سورة
اية:

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا

تفسير بن كثير

قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة وهي قوله: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك} الآية، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة وقد روي الترمذي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به} الآية. وقوله: { ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالا بعيداً} أي فقد سلك غير الطريق الحق وضل عن الهدى وبعد عن الصواب وأهلك نفسه، وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة وقوله: { إن يدعون من دونه إلا إناثاً} ، عن عائشة قالت: أوثاناً، وقال ابن جرير عن الضحاك في الآية قال المشركون للملائكة: بنات اللّه، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، قال: فاتخذوهن أربابا وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات اللّه الذي نعبده يعنون الملائكة وهذا التفسير شبيه بقول اللّه تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى} وقال تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} ، وقال: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} وقال ابن عباس { إن يدعون من دونه إلا إناثا} قال: يعني موتى، وقال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة، وإما حجر يابس، وقوله: { وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم وهم إنما يعبدون إبليس في نفسه الأمر كما قال تعالى: { ألم أعهد إليك يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان} الآية، وقال تعالى إخباراً عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذي ادعوا عبادتهم في الدنيا { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقول: { لعنه اللّه} أي طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره وقال: { لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً} أي معيناً مقدراً معلوماً، قال قتادة من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة { ولأضلنهم} أي عن الحق { ولأمنينهم} أي أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم. قوله: { ولآمرنهم فلّيبتكنَّ آذان الأنعام} قال قتادة يعني تشقيقها وجعلها سمة، وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة { ولآمرنهم فليغيرن خلق اللّه} قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب، وقال الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ، لعن اللّه من فعل ذلك. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن اللّه الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات النامصات: ناتفات الزغب والشعر من الوجه، والمتنمصات: اللواتي ينتف الشعر من وجوههن والمتفلجات المتفلجات: اللواتي يبردن أطراف أسنانهن للتجميل للحسن المغيرات خلق اللّه عزَّ وجلَّ، ثم قال ألا ألعن من لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في كتاب اللّه عزَّ وجلَّ يعني قوله: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد والضحاك في قوله: { ولآمرنهم فليغيرن خلق اللّه} يعني دين اللّه عزَّ وجلَّ وهذا كقوله: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه} على قول من جعل ذلك أمراً أي لا تبدلوا فطرة اللّه ودعوا الناس على فطرتهم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء)؟ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (قال اللّه عزّ وجلَّ: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم صرفتهم عن الهدى عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) ثم قال تعالى: { ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون اللّه فقد خسر خسراناً مبيناً} أي فقد خسر الدنيا والآخرة وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} وهذا إخبار عن الواقع فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال اللّه تعالى: { وما يعدهم الشيطان إلاغروراً} ، كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن اللّه وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان - إلى قوله - وإن الظالمين لهم عذاب أليم} . وقوله: { أولئك} أي المستحسنون له فيما وعدهم ومنَّاهم { مأواهم جهنم} أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة { ولا يجدون عنها محيصاً} أي ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من الكرامة التامة فقال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات { سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا { خالدين فيها أبداً} أي بلا زوال ولا انتقال { وعد اللّه حقاً} أي هذا وعد من اللّه ووعد اللّه معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر وهو قوله { حقاً} ثم قال تعالى: { ومن أصدق من اللّه قيلاً} ؟ أي لا أحد أصدق منه قولاً أي خبراً لا إله إلا هو ولا رب سواه وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في خطبته: (إن أصدق الحديث كلام اللّه، وخير الهدي هديُ محمد صلى اللّه عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، كل ضلالة في النار)

