سورة
اية:

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى وفي الآخرة، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا اللّه والرسول لعلكم ترحمون} ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن في معنى قوله: { عرضها السموات والأرض} تنبيهاً على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: { بطائنها من إستبرق} أي فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: (إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن) وهذه الآية كقوله في سورة الحديد: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية. وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار) وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء اللّه عزّ وجل، وهذا أظهر، الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال اللّه عزّ وجلّ: { كعرض السموات والأرض} والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم. ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء} أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} ، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة اللّه تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} ، أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفو مع ذلك عمن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول تعالى يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك) "رواه ابن أبي حاتم" وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصُرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) "أخرجه الإمام أحمد" وقال الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)، قالوا: يا رسول اللّه ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من مالِكَ إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرت) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما تعدون الصرعة فيكم! قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال: (لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتدرون ما الرقوب) قلنا الذي لا ولد له، قال(لا، ولكن الرقوب الذي لا يقدم من ولده شيئاً) "رواه أحمد وأخرج البخاري النّص الأول منه". حديث آخر قال الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنَس عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللّه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) حديث آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه جوفه أمناً وإيماناً) فقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند اللّه عز وجلّ، ثم قال تعالى: { والعافين عن الناس} أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال ولهذا قال: { واللّه يحب المحسنين} فهذا من مقامات الإحسان. وفي الحديث: (ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة، وما زاد اللّه عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع للّه رفعه اللّه) وروى الحاكم في مستدركه، عن أُبّي بن كعب، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ومن سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصلْ من قطعه) وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة) "أخرجه ابن مردويه" وقوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال اللّه عزّ وجلّ: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفر لي، فقال عزَّ وجلَّ: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال اللّه عزّ وجلّ عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) وعن علي رضي اللّه عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حديثا نفعني اللّه بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر رضي اللّه عنه حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللّه عزّ وجلّ إلا غفر له) "رواه أحمد وأهل السنن وابن حبان" ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) عن أنَس رضي اللّه عنه قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} بكى. وعن أبي بكر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون) "رواه الحافظ أبو يعلى" وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقوله تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا اللّه} أي لا يغفرها أحد سواه، وقوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى اللّه عزّ وجلّ عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة) "أخرجه أبو داود والترمذي والبزار" { وهم يعلمون} أن من تاب تاب اللّه عليه وهذا كقوله تعالى { ألم يعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة عن عباده} وكقوله: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد اللّه غفوراً رحيماً} ونظائر هذا كثيرة جداً، ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} أي جزاؤهم على هذه الصفات { مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} أي من أنواع المشروبات، { خالدين فيها} أي ماكثين فيها، { ونعم أجر العاملين} يمدح تعالى الجنة.

