سورة
اية:

مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما ولهذا قال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم} أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى اللّه عزّ وجلَّ بعبادته وحده لا شريك له، ثم قال: { وإن تكفروا فإن للّه ما في السموات وما في الأرض} الآية، كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد} وقال: { فكفروا وتولوا واستغنى اللّه واللّه غني حميد} أي غني عن عباده، { حميد } أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه، وقوله: { وللّه ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} أي هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء، وقوله: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً} أي هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال: { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} قال بعض السلف: ما أهون العباد على اللّه إذا أضاعوا أمره!! وقال تعالى: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على اللّه بعزيز} أي وما هو عليه بممتنع. وقوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند اللّه ثواب الدينا والآخرة} أي يا من ليس له همة إلا الدنيا اعلم أن عند اللّه ثواب الدنيا والآخرة وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك كما قال تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} وقال تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} الآية، وقال تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} الآية. وقوله: { فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة} ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة، أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصران قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو اللّه الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا، ولهذا قال: { وكان اللّه سميعاً بصيراً}

تفسير الجلالين

{ من كان يريد } بعمله { ثواب الدنيا } { فعند الله ثواب الدنيا والاخرة } لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدكم الأخس وهلا طلب الأعلى بإخلاصه له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده { وكان الله سميعا بصيرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى - { مَنْ كَانَ يُرِيد ثَوَاب الدُّنْيَا فَعِنْد اللَّه ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَنْ كَانَ يُرِيد } مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِيمَان لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْر وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَان . { ثَوَاب الدُّنْيَا } يَعْنِي : عَرَضَ الدُّنْيَا , بِإِظْهَارِ مَا أَظْهَرَ مِنْ الْإِيمَان بِلِسَانِهِ . { فَعِنْد اللَّه ثَوَاب الدُّنْيَا } يَعْنِي : جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا وَثَوَابه فِيهَا , هُوَ مَا يُصِيب مِنْ الْمَغْنَم إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّبِيّ مَشْهَدًا , وَأَمِنَهُ عَلَى نَفْسه وَذُرِّيَّته وَمَاله , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَأَمَّا ثَوَابه فِي الْآخِرَة فَنَار جَهَنَّم . فَمَعْنَى الْآيَة : مَنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُرِيد بِعَمَلِهِ ثَوَاب الدُّنْيَا وَجَزَاءَهَا مِنْ عَمَله , فَإِنَّ اللَّه مُجَازِيه جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الدُّنْيَا , وَجَزَاءَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ الْعِقَاب وَالنَّكَال وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه قَادِر عَلَى ذَلِكَ كُلّه , وَهُوَ مَالِك جَمِيعه , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { مَنْ كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالهمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِل مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 11 15 : 16 . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي أَمْر بَنِي أُبَيْرِق , وَاَلَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي قَوْله : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاس وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْل } 4 107 : 108 وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ فِي أَفْعَالهمْ وَنِفَاقهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى - { مَنْ كَانَ يُرِيد ثَوَاب الدُّنْيَا فَعِنْد اللَّه ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَنْ كَانَ يُرِيد } مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِيمَان لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْر وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَان . { ثَوَاب الدُّنْيَا } يَعْنِي : عَرَضَ الدُّنْيَا , بِإِظْهَارِ مَا أَظْهَرَ مِنْ الْإِيمَان بِلِسَانِهِ . { فَعِنْد اللَّه ثَوَاب الدُّنْيَا } يَعْنِي : جَزَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا وَثَوَابه فِيهَا , هُوَ مَا يُصِيب مِنْ الْمَغْنَم إِذَا شَهِدَ مَعَ النَّبِيّ مَشْهَدًا , وَأَمِنَهُ عَلَى نَفْسه وَذُرِّيَّته وَمَاله , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَأَمَّا ثَوَابه فِي الْآخِرَة فَنَار جَهَنَّم . فَمَعْنَى الْآيَة : مَنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُرِيد بِعَمَلِهِ ثَوَاب الدُّنْيَا وَجَزَاءَهَا مِنْ عَمَله , فَإِنَّ اللَّه مُجَازِيه جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الدُّنْيَا , وَجَزَاءَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ الْعِقَاب وَالنَّكَال وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه قَادِر عَلَى ذَلِكَ كُلّه , وَهُوَ مَالِك جَمِيعه , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { مَنْ كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالهمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِل مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 11 15 : 16 . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي أَمْر بَنِي أُبَيْرِق , وَاَلَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي قَوْله : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاس وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْل } 4 107 : 108 وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ فِي أَفْعَالهمْ وَنِفَاقهمْ .' وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا بَصِيرًا } يَعْنِي : وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوَاب الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ , وَإِظْهَارهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُظْهِرُونَ لَهُمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْلهمْ لَهُمْ آمَنَّا . { بَصِيرًا } : يَعْنِي : وَكَانَ ذَا بَصَر بِهِمْ وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مُنْطَوُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يَكْتُمُونَهُ وَلَا يُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنْ الْغِشّ وَالْغِلّ الَّذِي فِي صُدُورهمْ.وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا بَصِيرًا } يَعْنِي : وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوَاب الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ , وَإِظْهَارهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُظْهِرُونَ لَهُمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْلهمْ لَهُمْ آمَنَّا . { بَصِيرًا } : يَعْنِي : وَكَانَ ذَا بَصَر بِهِمْ وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مُنْطَوُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يَكْتُمُونَهُ وَلَا يُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنْ الْغِشّ وَالْغِلّ الَّذِي فِي صُدُورهمْ.'

