سورة
اية:

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} . [125].
اختلفوا في سبب اتخاذ الله إبراهيم خليلاً:
فأخبرنا أبو سعيد النَّضْرَوِيّ قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين السّرّاج، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الحضْرَمِيّ، قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم المَرْوَزِيّ، قال: حدَّثنا لَهيعَة عن أبي قَبِيل، عن عبد الله، عن عمر، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريلُ لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعامَ، يا محمدُ.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أَبْزَى:
دخل إبراهيم منزله فجأة، فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، قال له إبراهيم: بإذن من دخلت؟ فقال: بإذن رب المنزل. فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً، قال إبراهيم: ومَن ذلك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أكون خادماً له حتى أموت، قال: فإنه أنت.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام، وكانت الميرة لهم كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له، وقد دخل علينا ما دَخَلَ على الناس من الشدة. فرجع رُسُلُ إبراهيم فمروا ببطْحَاءَ فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنّا قد جئنا بميرة، إنا لنستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة. فملأوا تلك الغَرائرَ رملاً. ثم إنهم أتوا إبراهيم عليه السلام وسَارَة نائمة، فأعلموه ذلك، فاهتم إبراهيم عليه السلام مكان الناس، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة فقامت إلى تلك الغَرائرَ ففتقتها فإذا هو [دقيق] أجود حُوَّارَى يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام، فقال: يا سَارَةُ، من أين هذا الطعام؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند الله خليلي، لا من عند خليلي المصري. فيومئذ اتخذ الله إبراهيم خليلاً.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المُزَكّي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد الجُوزي قال: حدَّثنا إبراهيم بن شريك، قال: أخبرنا أحمد بن يونس قال: حدَّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن أبي المُهلَّب الكِنَانِي عن عُبَيْد الله بن زَمْر؛ عن علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أُمَامَة، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وإِنه لم يكن نبيّ إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر".
وأخبرني الشريف أبو إسماعيل بن الحسن النقيب، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن حماد، قال: أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل التّرْمِذي، قال: أخبرنا سعيد بن أبي مَرْيم، قال: حدَّثنا مسلمة، قال: حدثني زيد بن وَاقِد، عن القاسم بن مُخَيْمَرَة عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وموسى نجيّاً، واتخذني حبيباً. ثم قال: وعزتي [وجلالي] لأوثِرَنّ حبيبي على خليلي ونَجِيِّي".