تفسير الجلالين

{ والذين إذا فعلوا فاحشة } ذنبا قبيحا كالزنا { أو ظلموا أنفسهم } بدونه كالقُبلة { ذكروا الله } أي وعيده { فاستغفروا لذنوبهم ومن } أي لا { يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا } يداوموا { على ما فعلوا } بل أقلعوا عنه { وهم يعلمون } أن الذي أتوه معصية .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ , الْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة وَجَمِيع هَذِهِ النُّعُوت مِنْ صِفَة الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . كَمَا 6222 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } , ثُمَّ قَرَأَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } . .. إِلَى { أَجْر الْعَامِلِينَ } فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُل وَاحِد . 6223 - حَدَّثَنَا اِبْن حَمِيد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : هَذَانِ ذَنْبَانِ : الْفَاحِشَة ذَنْب , وَظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَنْب . وَأَمَّا الْفَاحِشَة فَهِيَ صِفَة لِمَتْرُوكٍ , وَمَعْنَى الْكَلَام : وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَة فَاحِشَة . وَمَعْنَى الْفَاحِشَة : الْفِعْلَة الْقَبِيحَة الْخَارِجَة عَمَّا أَذِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . وَأَصْل الْفُحْش الْقُبْح وَالْخُرُوج عَنْ الْحَدّ وَالْمِقْدَار فِي كُلّ شَيْء , وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِط الطُّول : إِنَّهُ لَفَاحِش الطُّول , يُرَاد بِهِ : قَبِيح الطُّول , خَارِج عَنْ الْمِقْدَار الْمُسْتَحْسَن ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيح غَيْر الْقَصْد : كَلَام فَاحِش , وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ : أَفْحَشَ فِي كَلَامه : إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَاحِشَة فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيّ بِهَا الزِّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6224 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم , قَالَ : ثنا حِبَّان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ جَابِر : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } قَالَ : زَنَى الْقَوْم وَرَبّ الْكَعْبَة . 6225 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَمَّا الْفَاحِشَة : فَالزِّنَا . وَقَوْله : { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِهِ : فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْر الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا . وَاَلَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ رُكُوبهمْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَته . كَمَا : 6226 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : الظُّلْم مِنْ الْفَاحِشَة , وَالْفَاحِشَة مِنْ الظُّلْم . وَقَوْله : { ذَكَرُوا اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ ذَكَرُوا وَعِيد اللَّه عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ . { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } يَقُول : فَسَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يَسْتُر عَلَيْهِمْ ذُنُوبهمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا . { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَقُول : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب : أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبهَا فَيَسْتُرهَا عَلَيْهِ إِلَّا اللَّه ؟ { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } يَقُول : وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ الَّتِي أَتَوْهَا , وَمَعْصِيَتهمْ الَّتِي رَكِبُوهَا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ عَامِدِينَ لِلْمُقَامِ عَلَيْهَا , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا , وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَة , مَنْ رَكِبَهَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرهَا أُمَّتَنَا مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مُمْتَحَنَة بِهِ مِنْ عَظِيم الْبَلَاء فِي ذُنُوبهَا . 6227 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء بْن أَبَى رَبَاح : أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , بَنُو إِسْرَائِيل أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنَّا , كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدهمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَة ذَنْبه مَكْتُوبَة فِي عَتَبَة بَابه : اِجْدَعْ أُذُنك , اِجْدَعْ أَنْفك , اِفْعَلْ ! فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . .. إِلَى قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ " فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَات . 6228 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني عُمَر أَبِي خَلِيفَة الْعَبْدِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان , قَالَ : قَالَ اِبْن مَسْعُود : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل إِذَا أَذْنَبُوا , أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابه الذَّنْب وَكَفَّارَته , فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة . 6229 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه } بَكَى إِبْلِيس فَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيس حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بَكَى . 6230 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : سَمِعْت عُثْمَان مَوْلَى آل أَبِي عُقَيْل الثَّقَفِيّ , قَالَ : سَمِعْت عَلِيّ بْن رَبِيعَة , يُحَدِّث عَنْ رَجُل مِنْ فَزَارَة يُقَال لَهُ أَسْمَاء أَوْ اِبْن أَسْمَاء , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا , نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعنِي , فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر - وَصَدَقَ أَبُو بَكْر - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد " قَالَ شُعْبَة : وَأَحْسِبهُ قَالَ " مُسْلِم يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه لِذَلِكَ الذَّنْب . .. " وَقَالَ شُعْبَة : وَقَرَأَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : { مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ } { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنَا الْفَضْل بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ مِسْعَر وَسُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْمُغِيرَة الثَّقَفِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن رَبِيعَة الْوَالِبِيّ , عَنْ أَسْمَاء بْن الْحَكَم الْفَزَارِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ مِنْهُ , وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْره , اِسْتَحْلَفْته , فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْته ; وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر وَصَدَقَ أَبُو بَكْر أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُل يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ , ثُمَّ يُصَلِّي " , قَالَ أَحَدهمَا : " رَكْعَتَيْنِ " وَقَالَ الْآخَر : " ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِر اللَّه إِلَّا غُفِرَ لَهُ " . * - حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار , قَالَ : ثني سَعْد بْن سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , عَنْ أَخِيهِ , عَنْ جَدّه عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ : مَا حَدَّثَنِي أَحَد عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلْته أَنْ يُقْسِم لِي بِاَللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَبَا بَكْر , فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِب . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَقُوم عِنْد ذِكْر ذَنْبه فَيَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , وَيَسْتَغْفِر اللَّه مِنْ ذَنْبه ذَلِكَ إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ " . وَأَمَّا قَوْله { ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيله ; وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْل التَّأْوِيل يَقُولُونَ . 6231 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَة { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْي اللَّه عَنْهَا , وَمَا حَرَّمَ اللَّه عَنْهَا , فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا , وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا هُوَ . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } فَإِنَّ اِسْم اللَّه مَرْفُوع , وَلَا جَحْد قَبْله , وَإِنَّمَا يُرْفَع مَا بَعْد إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْله إِذَا كَانَ نَكِرَة وَمَعَهُ جَحْد , كَقَوْلِ الْقَائِل : مَا فِي الدَّار أَحَد إِلَّا أَخُوك ; فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَبَاك , فَإِنَّ وَجْه الْكَلَام فِي الْأَب النَّصْب . وَ " مَنْ " بِصِلَتِهِ فِي قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } مَعْرِفَة فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد , أَوْ مَا يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد إِلَّا اللَّه , فَرُفِعَ مَا بَعْد إِلَّا مِنْ اللَّه عَلَى تَأْوِيل الْكَلَام , لَا عَلَى لَفْظه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ , الْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة وَجَمِيع هَذِهِ النُّعُوت مِنْ صِفَة الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . كَمَا 6222 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } , ثُمَّ قَرَأَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } . .. إِلَى { أَجْر الْعَامِلِينَ } فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُل وَاحِد . 6223 - حَدَّثَنَا اِبْن حَمِيد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : هَذَانِ ذَنْبَانِ : الْفَاحِشَة ذَنْب , وَظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَنْب . وَأَمَّا الْفَاحِشَة فَهِيَ صِفَة لِمَتْرُوكٍ , وَمَعْنَى الْكَلَام : وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَة فَاحِشَة . وَمَعْنَى الْفَاحِشَة : الْفِعْلَة الْقَبِيحَة الْخَارِجَة عَمَّا أَذِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . وَأَصْل الْفُحْش الْقُبْح وَالْخُرُوج عَنْ الْحَدّ وَالْمِقْدَار فِي كُلّ شَيْء , وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِط الطُّول : إِنَّهُ لَفَاحِش الطُّول , يُرَاد بِهِ : قَبِيح الطُّول , خَارِج عَنْ الْمِقْدَار الْمُسْتَحْسَن ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيح غَيْر الْقَصْد : كَلَام فَاحِش , وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ : أَفْحَشَ فِي كَلَامه : إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَاحِشَة فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيّ بِهَا الزِّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6224 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم , قَالَ : ثنا حِبَّان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ جَابِر : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } قَالَ : زَنَى الْقَوْم وَرَبّ الْكَعْبَة . 6225 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَمَّا الْفَاحِشَة : فَالزِّنَا . وَقَوْله : { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِهِ : فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْر الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا . وَاَلَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ رُكُوبهمْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَته . كَمَا : 6226 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } قَالَ : الظُّلْم مِنْ الْفَاحِشَة , وَالْفَاحِشَة مِنْ الظُّلْم . وَقَوْله : { ذَكَرُوا اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ ذَكَرُوا وَعِيد اللَّه عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ . { فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } يَقُول : فَسَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يَسْتُر عَلَيْهِمْ ذُنُوبهمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا . { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } يَقُول : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب : أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبهَا فَيَسْتُرهَا عَلَيْهِ إِلَّا اللَّه ؟ { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } يَقُول : وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ الَّتِي أَتَوْهَا , وَمَعْصِيَتهمْ الَّتِي رَكِبُوهَا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبهمْ عَامِدِينَ لِلْمُقَامِ عَلَيْهَا , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا , وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَة , مَنْ رَكِبَهَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرهَا أُمَّتَنَا مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مُمْتَحَنَة بِهِ مِنْ عَظِيم الْبَلَاء فِي ذُنُوبهَا . 6227 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء بْن أَبَى رَبَاح : أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , بَنُو إِسْرَائِيل أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنَّا , كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدهمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَة ذَنْبه مَكْتُوبَة فِي عَتَبَة بَابه : اِجْدَعْ أُذُنك , اِجْدَعْ أَنْفك , اِفْعَلْ ! فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } . .. إِلَى قَوْله : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ " فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَات . 6228 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني عُمَر أَبِي خَلِيفَة الْعَبْدِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان , قَالَ : قَالَ اِبْن مَسْعُود : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل إِذَا أَذْنَبُوا , أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابه الذَّنْب وَكَفَّارَته , فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة . 6229 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه } بَكَى إِبْلِيس فَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيس حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بَكَى . 