تفسير القرطبي

أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى { وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى : 20]. وقال تعالى { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود : 16]. وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما. يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها؛ فأنزل الله عز وجل { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا} أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 134 - 137

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومادام الرسل قد أبلغوا الإنسان أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة فلمَ الغفلة؟ ولمَ لا تأخذ الزيادة؟، ولماذا نذهب إلى صفقة الدنيا فقط مادام الحق يملك ثواب الدنيا من صحة ومال وكل شيء، وإن اجتهد الإنسان في الأسباب يأخذ نتيجة أسبابه. فالحق يقول:
{  مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }
[الشورى: 20]

ولم يقل الحق: إن " الآخرة " في مقابلة للدنيا؛ وأن من يأخذ الدنيا لن يأخذ الاخرة أو العكس، بل يريد - سبحانه للإنسان أن يأخذ الدنيا والآخرة معاً، فيا من تريد ثواب الدنيا لا تحرم نفسك بالحمق من ثواب الآخرة. وكلمة " ثواب " فيها ملحظ؛ فهناك أشياء تفعل لك وإن لم تطلب منها أن تفعل، وتنتفع بعملها وإن لم تطلب من الأشياء أن تفعل. وهناك أشياء أخرى تنفعل بحركتك، فإن تحركت وسعيت وعملت فيها تعطك.

مثال ذلك الأرض، فإن بذرت فيها تخرج الزرع، واختلافات الناس في الدنيا تقدماً وتأخراً وحضارة وبداوة وقوة وضعفاً إنما تأتي من القسم الذي ينفعل للإنسان، لا من القسم الذي يُفْعَل للإنسان. ويسخر له، وتقدم بعض البشر في الحضارة إنما جاء لأنهم بحثوا في المادة والعناصر، وأنجزوا إنجازات علمية هائلة في المعامل، فإن أردت أن تكون متقدماً فعليك أن تتعامل مع العناصر التي تنفعل لك، والأمم كلها إنما تأخذ حضارتها من قسم ما ينفعل لها، وهم والمتأخرون شركاء فقط فيما يُفعل لهم ويسخَّر لصالحهم.

وإن أردنا الارتقاء أكثر في التحضر.. فعلينا أن نذهب إلى ما يُفْعل ويسخّر لنا ونتعامل نعه حتى ينفعل لنا.. كيف؟.

الشمس تمدنا بالضوء والحرارة، ونستطيع أن نتعامل مع الشمس تعاملاً آخر يجعلها تنفعل لنا، مثلما جئنا بعدسة اسمها " العدسة اللاّمة " التي تستقبل أشعة الشمس وتتجمع الأشعة في بؤرة العدسة؛ فتحدث حرارة تشعل النار، أي أننا جعلنا ما يُفْعَل لنا يتحول إلى منفعل لنا أيضاً. ويسمون ذلك الطموح الانبعاثي. والمطر يفعل للإنسان عندما ينزل من السماء في وديان، ويستطيع الإنسان أن يحوله إلى منفعل عندما يضع توربينات ضخمة في مسارات نزوله فينتج الكهرباء.

إذن فحضارات الأمم إنما تنشأ من مراحل. المرحلة الأولى: تستخدم ما ينفعل لها، والمرحلة الثانية: ترتقي فتستخدم ما ينفعل معها. والمرحلة الثالثة: تستخدم ما يفعل لها كمنفعل لها؛ مثال ذلك استخدام الطاقة الشمسية بوساطة أجهزة تجمع هذه الطاقة ارتقاءً مع استخدام ما يفعل للإنسان لينفعل مع الإنسان.

وأسمى شيء في الحضارة الآن هو أشعة الليزر التي تصنع شبه المعجزات في دنيا الطب. وكلمة " ليزر " مأخوذة كحروف من كلمات تؤدي معنى تضخيم الطاقة بواسطة الانبعاث الاستحثائي، فكلمة " ليزر " - إذن - مثلها كلمة " ليمتد " فاللام من كلمة.والياء من كلمة، والتاء من كلمة، والدال من كلمة، وذلك لتدل على مسمّى.

وترجمة مسمّى " ليزر " هو تضخيم الطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي. ففيه انبعاث تلقائي هو مصدر الطاقة الذي يُفعل للإنسان وإن لم يطلبه، أما الانبعاث الاستحثائي فينتج عندما يحث الإنسان الطاقة لتفعل له شيئاً آخر. والانبعاث التلقائي متمثل في الشمس فتعطي ضوءا وحرارة. وعندما جلس العلماء في المعامل وصمموا العدسة التي تنتج هذه الأشعة أهاجوها وأثاروها وأخذوا ليصنعوا منها طاقة كبيرة. وهكذا أنتجوا أشعة الليزر التي هي تضخيم للطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي، ولأن العنوان طويل فقد أخذوا من كل كلمة حرفاً وكوّنوا كلمة " ليزر ".

