه عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حديثا نفعني اللّه بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر رضي اللّه عنه حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللّه عزّ وجلّ إلا غفر له) "رواه أحمد وأهل السنن وابن حبان" ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) عن أنَس رضي اللّه عنه قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} بكى. وعن أبي بكر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون) "رواه الحافظ أبو يعلى" وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقوله تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا اللّه} أي لا يغفرها أحد سواه، وقوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى اللّه عزّ وجلّ عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة) "أخرجه أبو داود والترمذي والبزار" { وهم يعلمون} أن من تاب تاب اللّه عليه وهذا كقوله تعالى { ألم يعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة عن عباده} وكقوله: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد اللّه غفوراً رحيماً} ونظائر هذا كثيرة جداً، ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} أي جزاؤهم على هذه الصفات { مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} أي من أنواع المشروبات، { خالدين فيها} أي ماكثين فيها، { ونعم أجر العاملين} يمدح تعالى الجنة.

تفسير الجلالين

{ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } حال مقدرة، أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها { ونعم أجر العاملين } بالطاعة هذا الأجر .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ الْمُتَّقِينَ , وَوَصَفَهُمْ بِهِ , ثُمَّ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ { جَزَاؤُهُمْ } يَعْنِي ثَوَابهمْ مِنْ أَعْمَالهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُمْ عَمِلُوهَا , { مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : عَفْو لَهُمْ مِنْ اللَّه عَنْ عُقُوبَتهمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبهمْ , وَلَهُمْ عَلَى مَا أَطَاعُوا اللَّه فِيهِ مِنْ أَعْمَالهمْ بِالْحُسْنِ مِنْهَا جَنَّات , وَهِيَ الْبَسَاتِين { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي خِلَال أَشْجَارهَا الْأَنْهَار , وَفِي أَسَافِلهَا جَزَاء لَهُمْ عَلَى صَالِح أَعْمَالهمْ , { خَالِدِينَ فِيهَا } يَعْنِي دَائِمِي الْمُقَام فِي هَذِهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا , { وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي وَنِعْمَ جَزَاء الْعَامِلِينَ لِلَّهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا كَمَا : 6240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } أَيْ ثَوَاب الْمُطِيعِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ الْمُتَّقِينَ , وَوَصَفَهُمْ بِهِ , ثُمَّ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ { جَزَاؤُهُمْ } يَعْنِي ثَوَابهمْ مِنْ أَعْمَالهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُمْ عَمِلُوهَا , { مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : عَفْو لَهُمْ مِنْ اللَّه عَنْ عُقُوبَتهمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبهمْ , وَلَهُمْ عَلَى مَا أَطَاعُوا اللَّه فِيهِ مِنْ أَعْمَالهمْ بِالْحُسْنِ مِنْهَا جَنَّات , وَهِيَ الْبَسَاتِين { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي خِلَال أَشْجَارهَا الْأَنْهَار , وَفِي أَسَافِلهَا جَزَاء لَهُمْ عَلَى صَالِح أَعْمَالهمْ , { خَالِدِينَ فِيهَا } يَعْنِي دَائِمِي الْمُقَام فِي هَذِهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا , { وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي وَنِعْمَ جَزَاء الْعَامِلِينَ لِلَّهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا كَمَا : 6240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } أَيْ ثَوَاب الْمُطِيعِينَ . '

تفسير القرطبي

رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصر على ذنبه. ويمكن أن يتصل هذا بقصة أحد، أي من فر ثم تاب ولم يصر فله مغفرة الله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 121 - 137


سورة ال عمران الايات 130 - 136


سورة ال عمران الايات 133 - 138

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى ما تقدم في قوله سبحانه:
{  وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }
[آل عمران: 133]

مع بيان أوصاف المتقين في قوله:
{  ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[آل عمران: 134]

إنهم ينفقون في السراء نفقة الشكر. وينفقون في الضراء نفقة الذكر والتضرع، لأن النعمة حين توجد بسرّاء تحتاج إلى شكر لهذه النعمة، والنعمة حين تنفق في الضراء تقتضي ضراعة إلى الله ليزحزح عن المنفق آثار النقمة والضراء. إذن فهم ينفقون سواء أكانوا في عسر، أم كانوا في يسر.