6230 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : سَمِعْت عُثْمَان مَوْلَى آل أَبِي عُقَيْل الثَّقَفِيّ , قَالَ : سَمِعْت عَلِيّ بْن رَبِيعَة , يُحَدِّث عَنْ رَجُل مِنْ فَزَارَة يُقَال لَهُ أَسْمَاء أَوْ اِبْن أَسْمَاء , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا , نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعنِي , فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر - وَصَدَقَ أَبُو بَكْر - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد " قَالَ شُعْبَة : وَأَحْسِبهُ قَالَ " مُسْلِم يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه لِذَلِكَ الذَّنْب . .. " وَقَالَ شُعْبَة : وَقَرَأَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : { مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ } { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنَا الْفَضْل بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ مِسْعَر وَسُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْمُغِيرَة الثَّقَفِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن رَبِيعَة الْوَالِبِيّ , عَنْ أَسْمَاء بْن الْحَكَم الْفَزَارِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّه بِمَا شَاءَ مِنْهُ , وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْره , اِسْتَحْلَفْته , فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْته ; وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر وَصَدَقَ أَبُو بَكْر أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ رَجُل يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ , ثُمَّ يُصَلِّي " , قَالَ أَحَدهمَا : " رَكْعَتَيْنِ " وَقَالَ الْآخَر : " ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِر اللَّه إِلَّا غُفِرَ لَهُ " . * - حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار , قَالَ : ثني سَعْد بْن سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , عَنْ أَخِيهِ , عَنْ جَدّه عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ : مَا حَدَّثَنِي أَحَد عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلْته أَنْ يُقْسِم لِي بِاَللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَبَا بَكْر , فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِب . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَقُوم عِنْد ذِكْر ذَنْبه فَيَتَوَضَّأ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ , وَيَسْتَغْفِر اللَّه مِنْ ذَنْبه ذَلِكَ إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ " . وَأَمَّا قَوْله { ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيله ; وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْل التَّأْوِيل يَقُولُونَ . 6231 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَة { أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْي اللَّه عَنْهَا , وَمَا حَرَّمَ اللَّه عَنْهَا , فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا , وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا هُوَ . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } فَإِنَّ اِسْم اللَّه مَرْفُوع , وَلَا جَحْد قَبْله , وَإِنَّمَا يُرْفَع مَا بَعْد إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْله إِذَا كَانَ نَكِرَة وَمَعَهُ جَحْد , كَقَوْلِ الْقَائِل : مَا فِي الدَّار أَحَد إِلَّا أَخُوك ; فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَبَاك , فَإِنَّ وَجْه الْكَلَام فِي الْأَب النَّصْب . وَ " مَنْ " بِصِلَتِهِ فِي قَوْله : { وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه } مَعْرِفَة فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَهَلْ يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد , أَوْ مَا يَغْفِر الذُّنُوب أَحَد إِلَّا اللَّه , فَرُفِعَ مَا بَعْد إِلَّا مِنْ اللَّه عَلَى تَأْوِيل الْكَلَام , لَا عَلَى لَفْظه .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل الْإِصْرَار وَمَعْنَى الْكَلِمَة ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ الذُّنُوب , وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6232 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَار , فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ الْمَاضُونَ قُدُمًا , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه عَنْ حَرَام حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْب أَصَابُوهُ , حَتَّى أَتَاهُمْ الْمَوْت وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : قُدُمًا قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّه , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه حَتَّى جَاءَهُمْ أَمْر اللَّه . 6233 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لَا يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي , كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ كُفْر بِي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْب إِذَا هَمُّوا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6234 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالَ : إِتْيَان الْعَبْد ذَنْبًا إِصْرَارًا حَتَّى يَتُوب . 6235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالُوا : لَمْ يُوَاقِعُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْرَار : السُّكُوت عَلَى الذَّنْب , وَتَرْك الِاسْتِغْفَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6236 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَمَّا يُصِرُّوا : فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار الْإِقَامَة عَلَى الذَّنْب عَامِدًا , أَوْ تَرْك التَّوْبَة مِنْهُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب : هُوَ مُوَاقَعَته ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب مَوَاقِع الذَّنْب , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ; وَلَوْ كَانَ الْمُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ , لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ الِاسْتِغْفَار مِنْ الذَّنْب إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَة مِنْهُ وَالنَّدَم , وَلَا يُعْرَف لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْب لَمْ يُوَاقِعهُ صَاحِبه وَجْه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " . 6237 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْن بْن يَزِيد السَّبِيعِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ , عَنْ عُثْمَان بْن وَاقِد , عَنْ أَبِي نَصِيرَة , عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْر , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْ كَانَ مُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " مَعْنًى , لِأَنَّ مُوَاقَعَة الذَّنْب , إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَار , فَلَا يُزِيل الِاسْم الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنَى غَيْره , كَمَا لَا يُزِيل عَنْ الزَّانِي اِسْم زَانٍ , وَعَنْ الْقَاتِل اِسْم قَاتِل تَوْبَته مِنْهُ , وَلَا مَعْنَى غَيْرهَا , وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَر أَنَّ الْمُسْتَغْفِر مِنْ ذَنْبه غَيْر مُصِرّ عَلَيْهِ , فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ الْإِصْرَار غَيْر الْمُوَاقَعَة , وَأَنَّهُ الْمُقَام عَلَيْهِ عَلَى مَا قُلْنَا قَبْل .