تفسير الجلالين

{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا } أي وعدهم الله ذلك وحقه حقا { ومن } أي لا أحد { أصدق من الله قيلا } أي قولا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } : وَاَلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّبُوَّةِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , يَقُول : وَأَدَّوْا فَرَائِض اللَّه الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } : وَاَلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّبُوَّةِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , يَقُول : وَأَدَّوْا فَرَائِض اللَّه الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ .' { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُولهُ : سَوْفَ نُدْخِلهُمْ يَوْم الْقِيَامَة إِذَا صَارُوا إِلَى اللَّه جَزَاء بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّالِحَات جَنَّات : يَعْنِي بَسَاتِين تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار . { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُولهُ : سَوْفَ نُدْخِلهُمْ يَوْم الْقِيَامَة إِذَا صَارُوا إِلَى اللَّه جَزَاء بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّالِحَات جَنَّات : يَعْنِي بَسَاتِين تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار .' { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } يَقُول : بَاقِينَ فِي هَذِهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا أَبَدًا دَائِمًا . { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } يَقُول : بَاقِينَ فِي هَذِهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا أَبَدًا دَائِمًا .' وَقَوْله { وَعْد اللَّه حَقًّا } يَعْنِي : عِدَة مِنْ اللَّه لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَقًّا , يَقِينًا صَادِقًا , لَا كَعِدَةِ الشَّيْطَان الْكَاذِبَة الَّتِي هِيَ غُرُور مَنْ وَعَدَهَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ , وَلَكِنْ عِدَة مِمَّنْ لَا يَكْذِب وَلَا يَكُون مِنْهُ الْكَذِب وَلَا يُخْلِف وَعْده . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعْده بِالصِّدْقِ وَالْحَقّ فِي هَذِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَره جَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَنْ قَوْل الشَّيْطَان الَّذِي قَصَّهُ فِي قَوْله , وَقَالَ : { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادك نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَان الْأَنْعَام } ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَعِدهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدهُمْ الشَّيْطَان إِلَّا غُرُورًا } وَلَكِنَّ اللَّه يَعِد الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا , لَا كَوَعْدِ الشَّيْطَان الَّذِي وَصَفَ صِفَته . فَوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْوَعْدَيْنِ وَالْوَاعِدَيْنِ وَأَخْبَرَ بِحُكْمِ أَهْل كُلّ وَعْد مِنْهُمَا تَنْبِيهًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتهمْ وَخَلَاصهمْ مِنْ الْهَلَكَة وَالْعَطَب , لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مَعْصِيَته وَيَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ , فَيَفُوزُوا بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي جِنَانه مِنْ ثَوَابه.وَقَوْله { وَعْد اللَّه حَقًّا } يَعْنِي : عِدَة مِنْ اللَّه لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَقًّا , يَقِينًا صَادِقًا , لَا كَعِدَةِ الشَّيْطَان الْكَاذِبَة الَّتِي هِيَ غُرُور مَنْ وَعَدَهَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ , وَلَكِنْ عِدَة مِمَّنْ لَا يَكْذِب وَلَا يَكُون مِنْهُ الْكَذِب وَلَا يُخْلِف وَعْده . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعْده بِالصِّدْقِ وَالْحَقّ فِي هَذِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَره جَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَنْ قَوْل الشَّيْطَان الَّذِي قَصَّهُ فِي قَوْله , وَقَالَ : { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادك نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَان الْأَنْعَام } ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَعِدهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدهُمْ الشَّيْطَان إِلَّا غُرُورًا } وَلَكِنَّ اللَّه يَعِد الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا , لَا كَوَعْدِ الشَّيْطَان الَّذِي وَصَفَ صِفَته . فَوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْوَعْدَيْنِ وَالْوَاعِدَيْنِ وَأَخْبَرَ بِحُكْمِ أَهْل كُلّ وَعْد مِنْهُمَا تَنْبِيهًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتهمْ وَخَلَاصهمْ مِنْ الْهَلَكَة وَالْعَطَب , لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مَعْصِيَته وَيَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ , فَيَفُوزُوا بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي جِنَانه مِنْ ثَوَابه.' ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَنْ أَصْدَق مِنْ اللَّه قِيلًا } يَقُول : وَمَنْ أَصْدَق أَيّهَا النَّاس مِنْ اللَّه قِيلًا : أَيْ لَا أَحَد أَصْدَق مِنْهُ قِيلًا , فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ الْعَمَل بِمَا وَعَدَكُمْ عَلَى الْعَمَل بِهِ رَبّكُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَتَكْفُرُونَ بِهِ , وَتُخَالِفُونَ أَمْره , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنْ لَا أَحَد أَصْدَق مِنْهُ قِيلًا , وَتَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُركُمْ بِهِ الشَّيْطَان , رَجَاء لِإِدْرَاكِ مَا يَعِدكُمْ مِنْ عِدَاته الْكَاذِبَة وَأَمَانِيّه الْبَاطِلَة , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عِدَاته غُرُور لَا صِحَّة لَهَا وَلَا حَقِيقَة , وَتَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا مِنْ دُون اللَّه وَتَتْرُكُونَ أَنْ تُطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَكُونُوا لَهُ أَوْلِيَاء ؟ وَمَعْنَى الْقِيل : الْقَوْل : وَاحِد .ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَنْ أَصْدَق مِنْ اللَّه قِيلًا } يَقُول : وَمَنْ أَصْدَق أَيّهَا النَّاس مِنْ اللَّه قِيلًا : أَيْ لَا أَحَد أَصْدَق مِنْهُ قِيلًا , فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ الْعَمَل بِمَا وَعَدَكُمْ عَلَى الْعَمَل بِهِ رَبّكُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَتَكْفُرُونَ بِهِ , وَتُخَالِفُونَ أَمْره , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنْ لَا أَحَد أَصْدَق مِنْهُ قِيلًا , وَتَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُركُمْ بِهِ الشَّيْطَان , رَجَاء لِإِدْرَاكِ مَا يَعِدكُمْ مِنْ عِدَاته الْكَاذِبَة وَأَمَانِيّه الْبَاطِلَة , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عِدَاته غُرُور لَا صِحَّة لَهَا وَلَا حَقِيقَة , وَتَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا مِنْ دُون اللَّه وَتَتْرُكُونَ أَنْ تُطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَكُونُوا لَهُ أَوْلِيَاء ؟ وَمَعْنَى الْقِيل : الْقَوْل : وَاحِد .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يعدهم} المعنى يعدهم أباطيله وترهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير { ويمنيهم} كذلك { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي خديعة. قال ابن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غَرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. { أولئك} ابتداء { مأواهم} ابتداء ثان { جهنم} خبر الثاني والجملة خبر الأول. و { محيصا} ملجأ، والفعل منه حاص يحيص. { ومن أصدق من الله قيلا} ابتداء وخبر. { قيلا} على البيان؛ قال قيلا وقولا وقالا، بمعنى أي لا أحد أصدق من الله. وقد مضى الكلام على ما تضمنته هذه الآي من المعاني والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 119 - 123

