سورة
اية:

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

المراد بهذه الوقعة يوم أُحُد عند الجمهور، وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. وكانت وقعة أُحُد يوم السبت من شوّال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوّال، وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوّال فاللّه أعلم، وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر، وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان قال أبناء من قتل ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في نحو ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريباً من أُحُد تلقاء المدينة، فصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة فلما فرغ منها استشار الناس: (أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة)؟ فأشار عبد اللّه بن أُبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروح إليهم. فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلبس لامته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم، وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: يا رسول اللّه إن شئت أن نمكث، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يرجع حتى يحكم اللّه له)، فسار صلى اللّه عليه وسلم في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط رجع عبد اللّه بن أُبي بثلث الجيش مغضباً لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم ولكنا لا نراكم تقاتلون، واستمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سائراً حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلىأحد، وقال: (لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال). وتهيأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمَّر على الرماة عبد اللّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، والرماة يومئذ خمسون رجلاً فقال لهم: (انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم)، وظاهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، وأجاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأخر آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين وتهيأ قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائة فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء اللّه تعالى. ولهذا قال تعالى: { وإذا غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} أي تنزلهم وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم { واللّه سميع عليم} أي سميع لما تقولون عليم بضمائركم. وقوله تعالى: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} الآية قال البخاري، قال عمر: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: فينا نزلت: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} الآية قال: نحن الطائفتان بنو حارثة و بنو سلمة ، وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: { واللّه وليهما} . وقوله تعالى: { ولقد نصركم اللّه ببدر} أي يوم بدر، وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز اللّه فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فيهم فارسان وسبعون بعيراً والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدوّ يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة، والخيول المسوَّمة والحلي الزائد. فأعز اللّه رسوله وأظهر وحيه وتنزيله وبيّض وجه النبي وقبيله وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين، { ولقد نصركم اللّه ببدر وأنم أذلة} أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند اللّه لا بكثرة العَدَد والعُدَد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: { ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً} وقال الإمام أحمد، عن سماك قال: سمعت عياضاً الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء. وقال عمر: إذا كان قتالاً فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه أنه قد جأش إلينا الموت واستمددناه، فكتب إلينا إنه قد جائني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصراً، وأحصن جنداً، اللّه عزّ وجلّ فاستنصروه، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد نصر في يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربع فراسخ، قال: وأصبنا أموالا فتشاورنا. فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة. وبدر محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها منسوبة إلى رجل حفرها يقال له بدر بن النارين قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدراً، وقوله: { فاتقوا اللّه لعلكم تشكرون} أي تقومون بطاعته.