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل الْإِصْرَار وَمَعْنَى الْكَلِمَة ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ الذُّنُوب , وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا , كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6232 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَار , فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ الْمَاضُونَ قُدُمًا , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه عَنْ حَرَام حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْب أَصَابُوهُ , حَتَّى أَتَاهُمْ الْمَوْت وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : قُدُمًا قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّه , لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَة اللَّه حَتَّى جَاءَهُمْ أَمْر اللَّه . 6233 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { لَا يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي , كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ كُفْر بِي . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْب إِذَا هَمُّوا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6234 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالَ : إِتْيَان الْعَبْد ذَنْبًا إِصْرَارًا حَتَّى يَتُوب . 6235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } قَالُوا : لَمْ يُوَاقِعُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْإِصْرَار : السُّكُوت عَلَى الذَّنْب , وَتَرْك الِاسْتِغْفَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6236 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أَمَّا يُصِرُّوا : فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار الْإِقَامَة عَلَى الذَّنْب عَامِدًا , أَوْ تَرْك التَّوْبَة مِنْهُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب : هُوَ مُوَاقَعَته ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَار عَلَى الذَّنْب مَوَاقِع الذَّنْب , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا اللَّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ; وَلَوْ كَانَ الْمُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ , لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْه مَفْهُوم , لِأَنَّ الِاسْتِغْفَار مِنْ الذَّنْب إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَة مِنْهُ وَالنَّدَم , وَلَا يُعْرَف لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْب لَمْ يُوَاقِعهُ صَاحِبه وَجْه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " . 6237 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْن بْن يَزِيد السَّبِيعِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ , عَنْ عُثْمَان بْن وَاقِد , عَنْ أَبِي نَصِيرَة , عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْر , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْ كَانَ مُوَاقِع الذَّنْب مُصِرًّا , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ " مَا أَصَرَّ مَنْ اِسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ مَرَّة " مَعْنًى , لِأَنَّ مُوَاقَعَة الذَّنْب , إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَار , فَلَا يُزِيل الِاسْم الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنَى غَيْره , كَمَا لَا يُزِيل عَنْ الزَّانِي اِسْم زَانٍ , وَعَنْ الْقَاتِل اِسْم قَاتِل تَوْبَته مِنْهُ , وَلَا مَعْنَى غَيْرهَا , وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَر أَنَّ الْمُسْتَغْفِر مِنْ ذَنْبه غَيْر مُصِرّ عَلَيْهِ , فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ الْإِصْرَار غَيْر الْمُوَاقَعَة , وَأَنَّهُ الْمُقَام عَلَيْهِ عَلَى مَا قُلْنَا قَبْل .' وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْلهمْ : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6238 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا , ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَوْا مَعْصِيَة اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6239 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَة غَيْرِي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْلهمْ : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6238 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا , ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَوْا مَعْصِيَة اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6239 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ : يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَة غَيْرِي . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفا، هم دون الصنف الأول فألحقهم به برحمته ومَنِّه؛ فهؤلاء هم التوابون. قال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار - وكنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء باع منها تمرا، فضمها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له؛ فنزلت هذه الآية. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له) - ثم تلا هذه الآية - { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} - الآية، والآية الأخرى - { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه} [النساء : 110]. وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن. وهذا عام. وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع من فعل ذلك أو أكثر منه. وقد قيل : إن سبب نزولها أن ثقفيا خرج في غزاة وخلف صاحبا له أنصاريا على أهله، فخانه فيها بأن اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبل يدها، فندم على ذلك فخرج يسيح في الأرض نادما تائبا؛ فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه، فخرج في طلبه فأتى به إلى أبي بكر وعمر رجاء أن يجد عندهما فرجا فوبخاه؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعله؛ فنزلت هذه الآية. والعموم أولى للحديث. وروي عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا : يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، حيث كان المذنب منهم تصبح عقوبته مكتوبة على باب داره، وفي رواية : كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : اجْدَع أنفك، اقطع أذنك، افعل كذا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل. ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية. والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبدالله والسدي هذه الآية بالزنا. و"أو" في قوله { أو ظلموا أنفسهم} قيل هي بمعنى الواو؛ والمراد ما دون الكبائر. { ذكروا الله} معناه بالخوف من عقابه والحياء منه. الضحاك : ذكروا العرض الأكبر على الله. وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه؛ قاله الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل أيضا : ذكروا الله باللسان عند الذنوب. { فاستغفروا لذنوبهم} أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم. وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار. وقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار وإن وقته الأسحار. فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم، حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف). وروى مكحول عن أبي هريرة قال : ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه : أستغفر الله، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار. قلت : هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم ! حريصا عليه لا يقلع، والسُّبْحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف. وفي التنزيل { ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة : 231]. وقد تقدم. الثانية: قوله تعالى { ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله. { ولم يصروا على ما فعلوا} أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا. وقال مجاهد : أي ولم