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وحين يأتي سبحانه بأمر يتعلق بالكفار وعقابهم فالنفوس مهيأة ومستعدة لتسمع عن المقابل، فإذا كان جزاء الكفار ينفر الإنسان من أن يكون منهم، فالنفس السامعة تنجذب إلى المقابل وهو الحديث عن جزاء المؤمنين أصحاب العمل الصالح. وسبحانه قال من قبل:
{  فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }
[النساء: 114]

وهنا يقول: { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }. والمتيقن من الله والواثق به يعلم أنه لا توجد مسافة تبعده عن عطاء الله، مثال ذلك " حينما سأل النبيُّ أحد الصحابة وكان اسمه الحارث بن مالك الأنصاري: (كيف أصبحت يا حارث؟).

قال: أصبحت مؤمنا حقاً. لقد أجاب الصحابي بكلمة كبيرة المعاني وهي الإيمان حقاً؛ لذلك قال الرسول: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك "؟

أجاب الصحابي: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربيّ بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصايحون فيها).

فقال: " يا حارث: عرفت فالزم ثلاثا ".

والحق ساعة يقول: " سـ " وساعة يقول: " سوف " فلكل حرف من الحروف الداخلة على الفعل ملحظ ومغزى وكل عطاء من الله جميل. { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.

والجنة - كما قلنا من قبل - على إطلاقها تنصرف إلى جنة الآخرة فهي الجنة بحق، أما جنة الدنيا فمن الممكن أن يتصوّحَ نباتها وشجرها وييبس ويتناثر، أو يصيبها الجدب، أمّا جنة الآخرة فهي ذات الأكل الدائم، وإن لم تطلق كلمة " الجنة " من أي قيد أو وصف بل قيدت، فالقصد منها معنى آخرح كقول الحق:
{  إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ }
[القلم: 17]

وقوله سبحانه:
{  كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ }
[البقرة: 265]

والجنة بربوة هي البستان على مكان عال، وهي ذات مواصفات أعلى مما وصل إليه العلم الحديث؛ لأن الأرض إذا كانت عالية لا تستطيع المياه الجوفية أن تفسد جذور النبات المزروع في هذه الأرض، فيظل النبات أخضر اللون، ويقول الحق عن مثل هذه الجنة:
{  فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ }
[البقرة: 265]

ويزيد على ذلك أنها بربوة، وأنها تروى بالمطر من أعلى، ومن الطل، فتأخذ الرّي من المطر للجذور، والطل لغسل الأوراق. كل ذلك يطلق على الجنة.

وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } ويطمئننا سبحانه على احتفاظها بنضرتها وخضرتها، وأول شيء يمنع الخضرة هو أن يقل الماء فتذبل الخضرة.

ونجد القرآن مرة يقول: { جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } وهذا يعني أن منبع المياه بعيد. ومرة أخرى يقول: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } ويعني أن منبع المياه لن يحجزه أحد؛ لأن الأنهار تجري وتنبع من تحتها.ويعد الحق المؤمنين أصحاب العمل الصالح بالخلود في الجنة، والخلود هو المكث طويلاً، فإذا قال الحق: { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } أي أن المكث في الجنة ينتقل من المكث طويلاً إلى المكث الدائم.

وهذا وعد مَن؟ { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً }. وحين يعدك من لا يخرجه شيء عن إنفاذ وعده، فهذا هو وعد الحق - سبحانه -. أما وعد المساوي لك في البشرية فقد لا يتحقق، لعله ساعة إنفاذ الوعد يغير رأيه، أو لا يجد الوُجد واليسار والسَّعة والغنى فلا يستطيع أن يوفي بما وعد به، أو قد يتغير قلبه من ناحيتك، لكن الله سبحانه وتعالى لا تتناوله الأغيار، ولا يعجزه شيء، وليس معه إله آخر يقول له لا. إن وعده سبحانه لا رجوع فيه ولا محيص عن تحقيقه.

قول الله هنا { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } هو كلام منه ليوضح لكل واحد منا: أنا لا أريد أن أستفهم منك، لكنه جاء على صورة الاستفهام لتكون الإجابة من الخلق إقرارا منهم بصدق ما يقوله الله، أيوجد أصدق من الله؟

وتكون الإجابة: لا يمكن، حاشا لله؛ لأن الكذب إنما يأتي من الكذاب ليحقق لنفسه أمراً لم يكن الصدق ليحققه، أو لخوف ممن يكذب عنده، والله منزه عن ذلك، فإذا قال قولاً فهو صدق.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ... }


www.alro7.net