إذن فالارتقاءات الحضارية تأتي عن طريق تعامل الإنسان مع القسم الذي ينفعل للإنسان، واستحثاث واستخدام ما يُفعل له بطريقته التلقائية لينفعل معه كأشعة الشمس مثلا.

وجئنا بذكر كل ذلك من أجل أن نستوضح آفاق قول الحق: { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا }. وكلمة " ثواب " إذن توحي بأن هناك عملاً، فالثواب جزاء على عمل. فإن أردت ثواب الدنيا، فلا بد أن تعمل من أجل ذلك. فلا أحد يأخذ ثواب الدنيا بدون عمل.

ومن عظمة الحق ولطفه وفضله ورحمته أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل، سواء آمن أم كفر، ولكنه خص المؤمنين بثواب باق في الآخرة.

ولذلك يقال: " الدنيا متاع ". ويزيد الحق على ذلك: { فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً }. ومن الحمق أن يوجد طريق يعطي الإنسان جزاءين ثم يقصر همته على جزاء واحد.

وهنا ملحظ آخر؛ فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا، دل على أنه لا بد من العمل لنأخذ الدنيا، ولم يذكر الحق ثواباً للآخرة، بل جعل سبحانه الثواب للاثنين.. الدنيا والآخرة، إذن فالذي يعمل للدنيا من المؤمنين إنما يأخذ الآخرة أيضاً؛ لأن الآخرة هي دار جزاء، والدنيا هي مطية وطريق وسبيل. فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل الله في باله.. فالله يعطيه ثواباً في الدنيا، ويعطيه ثواباً في الآخرة.

ويذيل الحق الآية: { وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } - إذن - فثواب الدنيا والآخرة لا يتأتى إلا بالعمل، والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح الإنسان، القول - مثلاً - حدث من اللسان، وهو عمل أيضاً، والمقابل للقول هو الفعل. فالأعمال تنقسم إلى قسمين: إلى الأقوال وإلى الأفعال. ولتوضيح هذا الأمر نقرأ قول الحق:
{  كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً }
[الفجر: 17-19]

وعندما سمع الأغنياء هذا القول عرفوا سلوكهم، ولما سمع الفقراء هذا القول، كأنهم قالوا: نحن لا نملك ما نطعم به المسكين، فكان في قوله تعالى: { وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } ما يوضح لهم الطريق إلى العطاء: أي حضوا غيركم على العطاء.أي أن الذي لا يملك يمكنه أن يكلم الغني ليعطي المسكين، والحضُّ هو كلام. والكلام من العمل.

والحق سبحانه وتعالى يستنفر المؤمنين لينصروا دين الله فيقول:
{  لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 91]

هو سبحانه أعفى الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون في القتال وأسقطه عنهم ولم يحاسبهم عليه، ولكن في الآية نفسها ما يُحدد المطلوب من هؤلاء، وهو أن ينصحوا لله ورسوله. إذن فغير القادر يمكنه أن يتكلم بفعل الخير ويذكِّر به الآخرين وينصح به، هذا هو معنى قول الحق: { وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } فسبحانه يسمع قول مّن لا يستطيع ولا يملك القدرة على سلوك ما، وسبحانه بصير يرى صاحب كل سلوك.

إذن فثواب الدنيا يحتاج إلى عمل، والعمل هو انفعال كل جارحة بمطلوبها، فاللسان جارحة تتكلم، واليد تعمل، وكل جوارح الإنسان تعمل، لكن ما عمل القلوب؟ عمل القلوب لا يُسمع ولا يُرى، ولذلك قال الحق عن إخلاص القلب في حديث قدسي:

" الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي "

وهكذا نعرف أن نية القلوب خاصة بالله مباشرة ولا تدخل في اختصاص رقيب وعتيد وهما الملكان المختصان برقابة وكتابة سلوك وعمل الإنسان، ولذلك نجد الحق يصف ذاته في مواقع كثيرة من القرآن بأنه لطيف خبير، لطيف بعلم ما يدخل ويتغلغل في الأشياء، وخبير بكل شيء وقدير على كل شيء. ونجد الحديث الشريف يقول لنا:

" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".

فالعمل يكون بالجوارح، ومن الجوارح اللسان، وحتى نضبط هذه المسألة لنفرق ما بين الفعل والعمل. نقرأ ونفهم هذه الآية:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }
[الصف: 2]

ونجد المقابل للقول هو الفعل. والكل عمل. ويأتي نوع آخر من الأعمال، لا هو قول ولا هو فعل، وهو " النية القلبية ". وعندما يقول الحق: إنه كان سميعاً بصيراً، فالمعنى سميع للقول، وبصير بالفعل.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }


www.alro7.net