يمضوا. وقال معبد بن صبيح : صليت خلف عثمان وعلي إلى جانبي، فأقبل علينا فقال : صليت بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلى. { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} . الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه. ومنه صر الدنانير أي الربط عليها؛ قال الحطيئة يصف الخيل : عوابس بالشُّعْث الكماة إذا ابتغوا ** عُلالتها بالمحصدات أصرت أي ثبتت على عدْوِها. وقال قتادة : الإصرار الثبوت على المعاصي؛ قال الشاعر : يصر بالليل ما تخفي شواكله ** يا ويح كل مصر القلب ختار قال سهل بن عبدالله : الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول : أتوب غدا؛ وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا لا يملكه!. وقال غير سهل : الإصرار هو أن ينوي ألاّ يتوب فإذا نوى التوبة النصوح خرج عن الإصرار. وقول سهل أحسن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا توبة مع إصرار). الثالثة: قال علماؤنا : الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رغبا ورهبا؛ والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف من العقاب ويرجو الثواب، والله الموفق للصواب. وقد قيل : إن الباعث على ذلك تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته؛ لقبح الذنوب وضررها إذ هي سموم مهلكة. قلت : وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعيده إلا بتنبيهه؛ فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشحونة بذنوب اكتسبها وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق مخافة عقوبة الله تعالى صدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية وملازما لأسباب الهلكة. قال سهل بن عبدالله : علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا. الرابعة: قوله تعالى { وهم يعلمون} فيه أقوال. فقيل : أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها. قال النحاس : وهذا قول حسن. وقيل { وهم يعلمون} أني أعاقب على الإصرار. وقال عبدالله بن عبيد بن عمير { وهم يعلمون} أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل { يعلمون} أنهم إن استغفروا غفر لهم. وقيل { يعلمون} بما حرمت عليهم؛ قاله ابن إسحاق. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي { وهم يعلمون} أن الإصرار ضار، وأن تركه خير من التمادي. وقال الحسن بن الفضل { وهم يعلمون} أن لهم ربا يغفر الذنب. قلت : وهذا أخذه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال : (أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي - فذكر مثله مرتين، وفي آخره : اعمل ما شئت فقد غفرت لك) أخرجه مسلم. وفيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب؛ لأن التوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وإنه لا غافر للذنوب سواه. وقوله في آخر الحديث (اعمل ما شئت) أمر معناه الإكرام في أحد الأقوال؛ فيكون من باب قوله { ادخلوها بسلام} [الحجر : 46]. وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه. ودلت الآية والحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله عليه وسلم : (إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين. وقال : يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ** بما جنى من الذنوب واقترف وقال آخر : أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه ** إن الجحود جحود الذنب ذنبان وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم). وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفار والتواب، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. الخامسة: الذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس مجرد الإيمان نفس توبة، وغير الكفر إما حق لله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك؛ غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك، وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلي مستحقيها، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله مأمول، وفضله مبذول؛ فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات. وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى. السادسة: ليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه. وقد تأول كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبدالمعطي الإسكندراني رضي الله عنه أن الإمام المحاسبي رحمه الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح، وإن الندم على جملتها لا يكفي، بل لا بد أن يتوب من كل فعل بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين. ظنوا ذلك من قوله، وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلف إذا عرف حكم أفعاله، وعرف المعصية من غيرها، صحت منه التوبة من جملة ما عرف؛ فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل؛ ومثاله رجل كان يتعاطى بابا من أبواب الربا ولا يعرف أنه ربا فإذا سمع كلام الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة : 279] عظم عليه هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا علم حقيقة الربا الآن، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابس منه شيئا كثيرا في أوقات متقدمة، صح أن يندم عليه الآن جملة، ولا يلزمه تعيين أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنميمة وغير ذلك من المحرمات التي لم يعرف كونها محرمة، فإذا فقه العبد وتفقد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملة، وندم على ما فرط فيه من حق الله تعالى، وإذا استحل من كان ظلمه فحالَلَه على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز؛ لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شح العبد وحرصه على طلب حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفو عن المعاصي صغارها وكبارها. قال شيخنا رحمه الله تعالى : هذا مراد الإمام، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقده، وما ظنه به الظان من أنه لا يصح الندم إلا على فعل فعل وحركة حركة وسكنة سكنة على التعيين هو من باب تكليف مالا يطاق، الذي لم يقع شرعا وإن جاز عقلا، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر، وكم حركة تحركها في الزنا، وكم خطوة مشاها إلى محرم، وهذا مالا يطيقه أحد، ولا تتأتى منه توبة على التفصيل. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان من أحكام التوبة وشروطها في "النساء" وغيرها إن شاء الله تعالى. السابعة: في قوله تعالى { ولم يصروا} حجة واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب : أن الإنسان يؤاخذ بما وطن عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية. قلت : وفي التنزيل { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج : 25] وقال { فأصبحت كالصريم} [القلم : 20]. فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه. وفي البخاري (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا : يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال : (إنه كان حريصا على قتل صاحبه). فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح، وأنَصُّ من هذا ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصححه مرفوعا (إنما الدنيا لأربعة نفر رجل أعطاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء). وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يُلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهم الإنسان به وإن وطن عليه لا يؤاخذ به. ولا حجة له في قوله عليه السلام : (من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عمِلها كتبت سيئة واحدة) لأن معنى (فلم يعملها) فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا، ومعنى (فإن عملها) أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 121 - 137