تفسير بن كثير

قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب‏:‏ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى باللّه منكم، وقال المسلمون‏:‏ نحن أولى باللّه منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل اللّه‏:‏ ‏ { ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجْزَ بِهِ‏} ‏ ‏ { ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للّه وهو محسن‏} ‏ الآية، ثم أفلج اللّه حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان‏.‏ وكذا روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ في هذه الآية تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة‏:‏ كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل‏:‏ مثل ذلك، وقال أهل الإسلام‏:‏ لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب؛ ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى اللّه بينهم وقال‏:‏ ‏ { ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ الآية؛ وخيِّر بين الأديان فقال‏:‏ ‏ { ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للّه وهو محسن‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ { ‏واتخذ اللّه إبراهيم خليلاً‏} ‏ وقال مجاهد‏:‏ قالت العرب لن نُبعث ولن نُعذب؛ وقالت اليهود والنصارى‏:‏ ‏ { ‏لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏} ‏ وقالوا‏:‏ ‏ { ‏لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات‏} ‏ والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكن ما قر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من اللّه برهان؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني‏؟‏ بل العبرة بطاعة اللّه سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده‏:‏ ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏، كقوله‏:‏ ‏ { ‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره؛ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏‏.‏ وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإمام أحمد بسنده أخبرت أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال‏:‏ يا رسول اللّه كيف الفلاح بعد هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزبه‏} ‏ فكل سوء عملناه جُزيناه به‏!‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏غفر اللّه لك يا أبا بكر ألست تمرض‏؟‏ ألست تنصب‏؟‏ ألست تصيبك اللأواء‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏فهو مما تجزون به‏)‏ وروى أبو بكر بن مردويه عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ كنت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون اللّه ولياً ولا نصيراً‏} ‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ‏)‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول اللّه قال‏:‏ فأقرأنيها فلا أعلم أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏مالك يا أبا بكر‏)‏‏؟‏ قلت‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة‏)‏ وقال ابن جرير‏:‏ لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر‏:‏ جاءت قاصمة الظهر فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:‏ ‏(‏إنما هي المصيبات في الدنيا‏)‏ حديث آخر قال سعيد بن منصور عن عائشة‏:‏ أن رجلا تلى هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فقال‏:‏ إنا لنجزي بكل ما عملناه هلكنا إذاً فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه‏)‏ وقال ابن أبي حاتم عن عائشة قالت،قلت يا رسول اللّه إني لأعلم أشد آية في القرآن فقال‏:‏ ‏(‏ما هي يا عائشة‏؟‏ قلت‏:‏ ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ فقال‏:‏ ‏(‏هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها‏)‏ وعن علي بن زيد عن ابنته أنها سألت عائشة عن هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏من يعلم سوءاً يجز به‏} ‏ فقالت‏:‏ ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏يا عائشة هذه مبايعة اللّه للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة فيضعها في كمه فيفزع لها فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما أن الذهب يخرج من الكير‏)‏ ‏"‏رواه أبو داود والطيالسي‏"‏ حديث آخر ‏:‏ قال سعد بن منصور عن محمد بن قيس بن مخرمة‏:‏ أن أبا هريرة رضي اللّه عنه قال لما نزلت ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها‏)‏ وهكذا رواه أحمد ورواه ابن جرير عن عبد اللّه بن إبراهيم سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏ { ‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ بكينا وحزنا وقلنا يا رسول اللّه ‏:‏ ما أبقت هذه الآمة من شيء قال‏:‏ ‏(‏أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر اللّه بها من خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه‏)‏ حديث آخر ‏:‏ روى ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قيل يا رسول اللّه ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشراً‏)‏ فهلك من غلب واحدته عشراته‏.‏ وقال ابن جرير عن الحسن ‏ { ‏من يعمل سوءاً يجز به‏} ‏ قال‏:‏ الكافر ثم قرأ‏:‏ ‏ { ‏وهل نجازي إلا الكفور‏} ‏، وقوله ‏ { ‏ولا يجد له من دون اللّه ولياً ولا نصيراً‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ إلا أن يتوب فيتوب اللّه عليه رواه ابن ابي حاتم‏.‏ والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث وهذا اختيار ابن جرير واللّه أعلم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن‏} ‏ الآية، لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو أجود له، وإما في الآخرة ـ والعياذ باللّه من ذلك؛ ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة ـ شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، وهذا النقير وهما في نواة التمرة والقطمير وهو اللفاقة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للّه‏} ‏‏‏ أي أخلص العمل لربه عز وجلَّ فعمل إيماناً واحتسابًا ‏ { ‏وهو محسن‏} ‏ أي اتبع في عمله ما شرعه اللّه له وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما أي يكون خالصاً صواباً والخالص أن يكون لّه، والصواب أن يكون متابعاً للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقاً وهم الذين يراؤون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين ‏ { ‏الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم‏} ‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏واتبع ملة إبراهيم حنيفاً‏} ‏ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏‏ { ‏إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي‏} ‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏ { ‏ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏} ‏ والحنيف هو المائل عن الشرك قصداً أي تاركاً له عن بصيرة ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏واتخذ اللّه إبراهم خليلاً‏} ‏ وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله‏:‏ ‏ { ‏وإبراهيم الذي وفَّى‏} ‏ قال كثير من علماء السلف‏:‏ أي قام بجميع ما أمر به، وفّى كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى‏:‏ ‏ { ‏وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُه بكلمات فأتمهن‏} ‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏ { ‏إن إبراهيم كان أمة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين‏} ‏ الآية، وقال البخاري عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ إن معاذاً لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ‏:‏ ‏ { ‏واتخذ اللّه إبراهيم خليلاً‏} ‏ فقال رجل من القوم‏:‏ لقد قرت عين أم إبراهيم، وإنما سمي خليل اللّه لشدة محبته لربه عزَّ وجلَّ لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال‏:‏ ‏(‏أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً ولكن صاحبكم خليل اللّه ‏)‏ وروى أبو بكر بن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ جلس ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول‏:‏ عجب إن اللّه اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله، وقال آخر‏:‏ ماذا بأعجب من أن اللّه كلم موسى تكليماً، وقال آخر‏:‏ فعيسى روح اللّه وكلمته، وقال آخر‏:‏ آدم اصطفاه اللّه، فخرج عليهم فسلم وقال‏:‏ ‏(‏قد سمعت كلامكم وتعجبكم إن إبراهيم خليل اللّه وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه اللّه، وهو كذلك، وكذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ألا وإني حبيب اللّه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح اللّه ويدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر‏)‏ وهذا حديث غريب ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها وعن إسحاق بن يسار قال‏:‏ لما اتخذ ابراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوجل حتى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وهكذا جاء في صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء وقوله‏:‏ ‏ { ‏وللّه ما في السموات وما في الأرض‏} ‏ أي الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته وقوله‏:‏ ‏ { ‏وكان اللّه بكل شيء محيطاً‏} ‏ أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة مما تراءى للناظرين وما توارى‏.

