سورة
اية:

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما ولهذا قال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم} أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى اللّه عزّ وجلَّ بعبادته وحده لا شريك له، ثم قال: { وإن تكفروا فإن للّه ما في السموات وما في الأرض} الآية، كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد} وقال: { فكفروا وتولوا واستغنى اللّه واللّه غني حميد} أي غني عن عباده، { حميد } أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه، وقوله: { وللّه ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} أي هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء، وقوله: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً} أي هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال: { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} قال بعض السلف: ما أهون العباد على اللّه إذا أضاعوا أمره!! وقال تعالى: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على اللّه بعزيز} أي وما هو عليه بممتنع. وقوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند اللّه ثواب الدينا والآخرة} أي يا من ليس له همة إلا الدنيا اعلم أن عند اللّه ثواب الدنيا والآخرة وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك كما قال تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} وقال تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} الآية، وقال تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} الآية. وقوله: { فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة} ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة، أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصران قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو اللّه الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا، ولهذا قال: { وكان اللّه سميعاً بصيراً}

تفسير الجلالين

{ إن يشأ يذهبكم } يا { أيها الناس ويأت بآخرين } بدلكم { وكان الله على ذلك قديرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ يَشَأْ } اللَّه أَيّهَا النَّاس { يُذْهِبْكُمْ } أَيْ يُذْهِبْكُمْ بِإِهْلَاكِكُمْ وَإِفْنَائِكُمْ . { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } يَقُول : وَيَأْتِ بِنَاسٍ آخَرِينَ غَيْركُمْ , لِمُؤَازَرَةِ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُصْرَته. { وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى إِهْلَاككُمْ وَإِفْنَائِكُمْ , وَاسْتِبْدَال آخَرِينَ غَيْركُمْ بِكُمْ قَدِيرًا , يَعْنِي : ذَا قُدْرَة عَلَى ذَلِكَ . وَإِنَّمَا وَبَّخَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَات الْخَائِنِينَ الَّذِينَ خَانُوا الدِّرْع الَّتِي وَصَفْنَا شَأْنهَا , الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله , { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } 4 105 وَحَذَّرَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلهمْ , وَأَنْ يَفْعَلُوا فِعْل الْمُرْتَدّ مِنْهُمْ فِي اِرْتِدَاده وَلِحَاقه بِالْمُشْرِكِينَ , وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْله مِنْهُمْ فَلَنْ يَضُرّ إِلَّا نَفْسه وَلَنْ يُوبِق بِرِدَّتِهِ غَيْر نَفْسه , لِأَنَّهُ الْمُحْتَاج مَعَ جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض إِلَى اللَّه , وَاَللَّه الْغَنِيّ عَنْهُمْ . ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ فِي قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } بِالْهَلَاكِ وَالِاسْتِئْصَال إِنْ هُمْ فَعَلُوا فِعْل اِبْن أُبَيْرِق طُعْمَة الْمُرْتَدّ , وَبِاسْتِبْدَالِ آخَرِينَ غَيْرهمْ بِهِمْ لِنُصْرَةِ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُحْبَته وَمُؤَازَرَته عَلَى دِينه , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ } 47 38 . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ , ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى ظَهْر سَلْمَان , فَقَالَ : " هُمْ قَوْم هَذَا " يَعْنِي عَجَم الْفُرْس ; كَذَلِكَ : 8402 - حُدِّثْت عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد , عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ بِمَا : 8403 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا عَلَى ذَلِكَ , أَنْ يُهْلِك مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَيَأْتِي بِآخَرِينَ مِنْ بَعْدهمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ يَشَأْ } اللَّه أَيّهَا النَّاس { يُذْهِبْكُمْ } أَيْ يُذْهِبْكُمْ بِإِهْلَاكِكُمْ وَإِفْنَائِكُمْ . { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } يَقُول : وَيَأْتِ بِنَاسٍ آخَرِينَ غَيْركُمْ , لِمُؤَازَرَةِ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُصْرَته. { وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى إِهْلَاككُمْ وَإِفْنَائِكُمْ , وَاسْتِبْدَال آخَرِينَ غَيْركُمْ بِكُمْ قَدِيرًا , يَعْنِي : ذَا قُدْرَة عَلَى ذَلِكَ . وَإِنَّمَا وَبَّخَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَات الْخَائِنِينَ الَّذِينَ خَانُوا الدِّرْع الَّتِي وَصَفْنَا شَأْنهَا , الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله , { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } 4 105 وَحَذَّرَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلهمْ , وَأَنْ يَفْعَلُوا فِعْل الْمُرْتَدّ مِنْهُمْ فِي اِرْتِدَاده وَلِحَاقه بِالْمُشْرِكِينَ , وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْله مِنْهُمْ فَلَنْ يَضُرّ إِلَّا نَفْسه وَلَنْ يُوبِق بِرِدَّتِهِ غَيْر نَفْسه , لِأَنَّهُ الْمُحْتَاج مَعَ جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض إِلَى اللَّه , وَاَللَّه الْغَنِيّ عَنْهُمْ . ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ فِي قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } بِالْهَلَاكِ وَالِاسْتِئْصَال إِنْ هُمْ فَعَلُوا فِعْل اِبْن أُبَيْرِق طُعْمَة الْمُرْتَدّ , وَبِاسْتِبْدَالِ آخَرِينَ غَيْرهمْ بِهِمْ لِنُصْرَةِ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُحْبَته وَمُؤَازَرَته عَلَى دِينه , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ } 47 38 . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ , ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى ظَهْر سَلْمَان , فَقَالَ : " هُمْ قَوْم هَذَا " يَعْنِي عَجَم الْفُرْس ; كَذَلِكَ : 8402 - حُدِّثْت عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد , عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ بِمَا : 8403 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا عَلَى ذَلِكَ , أَنْ يُهْلِك مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَيَأْتِي بِآخَرِينَ مِنْ بَعْدهمْ. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن يشأ يذهبكم} يعني بالموت { أيها الناس} يريد المشركين والمنافقين { ويأت بآخرين} يعني بغيركم. ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان وقال : (هم قوم هذا). وقيل : الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد : 38]. وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره. { وكان الله على ذلك قديرا} والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبعض الفاقدين للبصيرة من الفلاسفة قالوا: صحيح أن الله قد خلقنا ولكنا خرجنا من دائرة نفوذه. لا، بل سبحانه إن شاء لذهب بكم جميعاً وأتى بآخرين، وما ذلك على الله بعزيز، وهو القائل: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً }.

حين نقرأ " كان " بجانب كلمة " الله " فهي لا تحمل معنى الزمن؛ فالله قدير حتى قبل أن يوجد مقدور عليه، فلم يكن قديراً فقط عندما خلق الإنسان، بل بصفة القدرة خلق الإنسان؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس أغيار؛ لذلك يظل قديراً وموجودا في كل لحظة، وهو كان ولا يزال.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ... }


www.alro7.net