سورة ال عمران الايات 130 - 136


سورة ال عمران الايات 133 - 138

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والفاحشة هي: الذنب الفظيع. فهل معنى ذلك أن الرماة في غزوة أحد حين تركوا مواقعهم، قد خرجوا من الإيمان؟ لا، إنها زلة فقط، لكنها اعتبرت كبيرة من الكبائر لمن أشار على المؤمنين أن ينزلوا، واعتبرت صغيرة لمن حُرّض - بالبناء للمفعول - على أن ينزل من موقعه.

إذن فهو قول مناسب: { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } وجاء الحق هنا بـ " ذكروا الله " كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي الله، فلحظة فعل الفاحشة أو ظلم النفس لا يكون الله على بال الإنسان الفاعل للفاحشة أو على بال من ظلم نفسه، والذي يُجرِّئ الإنسان على المعصية ليحقق لنفسه شهوة، أنَّه لم ير الله ولم ير جزاءه وعقابه في الآخرة ماثلا أمامه، ولو تصور هذا لا متنع عن الفاحشة.

وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضاً، لم يذكر الله وعطاءه للمتقين. ولو ذكر الله وعطاءه للمتقين لما تكاسل عن طاعة الله. ولذلك يقول الحق: { ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } فمن يستغفر لذنبه فقد ذكر الله.

وموقف العلماء من الفاحشة فيه اختلاف. بعض العلماء قال: إنها الكبيرة من الكبائر، وظلم النفس صغيرة من الصغائر. وقال بعض آخر من العلماء: إن الفاحشة هي الزنا؛ لأن القرآن نص عليها، وما دون ذلك هو الصغيرة.

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا كبيرة مع الاستغفار. ولا صغيرة مع الإصرار ".

فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز عن أخطائه ويقول: هذه صغيرة وتلك صغيرة لأن الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة. وحين ننظر إلى قول الله تعالى: { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ } نجد أن الذي فعل الفاحشة ظالم لنفسه أيضا لأنه حقق لنفسه شهوة عارضة، وأبقى على نفسه عذاباً خالداً.

ولماذا لم يقل الحق إذن: والذين ظلموا أنفسهم فقط؟ أي يكون العطف بـ " الواو " لا بـ " أو "؛ لأن الحق يريد أن يوضح لنا الاختلاف بين فعل الفاحشة وظلم النفس.