تفسير الجلالين

{ ومن } أي لا أحد { أحسن دينا ممن أسلم وجهه } أي انقاد وأخلص عمله { لله وهو محسن } موحد { واتبع ملة إبراهيم } الموافقة لملة الإسلام { حنيفا } حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم { واتخذ الله إبراهيم خليلا } صفيا خالص المحبة له .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن } وَهَذَا قَضَاء مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِر الْمِلَل غَيْره وَأَهْلهَا , يَقُول اللَّه : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا } أَيّهَا النَّاس , وَأَصْوَب طَرِيقًا وَأَهْدَى سَبِيلًا ; { مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } يَقُول : مِمَّنْ اِسْتَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ , فَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ , مُصَدِّقًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه . { وَهُوَ مُحْسِن } يَعْنِي : وَهُوَ عَامِل بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّه , مُحَرِّم حَرَامه , وَمُحَلِّل حَلَاله. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الضَّحَّاك . 8310 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : فَضَّلَ اللَّه الْإِسْلَام عَلَى كُلّ دِين , فَقَالَ : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن } . .. إِلَى قَوْله : { وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا } وَلَيْسَ يُقْبَل فِيهِ عَمَل غَيْر الْإِسْلَام , وَهِيَ الْحَنِيفِيَّة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن } وَهَذَا قَضَاء مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِر الْمِلَل غَيْره وَأَهْلهَا , يَقُول اللَّه : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا } أَيّهَا النَّاس , وَأَصْوَب طَرِيقًا وَأَهْدَى سَبِيلًا ; { مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } يَقُول : مِمَّنْ اِسْتَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ , فَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ , مُصَدِّقًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه . { وَهُوَ مُحْسِن } يَعْنِي : وَهُوَ عَامِل بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّه , مُحَرِّم حَرَامه , وَمُحَلِّل حَلَاله. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الضَّحَّاك . 8310 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : فَضَّلَ اللَّه الْإِسْلَام عَلَى كُلّ دِين , فَقَالَ : { وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن } . .. إِلَى قَوْله : { وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا } وَلَيْسَ يُقْبَل فِيهِ عَمَل غَيْر الْإِسْلَام , وَهِيَ الْحَنِيفِيَّة .' { وَاتَّبَعَ مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاتَّبَعَ الدِّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن , وَأَمَرَ بِهِ بَنِيهِ مِنْ بَعْده وَأَوْصَاهُمْ بِهِ ; حَنِيفًا , يَعْنِي : مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجه وَسَبِيله . وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْل فِي مَعْنَى الْحَنِيف وَالدَّلِيل عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . { وَاتَّبَعَ مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاتَّبَعَ الدِّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن , وَأَمَرَ بِهِ بَنِيهِ مِنْ بَعْده وَأَوْصَاهُمْ بِهِ ; حَنِيفًا , يَعْنِي : مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجه وَسَبِيله . وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْل فِي مَعْنَى الْحَنِيف وَالدَّلِيل عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم وَلِيًّا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا مَعْنَى الْخُلَّة الَّتِي أُعْطِيَهَا إِبْرَاهِيم ؟ قِيلَ : ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْعَدَاوَة فِي اللَّه وَالْبُغْض فِيهِ , وَالْوِلَايَة فِي اللَّه وَالْحُبّ فِيهِ , عَلَى مَا يُعْرَف مِنْ مَعَانِي الْخُلَّة . وَأَمَّا مِنْ اللَّه لِإِبْرَاهِيم , فَنُصْرَته عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِسُوءٍ , كَاَلَّذِي فَعَلَ بِهِ إِذْ أَرَادَهُ نُمْرُوذ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْإِحْرَاق بِالنَّارِ , فَأَنْقَذَهُ مِنْهَا , وَأَعْلَى حُجَّته عَلَيْهِ إِذْ حَاجَّهُ , وَكَمَا فَعَلَ مَلِك مِصْر إِذْ أَرَادَهُ عَنْ أَهْله , وَتَمْكِينه مِمَّا أَحَبَّ , وَتَصْيِيره إِمَامًا لِمَنْ بَعْده مِنْ عِبَاده وَقُدْوَة لِمَنْ خَلَقَهُ فِي طَاعَته وَعِبَادَته , فَذَلِكَ مَعْنَى مُخَالَّته إِيَّاهُ . وَقَدْ قِيلَ : سَمَّاهُ اللَّه خَلِيلًا مِنْ أَجْل أَنَّهُ أَصَابَ أَهْل نَاحِيَته جَدْب , فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيل لَهُ مِنْ أَهْل الْمَوْصِل - وَقَالَ بَعْضهمْ : مِنْ أَهْل مِصْر - فِي امْتِيَار طَعَام لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله فَلَمْ يُصِبْ عِنْده حَاجَته , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْله مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَات رَمْل , فَقَالَ : لَوْ مَلَأْت غَرَائِرِي مِنْ هَذَا الرَّمْل لِئَلَّا أَغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَة , وَلِيَظُنُّوا أَنِّي قَدْ أَتَيْتهمْ بِمَا يُحِبُّونَ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ , فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِره مِنْ الرَّمْل دَقِيقًا , فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِله نَامَ وَقَامَ أَهْله , فَفَتَحُوا الْغَرَائِر فَوَجَدُوا دَقِيقًا , فَعَجَنُوا مِنْهُ وَخَبَزُوا , فَاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ الدَّقِيق الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا , فَقَالُوا : مِنْ الدَّقِيق الَّذِي جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد خَلِيلك , فَعَلِمَ , فَقَالَ : نَعَمْ هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّه . قَالُوا : فَسَمَّاهُ اللَّه بِذَلِكَ خَلِيلًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم وَلِيًّا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا مَعْنَى الْخُلَّة الَّتِي أُعْطِيَهَا إِبْرَاهِيم ؟ قِيلَ : ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْعَدَاوَة فِي اللَّه وَالْبُغْض فِيهِ , وَالْوِلَايَة فِي اللَّه وَالْحُبّ فِيهِ , عَلَى مَا يُعْرَف مِنْ مَعَانِي الْخُلَّة . وَأَمَّا مِنْ اللَّه لِإِبْرَاهِيم , فَنُصْرَته عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِسُوءٍ , كَاَلَّذِي فَعَلَ بِهِ إِذْ أَرَادَهُ نُمْرُوذ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْإِحْرَاق بِالنَّارِ , فَأَنْقَذَهُ مِنْهَا , وَأَعْلَى حُجَّته عَلَيْهِ إِذْ حَاجَّهُ , وَكَمَا فَعَلَ مَلِك مِصْر إِذْ أَرَادَهُ عَنْ أَهْله , وَتَمْكِينه مِمَّا أَحَبَّ , وَتَصْيِيره إِمَامًا لِمَنْ بَعْده مِنْ عِبَاده وَقُدْوَة لِمَنْ خَلَقَهُ فِي طَاعَته وَعِبَادَته , فَذَلِكَ مَعْنَى مُخَالَّته إِيَّاهُ . وَقَدْ قِيلَ : سَمَّاهُ اللَّه خَلِيلًا مِنْ أَجْل أَنَّهُ أَصَابَ أَهْل نَاحِيَته جَدْب , فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيل لَهُ مِنْ أَهْل الْمَوْصِل - وَقَالَ بَعْضهمْ : مِنْ أَهْل مِصْر - فِي امْتِيَار طَعَام لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله فَلَمْ يُصِبْ عِنْده حَاجَته , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْله مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَات رَمْل , فَقَالَ : لَوْ مَلَأْت غَرَائِرِي مِنْ هَذَا الرَّمْل لِئَلَّا أَغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَة , وَلِيَظُنُّوا أَنِّي قَدْ أَتَيْتهمْ بِمَا يُحِبُّونَ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ , فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِره مِنْ الرَّمْل دَقِيقًا , فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِله نَامَ وَقَامَ أَهْله , فَفَتَحُوا الْغَرَائِر فَوَجَدُوا دَقِيقًا , فَعَجَنُوا مِنْهُ وَخَبَزُوا , فَاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ الدَّقِيق الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا , فَقَالُوا : مِنْ الدَّقِيق الَّذِي جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد خَلِيلك , فَعَلِمَ , فَقَالَ : نَعَمْ هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّه . قَالُوا : فَسَمَّاهُ اللَّه بِذَلِكَ خَلِيلًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} فضل دين الإسلام على سائر الأديان و { أسلم وجهه لله} معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة. قال ابن عباس : أراد أبا بكر الصديق رضي الله عنه. وانتصب { دينا} على البيان. { وهو محسن} ابتداء وخبر في موضع الحال، أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب؛ لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السلام. والملة الدين، والحنيف المسلم وقد تقدم. قوله تعالى { واتخذ الله إبراهيم خليلا} قال ثعلب : إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته؛ وأنشد قول بشار : قد تخللت مسلك الروح مني ** وبه سمي الخليل خليلا وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم وقيل : هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبا لله وكان محبوبا لله. وقيل : الخليل من الاختصاص فالله عز وجل أعلم اختص إبراهيم في وقته للرسالة. واختار هذا النحاس قال : والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا) يعني نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم : (لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) أي لو كنت مختصا أحدا بشيء لاختصصت أبا بكر. رضي الله عنه. وفي هذا رد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص بعض أصحابه بشيء من الدين. وقيل : الخليل المحتاج؛ فإبراهيم خليل الله معنى أنه فقير محتاج إلى الله تعالى؛ كأنه الذي به الاختلال. وقال زهير يمدح هرم بن سنان وإن أتاه خليل يوم مسغبة ** يقول لا غائب مالي ولا حرم أي لا ممنوع. قال الزجاج : ومعنى الخليل : الذي ليس في محبته خلل؛ فجائز أن يكون سمي خليلا لله بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة. وجائز أن يسمى خليل الله أي فقيرا إلى الله تعالى؛ لأنه لم يجعل فقره ولا فاقته إلا إلى الله تعالى مخلصا في ذلك. والاختلال الفقر؛ فروي أنه لما رمي بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل عليه السلام فقال : ألك حاجة؟ قال : أما إليك فلا. فخلق الله تعالى لإبراهيم نصرته إياه. وقيل : سمي بذلك بسبب أنه مضى إلى خليل له بمصر، وقيل : بالموصل ليمتار من عنده طعاما فلم يجد صاحبه، فملأ غرائره رملا وراح به إلى أهله فحطه ونام؛ ففتحه أهله فوجدوه دقيقا فصنعوا له منه، فلما قدموه إليه قال : من أين لكم هذا ؟ قالوا : من الذي جئت به من عند خليلك المصري؛ فقال : هو من عند خليلي؛ يعني الله تعالى؛ فسمي خليل الله بذلك. وقيل : إنه أضاف رؤساء الكفار وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له : ما حاجتك؟ قال : حاجتي أن تسجدوا سجدة؛ فسجدوا فدعا الله تعالى وقال : اللهم إني قد فعلت ما أمكنني فافعل اللهم ما أنت أهل لذلك؛ فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلا لذلك. ويقال : لما دخلت عليه الملائكة بشبه الآدميين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا منه وقالوا : إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن فقال لهم : أعطوا ثمنه وكلوا، قالوا : وما ثمنه؟ قال : أن تقولوا في أوله باسم الله وفي آخره الحمد لله، فقالوا فيما بينهم : حق على الله أن يتخذه خليلا؛ فاتخذه الله خليلا. وروى جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام). وروى عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا) ؟ قال : لإطعامه الطعام يا محمد. وقيل : معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله. والخلة بين الآدميين الصداقة؛ مشتقة من تخلل الأسراء بين المتخالين. وقيل : هي من الخلة فكل واحد من الخليلين يسد خلة صاحبه. وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). ولقد أحسن من قال : من لم تكن في الله خلته ** فخليله منه على خطر آخر : إذا ما كنت متخذا خليلا ** فلا تثقن بكل أخي إخاء فإن خيرت بينهم فألصق ** بأهل العقل منهم والحياء فإن العقل ليس له إذا ما ** تفاضلت الفضائل من كفاء وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه : أخلاء الرجال هم كثيــر ** ولكن في البلاء هم قليل فلا تغررك خُلة من تؤاخي ** فمالك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنــا وفي ** ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل له حسب ودين ** فذاك لما يقول هو الفعول

