سورة
اية:

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى ناهياً عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالاً، أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة؛ ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم، وقوله تعالى: { لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره، وقد روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما بعث اللّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه اللّه ) وقال ابن أبي حاتم: قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: إن ههنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتباً! فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: { لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم} أي تمنوا وقوعكم في المشقة. ثم قال تعالى: { قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: { قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} ، وقوله تعالى: { ها أنتم أولاء تحبوهم ولا يحبونكم} أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطناً ولا ظاهراً، { وتؤمنون بالكتاب كله} أي ليس عندكم من شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة، عن ابن عباس: { وتؤمنون بالكتاب كله} أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} والأنامل أطراف الأصابع قاله قتادة. وقال الشاعر: (وما حملت كفاي أنملي العشرا) وقال ابن مسعود والسدي: الأنامل الأصابع، وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه كما قال تعالى: { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وذلك أشد الغيظ والحنق، قال اللّه تعالى: { قل موتوا بغيظكم إن اللّه عليم بذات الصدور} أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن اللّه متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعلي كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم، { إن اللّه عليم بذات الصدور} أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. ثم قال تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء - لما للّه تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أُحُد - فرح المنافقون بذلك. قال اللّه تعالى مخاطباً للمؤمنين: { وإن تصبروا وتتَّقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على اللّه، الذي هو محيط بأعدائهم فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ومن توكل عليه كفاه. ثم شرع تعالى في ذكر قصة أُحُد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان الصابرين فقال تعالى:

تفسير الجلالين

{ إن تَمْسَسْكُمْ } تصبكم { حسنة } نعمة كنصر وغنيمة { تسؤهم } تحزنهم } { وإن تصبكم سيئة } كهزيمة وجدب { يفرحوا بها } وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالوهم فاجتنبوهم { وإن تصبروا } على أذاهم { وتتقوا } الله في موالاتهم وغيرها { لا يضركمْ } بكسر الضاد وسكون الراء وضمها وتشديدها { كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون } بالياء والتاء { محيط } عالم فيجازيهم به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِيبكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ } إِنْ تَنَالُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ سُرُورًا بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ , وَتَتَابُع النَّاس فِي الدُّخُول فِي دِينكُمْ , وَتَصْدِيق نَبِيّكُمْ , وَمُعَاوَنَتكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ , يَسُؤْهُمْ . وَإِنْ تَنَلْكُمْ مَسَاءَة بِإِخْفَاقِ سَرِيَّة لَكُمْ , أَوْ بِإِصَابَةِ عَدُوّ لَكُمْ مِنْكُمْ , أَوْ اِخْتِلَاف يَكُون بَيْن جَمَاعَتكُمْ يَفْرَحُوا بِهَا . كَمَا : 6101 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنْ تَمَسَسكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } , فَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام أُلْفَة وَجَمَاعَة وَظُهُورًا عَلَى عَدُوّهُمْ , غَاظَهُمْ ذَلِكَ وَسَاءَهُمْ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فُرْقَة وَاخْتِلَافًا أَوْ أُصِيبَ طَرَف مِنْ أَطْرَاف الْمُسْلِمِينَ سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ وَابْتَهَجُوا بِهِ , فَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْن أَكْذَبَ اللَّه أُحْدُوثَته وَأَوْطَأَ مَحَلَّته , وَأَبْطَلَ حُجَّته , وَأَظْهَرَ عَوْرَته , فَذَاكَ قَضَاء اللَّه فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ وَفِيمَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 6102 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ إِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام جَمَاعَة وَظُهُورًا عَلَى عَدُوّهُمْ , غَاظَهُمْ ذَلِكَ غَيْظًا شَدِيدًا وَسَاءَهُمْ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فُرْقَة وَاخْتِلَافًا , أَوْ أُصِيب طَرَف مِنْ أَطْرَاف الْمُسْلِمِينَ , سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط } 6103 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنْ تَمَسّكُمْ حَسَنه تَسُؤْهُمْ } قَالَ : إِذَا رَأَوْا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ جَمَاعَة وَأُلْفَة سَاءَهُمْ ذَلِكَ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْهُمْ فُرْقَة وَاخْتِلَافًا فَرِحُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِيبكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ } إِنْ تَنَالُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ سُرُورًا بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ , وَتَتَابُع النَّاس فِي الدُّخُول فِي دِينكُمْ , وَتَصْدِيق نَبِيّكُمْ , وَمُعَاوَنَتكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ , يَسُؤْهُمْ . وَإِنْ تَنَلْكُمْ مَسَاءَة بِإِخْفَاقِ سَرِيَّة لَكُمْ , أَوْ بِإِصَابَةِ عَدُوّ لَكُمْ مِنْكُمْ , أَوْ اِخْتِلَاف يَكُون بَيْن جَمَاعَتكُمْ يَفْرَحُوا بِهَا . كَمَا : 6101 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنْ تَمَسَسكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } , فَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام أُلْفَة وَجَمَاعَة وَظُهُورًا عَلَى عَدُوّهُمْ , غَاظَهُمْ ذَلِكَ وَسَاءَهُمْ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فُرْقَة وَاخْتِلَافًا أَوْ أُصِيبَ طَرَف مِنْ أَطْرَاف الْمُسْلِمِينَ سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ وَابْتَهَجُوا بِهِ , فَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْن أَكْذَبَ اللَّه أُحْدُوثَته وَأَوْطَأَ مَحَلَّته , وَأَبْطَلَ حُجَّته , وَأَظْهَرَ عَوْرَته , فَذَاكَ قَضَاء اللَّه فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ وَفِيمَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 6102 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَة يَفْرَحُوا بِهَا } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ إِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام جَمَاعَة وَظُهُورًا عَلَى عَدُوّهُمْ , غَاظَهُمْ ذَلِكَ غَيْظًا شَدِيدًا وَسَاءَهُمْ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فُرْقَة وَاخْتِلَافًا , أَوْ أُصِيب طَرَف مِنْ أَطْرَاف الْمُسْلِمِينَ , سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط } 6103 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنْ تَمَسّكُمْ حَسَنه تَسُؤْهُمْ } قَالَ : إِذَا رَأَوْا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ جَمَاعَة وَأُلْفَة سَاءَهُمْ ذَلِكَ , وَإِذَا رَأَوْا مِنْهُمْ فُرْقَة وَاخْتِلَافًا فَرِحُوا . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَصْبِرُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى طَاعَة اللَّه , وَاتِّبَاع أَمْره فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَاجْتِنَاب مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , مِنْ اِتِّخَاذ بِطَانَة لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَائِر مَا نَهَاكُمْ , وَتَتَّقُوا رَبّكُمْ , فَتَخَافُوا التَّقَدُّم بَيْن يَدَيْهِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ , وَأَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّه وَحَقّ رَسُوله , لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا : أَيْ كَيْد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ . وَيَعْنِي بِكَيْدِهِمْ : غَوَائِلهمْ الَّتِي يَبْتَغُونَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَمَكْرهمْ بِهِمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ الْهُدَى وَسَبِيل الْحَقّ . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " لَا يَضِرْكُمْ " مُخَفَّفَة بِكَسْرِ الضَّاد مِنْ قَوْل الْقَائِل : ضَارَنِي فُلَان فَهُوَ يَضِيرنِي ضَيْرًا , وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ الْعَرَب : مَا يَنْفَعنِي وَلَا يَضُورنِي . فَلَوْ كَانَتْ قُرِئَتْ عَلَى هَذِهِ اللُّغَة لَقِيلَ : لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , وَلَكِنِّي لَا أَعْلَم أَحَدًا قَرَأَ بِهِ , وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَعَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا } بِضَمِّ الضَّاد وَتَشْدِيد الرَّاء مِنْ قَوْل الْقَائِل : ضَرَّنِي فُلَان فَهُوَ يَضُرّنِي ضَرًّا . وَأَمَّا الرَّفْع فِي قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ } فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عَلَى إِتْبَاع الرَّاء فِي حَرَكَتهَا , إِذْ كَانَ الْأَصْل فِيهَا الْجَزْم , وَلَمْ يُمْكِن جَزْمهَا لِتَشْدِيدِهَا أَقْرَب حَرَكَات الْحُرُوف الَّتِي قَبْلهَا , وَذَلِكَ حَرَكَة الضَّاد , وَهِيَ الضَّمَّة , فَأُلْحِقَتْ بِهَا حَرَكَة الرَّاء لِقُرْبِهَا مِنْهَا , كَمَا قَالُوا : مُدَّ يَا هَذَا . وَالْوَجْه الْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الرَّفْع فِي ذَلِكَ : أَنْ تَكُون مَرْفُوعَة عَلَى صِحَّة , وَتَكُون " لَا " بِمَعْنَى " لَيْسَ " , وَتَكُون الْفَاء الَّتِي هِيَ جَوَاب الْجَزَاء مَتْرُوكَة لِعِلْمِ السَّامِع بِمَوْضِعِهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , ثُمَّ تُرِكَتْ الْفَاء مِنْ قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ } وَوُجِّهَتْ " لَا " إِلَى مَعْنَى " لَيْسَ " , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيك حَتَّى تَرُدّنِي إِلَى قَطَرِيّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيًا وَلَوْ كَانَتْ الرَّاء مُحَرَّكَة إِلَى النَّصْب وَالْخَفْض كَانَ جَائِزًا , كَمَا قِيلَ : مُدَّ يَا هَذَا , وَمُدَّ .وَأَمَّا قَوْله : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَصْبِرُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى طَاعَة اللَّه , وَاتِّبَاع أَمْره فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَاجْتِنَاب مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , مِنْ اِتِّخَاذ بِطَانَة لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَائِر مَا نَهَاكُمْ , وَتَتَّقُوا رَبّكُمْ , فَتَخَافُوا التَّقَدُّم بَيْن يَدَيْهِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ , وَأَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّه وَحَقّ رَسُوله , لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا : أَيْ كَيْد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ . وَيَعْنِي بِكَيْدِهِمْ : غَوَائِلهمْ الَّتِي يَبْتَغُونَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَمَكْرهمْ بِهِمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ الْهُدَى وَسَبِيل الْحَقّ . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " لَا يَضِرْكُمْ " مُخَفَّفَة بِكَسْرِ الضَّاد مِنْ قَوْل الْقَائِل : ضَارَنِي فُلَان فَهُوَ يَضِيرنِي ضَيْرًا , وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ الْعَرَب : مَا يَنْفَعنِي وَلَا يَضُورنِي . فَلَوْ كَانَتْ قُرِئَتْ عَلَى هَذِهِ اللُّغَة لَقِيلَ : لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , وَلَكِنِّي لَا أَعْلَم أَحَدًا قَرَأَ بِهِ , وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَعَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا } بِضَمِّ الضَّاد وَتَشْدِيد الرَّاء مِنْ قَوْل الْقَائِل : ضَرَّنِي فُلَان فَهُوَ يَضُرّنِي ضَرًّا . وَأَمَّا الرَّفْع فِي قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ } فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عَلَى إِتْبَاع الرَّاء فِي حَرَكَتهَا , إِذْ كَانَ الْأَصْل فِيهَا الْجَزْم , وَلَمْ يُمْكِن جَزْمهَا لِتَشْدِيدِهَا أَقْرَب حَرَكَات الْحُرُوف الَّتِي قَبْلهَا , وَذَلِكَ حَرَكَة الضَّاد , وَهِيَ الضَّمَّة , فَأُلْحِقَتْ بِهَا حَرَكَة الرَّاء لِقُرْبِهَا مِنْهَا , كَمَا قَالُوا : مُدَّ يَا هَذَا . وَالْوَجْه الْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الرَّفْع فِي ذَلِكَ : أَنْ تَكُون مَرْفُوعَة عَلَى صِحَّة , وَتَكُون " لَا " بِمَعْنَى " لَيْسَ " , وَتَكُون الْفَاء الَّتِي هِيَ جَوَاب الْجَزَاء مَتْرُوكَة لِعِلْمِ السَّامِع بِمَوْضِعِهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , ثُمَّ تُرِكَتْ الْفَاء مِنْ قَوْله : { لَا يَضُرّكُمْ كَيْدهمْ } وَوُجِّهَتْ " لَا " إِلَى مَعْنَى " لَيْسَ " , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيك حَتَّى تَرُدّنِي إِلَى قَطَرِيّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيًا وَلَوْ كَانَتْ الرَّاء مُحَرَّكَة إِلَى النَّصْب وَالْخَفْض كَانَ جَائِزًا , كَمَا قِيلَ : مُدَّ يَا هَذَا , وَمُدَّ .' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَل هَؤُلَاءِ الْكُفَّار فِي عِبَاده وَبِلَاده مِنْ الْفَسَاد وَالصَّدّ عَنْ سَبِيله وَالْعَدَاوَة لِأَهْلِ دِينه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , مُحِيط بِجَمِيعِهِ , حَافِظ لَهُ لَا يَعْزُب عَنْهُ شَيْء مِنْهُ , حَتَّى يُوَفِّيهِمْ جَزَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلّه وَيُذِيقهُمْ عُقُوبَته عَلَيْهِ .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَل هَؤُلَاءِ الْكُفَّار فِي عِبَاده وَبِلَاده مِنْ الْفَسَاد وَالصَّدّ عَنْ سَبِيله وَالْعَدَاوَة لِأَهْلِ دِينه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , مُحِيط بِجَمِيعِهِ , حَافِظ لَهُ لَا يَعْزُب عَنْهُ شَيْء مِنْهُ , حَتَّى يُوَفِّيهِمْ جَزَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلّه وَيُذِيقهُمْ عُقُوبَته عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن تمسسكم حسنة تسؤهم} قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء. واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء. وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف. والمعنى في الآية : أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة، لا سيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله : كل العداوة قد ترجى إفاقتها ** إلا عداوة من عاداك من حسد { وإن تصبروا} أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين. { وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} يقال : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا؛ فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم. قلت : قرأ الحرميان وأبو عمرو { لا يضركم} من ضار يضير كما ذكرنا؛ ومنه قوله { لا ضير} ، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء، وكانت أولى بالحذف؛ لأن قبلها ما يدل عليها. وحكى الكسائي أنه سمع "ضارَه يضورُه" وأجاز "لا يَضُرْكم" وزعم أن في قراءة أبي بن كعب "لا يضْرُرْكم". قرأ الكوفيون "لا يضركم" بضم الراء وتشديدها من ضر يضر. ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار الفاء؛ والمعنى : فلا يضركم، ومنه قول الشاعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها ** هذا قول الكسائي والفراء، أو يكون مرفوعا على نية التقديم؛ وأنشد سيبويه : إنك إن يصرع أخوك تصرع ** أي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا. ويجوز أن يكون مجزوما، وضمت الراء لالتقاء الساكنين على إتباع الضم. وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم، وفتح "يضركم" لالتقاء الساكنين لخفة الفتح؛ رواه أبو زيد عن المفضل عن عاصم، حكاه المهدوي. وحكى النحاس : وزعم المفضل الضبي عن عاصم "لا يضرِّكم" بكسر الراء لالتقاء الساكنين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 118 - 120