لأن الذي يفعل الفاحشة إنما يحقق لنفسه شهوة أو متعة ولو عاجلة، لكن الذي يظلم نفسه يذنب الذنب ولا يعود عليه شيء من النفع؛ فالذي يشهد الزور - على سبيل المثال - إنه لا يحقق لنفسه النفع، ولكن النفع يعود للمشهود له زوراً. إن شاهد الزور يظلم نفسه لأنه لبّى حاجة عاجلة لغيره، ولم ينقذ نفسه من عذاب الآخرة. أما الإنسان الذي يرتكب الفاحشة فهو قد أخذ متعة في الدنيا، وبعد ذلك ينال العقاب في الآخرة.

لكن الظالم لنفسه لا يفيد نفسه، بل يضر نفسه؛ فالذي هو شر أن تبيع دينك بدنياك؛ إنك في هذه الحالة قد تأخذ متعة من الدنيا وأمد الدنيا قليل.والحق لم ينه عن متاع الدنيا، ولكنه قال عنه: { قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ }. وهناك من يبيع دينه بدنيا غيره، وهو لا يأخذ شيئاً ويظلم نفسه.

ويقول الحق: { فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }. ومعنى " ذنب " هو مخالفة لتوجيه منهج. فقد جاء أمر من المنهج ولم ينفذ الأمر. وجاء نهي من المنهج فلم يُلتزم به. ولا يسمى ذَنْباً إلا حين يعرفنا الله الذنوب، ذلك هو تقنين السماء. وفي مجال التقنين البشري نقول: لا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم.

وهذا يعني ضرورة إيضاح ما يعتبر جريمة؛ حتى يمكن أن يحدث العقاب عليها، ولا تكون هناك جريمة إلا بنص عليها. أي أنه يتم النص على الجريمة قبل أن يٌنص على العقوبة، فما بالنا بمنهج الله؟ إنه يعرفنا الذنوب أولاً، وبعد ذلك يحدد العقوبات التي يستحقها مرتكب الذنب.

ولننتبه إلى قول الحق: { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } إذن فالاستغفار ليس أن تردف الذنب بقولك: أستغفر الله لا. إن على الإنسان أن يردف الذنب بقوله: أستغفر الله وأن يصر على ألا يفعل الذنب أبداً.

وليس معنى هذا ألا يقع الذنب منك مرة أخرى؛ إن الذنب قد يقع منك، ولكن ساعة أن تستغفر تصر على عدم العودة، إن الذنب قد يقع، ولكن بشرط ألا يكون بنيّة مٌسبقة، وتقول لنفسك: سأرتكب الذنب، وأستغفر لنفسي بعد ذلك. إنك بهذا تكون كالمستهزئ بربّك، فضلا على أنك قد تصنع الذنب ولا يمهلك الله لتستغفر. قوله الحق: { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يوضح لنا أنه لا عقوبة إلا تجريم إلا بنص.

إن الحق يعلمنا يعرفنا أولاً ما هو الذنب؟ وما هو العقاب؟ وكيفية الاستغفار؟ ويقول الحق بعد ذلك: { أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...} الآية. [135].
قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت الآية في نبهان التَّمَّار، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً، فضمها إلى نفسه وقبّلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية.
وقال في رواية الكلبي: إن رجلين - أنصاريَّاً وثقفياً - آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فكانا لا يفترقان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مَغَازيه، وخرج معه الثَّقَفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، وكان يتعاهد أهلَ الثقفي، فأَقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها. فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبَّل ظاهر كفها، ثم ندم واستحيا، فأدبر راجعاً، فقالت: سبحان الله! خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك. قال: فندم على صنيعه، فخرج يَسِيحُ في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه، حتى وَافَى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دُلَّ عليه، فوَافَقَهُ ساجداً وهو يقول: رب ذنبي [ذنبي!] قد خنتُ أخي، فقال له: يا فلان، قم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة. فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته، فتلا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} إلى قوله: { وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} فقال عمر: يا رسول الله، أخاص هذا لهذا الرجل، أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة [في التوبة].
أخبرني أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المَرْوزِي إجازة، أخبرنا محمد بن الحسين الحَدَّادِي، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا رَوْح، حدَّثنا محمد عن أبيه، عن عطاء:
أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أَبَنُوا إِسرائيلَ أَكْرَمُ على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل كذا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلك؟ فقرأ هذه الآيات.


www.alro7.net