سورة
اية:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

تفسير بن كثير

قال الحسن البصري: قوله تعالى { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} : أمرهما اللّه أن يطهرهاه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جريج قلت لعطاء ما عهده؟ قال أمره. والظاهر أن هذا الحرف إنما عدّي بإلى لأنه في معنى أوحينا. قوله: { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين} أي من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال مجاهد وعطاء وقتادة: { أن طهرا بيتي} أي بلا إله إلا اللّه، من الشرك، وأما قوله تعالى: { للطائفين} فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنه قال: { للطائفين} يعني من أتاه من غربة { والعاكفين} المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة والربيع بن أنَس أنَّهما فسَّرا العاكفين بأهله المقيمين فيه وعن ابن عباس قال: إذا كان جالساً فهو من العاكفين، وعن ثابت قال: قلنا لعبد اللّه بن عبيد بن عمير ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون، قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون ""رواه ابن أبي حاتم عن حماد بن سلمة عن ثابت"" قلت: وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو عزب، وأما قوله تعالى: { والركع السجود} فقال عطاء عن ابن عباس إذا كان مصلياً فهو من الركع السجود. قال ابن جرير رحمه اللّه فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهيرُ الذي أمرهما به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك، فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما إذ كان اللّه تعالى قد جعل إبراهيم إماماً يقتدى به. قلت: وهذا الجواب مفرّعٌ على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى اللّه عليه وسلم الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه للّه وحده لا شريك له فيبنياه مطهراً من الشرك والريب، كما قال جلّ ثناؤه: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} ؟ قال فكذلك قوله: { وعهدنا إلى إبرهيم وإسماعيل أن طهِّرا بيتي} أي ابنياه على طهر من الشرك بي والريب، وملخص هذا الجواب أن اللّه تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده والمصلين إليه من الركع السجود كما قال تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} الآيات. وقد اختلف الفقهاء أيُّهمَا أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك رحمه اللّه الطواف به لأهل الأمصار أفضل، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقاً، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام، والمراد من ذلك الرد على المشركين، الذين كانوا يشركون باللّه عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف به والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} ، ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد اللّه وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة قيامها وركوعها وسجودها ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم { سواء العاكف فيه والباد} وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام وفي ذلك أيضاً رد على من لا يحجه من أهل الكتابين اليهود والنصارى لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وإسماعيل ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وهم لا يفعلون شيئاً من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع اللّه له؟ وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى { إن هو إلا وحي يوحى} . وتقدير الكلام إذن: { وعهدنا إلى إبرهيم} أي تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} أي طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصاً للّه معقلاً للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى: { في بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} ، ومن السنّة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه السلام: (إنما بنيت المساجد لما بنيت له)، وقد جمعت في ذلك جزءاً على حدة وللّه الحمد والمنة. وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة؟ فقيل: الملائكة قبل آدم ذكره القرطبي وحكى لفظه وفيه غرابة، وقيل آدم عليه السلام رواه عطاء وسعيد بن المسيب وهذا غريب أيضاً. وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار أن أول من بناه شيث عليه السلام، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها. وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين. وقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} قال ابن جرير عن جابر بن عبد اللّه: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن إبراهيم حرَّم بيت اللّه وأمَّنه، وإني حرمت المدينة وما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها ""رواه النسائي وأخرجه مسلم بطريق آخر"") عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإذا أخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدّنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه) ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر ""رواه مسلم، وفي لفظٍ له (بركة مع بركة) ثم يعطيه أصغر من حضر من الولدان"". وفي الصحيحين عن أنَس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي طلحة: (التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني)، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل حتى بدا له أحد قال: (هذا جبلٌ يحبنا ونحبه)، فلما أشرف على المدينة قال: (اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم)، وفي لفظ لهما: (اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في مدهم) زاد البخاري يعني: أهل المدينة. وعن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (اللهم اجعل بالمدينة ضِعفي ما جعلته بمكة من البركة) ""رواه البخاري ومسلم""وعن أبي سعيد رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراماً، وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين ""رواه مسلم"")، والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة، وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى واللّه أعلم. وقد وردت أحاديث أُخر تدل على أن اللّه تعالى حرّم مكة قبل خلق السماوات والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاها)، فقال العباس: يا رسول اللّه إلا الإذخر فإنه لقّيْنهم ولبيوتهم، فقال: (إلا الإذخر). وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة - ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعْته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: (إن مكة حرمها اللّه ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخَّص بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقولوا: إنَّ اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ليبلغ الشاهد الغائب ""رواه البخاري ومسلم عن أبي شريح العدوي"") فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة. فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث، الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالة عى أن إبراهيم عليه السلام حرمها، لأن إبراهيم بلّغ عن اللّه حكمه فيها، وتحريمه إياها وأنها لم تزل بلداً حراماً عند اللّه قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها، كما أنه قد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكتوباً عند اللّه خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم عليه السلام: { ربنا وابعث فيه رسولا منهم} وقد أجاب اللّه دعاءه بما سبق في علمه وقدره. وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء اللّه وبه الثقة. وقوله تعالى إخباراً عن الخليل: { رب اجعل هذا بلداً آمنا} أي من الخوف أي لا يرعب أهله، وقد فعل اللّه ذلك شرعاً وقدراً، كقوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا} ، وقوله: { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويُتخطف الناس من حولهم} إلى غير ذلك من الآيات وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح)، وقال في هذه السورة: { رب اجعل هذا بلدا آمنا} أي اجعل هذه البقعة بلداً آمناً وناسب هناك لأنه - واللّه أعلم - كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سناً من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا في آخر الدعاء: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} . وقوله تعالى: { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه واليوم الآخر، قال: ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} قال أبو جعفر الرازي عن أُبيّ بن كعب { قال ومن كفر} الآية هو قول اللّه تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير رحمه اللّه قال: وقرأ آخرون: { قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم. قال ابن عباس: (كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل اللّه ومن كفر أيضاً أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقاً لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلاً ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير) ثم قرأ ابن عباس: { كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً} ""أخرجه ابن مردويه وروي نحوه عن مجاهد وعكرمة""، وهذا كقوله تعالى: { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} ، وكقوله تعالى: { نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} ، وقوله: { ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا، وبسطنا عليه من ظلها { إلى عذاب النار وبئس المصير} ومعناه أن اللّه تعالى يُنْظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} . وفي الصحيح: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ تعالى: { كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} . وأما قوله تعالى: { وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} فالقواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت، ورفعهما القواعد منه وهما يقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} فهما في عمل صالح وهما يسألان اللّه تعالى أن يتقبل منهما، وقال بعض المفسِّرين: الذي كان يرفع القواعدَ هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيحُ أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي بيانه. وقد روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أول ما اتخذ النساء المِنطَق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندها جِراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} حتى بلغ { يشكرون} . وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (فلذلك سعى الناس بينهما)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقال: (صه) - تريد نفسها - ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً). قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً للّه يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن اللّه لا يضيّع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأُم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم، قال ابن عباس قال النبي صلى اللّه عليه وسلم (فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس)، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرِّ، نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيِّر عتبةَ بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غَيَّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أُفارقك فالحقي بأهلك، وطلَّقها وتزوج منهم بأخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على اللّه عزّ وجلّ، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (ولم يكن لهم يومئذ حبّ ولو كان لهم لدعا لهم فيه)، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبِّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة، قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن اللّه أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن اللّه أمرني أن أبني ههنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} . ثم قال البخاري: حدثنا عبد اللّه بن محمد أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، أخبرنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: (لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأُم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء فجعلت أُم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللّه، قالت: رضيت باللّه. قال: فرجعت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فنى الماء. قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا. فنظرت هل تحس أحداً؟ فلم تحس أحداً، فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة وفعلت ذلك أشواطاً حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرتُ لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحداً حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل عليه السلام قال: فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض، قال: فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر قال: فقال أبو القاسم صلى اللّه عليه وسلم : (لو تركته لكان الماء ظاهراً) قال: فجعلت تشرب من الماء ويدرُّ لبنها على صبيها. قال: فمرّ ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هو بالماء فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل أتاذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة. قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال: فجاءهم فسلّم فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له إذا جاء غيَّرْ عتبةَ بابك، فلما أخبرته قال: أنتِ ذاك فاذهبي إلى أهلك، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال: إني مطلع تركتي قال، فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم صلى اللّه عليه وسلم : (بركة بدعوة إبراهيم). قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم، فقال لأهله: إني مطلع تركتي فجأة فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له، فقال: يا إسماعيل إن ربك عزّ وجلّ أمرني أن أبني له بيتاً، فقال: أطع ربك عزّ وجلّ، قال: إنه أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل - أو كما قال - فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} . قال محمد بن إسحاق عن مجاهد وغيره من أهل العلم: إن اللّه بوأ إبراهيم مكان البيت، خرج إليه من الشام وخرج معه إسماعيل وأُمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أُمرتُ يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أُم إسماعيل أن تتخذ فيه عرشاً فقال: { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} إلى قوله: { لعلهم يشكرون} وقال عبد الرزاق عن مجاهد: خلق اللّه موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة. وقال البخاري رحمه اللّه قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القوعد من البيت وإسماعيل} الآية: القواعد أساسه، واحدها قاعدة، والقواعد من النساء واحدتها قاعدة، عن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ألم تريْ أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟) فقلت: يا رسول اللّه ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: (لولا حدثان قومك بالكفر)، فقال عبد اللّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم عليه السلام. ورواه مسلم أيضاً من حديث نافع عن عائشة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل اللّه ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحِجْر). ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل عليه السلام وقبل مبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخمس سنين وقد نقل معهم الحجارة وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات اللّه وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين. قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهابون هدمها، وإنما كانت رضماً فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز الكعبة. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت احْزأَلَّتْ: ارتفعت واستعدت للوثوب وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها، فبينا هي يوماً تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث اللّه إليها طائراً فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجو أن يكون اللّه قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا اللّه الحية، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها قام ابن وهب خال والد النبي، وكان شريفاً ممدوحاً بن عمرو بن عائذ فتناول من الكعبة حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار ابن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم، ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي اللّه ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله. فهدم، وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلا الأساس - أساس إبراهيم عليه السلام - أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضاً قال: فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضاً أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس. قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثما تعاقدوا هم وبنوا عدي ابن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا (لَعَقَة الدم) فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أُمية بن المغيرة - وكان عامئذ أسنَّ قريش كلهم - قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه ففعلوا، فكان أول داخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا ...هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى اللّه عليه وسلم : (هلمَّ إليَّ بثوب، فأُتي به، فأخذ الركن - يعني الحجر الأسود - فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى اللّه عليه وسلم، ثم بنى عليه، وكانت قريش تسمي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين. قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ثماني عشر ذراعاً، وكان تكسي القباطي، ثم كسيت بعدُ البرود، وأول من كساها الديباج الحجّاج بن يوسف قلت: ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد اللّه بن الزبير بعد سنة ستين وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها باباً شرقياً وباباً غربياً ملصقين بالأرض كما سمع ذلك من خالته عائشة أُم المؤمنين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجّاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم عن عطاء: (لمَّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحزبهم أو يجيروهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهَى منها؟ قال ابن عباس: إنه قد خرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهَى منها وتدع بيتاً أسلم الناس عليه، وأحجاراً أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدِّده فكيف بيت ربكم عزّ وجلّ؟ إني مستخير ربي ثلاثاً ثم عازم على أمري. فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة. فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول: إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه)، قال: فأنا أجد ما أنفق ولست أخاف الناس. قال: فزاد خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى له أساً فنظر الناس إليه فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعاً، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قُتِل ابن الزبير كتب الحجّاج إلى عبد الملك يستجيزه بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسٍّ نظر إليه العدول من أهل المكة. فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحِجْر فردّه إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه) ""رواه مسلم والنسائي عن عطاء، واللفظُ لمسلم"". وقد كانت السُنَّة إقرار ما فعله عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما لأنه هو الذي ودّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: وددنا أنا تركناه وما تولى. فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيداً. ولكنْ بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال فقد كره بعض العلماء أن يغيَّر عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي، أنه سأل الإمام مالكاً عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة اللّه ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها!! فترك ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي. ولا تزال - واللّه أعلم - هكذا إلى آخر الزمان إلى أن يخربها ذو السُّويقتين من الحبشة كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة). وعن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً) وعن مجاهد عن عبد اللّه بن عمرو ابن العاص رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أُصَيْلع، أُفَيْدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله) ""رواه أحمد. والفَدْع: زيغٌ بين القدم وعظم الساق"" وهذا - واللّه أعلم - إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج لما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليُحجَنَّ البيتُ وليُعتَمرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج). وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} قال ابن جرير: يعنيان بذلك واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً سواك، ولا في العبادة غيرك. وقال عكرمة: { ربنا واجعلنا مسلمين لك} قال اللّه: قد فعلت { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} قال اللّه: قد فعلت. وقال السدي: { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} يعنيان العرب. قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال اللّه تعالى: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} . قلت وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلِّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} الآية. والمراد بذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} ، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود لقوله تعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} وغير ذلك من الأدلة القاطعة، وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا اللّه تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله: { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} . وهذا القدر مرغوب فيه شرعاً فإنَّ من تمام محبة عبادة اللّه تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد اللّه وحده لا شريك له. ولهذا لما قال اللّه تعالى لإبراهيم عليه السلام: { إني جاعلك للناس إماما} قال: { ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} ، وهو قوله: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). { وأرنا مناسكنا} قال عطاء: أخرجها لنا، علمناها، وقال مجاهد: { أرنا مناسكنا} مذابحنا. وقال أبو داود الطيالسي عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال: (إن إبراهيم لما أُري أوامر المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى فقال: هذا مناخ الناس، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعاً فقال: هذا المشعر، ثم أتى به عرفة فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟) ""أخرجه الطيالسي عن ابن عباس".