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والقرآن كلام الله وله - سبحانه - الطلاقة التامة والغني الكامل، والعبارات في المعنى الواحد قد تختلف لأن كل مقام له قوله، وسبحانه يحدد بدقة متناهية اللفظ المناسب.. إنه هو سبحانه الذي قال:
{  إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ }
[المعارج: 19-23]

وهو سبحانه الذي قال:
{  مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }
[النساء: 79]

إنه جل وعلا يتكلم عن المس في الشر والخير، ومرة يتكلم عما يحدث للإنسان كإصابة في الخير أو في الشر، وفي الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } إنه لم يورد الأمر كله مَسًّا، ولم يورده كله " إصابة " إنه كلام رب حكيم وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا يقوله إلا رب حكيم.

ولنتعرف الأن على " المس " و " الإصابة " بعض العلماء قال: إن المس والإصابة بمعنى واحد، بدليل قوله الحق:
{  إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً }
[المعارج: 19-21]

ولكننا نقول إن المس هو إيجاد صلة بين الماس والممسوس فإذا مس الرجل امرأته، فنحن نأمره بالوضوء فقط, لأنه مجرد التقاء الماس بالممسوس والأمر ليس أكثر من التقاء لا تحدث به الجنابة فلا حاجة للغسل، أما الإصابة فهي التقاء وزيادة؛ فالذي يضرب واحدا صفعة فإنه قد يورم صدغة، فالكف يلتقي بالخد، ويصيب الصدغ، وهكذا نعرف أن هناك فرقا بين المس والإصابة، وحين يقول الحق: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ }.

فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير.. وفي حياتنا اليومية نجد من يمتلئ غيظا لأن خصمه قد كسب عشرة قروش، وقد يجد من يقول له: لماذا لا تدخر غيظك إلى أن يكسب مائة جنيه مثلا؟ ومثل هذا الغيظ من الحسنة الصغيرة هو دليل على أن أي خير يأتي للمؤمنين إنما يسبب التعب والكدر للكافرين. فبمجرد مس الخير للمؤمنين يتعب الكافرين فماذا عن أمر السيئة؟

إن الحق يقول: { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين مع أنه كان مقتضي الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحما:
وحسبك من حادث بامرئ   ترى حاسديه له راحمينا
يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له ويقول: والله أنا حزنت من أجله.

إذن فلمّا تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } والحسنة هي أي خير يمسهم مساً خفيفاً، { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } ، فأنت مهما كادوا لك فلن يصيبوك بأذى.إن المطلوب منك أن تصبر على عداوتهم، وتصبر على شرّهم، وتصبر على فرحهم في المصائب، وتصبر على حزنهم من النعمة تصيبك أو تمسك، اصبر فيكون عندك مناعة؛ وكيدهم لن ينال منك اصبر واتق الله: لتضمن أن يكون الله في جانبك، { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً }.

وما الكيد؟ الكيد هو أن تبيت وتحتال على إيقاع الضرر بالغير بحيث يبدو أنه كيدٌ من غيرك، أي تدبر لغيرك لتضره. وأصل الكيد مأخوذ من الكيد والكبد، وهما بمعنى واحد، فما يصيب الكبد يؤلم؛ لأن الكبد هو البضع القوي في الإنسان، إذا أصابه شيء أعيى الإنسان وأعجزه، ويقولون: فلان أصاب كبد الحقيقة أي توصل إلى نقطة القوة في الموضع الذي يحكي عنه.

وما معنى يبيتون؟ قالوا: إن التبييت ليس دليل الشجاعة، وساعة ترى واحداً يبيت ويمكر فاعرف أنه جبان؛ لأن الشجاع لا يكيد ولا يمكر، إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي لا يقدر على المواجهة، فإن تصبروا على مقتضيات عداواتهم وتتقوا الله لا يضركم كيدهم شيئا؛ لأن الله يكون معكم.

ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: { إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }. وساعة ترى كلمة " محيط " فهذا يدلك على أنه عالم بكل شيء. والإحاطة: تعني ألا تشرد حاجة منه. وها هي ذي تجربة واقعية في تاريخ الإسلام؛ يقول الحق فيها مؤكدا: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } وعلى كل منا أن يذكر صدق هذه القضية.


www.alro7.net