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 123 - 127

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة نسمع استفهاماً مثل قوله الحق: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } فحسن الاستنباط يقتضي أن نفهم أن الذي أسلم وجهه لله هو الأحسن ديناً، وفي حديثنا اليومي نقول: ومن أكرم من زيد؟. معنى ذلك أن القائل لا يريد أن يصرح بأن زيداً هو أكرم الناس لكنه يترك ذلك للاستنباط الحسن. ولا يقال مثل هذا على صورة الاستفهام إلا إذا كان المخبر عنه محدداً ومعيناً، والقائل مطمئن إلى أنّ من يسمع سؤاله لن يجد جواباً إلا الأمر المحدد المعين لمسئول عنه. وكأن الناس ساعة تدير رأسها بحثاً عن جوابٍ للسؤال لن تجد إلا ماحدده السائل.

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } والإجابة على مثل هذا التساؤل: لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله. وهكذا نرى أن الله يلقى خبراً مؤكداً في صيغة تساؤل مع أنه لو تكلم بالخبر لكان هو الصدق كله:
{  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً }
[لنساء: 122]

وسبحانه يلقي إلينا بالسؤال ليترك لنا حرية الجواب في الكلام، كأنه سبحانه يقول:

- أنا أطرح السؤال عليك أيها الإنسان وأترك لك الإجابة في إطار ذمتك وحكمك فقل لي من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله؟ وتبحث أنت عن الجواب فلا تجد أحسن ممن أسلم وجهه لله فتقول:

- لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله. وبذلك تكون الإجابة من المخاطب إقراراً، فالإقرار - كما نعلم - سيد الأدلة.

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي لا تأخذ معنى واحداً. بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلام، فإذا قال الله تعالى:
{  يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }
[آل عمران: 106]

فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبيّن وتوضح ملامح الأشخاص. لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله، بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه.

وعندما نسمع قول الحق:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
[القصص: 88]

فإننا نتساءل: ماالمراد بالوجه هنا؟

إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور، لأن كل شيء متعلق بالله سبحانه وتعلى نأخذه على ضوء " ليس كمثله شيء " نقول ذلك حتى لا يقولن قائل: مادام وجه الله هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك؟. لا؛ إن الحق حين قال: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل:
{  فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }
[البقرة: 115]

إذن فوجه الله - هنا- هو الجهة التي يرتضيها، والإنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة. وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه الله؛ لأن الله موجود في كل الوجود، فأي متجه للإنسان سيجد فيه الله، بدليل أننا نصلي حول الكعبة، وتكون شرق واحد وغرب آخر، وشمال ثالث، وجنوب رابع، فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة، والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها، ولتكون متَّجَهنا إلى الله في جميع الاتجاهات.
{  فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }
[البقرة: 115]

أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى.