تفسير الجلالين

{ وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا } المكان { بلدا آمنا } ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلي خلاه { وارزق أهله من الثمرات } وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } بدل من أهله وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله لا ينال عهدي الظالمين { قال } تعالى { و } ارزق { من كفر فَأُمَتِّعُهُ } بالتشديد والتخفيف في الدنيا بالرزق { قليلا } مدة حياته { ثم أضطره } ألجئه في الآخرة { إلى عذاب النار } فلا يجد عنها محيص { وبئس المصير } المرجع هي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } وَاذْكُرُوا إذْ قَالَ إبْرَاهِيم : رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَد بَلَدًا آمِنًا , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : آمِنًا : آمِنًا مِنْ الْجَبَابِرَة وَغَيْرهمْ أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ , وَمِنْ عُقُوبَة اللَّه أَنْ تَنَالهُ , كَمَا تَنَال سَائِر الْبُلْدَان , مِنْ خَسْف , وَائْتِفَاك , وَغَرَق , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَخَط اللَّه وَمُثُلَاته الَّتِي تُصِيب سَائِر الْبِلَاد غَيْره . كَمَا : 1666 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَرَم حَرَم بِحِيَالِهِ إلَى الْعَرْش , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْت هَبَطَ مَعَ آدَم حِين هَبَطَ , قَالَ اللَّه لَهُ : أَهْبِط مَعَك بَيْتِي يُطَاف حَوْله كَمَا يُطَاف حَوْل عَرْشِي ! فَطَافَ حَوْله آدَم وَمَنْ كَانَ بَعْده مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , حَتَّى إذَا كَانَ زَمَان الطُّوفَان حِين أَغْرَقَ اللَّه قَوْم نُوح رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَة أَهْل الْأَرْض , فَتَتَبَّعَ مِنْهُ إبْرَاهِيم أَثَرًا فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاس قَدِيم كَانَ قَبْله . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ مَا كَانَ الْحَرَم آمِنًا إلَّا بَعْد أَنْ سَأَلَ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ لَهُ الْأَمَان ؟ قِيلَ لَهُ : لَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يَزَلْ الْحَرَم آمِنًا مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَعُقُوبَة جَبَابِرَة خَلْقه , مُنْذُ خَلَقْت السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 1667 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , قَالَ : سَمِعْت أَبَا شُرَيْح الْخُزَاعِيّ يَقُول : لَمَّا اُفْتُتِحَتْ مَكَّة قَتَلَتْ خُزَاعَة رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَهِيَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إلَى يَوْم الْقِيَامَة ; لَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا , أَوْ يُعَضِّد بِهَا شَجَرًا . أَلَا وَإِنَّهَا لَا تَحِلّ لِأَحَدِ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلّ لِي إلَّا هَذِهِ السَّاعَة غَضَبًا عَلَى أَهْلهَا . أَلَا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالهَا بِالْأَمْسِ . أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ , فَمَنْ قَالَ : إنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلَ بِهَا , فَقُولُوا : إنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلّهَا لَك " . 1668 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان , وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير جَمِيعًا , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّة حِين افْتَتَحَهَا : " هَذِهِ حَرَم حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَوَضَعَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ , لَمْ تَحِلّ لِأَحَدِ قَبْلِي , وَلَا تَحِلّ لِأَحَدِ بَعْدِي , أُحِلَّتْ لِي سَاعَة مِنْ نَهَار " . قَالُوا : فَمَكَّة مُنْذُ خُلِقَتْ حَرَم آمِن مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَعُقُوبَة الْجَبَابِرَة . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . قَالُوا : وَلَمْ يَسْأَل إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يُؤَمِّنهُ مِنْ عُقُوبَته وَعُقُوبَة الْجَبَابِرَة , وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّن أَهْله مِنْ الْجَدُوب وَالْقُحُوط , وَأَنْ يَرْزُق سَاكِنه مِنْ الثَّمَرَات , كَمَا أَخْبَرَ رَبّه عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . قَالُوا : وَإِنَّمَا سَأَلَ رَبّه ذَلِكَ , لِأَنَّهُ أَسْكَنَ فِيهِ ذُرِّيَّته , وَهُوَ غَيْر ذِي زَرْع وَلَا ضَرْع , فَاسْتَعَاذَ رَبّه مِنْ أَنْ يُهْلِكهُمْ بِهَا جُوعًا وَعَطَشًا , فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنهُمْ مِمَّا حَذِرَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ . قَالُوا : وَكَيْف يَجُوز أَنْ يَكُون إبْرَاهِيم سَأَلَ رَبّه تَحْرِيم الْحَرَم , وَأَنْ يُؤَمِّنهُ مِنْ عُقُوبَته وَعُقُوبَة جَبَابِرَة خَلْقه , وَهُوَ الْقَائِل حِين حَلَّهُ , وَنَزَلَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَده : { رَبّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } ؟ 14 37 قَالُوا : فَلَوْ كَانَ إبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي حَرَّمَ الْحَرَم أَوْ سَأَلَ رَبّه تَحْرِيمه لَمَّا قَالَ : { عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } 14 37 عِنْد نُزُوله بِهِ , وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ قَبْله , وَحُرِّمَ بَعْده . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الْحَرَم حَلَالًا قَبْل دَعْوَة إبْرَاهِيم كَسَائِرِ الْبِلَاد غَيْره , وَإِنَّمَا صَارَ حَرَامًا بِتَحْرِيمِ إبْرَاهِيم إيَّاهُ , كَمَا كَانَتْ مَدِينَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا قَبْل تَحْرِيم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا . قَالُوا : وَالدَّلِيل عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا : 1669 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ بَيْت اللَّه وَأَمَّنَهُ , وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة مَا بَيْن لَابَتَيْهَا لَا يُصَاد صَيْدهَا وَلَا تُقْطَع عِضَاههَا " . 1670 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحِيم الرَّازِيّ , سَمِعْت أَشْعَث , عَنْ نَافِع , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ إبْرَاهِيم كَانَ عَبْد اللَّه وَخَلِيله , وَإِنِّي عَبْد اللَّه وَرَسُوله , وَإِنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة مَا بَيْن لَابَتَيْهَا عِضَاهَا وَسَنَدهَا , وَلَا يُحْمَل فِيهَا سِلَاح لِقِتَالِ , وَلَا يُقْطَع مِنْهَا شَجَر إلَّا لِعَلَفِ بَعِير " . 1671 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا قُتَيْبَة بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا بَكْر بْن مُضَر , عَنْ ابْن الْهَادِ , عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان , عَنْ رَافِع بْن خَدِيج , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة , وَإِنِّي أُحَرِّم لِلْمَدِينَةِ مَا بَيْن لَابَتَيْهَا " . وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي يَطُول بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَاب . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي كِتَابه إنَّ إبْرَاهِيم قَالَ : { رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَا آمِنًا } وَلَمْ يُخْبِر عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَجْعَلهُ آمِنًا مِنْ بَعْض الْأَشْيَاء دُون بَعْض , فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَدَّعِي أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَان لَهُ مِنْ بَعْض الْأَشْيَاء دُون بَعْض إلَّا بِحُجَّةِ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . قَالُوا : وَأَمَّا خَبَر أَبِي شُرَيْح وَابْن عَبَّاس فَخَبَرَانِ لَا تَثْبُت بِهِمَا حُجَّة لِمَا فِي أَسَانِيدهمَا مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي لَا يَجِب التَّسْلِيم فِيهَا مِنْ أَجْلهَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره جَعَلَ مَكَّة حَرَمًا حِين خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا , كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِغَيْرِ تَحْرِيم مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَان أَحَد مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءِ , وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنْ الْآفَات وَالْعُقُوبَات , وَعَنْ سَاكِنِيهَا مَا أُحِلّ بِغَيْرِهَا وَغَيْر سَاكِنِيهَا مِنْ النَّقَمَات ; فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّه إبْرَاهِيم خَلِيله , وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْله هَاجَرَ وَوَلَده إسْمَاعِيل , فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ إيجَاد فَرْض تَحْرِيمهَا عَلَى عِبَاده عَلَى لِسَانه , لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّة لِمَنْ بَعْده مِنْ خَلْقه , يَسْتَنُّونَ بِهَا فِيهَا , إذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْره قَدْ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِله , لِلنَّاسِ إمَامًا يُقْتَدَى بِهِ , فَأَجَابَهُ رَبّه إلَى مَا سَأَلَهُ , وَأَلْزَم عِبَاده حِينَئِذٍ فَرْض تَحْرِيمه عَلَى لِسَانه , فَصَارَتْ مَكَّة بَعْد أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَة بِمَنْعِ اللَّه إيَّاهَا بِغَيْرِ إيجَاب اللَّه فَرْض الِامْتِنَاع مِنْهَا عَلَى عِبَاده , وَمُحَرَّمَة بِدَفْعِ اللَّه عَنْهَا بِغَيْرِ تَحْرِيمه إيَّاهَا عَلَى لِسَان أَحَد مِنْ رُسُله فَرَضَ تَحْرِيمهَا عَلَى خَلْقه عَلَى لِسَان خَلِيله إبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَوَاجِب عَلَى عِبَاده الِامْتِنَاع مِنْ اسْتِحْلَالهَا , وَاسْتِحْلَال صَيْدهَا وَعِضَاههَا , بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاع مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إبْرَاهِيم رِسَالَة اللَّه إلَيْك بِذَلِكَ إلَيْهِ ; فَلِذَلِك أُضِيفَ تَحْرِيمهَا إلَى إبْرَاهِيم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة " لِأَنَّ فَرْض تَحْرِيمهَا الَّذِي أَلْزَم اللَّه عِبَاده عَلَى وَجْه الْعِبَادَة لَهُ بِهِ , دُون التَّحْرِيم الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبِّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْه الْكِلَاءَة وَالْحِفْظ لَهَا قَبْل ذَلِكَ ; كَانَ عَنْ مَسْأَلَة إبْرَاهِيم رَبّه إيجَاب فَرْض ذَلِكَ عَلَى لِسَانه , لَزِمَ الْعِبَاد فَرْضه دُون غَيْره . فَقَدْ تَبَيَّنَ إذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّة مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ , أَعْنِي خَبَر أَبِي شُرَيْح وَابْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَإِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة يَوْم خَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر " . وَخَبَر جَابِر وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَافِع بْن خَدِيج وَغَيْرهمْ , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا : " اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة " وَأَنْ لَيْسَ أَحَدهمَا دَافِعًا صِحَّة مَعْنَى الْآخَر كَمَا ظَنَّهُ بَعْض الْجُهَّال . وَغَيْر جَائِز فِي أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون بَعْضهَا دَافِعًا بَعْضًا إذَا ثَبَتَ صِحَّتهَا , وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَع عُذْر مَنْ بَلَغَهُ . وَقَوْل إبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : { رَبّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } 14 37 فَإِنَّهُ إنْ يَكُنْ قَالَ قَبْل إيجَاب اللَّه فَرْض تَحْرِيمه عَلَى لِسَانه عَلَى خَلْقه , فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيم اللَّه إيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إيَّاهُ وَكِلَاءَته مِنْ غَيْر تَحْرِيمه إيَّاهُ عَلَى خَلْقه عَلَى وَجْه التَّعَبُّد لَهُمْ بِذَلِكَ . وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْد تَحْرِيم اللَّه إيَّاهُ عَلَى لِسَانه عَلَى خَلْقه عَلَى وَجْه التَّعَبُّد , فَلَا مَسْأَلَة لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } وَاذْكُرُوا إذْ قَالَ إبْرَاهِيم : رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَد بَلَدًا آمِنًا , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : آمِنًا : آمِنًا مِنْ الْجَبَابِرَة وَغَيْرهمْ أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ , وَمِنْ عُقُوبَة اللَّه أَنْ تَنَالهُ , كَمَا تَنَال سَائِر الْبُلْدَان , مِنْ خَسْف , وَائْتِفَاك , وَغَرَق , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَخَط اللَّه وَمُثُلَاته الَّتِي تُصِيب سَائِر الْبِلَاد غَيْره . كَمَا : 1666 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَرَم حَرَم بِحِيَالِهِ إلَى الْعَرْش , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْت هَبَطَ مَعَ آدَم حِين هَبَطَ , قَالَ اللَّه لَهُ : أَهْبِط مَعَك بَيْتِي يُطَاف حَوْله كَمَا يُطَاف حَوْل عَرْشِي ! فَطَافَ حَوْله آدَم وَمَنْ كَانَ بَعْده مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , حَتَّى إذَا كَانَ زَمَان الطُّوفَان حِين أَغْرَقَ اللَّه قَوْم نُوح رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَة أَهْل الْأَرْض , فَتَتَبَّعَ مِنْهُ إبْرَاهِيم أَثَرًا فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاس قَدِيم كَانَ قَبْله . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ مَا كَانَ الْحَرَم آمِنًا إلَّا بَعْد أَنْ سَأَلَ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ لَهُ الْأَمَان ؟ قِيلَ لَهُ : لَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يَزَلْ الْحَرَم آمِنًا مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَعُقُوبَة جَبَابِرَة خَلْقه , مُنْذُ خَلَقْت السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 1667 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , قَالَ : سَمِعْت أَبَا شُرَيْح الْخُزَاعِيّ يَقُول : لَمَّا اُفْتُتِحَتْ مَكَّة قَتَلَتْ خُزَاعَة رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ , فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَهِيَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إلَى يَوْم الْقِيَامَة ; لَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا , أَوْ يُعَضِّد بِهَا شَجَرًا . أَلَا وَإِنَّهَا لَا تَحِلّ لِأَحَدِ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلّ لِي إلَّا هَذِهِ السَّاعَة غَضَبًا عَلَى أَهْلهَا . أَلَا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالهَا بِالْأَمْسِ . أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ , فَمَنْ قَالَ : إنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلَ بِهَا , فَقُولُوا : إنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلّهَا لَك " . 1668 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان , وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير جَمِيعًا , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّة حِين افْتَتَحَهَا : " هَذِهِ حَرَم حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَوَضَعَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ , لَمْ تَحِلّ لِأَحَدِ قَبْلِي , وَلَا تَحِلّ لِأَحَدِ بَعْدِي , أُحِلَّتْ لِي سَاعَة مِنْ نَهَار " . قَالُوا : فَمَكَّة مُنْذُ خُلِقَتْ حَرَم آمِن مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَعُقُوبَة الْجَبَابِرَة . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . قَالُوا : وَلَمْ يَسْأَل إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يُؤَمِّنهُ مِنْ عُقُوبَته وَعُقُوبَة الْجَبَابِرَة , وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّن أَهْله مِنْ الْجَدُوب وَالْقُحُوط , وَأَنْ يَرْزُق سَاكِنه مِنْ الثَّمَرَات , كَمَا أَخْبَرَ رَبّه عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيم رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . قَالُوا : وَإِنَّمَا سَأَلَ رَبّه ذَلِكَ , لِأَنَّهُ أَسْكَنَ فِيهِ ذُرِّيَّته , وَهُوَ غَيْر ذِي زَرْع وَلَا ضَرْع , فَاسْتَعَاذَ رَبّه مِنْ أَنْ يُهْلِكهُمْ بِهَا جُوعًا وَعَطَشًا , فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنهُمْ مِمَّا حَذِرَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ . قَالُوا : وَكَيْف يَجُوز أَنْ يَكُون إبْرَاهِيم سَأَلَ رَبّه تَحْرِيم الْحَرَم , وَأَنْ يُؤَمِّنهُ مِنْ عُقُوبَته وَعُقُوبَة جَبَابِرَة خَلْقه , وَهُوَ الْقَائِل حِين حَلَّهُ , وَنَزَلَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَده : { رَبّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } ؟ 14 37 قَالُوا : فَلَوْ كَانَ إبْرَاهِيم هُوَ الَّذِي حَرَّمَ الْحَرَم أَوْ سَأَلَ رَبّه تَحْرِيمه لَمَّا قَالَ : { عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } 14 37 عِنْد نُزُوله بِهِ , وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ قَبْله , وَحُرِّمَ بَعْده . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الْحَرَم حَلَالًا قَبْل دَعْوَة إبْرَاهِيم كَسَائِرِ الْبِلَاد غَيْره , وَإِنَّمَا صَارَ حَرَامًا بِتَحْرِيمِ إبْرَاهِيم إيَّاهُ , كَمَا كَانَتْ مَدِينَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا قَبْل تَحْرِيم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا . قَالُوا : وَالدَّلِيل عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا : 1669 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ بَيْت اللَّه وَأَمَّنَهُ , وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة مَا بَيْن لَابَتَيْهَا لَا يُصَاد صَيْدهَا وَلَا تُقْطَع عِضَاههَا " . 1670 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحِيم الرَّازِيّ , سَمِعْت أَشْعَث , عَنْ نَافِع , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ إبْرَاهِيم كَانَ عَبْد اللَّه وَخَلِيله , وَإِنِّي عَبْد اللَّه وَرَسُوله , وَإِنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة مَا بَيْن لَابَتَيْهَا عِضَاهَا وَسَنَدهَا , وَلَا يُحْمَل فِيهَا سِلَاح لِقِتَالِ , وَلَا يُقْطَع مِنْهَا شَجَر إلَّا لِعَلَفِ بَعِير " . 1671 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا قُتَيْبَة بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا بَكْر بْن مُضَر , عَنْ ابْن الْهَادِ , عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان , عَنْ رَافِع بْن خَدِيج , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة , وَإِنِّي أُحَرِّم لِلْمَدِينَةِ مَا بَيْن لَابَتَيْهَا " . وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي يَطُول بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَاب . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي كِتَابه إنَّ إبْرَاهِيم قَالَ : { رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَا آمِنًا } وَلَمْ يُخْبِر عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَجْعَلهُ آمِنًا مِنْ بَعْض الْأَشْيَاء دُون بَعْض , فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَدَّعِي أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَان لَهُ مِنْ بَعْض الْأَشْيَاء دُون بَعْض إلَّا بِحُجَّةِ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . قَالُوا : وَأَمَّا خَبَر أَبِي شُرَيْح وَابْن عَبَّاس فَخَبَرَانِ لَا تَثْبُت بِهِمَا حُجَّة لِمَا فِي أَسَانِيدهمَا مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي لَا يَجِب التَّسْلِيم فِيهَا مِنْ أَجْلهَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره جَعَلَ مَكَّة حَرَمًا حِين خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا , كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِغَيْرِ تَحْرِيم مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَان أَحَد مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءِ , وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنْ الْآفَات وَالْعُقُوبَات , وَعَنْ سَاكِنِيهَا مَا أُحِلّ بِغَيْرِهَا وَغَيْر سَاكِنِيهَا مِنْ النَّقَمَات ; فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّه إبْرَاهِيم خَلِيله , وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْله هَاجَرَ وَوَلَده إسْمَاعِيل , فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ إيجَاد فَرْض تَحْرِيمهَا عَلَى عِبَاده عَلَى لِسَانه , لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّة لِمَنْ بَعْده مِنْ خَلْقه , يَسْتَنُّونَ بِهَا فِيهَا , إذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْره قَدْ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِله , لِلنَّاسِ إمَامًا يُقْتَدَى بِهِ , فَأَجَابَهُ رَبّه إلَى مَا سَأَلَهُ , وَأَلْزَم عِبَاده حِينَئِذٍ فَرْض تَحْرِيمه عَلَى لِسَانه , فَصَارَتْ مَكَّة بَعْد أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَة بِمَنْعِ اللَّه إيَّاهَا بِغَيْرِ إيجَاب اللَّه فَرْض الِامْتِنَاع مِنْهَا عَلَى عِبَاده , وَمُحَرَّمَة بِدَفْعِ اللَّه عَنْهَا بِغَيْرِ تَحْرِيمه إيَّاهَا عَلَى لِسَان أَحَد مِنْ رُسُله فَرَضَ تَحْرِيمهَا عَلَى خَلْقه عَلَى لِسَان خَلِيله إبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَوَاجِب عَلَى عِبَاده الِامْتِنَاع مِنْ اسْتِحْلَالهَا , وَاسْتِحْلَال صَيْدهَا وَعِضَاههَا , بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاع مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إبْرَاهِيم رِسَالَة اللَّه إلَيْك بِذَلِكَ إلَيْهِ ; فَلِذَلِك أُضِيفَ تَحْرِيمهَا إلَى إبْرَاهِيم , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة " لِأَنَّ فَرْض تَحْرِيمهَا الَّذِي أَلْزَم اللَّه عِبَاده عَلَى وَجْه الْعِبَادَة لَهُ بِهِ , دُون التَّحْرِيم الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبِّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْه الْكِلَاءَة وَالْحِفْظ لَهَا قَبْل ذَلِكَ ; كَانَ عَنْ مَسْأَلَة إبْرَاهِيم رَبّه إيجَاب فَرْض ذَلِكَ عَلَى لِسَانه , لَزِمَ الْعِبَاد فَرْضه دُون غَيْره . فَقَدْ تَبَيَّنَ إذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّة مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ , أَعْنِي خَبَر أَبِي شُرَيْح وَابْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَإِنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّة يَوْم خَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر " . وَخَبَر جَابِر وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَافِع بْن خَدِيج وَغَيْرهمْ , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا : " اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة " وَأَنْ لَيْسَ أَحَدهمَا دَافِعًا صِحَّة مَعْنَى الْآخَر كَمَا ظَنَّهُ بَعْض الْجُهَّال . وَغَيْر جَائِز فِي أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون بَعْضهَا دَافِعًا بَعْضًا إذَا ثَبَتَ صِحَّتهَا , وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَع عُذْر مَنْ بَلَغَهُ . وَقَوْل إبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : { رَبّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم } 14 37 فَإِنَّهُ إنْ يَكُنْ قَالَ قَبْل إيجَاب اللَّه فَرْض تَحْرِيمه عَلَى لِسَانه عَلَى خَلْقه , فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيم اللَّه إيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إيَّاهُ وَكِلَاءَته مِنْ غَيْر تَحْرِيمه إيَّاهُ عَلَى خَلْقه عَلَى وَجْه التَّعَبُّد لَهُمْ بِذَلِكَ . وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْد تَحْرِيم اللَّه إيَّاهُ عَلَى لِسَانه عَلَى خَلْقه عَلَى وَجْه التَّعَبُّد , فَلَا مَسْأَلَة لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . / وَهَذِهِ مَسْأَلَة مِنْ إبْرَاهِيم رَبّه أَنْ يَرْزُق مُؤْمِنِي أَهْل مَكَّة مِنْ الثَّمَرَات دُون كَافِرِيهِمْ . وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُون الْكَافِرِينَ لِمَا أَعْلَمه اللَّه عِنْد مَسْأَلَته إيَّاهُ أَنْ يَحْمِل مِنْ وِلَايَته أَئِمَّة يُقْتَدَى بِهِمْ أَنَّ مِنْهُمْ الْكَافِر الَّذِي لَا يَنَال عَهْده , وَالظَّالِم الَّذِي لَا يُدْرِك وِلَايَته . فَلَمَّا أَعْلَم أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّته الظَّالِم وَالْكَافِر , خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبّه أَنْ يَرْزُق مِنْ الثَّمَرَات مِنْ سُكَّان مَكَّة الْمُؤْمِن مِنْهُمْ دُون الْكَافِر , وَقَالَ اللَّه لَهُ : إنِّي قَدْ أَجَبْت دُعَاءَك , وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْل هَذَا الْبَلَد كَافِرهمْ , فَأُمَتِّعهُ بِهِ قَلِيلًا . وَأَمَّا " مَنْ " فِي قَوْله : { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } فَإِنَّهُ نُصِبَ عَلَى التَّرْجَمَة , وَالْبَيَان عَنْ الْأَهْل , كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ } 2 217 بِمَعْنَى : يَسْأَلُونَك عَنْ قِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام , وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجّ الْبَيْت مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } 3 97 بِمَعْنَى : وَلِلَّهِ حِجّ الْبَيْت عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا . وَإِنَّمَا سَأَلَ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع وَلَا مَاء وَلَا أَهْل , فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُق أَهْله ثَمَرًا , وَأَنْ يَجْعَل أَفْئِدَة النَّاس تَهْوِي إلَيْهِمْ , فَذَكَرَ أَنَّ إبْرَاهِيم لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبّه نَقَلَ اللَّه الطَّائِفَة مِنْ فِلَسْطِين . 1672 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا هِشَام , قَالَ : قَرَأْت عَلَى مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَنَّ إبْرَاهِيم لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ { وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات } نَقَلَ اللَّه الطَّائِف مِنْ فِلَسْطِين . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . / وَهَذِهِ مَسْأَلَة مِنْ إبْرَاهِيم رَبّه أَنْ يَرْزُق مُؤْمِنِي أَهْل مَكَّة مِنْ الثَّمَرَات دُون كَافِرِيهِمْ . وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُون الْكَافِرِينَ لِمَا أَعْلَمه اللَّه عِنْد مَسْأَلَته إيَّاهُ أَنْ يَحْمِل مِنْ وِلَايَته أَئِمَّة يُقْتَدَى بِهِمْ أَنَّ مِنْهُمْ الْكَافِر الَّذِي لَا يَنَال عَهْده , وَالظَّالِم الَّذِي لَا يُدْرِك وِلَايَته . فَلَمَّا أَعْلَم أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّته الظَّالِم وَالْكَافِر , خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبّه أَنْ يَرْزُق مِنْ الثَّمَرَات مِنْ سُكَّان مَكَّة الْمُؤْمِن مِنْهُمْ دُون الْكَافِر , وَقَالَ اللَّه لَهُ : إنِّي قَدْ أَجَبْت دُعَاءَك , وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْل هَذَا الْبَلَد كَافِرهمْ , فَأُمَتِّعهُ بِهِ قَلِيلًا . وَأَمَّا " مَنْ " فِي قَوْله : { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } فَإِنَّهُ نُصِبَ عَلَى التَّرْجَمَة , وَالْبَيَان عَنْ الْأَهْل , كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ } 2 217 بِمَعْنَى : يَسْأَلُونَك عَنْ قِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام , وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجّ الْبَيْت مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } 3 97 بِمَعْنَى : وَلِلَّهِ حِجّ الْبَيْت عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا . وَإِنَّمَا سَأَلَ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع وَلَا مَاء وَلَا أَهْل , فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُق أَهْله ثَمَرًا , وَأَنْ يَجْعَل أَفْئِدَة النَّاس تَهْوِي إلَيْهِمْ , فَذَكَرَ أَنَّ إبْرَاهِيم لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبّه نَقَلَ اللَّه الطَّائِفَة مِنْ فِلَسْطِين . 1672 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا هِشَام , قَالَ : قَرَأْت عَلَى مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَنَّ إبْرَاهِيم لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ { وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات } نَقَلَ اللَّه الطَّائِف مِنْ فِلَسْطِين . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَائِل هَذَا الْقَوْل وَفِي وَجْه قِرَاءَته , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَائِل هَذَا الْقَوْل رَبّنَا تَعَالَى ذِكْره , وَتَأْوِيله عَلَى قَوْلهمْ : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } بِرِزْقِي مِنْ الثَّمَرَات فِي الدُّنْيَا إلَى أَنْ يَأْتِيه أَجَله . وَقَرَأَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة ذَلِكَ : { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } بِتَشْدِيدِ التَّاء وَرَفْع الْعَيْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فِي قَوْله : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } قَالَ : هُوَ قَوْل الرَّبّ تَعَالَى ذِكْره . 1674 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ ابْن إسْحَاق : لَمَّا قَالَ إبْرَاهِيم : { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } وَعَدَلَ الدَّعْوَة عَمَّنْ أَبَى اللَّه أَنْ يَجْعَل لَهُ الْوِلَايَة , انْقِطَاعًا إلَى اللَّه وَمَحَبَّة وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْره , وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّته حِين عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِم لَا يَنَال عَهْده , بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِين أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّه : { وَمَنْ كَفَرَ } فَإِنِّي أَرْزُق الْبَرّ وَالْفَاجِر { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالَ ذَلِكَ إبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن عَلَى وَجْه الْمَسْأَلَة مِنْهُ رَبّه أَنْ يَرْزُق الْكَافِر أَيْضًا مِنْ الثَّمَرَات بِالْبَلَدِ الْحَرَام , مِثْل الَّذِي يَرْزُق بِهِ الْمُؤْمِن وَيُمَتِّعهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا , ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار بِتَخْفِيفِ " التَّاء " وَجَزْم " الْعَيْن " وَفَتْح " الرَّاء " مَنْ اضْطَرَّهُ , وَفَصَلَ ثُمَّ اضْطَرَّهُ بِغَيْرِ قَطْع أَلِفهَا , عَلَى وَجْه الدُّعَاء مِنْ إبْرَاهِيم رَبّه لَهُمْ وَالْمَسْأَلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1675 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : ذَلِكَ قَوْل إبْرَاهِيم يَسْأَل رَبّه أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا . 1676 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } يَقُول : وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقهُ أَيْضًا ثُمَّ اضْطَرَّهُ إلَى عَذَاب النَّار . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا وَالتَّأْوِيل , مَا قَالَهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَقِرَاءَته , لِقِيَامِ الْحُجَّة بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض دِرَايَة بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ , وَشُذُوذ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْقِرَاءَة . وَغَيْر جَائِز الِاعْتِرَاض بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْله الْخَطَأ وَالسَّهْو , عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْر جَائِز عَلَيْهِ فِي نَقْله . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : قَالَ اللَّه : يَا إبْرَاهِيم قَدْ أَجَبْت دَعْوَتك , وَرَزَقْت مُؤْمِنِي أَهْل هَذَا الْبَلَد مِنْ الثَّمَرَات وَكُفَّارهمْ مَتَاعًا لَهُمْ إلَى بُلُوغ آجَالهمْ , ثُمَّ اضْطَرَّ كُفَّارهمْ بَعْد ذَلِكَ إلَى النَّار . وَأَمَّا قَوْله : { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } يَعْنِي : فَأَحْمِل مَا أَرْزُقهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاته مَتَاعًا يَتَمَتَّع بِهِ إلَى وَقْت مَمَاته . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيم جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْق الثَّمَرَات لِمُؤْمِنِي أَهْل مَكَّة , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَاب إنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إبْرَاهِيم لَا فِي غَيْره . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : فَأُمَتِّعهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ غَيْره : فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا فِي كُفْره مَا أَقَامَ بِمَكَّة , حَتَّى أَبْعَث مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلهُ إنْ أَقَامَ عَلَى كُفْره أَوْ يُجْلِيه عَنْهَا . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلهُ الْكَلَام فَإِنَّ دَلِيل ظَاهِر الْكَلَام عَلَى خِلَافه لِمَا وَصَفْنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَائِل هَذَا الْقَوْل وَفِي وَجْه قِرَاءَته , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَائِل هَذَا الْقَوْل رَبّنَا تَعَالَى ذِكْره , وَتَأْوِيله عَلَى قَوْلهمْ : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } بِرِزْقِي مِنْ الثَّمَرَات فِي الدُّنْيَا إلَى أَنْ يَأْتِيه أَجَله . وَقَرَأَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة ذَلِكَ : { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } بِتَشْدِيدِ التَّاء وَرَفْع الْعَيْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فِي قَوْله : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } قَالَ : هُوَ قَوْل الرَّبّ تَعَالَى ذِكْره . 1674 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ ابْن إسْحَاق : لَمَّا قَالَ إبْرَاهِيم : { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } وَعَدَلَ الدَّعْوَة عَمَّنْ أَبَى اللَّه أَنْ يَجْعَل لَهُ الْوِلَايَة , انْقِطَاعًا إلَى اللَّه وَمَحَبَّة وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْره , وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّته حِين عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِم لَا يَنَال عَهْده , بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِين أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّه : { وَمَنْ كَفَرَ } فَإِنِّي أَرْزُق الْبَرّ وَالْفَاجِر { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالَ ذَلِكَ إبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن عَلَى وَجْه الْمَسْأَلَة مِنْهُ رَبّه أَنْ يَرْزُق الْكَافِر أَيْضًا مِنْ الثَّمَرَات بِالْبَلَدِ الْحَرَام , مِثْل الَّذِي يَرْزُق بِهِ الْمُؤْمِن وَيُمَتِّعهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا , ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار بِتَخْفِيفِ " التَّاء " وَجَزْم " الْعَيْن " وَفَتْح " الرَّاء " مَنْ اضْطَرَّهُ , وَفَصَلَ ثُمَّ اضْطَرَّهُ بِغَيْرِ قَطْع أَلِفهَا , عَلَى وَجْه الدُّعَاء مِنْ إبْرَاهِيم رَبّه لَهُمْ وَالْمَسْأَلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1675 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : ذَلِكَ قَوْل إبْرَاهِيم يَسْأَل رَبّه أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا . 1676 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } يَقُول : وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقهُ أَيْضًا ثُمَّ اضْطَرَّهُ إلَى عَذَاب النَّار . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا وَالتَّأْوِيل , مَا قَالَهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَقِرَاءَته , لِقِيَامِ الْحُجَّة بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض دِرَايَة بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ , وَشُذُوذ مَا خَالَفَهُ مِنْ الْقِرَاءَة . وَغَيْر جَائِز الِاعْتِرَاض بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْله الْخَطَأ وَالسَّهْو , عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْر جَائِز عَلَيْهِ فِي نَقْله . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : قَالَ اللَّه : يَا إبْرَاهِيم قَدْ أَجَبْت دَعْوَتك , وَرَزَقْت مُؤْمِنِي أَهْل هَذَا الْبَلَد مِنْ الثَّمَرَات وَكُفَّارهمْ مَتَاعًا لَهُمْ إلَى بُلُوغ آجَالهمْ , ثُمَّ اضْطَرَّ كُفَّارهمْ بَعْد ذَلِكَ إلَى النَّار . وَأَمَّا قَوْله : { فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا } يَعْنِي : فَأَحْمِل مَا أَرْزُقهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاته مَتَاعًا يَتَمَتَّع بِهِ إلَى وَقْت مَمَاته . وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيم جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْق الثَّمَرَات لِمُؤْمِنِي أَهْل مَكَّة , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَاب إنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إبْرَاهِيم لَا فِي غَيْره . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : فَأُمَتِّعهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ غَيْره : فَأُمَتِّعهُ قَلِيلًا فِي كُفْره مَا أَقَامَ بِمَكَّة , حَتَّى أَبْعَث مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلهُ إنْ أَقَامَ عَلَى كُفْره أَوْ يُجْلِيه عَنْهَا . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلهُ الْكَلَام فَإِنَّ دَلِيل ظَاهِر الْكَلَام عَلَى خِلَافه لِمَا وَصَفْنَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } ثُمَّ أَدْفَعهُ إلَى عَذَاب النَّار وَأَسُوقهُ إلَيْهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { يَوْم يُدَعُّونَ إلَى نَار جَهَنَّم دَعًّا } 52 13 وَمَعْنَى الِاضْطِرَار : الْإِكْرَاه , يُقَال : اضْطَرَرْت فُلَانًا إلَى هَذَا الْأَمْر : إذَا أَلْجَأْته إلَيْهِ وَحَمَلْته عَلَيْهِ . فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } أَدْفَعهُ إلَيْهَا , وَأَسُوقهُ سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } ثُمَّ أَدْفَعهُ إلَى عَذَاب النَّار وَأَسُوقهُ إلَيْهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { يَوْم يُدَعُّونَ إلَى نَار جَهَنَّم دَعًّا } 52 13 وَمَعْنَى الِاضْطِرَار : الْإِكْرَاه , يُقَال : اضْطَرَرْت فُلَانًا إلَى هَذَا الْأَمْر : إذَا أَلْجَأْته إلَيْهِ وَحَمَلْته عَلَيْهِ . فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ أَضْطَرّهُ إلَى عَذَاب النَّار } أَدْفَعهُ إلَيْهَا , وَأَسُوقهُ سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِئْسَ الْمَصِير } . قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ " بِئْسَ " أَصْله " بَئِسَ " مِنْ الْبُؤْس , سُكِّنَ ثَانِيه وَنُقِلَتْ حَرَكَة ثَانِيه إلَى أَوَّله , كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْد , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَسَاءَ الْمَصِير عَذَاب النَّار , بَعْد الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتهمْ فِيهَا . وَأَمَّا الْمَصِير فَإِنَّهُ مَفْعِل مِنْ قَوْل الْقَائِل : صِرْت مَصِيرًا صَالِحًا , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَصِير إلَيْهِ الْكَافِر بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب النَّار . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِئْسَ الْمَصِير } . قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ " بِئْسَ " أَصْله " بَئِسَ " مِنْ الْبُؤْس , سُكِّنَ ثَانِيه وَنُقِلَتْ حَرَكَة ثَانِيه إلَى أَوَّله , كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْد , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَسَاءَ الْمَصِير عَذَاب النَّار , بَعْد الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتهمْ فِيهَا . وَأَمَّا الْمَصِير فَإِنَّهُ مَفْعِل مِنْ قَوْل الْقَائِل : صِرْت مَصِيرًا صَالِحًا , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَصِير إلَيْهِ الْكَافِر بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب النَّار .'

تفسير القرطبي

وفيه ثلاث مسائل: الأولى:قوله تعالى { بلدا آمنا} يعني مكة، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش. فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسميت الطائف لذلك، ثم أنزلها تهامة، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثمرات، على ما يأتي بيانه في سورة[ إبراهيم] إن شاء الله تعالى. الثانية: اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين : أحدهما : أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تحل بالبلاد، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب. وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمنا من القحط والجدب والغارات، وأن يرزق أهله من الثمرات، لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل، فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال : طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم، هذا بعيد جدا. الثاني : أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا. احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة (إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها) فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال : (إلا الإذخر). ونحوه حديث أبي شريح، أخرجهما مسلم وغيره. وفي صحيح مسلم أيضا عن عبدالله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة). قال ابن عطيةولا تعارض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكان القول الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه. وقال الطبري : كانت مكة حراما فلم يتعبدالله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها. الثالثة:قوله تعالى { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} تقدم معنى الرزق. والثمرات جمع ثمرة، قد تقدم. { من آمن} بدل من أهل، بدل البعض من الكل. والإيمان : التصديق، وقد تقدم. { قال ومن كفر} { من} في قوله { ومن كفر} في موضع نصب، والتقدير وارزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر { فأمتعه} وهو الجواب. واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هو من الله تعالى، وقرؤوا { فأمتعه} بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. { ثم أضطره} بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر فإنه سكن الميم وخفف التاء. وحكى أبو إسحاق الزجاج أن في قراءة أبي { فنمتعه قليلا ثم نضطره} بالنون. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هذا القول من إبراهيم عليه السلام. وقرؤوا { فأمتعه} بفتح الهمزة وسكون الميم، { ثم اضطره} بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في { قال} لإبراهيم، وأعيد { قال} لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في { قال} على قراءة الجماعة اسم الله تعالى، واختاره النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال : ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها، أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال { رب اجعل هذا بلدا آمنا} ثم جاء بقوله عز وجل { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} ولم يفصل بينه بقال، ثم قال بعد { قال ومن كفر} فكان هذا جوابا من الله، ولم يقل بعد : قال إبراهيم. وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ابن عباس : دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر : وقال الله عز وجل { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} [الإسراء : 20] وقال جل ثناؤه { وأمم سنمتعهم} [هود : 48]. قال أبو إسحاق : إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين، لأن الله تعالى قال { لا ينال عهدي الظالمين} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 125 - 126


سورة البقرة الايات 126 - 133

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً }.. ومادام الله قد جعله أمنا فما هي جدوى دعوة إبراهيم أن تكون مكة بلدا آمنا.. نقول إذا رأيت طلبا لموجود فاعلم أن القصد منه هو دوام بقاء ذلك الموجود.. فكأن إبراهيم يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يديم نعمة الأمن في البيت.. ذلك لأنك عندما تقرأ قول الحق تبارك وتعالى:
{  يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }
[النساء: 136]

هو خاطبهم بلفظ الإيمان ثم طلب منهم أن يؤمنوا.. كيف؟ نقول إن الله سبحانه يأمرهم أن يستمروا ويداوموا على الإيمان.. ولذلك فإن كل مطلوب لموجود هو طلبٌ لاستمرار هذا الموجود.

وقول إبراهيم: { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً }.. أي يا رب إذا كنت قد جعلت هذا البيت آمنا من قبل فأمنه حتى قيام الساعة.. ليكون كل من يدخل إليه آمنا لأنه موجود في واد غير ذي زرع.. وكانت الناس في الماضي تخاف أن تذهب إليه لعدم وجود الأمان في الطريق.. أو آمنا أي أن يديم الله على كل من يدخله نعمة الإيمان.

وقوله تعالى: { ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً } تكررت في آية أخرى تقول: { ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً }.. فمرة جاء بها نكرة ومرة جاء بها معرفة.. نقول إن إبراهيم حين قال: { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً }.. طلب من الله شيئين.. أن يجعل هذا المكان بلدا وأن يجعله آمنا.

ما معنى أن يجعله بلدا؟ هناك أسماء تؤخذ من المحسات.. فكلمة غصب تعني سلخ الجلد عن الشاة وكأن من يأخذ شيئا من إنسان غصبا كأنه يسلخه منه بينما هو متمسك به.

كلمة بلد حين تسمعها تنصرف إلى المدينة.. والبلد هو البقة تنشأ في الجلد فتميزه عن باقي الجلد كأن تكون هناك بقعة بيضاء في الوجه أو الذراعين فتكون البقعة التي ظهرت مميزة ببياض اللون.. والمكان إذا لم يكن فيه مساكن ومبان فيكون مستويا بالأرض لا تستطيع أن تميزه بسهولة.. فإذا أقمت فيه مباني جعلت فيه علامة تميزه عن باقي الأرض المحيطة به.

وقوله تعالى: { وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ }.. هذه من مستلزمات الأمن لأنه مادام هناك رزق وثمرات تكون مقومات الحياة موجودة فيبقى الناس في هذا البلد.. ولكن إبراهيم قال: { وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } فكأنه طلب الرزق للمؤمنين وحدهم.. لماذا؟ لأنه حينما قال له الله:
{  إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً }
[البقرة: 124]

قال إبراهيم:
{  وَمِن ذُرِّيَّتِي }
[البقرة: 124]

قال الله سبحانه:
{  لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 124]

فخشي إبراهيم وهو يطلب لمن سيقيمون في مكة أن تكون استجابة الله سبحانه كالاستجابة السابقة.. كأن يقال له لا ينال رزق الله الظالمون. فاستدرك إبراهيم وقال: { وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ }.. ولكن الله سبحانه أراد أن يلفت إبراهيم إلى أن عطاء الألوهية ليس كعطاء الربوبية.. فإمامة الناس عطاء ألوهية لا يناله إلا المؤمن، أما الرزق فهو عطاء ربوبية يناله المؤمن والكافر.لأن الله هو الذي استدعانا جميعا إلى الحياة وكفل لنا جميعا رزقنا.. وكأن الحق سبحانه حين قال: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ }.. كان يتحدث عن قيم المنهج التي لا تعطى إلا للمؤمن ولكن الرزق يعطى للمؤمن والكافر.. لذلك قال الله سبحانه: { وَمَن كَفَرَ }.. وفي هذا تصحيح مفاهيم بالنسبة لإبراهيم ليعرف أن كل من استدعاه الله تعالى للحياة له رزقه مؤمنا كان أو كافرا. والخير في الدنيا على الشيوع. فمادام الله قد استدعاك فإنه ضمن لك رزقك.

إن الله لم يقل للشمس أشرقي على أرض المؤمن فقط، ولم يقل للهواء لا يتنفسك ظالم وإنما أعطى نعمة استبقاء الحياة واستمرارها لكل من خلق آمن أو كفر.. ولكن من كفر قال عنه الله سبحانه وتعالى: { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً }.. التمتع هو شيء يحبه الإنسان ويتمنى دوامه وتكراره.

وقوله تعالى: { فَأُمَتِّعُهُ } دليل على دوام متعته، أي له المتعة في الدنيا. ولكل نعمة متعة، فالطعام له متعة والشراب له متعة والجنس له متعة.. إذن التمتع في الدنيا بأشياء متعددة. ولكن الله تبارك وتعالى وصفه بأنه قليل.. لأن المتعة في الدنيا مهما بلغت وتعدّدت ألوانها فهي قليلة.

واقرأ قوله تعالى: { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ }.. ومعنى أضطره أنه لا اختيار له في الآخرة، فكأن الإنسان له اختيار في الحياة الدنيا يأخذ هذا ويترك هذا ولكن في الآخرة ليس له اختيار.. فلا يستطيع وهو من أهل النار مثلا أن يختار الجنة بل إن أعضاءه المسخرة لخدمته في الحياة الدنيا والتي يأمرها بالمعصية فتفعل، لا ولاية له عليها في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه:
{  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
[النور: 24]

أي أن الجوارح التي كانت تطيع الكافر في المعاصي في الدنيا لا تطيعه يوم القيامة؛ فاللسان الذي كان ينطق كلمة الكفر والعياذ بالله يأتي يوم القيامة يشهد على صاحبه.. والقدم التي كانت تمشي إلى أماكن الخمر واللهو والفسوق تشهد على صاحبها، واليد التي كانت تقتل وتسرق تشهد على صاحبها. وقوله: " اضطره " معناه أن الإنسان يفقد اختياره في الآخرة ثم ينتهي إلى النار وإلى العذاب الشديد مصداقا لقوله تعالى: { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }.. أي أن الله سبحانه وتعالى يحذر الكافرين بأن لهم النار والعذاب في الآخرة ليس على اختيار منهم ولكن وهم مقهورون.


www.alro7.net