تفسير الجلالين

{ و } اذكر يا محمد { إذ غدوت من أهلك } من المدينة { تبوئ } تنزل { المؤمنين مقاعد } مراكز يقفون فيها { للقتال والله سميع } لأقوالكم { عليم } بأحوالكم وهو يوم أحد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألف أو إلا خمسين رجلا والمشركون ثلاثة آلاف ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاثٍ من الهجرة وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس جيشا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله ابن جبير بسفح الجبل وقال : انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا غُلبنا أو نُصرنا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيْد هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود شَيْئًا , وَلَكِنَّ اللَّه يَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى طَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْر رَسُولِي , كَمَا نَصَرْتُكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة . وَإِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَمْرِي , وَلَمْ تَصْبِرُوا عَلَى مَا كَلَّفْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَلَمْ تَتَّقُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَخَالَفْتُمْ أَمْرِي , وَأَمْر رَسُولِي , فَإِنَّهُ نَازِل بِكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ بِأُحُدٍ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ الْيَوْم إِذْ غَدَا نَبِيّكُمْ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ ; فَتَرَكَ ذِكْر الْخَبَر عَنْ أَمْر الْقَوْم إِنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّهمْ وَلَمْ يَتَّقُوهُ اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ , إِذْ ذِكْر مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ مِنْ صَرْف كَيْد أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ , إِنْ صَبَرُوا عَلَى أَمْره , وَاتَّقَوْا مَحَارِمه , وَتَعْقِيبه ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاء بِأُحُدٍ , إِذْ خَالَفَ بَعْضهمْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَنَازَعُوا الرَّأْي بَيْنهمْ . وَأُخْرِجَ الْخِطَاب فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك } عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِمَعْنَاهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُتَّخَذ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ بَيَّنَ إِذًا أَنَّ قَوْله : " وَإِذْ " إِنَّمَا جَرّهَا فِي مَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت وَأَوْضَحْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْيَوْم الَّذِي عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم أُحُد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : مَشَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَلَى رِجْلَيْهِ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ . 6105 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } ذَلِكَ يَوْم أُحُد , غَدَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6106 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَغَدَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَهُوَ يَوْم أُحُد . 6108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هُنَا يَوْم أُحُد . 6109 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : مِمَّا نَزَلَ فِي يَوْم أُحُد : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم الْأَحْزَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَا يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ يَوْم الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ : يَوْم أُحُد ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنُو سَلِمَة وَبَنُو حَارِثَة . وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر وَالْمَعْرِفَة بِمَغَازِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه مِنْ أَمْرهمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْم أُحُد دُون يَوْم الْأَحْزَاب . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ يَوْم أُحُد وَرَسُول اللَّه إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُد مِنْ أَهْله لِلْقِتَالِ يَوْم الْجُمْعَة بَعْد مَا صَلَّى الْجُمُعَة فِي أَهْله بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ , كَاَلَّذِي : 6111 - حَدَّثَكُمْ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَ حِين صَلَّى الْجُمُعَة إِلَى أُحُد , دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَته , وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة حِين فَرَغَ مِنْ الصَّلَاة , وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه , ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذْ لَبِسَ لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " ؟ . قِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ خُرُوجه لِلْقَوْمِ كَانَ رَوَاحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَته لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدهمْ لِلْقِتَالِ عِنْد خُرُوجه , بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل خُرُوجه لِقِتَالِ عَدُوّهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد فِيمَا بَلَغَنَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْم وَيَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمْعَة , حَتَّى رَاحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْم الْجُمُعَة بَعْد مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَة , فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُد يَوْم السَّبْت لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّال . 6112 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد اِبْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْرهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَته الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْل خُرُوجه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّبْوِئَة . اِتِّخَاذ الْمَوْضِع ؟ قِيلَ : كَانَتْ تَبْوِئَته إِيَّاهُمْ ذَلِكَ قَبْل مُنَاهَضَته عَدُوّهُ عِنْد مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش وَأَتْبَاعهَا أُحُدًا , قَالَ فِيمَا : 6113 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ لِأَصْحَابِهِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَع ؟ " فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . فَقَالَتْ الْأَنْصَار : يَا رَسُول اللَّه مَا غَلَبَنَا عَدُوّ لَنَا أَتَانَا فِي دِيَارنَا , فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا ؟ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول , وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلهَا , فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَة , فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّة , فَأَتَاهُ النُّعْمَان بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَا تَحْرِمنِي الْجَنَّة , فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّة ! فَقَالَ لَهُ : " بِمَ ؟ " قَالَ : بِأَنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , وَأَنِّي لَا أَفِرّ مِنْ الزَّحْف . قَالَ : " صَدَقْت ؟ " فَقُتِلَ يَوْمئِذٍ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا , فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَدْ لَبِسَ السِّلَاح , نَدِمُوا , وَقَالُوا : بِئْسَمَا صَنَعْنَا , نُشِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى وَالْوَحْي يَأْتِيه ! فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَقَالُوا : اِصْنَعْ مَا رَأَيْت . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَس لَأْمَته فَيَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " . 6114 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة , وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ , وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا : لَمَّا سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي قَدْ رَأَيْت بَقَرًا فَأَوَّلْتهَا خَيْرًا , وَرَأَيْت فِي ذُبَاب سَيْفِي ثُلْمًا , وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدِي فِي دِرْع حَصِينه , فَأَوَّلْتهَا الْمَدِينَة فَإِنْ رَأَيْتُمْ إِذْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَام , وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا " . وَكَانَ رَأْي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول مَعَ رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَرَى رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُج إِلَيْهِمْ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة , فَقَالَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّه بِالشَّهَادَةِ يَوْم أُحُد وَغَيْرهمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْر وَحَضَرُوهُ : يَا رَسُول اللَّه , اُخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا ! فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول : يَا رَسُول اللَّه أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ , فَوَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا , وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ ! فَدَعْهُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِس , وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرِّجَال فِي وُجُوههمْ , وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقهمْ , وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا . فَلَمْ يَزَلْ النَّاس بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرهمْ حُبّ لِقَاء الْقَوْم حَتَّى دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَبِسَ لَأْمَته . فَكَانَتْ تَبْوِئَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ , مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ ; يُقَال مِنْهُ : بَوَّأْت الْقَوْم مَنْزِلًا وَبَوَّأْته لَهُمْ فَأَنَا أُبَوِّئهُمْ الْمَنْزِل تَبْوِئَة , وَأُبَوِّئ لَهُمْ مَنْزِلًا تَبْوِئَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ " وَذَلِكَ جَائِز , كَمَا يُقَال : رَدِفَك وَرَدِفَ لَك , وَنَقَدْت لَهَا صَدَاقهَا وَنَقَدْتهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسْتَغْفِر اللَّه ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيه رَبّ الْعِبَاد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل وَالْكَلَام : أَسْتَغْفِر اللَّه لِذَنْبٍ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : أَبَأْت الْقَوْم مَنْزِلًا فَأَنَا أُبِيئهُمْ إِبَاءَة , وَيُقَال مِنْهُ : أَبَأْت الْإِبِل : إِذَا رَدَدْتهَا إِلَى الْمَبَاءَة , وَالْمَبَاءَة : الْمَرَاح الَّذِي تَبِيت فِيهِ , وَالْمَقَاعِد : جَمْع مَقْعَد وَهُوَ الْمَجْلِس . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَاذْكُرْ إِذْ غَدَوْت يَا مُحَمَّد مِنْ أَهْلك تَتَّخِذ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَسْكَرًا وَمَوْضِعًا لِقِتَالِ عَدُوّهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيْد هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود شَيْئًا , وَلَكِنَّ اللَّه يَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى طَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْر رَسُولِي , كَمَا نَصَرْتُكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة . وَإِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَمْرِي , وَلَمْ تَصْبِرُوا عَلَى مَا كَلَّفْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَلَمْ تَتَّقُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَخَالَفْتُمْ أَمْرِي , وَأَمْر رَسُولِي , فَإِنَّهُ نَازِل بِكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ بِأُحُدٍ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ الْيَوْم إِذْ غَدَا نَبِيّكُمْ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ ; فَتَرَكَ ذِكْر الْخَبَر عَنْ أَمْر الْقَوْم إِنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّهمْ وَلَمْ يَتَّقُوهُ اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ , إِذْ ذِكْر مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ مِنْ صَرْف كَيْد أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ , إِنْ صَبَرُوا عَلَى أَمْره , وَاتَّقَوْا مَحَارِمه , وَتَعْقِيبه ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاء بِأُحُدٍ , إِذْ خَالَفَ بَعْضهمْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَنَازَعُوا الرَّأْي بَيْنهمْ . وَأُخْرِجَ الْخِطَاب فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك } عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِمَعْنَاهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُتَّخَذ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ بَيَّنَ إِذًا أَنَّ قَوْله : " وَإِذْ " إِنَّمَا جَرّهَا فِي مَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت وَأَوْضَحْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْيَوْم الَّذِي عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم أُحُد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : مَشَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَلَى رِجْلَيْهِ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ . 6105 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } ذَلِكَ يَوْم أُحُد , غَدَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6106 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَغَدَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَهُوَ يَوْم أُحُد . 6108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هُنَا يَوْم أُحُد . 6109 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : مِمَّا نَزَلَ فِي يَوْم أُحُد : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم الْأَحْزَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَا يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ يَوْم الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ : يَوْم أُحُد ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنُو سَلِمَة وَبَنُو حَارِثَة . وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر وَالْمَعْرِفَة بِمَغَازِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه مِنْ أَمْرهمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْم أُحُد دُون يَوْم الْأَحْزَاب . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ يَوْم أُحُد وَرَسُول اللَّه إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُد مِنْ أَهْله لِلْقِتَالِ يَوْم الْجُمْعَة بَعْد مَا صَلَّى الْجُمُعَة فِي أَهْله بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ , كَاَلَّذِي : 6111 - حَدَّثَكُمْ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَ حِين صَلَّى الْجُمُعَة إِلَى أُحُد , دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَته , وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة حِين فَرَغَ مِنْ الصَّلَاة , وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه , ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذْ لَبِسَ لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " ؟ . قِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ خُرُوجه لِلْقَوْمِ كَانَ رَوَاحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَته لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدهمْ لِلْقِتَالِ عِنْد خُرُوجه , بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل خُرُوجه لِقِتَالِ عَدُوّهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد فِيمَا بَلَغَنَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْم وَيَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمْعَة , حَتَّى رَاحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْم الْجُمُعَة بَعْد مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَة , فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُد يَوْم السَّبْت لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّال . 6112 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد اِبْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْرهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَته الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْل خُرُوجه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّبْوِئَة . اِتِّخَاذ الْمَوْضِع ؟ قِيلَ : كَانَتْ تَبْوِئَته إِيَّاهُمْ ذَلِكَ قَبْل مُنَاهَضَته عَدُوّهُ عِنْد مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش وَأَتْبَاعهَا أُحُدًا , قَالَ فِيمَا : 6113 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ لِأَصْحَابِهِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَع ؟ " فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . فَقَالَتْ الْأَنْصَار : يَا رَسُول اللَّه مَا غَلَبَنَا عَدُوّ لَنَا أَتَانَا فِي دِيَارنَا , فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا ؟ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول , وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلهَا , فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَة , فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّة , فَأَتَاهُ النُّعْمَان بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَا تَحْرِمنِي الْجَنَّة , فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّة ! فَقَالَ لَهُ : " بِمَ ؟ " قَالَ : بِأَنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , وَأَنِّي لَا أَفِرّ مِنْ الزَّحْف . قَالَ : " صَدَقْت ؟ " فَقُتِلَ يَوْمئِذٍ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا , فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَدْ لَبِسَ السِّلَاح , نَدِمُوا , وَقَالُوا : بِئْسَمَا صَنَعْنَا , نُشِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى وَالْوَحْي يَأْتِيه ! فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَقَالُوا : اِصْنَعْ مَا رَأَيْت . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَس لَأْمَته فَيَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " . 6114 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة , وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ , وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا : لَمَّا سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي قَدْ رَأَيْت بَقَرًا فَأَوَّلْتهَا خَيْرًا , وَرَأَيْت فِي ذُبَاب سَيْفِي ثُلْمًا , وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدِي فِي دِرْع حَصِينه , فَأَوَّلْتهَا الْمَدِينَة فَإِنْ رَأَيْتُمْ إِذْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَام , وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا " . وَكَانَ رَأْي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول مَعَ رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَرَى رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُج إِلَيْهِمْ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة , فَقَالَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّه بِالشَّهَادَةِ يَوْم أُحُد وَغَيْرهمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْر وَحَضَرُوهُ : يَا رَسُول اللَّه , اُخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا ! فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول : يَا رَسُول اللَّه أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ , فَوَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا , وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ ! فَدَعْهُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِس , وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرِّجَال فِي وُجُوههمْ , وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقهمْ , وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا . فَلَمْ يَزَلْ النَّاس بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرهمْ حُبّ لِقَاء الْقَوْم حَتَّى دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَبِسَ لَأْمَته . فَكَانَتْ تَبْوِئَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ , مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ ; يُقَال مِنْهُ : بَوَّأْت الْقَوْم مَنْزِلًا وَبَوَّأْته لَهُمْ فَأَنَا أُبَوِّئهُمْ الْمَنْزِل تَبْوِئَة , وَأُبَوِّئ لَهُمْ مَنْزِلًا تَبْوِئَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ " وَذَلِكَ جَائِز , كَمَا يُقَال : رَدِفَك وَرَدِفَ لَك , وَنَقَدْت لَهَا صَدَاقهَا وَنَقَدْتهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسْتَغْفِر اللَّه ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيه رَبّ الْعِبَاد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل وَالْكَلَام : أَسْتَغْفِر اللَّه لِذَنْبٍ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : أَبَأْت الْقَوْم مَنْزِلًا فَأَنَا أُبِيئهُمْ إِبَاءَة , وَيُقَال مِنْهُ : أَبَأْت الْإِبِل : إِذَا رَدَدْتهَا إِلَى الْمَبَاءَة , وَالْمَبَاءَة : الْمَرَاح الَّذِي تَبِيت فِيهِ , وَالْمَقَاعِد : جَمْع مَقْعَد وَهُوَ الْمَجْلِس . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَاذْكُرْ إِذْ غَدَوْت يَا مُحَمَّد مِنْ أَهْلك تَتَّخِذ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَسْكَرًا وَمَوْضِعًا لِقِتَالِ عَدُوّهُمْ .' وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه سَمِيع لِمَا يَقُول الْمُؤْمِنُونَ لَك , فِيمَا شَاوَرْتهمْ فِيهِ مِنْ مَوْضِع لِقَائِك وَلِقَائِهِمْ عَدُوّك وَعَدُوّهُمْ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : اُخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نَلْقَاهُمْ خَارِج الْمَدِينَة , وَقَوْل مَنْ قَالَ لَك : لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْخُلُوهَا عَلَيْنَا , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل , وَمِمَّا تُشِير بِهِ عَلَيْهِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد . عَلِيم بِأَصْلَحِ تِلْكَ الْآرَاء لَك وَلَهُمْ , وَبِمَا تُخْفِيه صُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْخُرُوجِ إِلَى عَدُوّك , وَصُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَمْرك وَأُمُورهمْ . كَمَا : 6115 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } : أَيْ سَمِيع لِمَا يَقُولُونَ , عَلِيم بِمَا يُخْفُونَ . وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه سَمِيع لِمَا يَقُول الْمُؤْمِنُونَ لَك , فِيمَا شَاوَرْتهمْ فِيهِ مِنْ مَوْضِع لِقَائِك وَلِقَائِهِمْ عَدُوّك وَعَدُوّهُمْ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : اُخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نَلْقَاهُمْ خَارِج الْمَدِينَة , وَقَوْل مَنْ قَالَ لَك : لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْخُلُوهَا عَلَيْنَا , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل , وَمِمَّا تُشِير بِهِ عَلَيْهِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد . عَلِيم بِأَصْلَحِ تِلْكَ الْآرَاء لَك وَلَهُمْ , وَبِمَا تُخْفِيه صُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْخُرُوجِ إِلَى عَدُوّك , وَصُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَمْرك وَأُمُورهمْ . كَمَا : 6115 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } : أَيْ سَمِيع لِمَا يَقُولُونَ , عَلِيم بِمَا يُخْفُونَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذ غدوت من أهلك} العامل في { إذ} فعل مضمر تقديره : واذكر إذ غدوت، يعني خرجت بالصباح. { من أهلك} من منزلك من عند عائشة. { تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم} هذه غزوة أحد وفيها نزلت هذه الآية كلها. وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي : هي غزوة الخندق. وعن الحسن أيضا يوم بدر. والجمهور على أنها غزوة أحد؛ يدل عليه قوله تعالى { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} [آل عمران : 122] وهذا إنما كان يوم أحد، وكان المشركون قصدوا المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر؛ فنزلوا عند أحد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة، يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أن في سيفه ثلمة، وأن بقرا له تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة؛ فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة. أخرجه مسلم. فكان كل ذلك على ما هو معروف مشهور من تلك الغزاة. وأصل التبوء اتخاذ المنزل، بوأته منزلا إذا أسكنته إياه؛ ومنه قوله عليه السلام : (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) أي ليتخذ فيها منزلا. فمعنى { تبوئ المؤمنين} تتخذ لهم مصاف. وذكر البيهقي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي) فقُتل حمزة وقَتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة، وكان صاحب اللواء. وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب : وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا عاصم إن شاء الله لما معي؛ فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد بن عثمان اللخمي : هل لك يا عاصم في المبارزة ؟ قال نعم؛ فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله؛ فكان قتل صاحب اللواء تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم (كأني مردف كبشا).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 121 - 137