ونحن هنا في هذه الآية نرى قول الله: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله }. وأسلم وجهه أي أسلم اتجاهه؛ لأن الإنسان حين يكون ذاهباً إلى قصد أو هدف أو غرض، فيكون وجهه هو المتجه؛ لأن الإنسان لا يسير بظهره. والوجه هنا - إذن - هو الاتجاه.

ولماذا جاء الحق بالوجه فقط، برغم أن المؤمن يسلم مع الوجه كل الجوارح؟؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء، ولذلك جعل سبحانه السجود أضرف موقع للعبد؛ لأن القامة العالية والوجه الذي يحرص الإنسان على نظافته يسجد لله.

إذن أسلم وجهه لله، أي أسلم وجهته واتجاهه للهن ومعنى " أسلم " من الإسلام، فـ " أسلم " تعني: سلّم زمام أموره لواحد. حين يسلم الإنسان زمامه إلى مساو له فهذه شهادة لهذا المساوي أنه يعرف في هذا الأمر أفضل منه. ولا يسلم لمساو إلا إن شهد له قبل أن يلقي إليه بزمامه أنّه صاحب حكمة وعلم ودراية عنه. فإن لم يلمس الإنسان ذلك فلن يسلم له. وما أجدر الإنسان أن يسلم نفسه لمن خلقه، أليس هذا هو أفضل الأمور؟.

إن الإنسان قد يسلم زمامه لإنسان آخر لأنه يظن فيه الحكمة، ولكن أيضمن أن يبقى هذا الإنسان حكيماً؟ إنّه كإنسان هو ابن أغيار، وقد يتغير قلبه أو أن المسألة المسلم له لها تكون مستعصية عليه، لكن عندما أسلم زمامي لمن خلقني فهذا منتهى الحكمة. ولذلك قلنا: إن الإسلام هو أن تسلم زمامك لمن آمنت به إلهاً قوياً وقادراً وحكيماً وعليماً وله القيومية في كل زمان ومكان. وحين يسلم الإنسان وجهه لله فلن يصنع عملاً إلا كانت وجهته إلى الله.
{  وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ }
[النساء: 125]

ولماذا جاءت كلمة " محسن " هنا؟ وقد تكلم صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، ونعرف أننا آمنا بالله غيباً، لكن عندما ندخل بالإيمان إلى مقام الإحسان، فإننا نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه فهو يرانا. " والحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له: " كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظر ما تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصايحون فيها) فقال: " يا حارث عرفت فالتزم ثلاثا ".

ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنّه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع برنامجاً لنفسه موجزة أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه (وهو معكم أينما كنتم) إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين فيستحيي أن يعصيه.

ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما سأل حبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

وعندما تتيقن أن الله ينظر إليك فكيف تعصيه؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبدٍ مساوٍ لك.. فكيف تفعله مع الله؟!!

وتتجلى العظمة في قوله الحق: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } لماذا إذن " ملة إبراهيم "؟ لأن القرآن يقول عن إبراهيم:
{  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً }
[النحل: 120]

ومعنى كونه " أُمَّةً ": أنّه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا إن وزعنا الخصال في امة بأكملها؛ فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي، وهذه الصفات الخيِّرة كلها لا تجتمع في فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة. وأراد الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام أن يكون جامعاً لخير كثير فوصفه بقوله:
{  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً }
[النحل: 120]

ويقول هنا عن ملة إبراهيم: { واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً }. والملة هي الديانة و " حنيفاً " أي " مائلا عن الباطل إلى الحق ". والمعنى اللغوي لكلمة " حنيف " أنّه هو " المائل ". وكان إبراهيم حنيفاً عن الباطل. ومتى تُرسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طمّ الفساد وعمّ، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح الفساد الذي فيها.. فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم، لكن إذا ما بلغ الفساد أَوْجَهُ، فالحق يرسل رسولاً. وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد، فالرسول يميل عن الفساد، بهذا يكون الميل عن الاعوجاج اعتدالا. { واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً }.

ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فما هي حيثيات الخُلَّة؟ لأنه يتبع أفضل دين، ويسلم لله وجهه، وكان محسناً، واتبع الملة، وكان حنيفاً، هذه هي حيثيات الخُلَّة. وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام.

لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار، فقال جبريل يا إبراهيمم: ألك حاجة؟.فقال إبراهيم ": " أما إليك فلا " ، فقال جبريل فاسأل اربك فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " فقال الله: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " أي أنه لا يطلب من جبريل بذاته شيئاً. وتلك قمة الإسلام لله. كما أننا نعرف مدى أنس الناس بأبنائها؛ ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولداً في آخر حياته، وأوضح له الحق أنه مبتليه، وكان الابتلاء غاية في الصعوبة؛ فالابن لا يموت؛ ولا يقتله أحد ولكن يقوم الأب بذبحه، فكم درجة من الابتلاء مر بها إبراهيم عليه السلام؟!

وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه، ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه السلام:
{  يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ }
[الصافات: 102]

ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام لا بالوحي المباشر. ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلام. لم يقل: " افعل ما بدا لك يا أبي " ولكنه قال:
{  يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ }
[الصافات: 102]

أي أن إسماعيل وإبراهيم أسلما معاً لأمر الله.

فماذا فعل الله؟:
{  وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }
[الصافات: 104-112]

ولا يكتفي الحق بإعطاء إبراهيم إسماعيل ابناً، وله فداء، ولكن رزق الله إبراهيم بابن آخر هو إسحاق. { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }.



وجلس العلماء ليبحثوا معنى كلمة " خليلاً " ، ويبحثوا ما فيها من صفات، وكل الأساليب التي وردت فيها. والكلمة مأخوذة من " الخاء ولام ولام ". و " الخَل " - بفتح الخاء - هو الطريق في الرمل، وهو ما نسميه في عرفنا " مدقاً " ، وعادة يكون ضيقاً. وحينما يسير فيه اثنان فهما يتكاتفان إن كان بينهما ودّ عالٍ، وإن لم يكن بينهما ودّ فواحد يمشي خلف الآخر. ولذلك سموا الاثنين الذين يسيران متكاتفين " خليل " فكلاهما متخلل في الآخر أي متداخل فيه. والخليل أيضاً هو من يسد خلل صاحبه. والخليل هو الذي يتحد ويتوافق مع صديقه في الخلال والصفات والأخلاق. أو هو من يتخلل إليه الإنسان في مساتره، ويتخلل هو أيضاً في مساتر الإنسان. والإنسان قد يستقبل واحداً من أصحابه في أي مكان سواء في الصالون أو في غرفة المكتب أو في غرفة النوم. لكن هناك من لا يستقبله إلا في الصالون أو في غرفة المكتب.

{ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } أي اصطفاه الحق اصطفاءً خاصاً، والحب قد يُشارَك فيه، فهو سبحانه يحب واحداً وآخر وثالثاً ورابعاً وكل المؤمنين، فهو القائل:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ }
[البقرة: 222]

وسبحانه القائل:
{  فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }
[آل عمران: 76]

وهو يعلمنا:
{  وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ }
[آل عمران: 146]

ويقول لنا:
{  وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[آل عمران: 148]

ويقول أيضاً:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }
[الممتحنة: 8]

لكنه اصطفى إبراهيم خليلاً، أي لا مشاركة لأحد في مكانته، أما الحب فيعم، ولكن الخلَّة لا مشاركة فيها. ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى قومه قائلاً: " أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا وإن صاحبكم خليل الله تعالى) يعني نفسه ".

وإسماعيل صبري الشاعر المصري الذي كان أسبق من أحمد شوقي وكان شيخا للقضاة. التقط هذا المعنى من القرآن ومن الألفاظ التي دارت عليه في القرآن، ويقول:
ولما التقينا قرب الشوق جهده   خليلين زادا لوعة وعتابا
كأن خليلاً في خلال خليله   تسرب أثناء العناق وغابا
وشاعر آخر يقول:
فضمنا ضمة نبقى بها واحداً   
ولكن إسماعيل صبري قال ما يفوق هذا المعنى: لقد تخللنا كأن بعضنا قد غاب في البعض الآخر.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ... }


www.alro7.net