إن كثيراً من الناس ينسيهم اليسر أن الله أنعم عليهم ويظنون أن النعمة قد جاءت عن علم منهم. وبعض الناس تلهيهم النعمة عن أن يحسوا بآلام الغير ويشغلوا بآلام أنفسهم. لكن المؤمنين لا ينسون ربهم أبداً. وأمره بالإنفاق في العسر واليسر. ولذلك قولوا: فلان لا يقبض يده في يوم العرس ولا في يوم الحبس.

وتتتابع أوصاف المتقين:
{  وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
[آل عمران: 135]

وفي ذلك لون من تطمين المؤمن على أغيار نفسه، وعلى أنه عندما يستجيب مرة لنزغات الشيطان، فهذه لا تخرجه من حظيرة التقوى، لأن الله جعل ذلك من أوصاف المتقين. فالفاحشة التي تكون من نزغ الشيطان وذكر العباد لله بعدها، واستغفارهم مع الإصرار على عدم العودة، لا تخرجهم أبداً عن وصفهم بأنهم متقون. لأن الحق هو الغفور: { وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }.

إنهم قد أُخبروا بذلك، فلم يجرم الحق أحداً إلا بنص، ولم يعاقب إلا بجريمة. وقول الحق سبحانه: { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } هو إشارة لكل ما سبق. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل للعاملين بهذا العمل من التقوى قوسين: القوس الأول الذي ابتدأ به هو قوله الحق: { وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.

والقوس الثاني هو الذي أنهى الأمر: { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.

فالجنة الأولى التي ذكرها الله إلهاباً للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدي لهذه الجنة، وبعد ذلك ذكر الأوصاف والأصناف وجعل الجنة أجراً. { وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }.

والأجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل. والأجر حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه. فزيادة الأجر ونقصه تقدير من صاحب العمل، وأيضاً تقدير للعامل. فإن طلب أصحاب عمل متعددون عاملاً محدداً فله أن يطلب زيادة وإن لم يطلبه أحد فهو يقبل أول عرض من الأجر نظير أداء العمل.إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل، أو حاجة من عامل، وحين ننظر إلى الصفقة في الآخرة نجد أنها بين إله لا يحتاج إلى عملك. ومع أنه لا يحتاج إلى عملك جعل لعملك أجراً.

ما هذه المسألة؟ هو ليس محتاجاً إلى عملك، ويعطيك أجراً على عملك ويقول لك: إن هذا الأجر هو الحد الأدنى، لكن لي أنا أن أضاعف هذا الأجر، ولي أن أتفضل عليك بما فوق الأجر. فكم مرحلة إذن؟ إنها ثلاث مراحل، مع أنه سبحانه لا يستفيد من هذا العمل إلا أنه وضع ثلاث مراتب للأجر.

إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد، أنت تحتاج إلى خالقك وهو لا يحتاج إليك، ومع ذلك يعطيك الإله الحق الأجر لا على قدر العمل فقط، ولكن فوق ذلك بكثير. إن الذي تعمل له يوماً من العباد قد يعطيك - على سبيل المثال - ما يكفيك قوت يوم، أو قوت يوم ونصف يوم. ولكنك حين تأخذ الأجر من يد الله فإنه يعطيك أجراً لا تنتهي مدة إنفاقه؛ فهو القائل: { وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }.

هذا هو الأجر الذي يقال فيه: نعم هذا الأجر؛ لأنه أجر لا يتناسب مع مجهودي، بل يفوق كل ما بذلت من جهد وقادم من جهة لا تحتاج إلى هذا المجهود.

إنه سبحانه متفضل على أولاً. ومتفضل على أخيراً، ليدل الحق سبحانه وتعالى على أنك - أيها العبد - حين تعمل الطاعة يَعود أثر الطاعة على نفسك ومع ذلك فهو يعطيك أجراً على ما فعلت.

وأوضحنا أن هذه الآيات جاءت بين آيات معركة أُحُد إرشاداً واستثمارا للأحداث التي وقعت في أُحُد، حتى إذا عاش الإنسان في تصور الأحداث فالأحداث تكون ساخنة، ويكون التقاط العبرة منها قريباً إلى النفس؛ لأن واقعاً يُحتّمها ويؤكدها. والحق سبحانه وتعالى يقول من بعد ذلك: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ... }


www.alro7.net