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنه في هذه المرة - في غزوة أحد - جاء الكفار بثلاثة آلاف وكان المسلمون قلة، سبعمائة مقاتل فقط، وحتى يبين الحق صدق قضاياه في قوله: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } وليس المقصود هنا الكيد التبييتي بل عملهم العلني، أي واذكر صدق هذه القضية:

{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } ، والغدوة هي: أول النهار، والرواح: آخر النهار، والأهل: تطلق ويراد بها الزوجة، والمقصود هنا حجرة عائشة؛ لأن الرسول كان فيها في هذا الوقت الذي أراد فيه كفار قريش أن يثأروا لأنفسهم من قتلى بدر وأسراهم، لقد جمعوا حشودهم، فكل موتور من معركة بدر كان له فرسان وله رجال، حتى انهم بعد معركة بدر قال زعيمهم أبو سفيان لأصحابه: قل للنساء لا تبكين قتلاكم فإن البكاء يذهب الحزن، فالدموع يسمونها غسل الحزن، أو ذوب المواجيد، فساعة يبكي إنسان حزين يقول من حوله: دعوه يرتاح.

فلو حزنت النساء وبكين على قتلى بدر لهبطت جذوة الانتقام؛ لذلك قال أبو سفيان: قل لهن لا يبكين. إنه يريد أن يظل الغيظ في مسألة بدر موجوداً إلى أن يأخذوا الثأر. وفعلاً اجتمع معسكر الكفر في ثلاثة آلاف مقاتل عند أحد، وبعد ذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة أصحابه وأرسل إلى واحد من أكبر المنافقين هو عبد الله بن أبي بن سلول، وما استدعاه إلا في هذه المعركة، فقال عبد الله بن أبي بن سلول وأكثر الأنصار:

يا رسول الله نحن لم نخرج إلى عدو خارج المدينة إلا نال منا، ولم يدخل علينا عدو إلا نلنا منه، فإنا نرى ألا تخرج إليهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة بالخروج إليهم، وقالوا:

" يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنا عنهم وضعفنا، ولم يترك أصحاب هذا الرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا "

فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه، وظن الذي ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم، ولما خرج عليهم قالوا: استكرهناك يا رسول الله ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ينبغي لنبي لبس لأْمَتَهُ أن يضعها حتى يقاتل ".

وخرجوا إلى الحرب، وهذا هو الذي يُذَكِّرُ به القرآن صدقا للقضية التي جاءت في الآية السابقة: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.اذكر يا محمد:

{ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [آل عمران: 121]

و { تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال، وبوأت فلانا يعني: وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع، واسمه وطن؛ لأن الوطن يرجع إليه الإنسان.

انظر إلى الدقة الأدائية لقول الحق: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أي تجعل لهم مباءة ووطنا. وكلمة " مقاعد " أي أماكن للثبات، والحرب كرّ وفرّ وقيام، والذي يحارب يثبته الله في المعركة، فكأنه مُوَطَّنٌ في الميدان، فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن ألا يلتفت أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبته وبوَّأته فيه أي إن هذا هو وطنك الآن؛ لأن مصيرك الإيماني سيكون رهناً به.

إذن فقوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ } أي توطن " المؤمنين " وتقول لهم: إن وطنكم هو مقاعدكم التي ثبتكم بها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالرماة؛ وأمّر عليهم " عبد الله بن جبير " وهم يومئذ خمسون رجلا وقال رسول الله لهم: " قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ".

لكنهم لم يقدروا على هذه لأن نفوسهم مالت إلى الغنيمة؛ وشاء الله أن يجعل التجربة في محضر من رسوله صلى الله عليه وسلم: حتى يبين للمؤمنين في كل المعارك التي تلك أن اتباع أمر القائد يجب أن يكون هو الأساس في عملية الجندية. وإنكم إن خالفتم الرسول فلا بد أن تنهزموا.

وقد يقول قائل: الإسلام انهزم في أُحد. ونقول: لا، إن الإسلام انتصر. ولو أن المسلمين انتصروا في " أحد " مع مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أكان يستقيم لرسول الله أمر؟

إذن فقد انهزم المسلمون الذين لم ينفذوا الأمر، وكان لا بد من أن يعيشوا التجربة وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحينما هبت ريح النصر على المؤمنين في أول المعركة، ابتدأ المقاتلون في الانشغال بالأسلاب والغنائم، فقال الرماة: سيأخذ الأسلاب غيرنا ويتركوننا ونزلوا ليأخذوا الغنائم، فانتهز خالد بن الوليد وكان على دين قومه انتهز الفرصة وطوقهم وحدث ما حدث وأذيع وفشا في الناس خبر قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكفأوا وانهزموا فجعل رسول الله يدعو ويقول: " إليّ عباد الله " حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين

إن التحقيق التاريخي لمعركة أُحد قد أكد أن المسألة لا تُعتبر هزيمة ولا انتصاراً؛ لأن المعركة كانت لا تزال مائعة.وبعدها دعا الرسول من كان معه في غزوة أحد إلى الخروج في طلب العدو، وأدركهم في حمراء الأسد وفَرَّ الكافرون. إنّ الله أراد أن يعطي المؤمنين درساً في التزام أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الحق: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }.

إن الحق يذكر بمسئوليات القائد، الذي يوزع المهام، فهذا جناح أيمن وذاك جناح أيسر، وهذا مقدمة وهذا مؤخرة. ويذيل الحق هذا بقوله: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } حتى يعرف المؤمنين أنه سبحانه قد شهد أن رسوله قد بوأ المؤمنين مقاعد القتال، وسبحانه " عليم " بما يكون في النيات؛ لأن المسألة في الحرب دفاع عن الإيمان وليست انقياد قوالب، ولكنها انقياد قلوب قبل انقياد القوالب.

ويقول الحق من بعد ذلك: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ...} الآية. [121].
نزلت هذه الآية في غزاة أحد.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدَّثنا عبد الله بن جعفر المَخْرَمِيُّ، عن ابن عون، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ، قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي خالي، أخبرني عن قصتكم يوم أحد، فقال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدْ { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إلى قوله: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} .


www.alro7.net