سورة
اية:

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

تفسير بن كثير

لا يوجد

تفسير الجلالين

{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } بما يذكر بعد { وبعثنا } فيه التفات عن الغيبة أقمنا { منهم اثني عشر نقيبا } من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم { وقال } لهم { الله إنِّي معكم } بالعون والنصرة { لئن } لام قسم { أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزَّرتموهم } نصرتموهم { وأقرضتم الله قرضا حسنا } بالإنفاق في سبيله { لأكفرنَّ عنكم سيئآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك } الميثاق { منكم فقد ضل سواء السبيل } أخطأ طريق الحق. والسواء في الأصل الوسط فنقضوا الميثاق قال تعالى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } وَهَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَخْلَاق الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهمْ إِلَيْهِمْ مِنْ الْيَهُود . كَاَلَّذِي : 9022 - حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } قَالَ : الْيَهُود مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنْ الْغَدْر وَنَقْضِ الْعَهْد الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْنه مِنْ صِفَاتهمْ وَصِفَات أَوَائِلهمْ وَأَخْلَاقهمْ وَأَخْلَاق أَسْلَافهمْ قَدِيمًا , وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُود بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عِلْمُهُ عِنْدهمْ دُون الْعَرَب مِنْ خَفِيّ أُمُورهمْ وَمَكْنُون عُلُومهمْ , وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيّ , وَإِصْرَارهمْ عَلَى الْكُفْر مَعَ عِلْمهمْ بِخَطَإٍ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ . يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْر الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ , وَلَا أَمْر الْغَدْر الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاق أَوَائِلهمْ وَأَسْلَافهمْ , لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاج أَوَّلهمْ وَطَرِيق سَلَفهمْ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَزَّ ذِكْره عَنْ بَعْض غَدَرَاتهمْ وَخِيَانَاتهمْ وَجَرَاءَتهمْ عَلَى رَبّهمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ , مَعَ نِعَمه الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا , وَكَرَامَاته الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرهَا , فَقَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق مَنْ سَلَفَ مِمَّنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَده إِلَيْكُمْ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل يَا مَعْشَر الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَته فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ كَمَا : 9023 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } قَالَ : أَخَذَ اللَّه مَوَاثِيقهمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } وَهَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ إِعْلَامًا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَخْلَاق الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهمْ إِلَيْهِمْ مِنْ الْيَهُود . كَاَلَّذِي : 9022 - حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } قَالَ : الْيَهُود مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَأَنَّ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنْ الْغَدْر وَنَقْضِ الْعَهْد الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْنه مِنْ صِفَاتهمْ وَصِفَات أَوَائِلهمْ وَأَخْلَاقهمْ وَأَخْلَاق أَسْلَافهمْ قَدِيمًا , وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُود بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَانَ عِلْمُهُ عِنْدهمْ دُون الْعَرَب مِنْ خَفِيّ أُمُورهمْ وَمَكْنُون عُلُومهمْ , وَتَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيّ , وَإِصْرَارهمْ عَلَى الْكُفْر مَعَ عِلْمهمْ بِخَطَإٍ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ . يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْر الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ , وَلَا أَمْر الْغَدْر الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاق أَوَائِلهمْ وَأَسْلَافهمْ , لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاج أَوَّلهمْ وَطَرِيق سَلَفهمْ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَزَّ ذِكْره عَنْ بَعْض غَدَرَاتهمْ وَخِيَانَاتهمْ وَجَرَاءَتهمْ عَلَى رَبّهمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ , مَعَ نِعَمه الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا , وَكَرَامَاته الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرهَا , فَقَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق مَنْ سَلَفَ مِمَّنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَده إِلَيْكُمْ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل يَا مَعْشَر الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَته فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ كَمَا : 9023 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } قَالَ : أَخَذَ اللَّه مَوَاثِيقهمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْره . ' يَعْنِي بِذَلِكَ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر كَفِيلًا , كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُهُود فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ . وَالنَّقِيب فِي كَلَام الْعَرَب , كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْم , غَيْر أَنَّهُ فَوْق الْعَرِيف , يُقَال مِنْهُ : نَقَبَ فُلَان عَلَى بَنِي فُلَان فَهُوَ يَنْقُب نَقْبًا , فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا , قِيلَ : قَدْ نَقُبَ فَهُوَ يَنْقُب نَقَابَة , وَمِنْ الْعَرِيف : عَرُفَ عَلَيْهِمْ يَعْرُف عِرَافَة . فَأَمَّا الْمَنَاكِب فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاء , وَاحِدهمْ مَنْكِب . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُول : هُوَ الْأَمِين الضَّامِن عَلَى الْقَوْم . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ قَدْ اِخْتَلَفُوا بَيْنهمْ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الشَّاهِد عَلَى قَوْمه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9024 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } مِنْ كُلّ سِبْط رَجُل شَاهِد عَلَى قَوْمه . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّقِيب : الْأَمِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9025 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : النُّقَبَاء : الْأُمَنَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَإِنَّمَا كَانَ اللَّه أَمَرَ مُوسَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثِهِ النُّقَبَاء الِاثْنَيْ عَشَر مِنْ قَوْمه بَنِي إِسْرَائِيل إِلَى أَرْض الْجَبَابِرَة بِالشَّامِ لِيَتَجَسَّسُوا لِمُوسَى أَخْبَارهمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكهمْ , وَأَنْ يُورِث أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ مُوسَى وَقَوْمه , وَأَنْ يَجْعَلهَا مَسَاكِن لِبَنِي إِسْرَائِيل بَعْد مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْض مِصْر , فَبَعَثَ مُوسَى الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّه بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنْ النُّقَبَاء . كَمَا : 9026 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَمَرَ اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَاء , وَهِيَ أَرْض بَيْت الْمَقْدِس , فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا مِنْ جَمِيع أَسْبَاط بَنِي إِسْرَائِيل , فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَة , فَلَقِيَهُمْ رَجُل مِنْ الْجَبَّارِينَ يُقَال لَهُ عَاج , فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَر , فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَته وَعَلَى رَأْسه حُزْمَة حَطَب , فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى اِمْرَأَته , فَقَالَ : اُنْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا ! فَطَرَحَهُمْ بَيْن يَدَيْهَا , فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنهُمْ بِرِجْلِي ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَته : بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمهمْ بِمَا رَأَوْا ! فَفَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْم , قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : يَا قَوْم إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيل خَبَر الْقَوْم , اِرْتَدُّوا عَنْ نَبِيّ اللَّه لَكِنْ اُكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيّ اللَّه , فَيَكُونَانِ فِيمَا يَرَيَانِ رَأْيهمَا , فَأَخَذَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض الْمِيثَاق بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ . ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشَرَة مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْد , فَجَعَلَ الرَّجُل يُخْبِر أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ عَاج , وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ , فَأَتَوْا مُوسَى وَهَارُون , فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَر , فَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 9027 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } مِنْ كُلّ سِبْط مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رَجُل أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ , فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُل فِي كُمّ أَحَدهمْ اِثْنَانِ مِنْهُمْ يَلُفُّونَهُمْ لَفًّا , وَلَا يَحْمِل عُنْقُود عِنَبهمْ إِلَّا خَمْسَة أَنْفُس بَيْنهمْ فِي خَشَبَة , وَيَدْخُل فِي شَطْر الرُّمَّانَة إِذَا نُزِعَ حَبّهَا خَمْسَة أَنْفُس أَوْ أَرْبَع . فَرَجَعَ النُّقَبَاء كُلّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطه عَنْ قِتَالهمْ إِلَّا يُوشَع بْن نُون وَكَالِب بْن يوقنا يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاط بِقِتَالِ الْجَبَابِرَة وَبِجِهَادِهِمْ , فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رِجَال , وَقَالَ أَيْضًا : يُلْقُونَهُمَا . 9028 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَسِير بِبَنِي إِسْرَائِيل إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا , فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنْ الْعَدُوّ , فَإِنِّي نَاصِركُمْ عَلَيْهِمْ , وَخُذْ مِنْ قَوْمك اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا مِنْ كُلّ سِبْط نَقِيبًا يَكُون عَلَى قَوْمه بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ , وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّه يَقُول لَكُمْ : { إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَ آتَيْتُمْ الزَّكَاة } إِلَى قَوْله : { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } وَأَخَذَ مُوسَى مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا اِخْتَارَهُمْ مِنْ أَسْبَاط كُفَلَاء عَلَى قَوْمهمْ بِمَا هُمْ فِيهِ عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقه , وَأَخَذَ مِنْ كُلّ سِبْط مِنْهُمْ خَيْرهمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا . يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة بِأَمْرِ اللَّه , حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيه بَيْن مِصْر وَالشَّام , وَهِيَ بِلَاد لَيْسَ فِيهَا شَجَر وَلَا ظِلّ , دَعَا مُوسَى رَبّه حِين آذَاهُمْ الْحَرّ , فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ , وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى . وَأَمَرَ اللَّه مُوسَى فَقَالَ : أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَجَسَّسُونَ إِلَى أَرْض كَنْعَان الَّتِي وَهَبْت لِبَنِي إِسْرَائِيل , مِنْ كُلّ سِبْط رَجُلًا . فَأَرْسَلَ مُوسَى الرُّءُوس كُلّهمْ الَّذِينَ فِيهِمْ , وَهَذِهِ أَسْمَاء الرَّهْط الَّذِينَ بَعَثَ اللَّه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل إِلَى أَرْض الشَّام , فِيمَا يَذْكُر أَهْل التَّوْرَاة لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيل : مِنْ سِبْط روبيل : شامون بْن ركون , وَمِنْ سِبْط شَمْعُون سافاط بْن حَرْبِيّ , وَمِنْ سِبْط يَهُوذَا كَالِب بْن يوقنا , وَمِنْ سِبْط كَاذ مِيخَائِيل بْن يُوسُف , وَمِنْ سِبْط يُوسُف وَهُوَ سِبْط أفرائيم يُوشَع بْن نُون , وَمِنْ سِبْط بِنْيَامِين فلط بْن ذنون , وَمِنْ سِبْط ربالون كَرَابِيل بْن سودي , وَمِنْ سِبْط منشا بْن يُوسُف حدي بْن سوشا , وَمِنْ سِبْط دَانَ حملائل بْن حمل , وَمِنْ سِبْط أشار سابور بْن ملكيل , وَمِنْ سِبْط نفتالي محر بْن وقسي , وَمِنْ سِبْط يساخر حولايل بْن منكد . فَهَذِهِ أَسْمَاء الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى يَتَجَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْض , وَيَوْمئِذٍ سَمَّى يُوشَع بْن نُون : يُوشَع بْن نُون , فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ : اِرْتَفِعُوا قَبْل الشَّمْس , فَارْقَوْا الْجَبَل , وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْض , وَمَا الشَّعْب الَّذِي يَسْكُنُونَهُ , أَقْوِيَاء هُمْ أَمْ ضُعَفَاء ؟ أَقَلِيل هُمْ أَمْ هُمْ كَثِير ؟ وَانْظُرُوا أَرْضهمْ الَّتِي يَسْكُنُونَ أَشَمِسَة هِيَ أَمْ ذَات شَجَر ؟ وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَة تِلْكَ الْأَرْض ! وَكَانَ فِي أَوَّل مَا سَمَّى لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ثَمَرَة الْعِنَب . 9029 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , بَعَثَهُمْ مُوسَى لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَة . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَة , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتهمْ وِقْرَ رَجُل , فَقَالُوا : قَدِّرُوا قُوَّة قَوْم وَبَأْسهمْ هَذِهِ فَاكِهَتهمْ . فَعِنْد ذَلِكَ فُتِنُوا , فَقَالُوا : لَا نَسْتَطِيع الْقِتَال { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } . 9030 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : سَمِعَ أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد يَقُول فِي قَوْله : { وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } أَمَرَ اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة مَعَ نَبِيّهمْ مُوسَى ; فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَة , قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اُدْخُلُوهَا ! فَأَبَوْا وَجَبَنُوا , وَبَعَثُوا اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتهمْ بِوِقْرِ الرَّجُل , فَقَالُوا : قَدِّرُوا قُوَّة قَوْم وَبَأْسهمْ , هَذِهِ فَاكِهَتهمْ ! فَعِنْد ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى : { اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا } . يَعْنِي بِذَلِكَ : وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر كَفِيلًا , كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُهُود فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ . وَالنَّقِيب فِي كَلَام الْعَرَب , كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْم , غَيْر أَنَّهُ فَوْق الْعَرِيف , يُقَال مِنْهُ : نَقَبَ فُلَان عَلَى بَنِي فُلَان فَهُوَ يَنْقُب نَقْبًا , فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا , قِيلَ : قَدْ نَقُبَ فَهُوَ يَنْقُب نَقَابَة , وَمِنْ الْعَرِيف : عَرُفَ عَلَيْهِمْ يَعْرُف عِرَافَة . فَأَمَّا الْمَنَاكِب فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاء , وَاحِدهمْ مَنْكِب . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُول : هُوَ الْأَمِين الضَّامِن عَلَى الْقَوْم . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ قَدْ اِخْتَلَفُوا بَيْنهمْ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الشَّاهِد عَلَى قَوْمه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9024 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } مِنْ كُلّ سِبْط رَجُل شَاهِد عَلَى قَوْمه . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّقِيب : الْأَمِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9025 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : النُّقَبَاء : الْأُمَنَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَإِنَّمَا كَانَ اللَّه أَمَرَ مُوسَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثِهِ النُّقَبَاء الِاثْنَيْ عَشَر مِنْ قَوْمه بَنِي إِسْرَائِيل إِلَى أَرْض الْجَبَابِرَة بِالشَّامِ لِيَتَجَسَّسُوا لِمُوسَى أَخْبَارهمْ إِذْ أَرَادَ هَلَاكهمْ , وَأَنْ يُورِث أَرْضهمْ وَدِيَارهمْ مُوسَى وَقَوْمه , وَأَنْ يَجْعَلهَا مَسَاكِن لِبَنِي إِسْرَائِيل بَعْد مَا أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْض مِصْر , فَبَعَثَ مُوسَى الَّذِينَ أَمَرَهُ اللَّه بِبَعْثِهِمْ إِلَيْهَا مِنْ النُّقَبَاء . كَمَا : 9026 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَمَرَ اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَاء , وَهِيَ أَرْض بَيْت الْمَقْدِس , فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ بَعَثَ مُوسَى اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا مِنْ جَمِيع أَسْبَاط بَنِي إِسْرَائِيل , فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَابِرَة , فَلَقِيَهُمْ رَجُل مِنْ الْجَبَّارِينَ يُقَال لَهُ عَاج , فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَر , فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَته وَعَلَى رَأْسه حُزْمَة حَطَب , فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى اِمْرَأَته , فَقَالَ : اُنْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا ! فَطَرَحَهُمْ بَيْن يَدَيْهَا , فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنهُمْ بِرِجْلِي ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَته : بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمهمْ بِمَا رَأَوْا ! فَفَعَلَ ذَلِكَ . فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْم , قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : يَا قَوْم إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيل خَبَر الْقَوْم , اِرْتَدُّوا عَنْ نَبِيّ اللَّه لَكِنْ اُكْتُمُوهُ وَأَخْبِرُوا نَبِيّ اللَّه , فَيَكُونَانِ فِيمَا يَرَيَانِ رَأْيهمَا , فَأَخَذَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض الْمِيثَاق بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ . ثُمَّ رَجَعُوا فَانْطَلَقَ عَشَرَة مِنْهُمْ فَنَكَثُوا الْعَهْد , فَجَعَلَ الرَّجُل يُخْبِر أَخَاهُ وَأَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنْ عَاج , وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ , فَأَتَوْا مُوسَى وَهَارُون , فَأَخْبَرُوهُمَا الْخَبَر , فَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 9027 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } مِنْ كُلّ سِبْط مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رَجُل أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ , فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُل فِي كُمّ أَحَدهمْ اِثْنَانِ مِنْهُمْ يَلُفُّونَهُمْ لَفًّا , وَلَا يَحْمِل عُنْقُود عِنَبهمْ إِلَّا خَمْسَة أَنْفُس بَيْنهمْ فِي خَشَبَة , وَيَدْخُل فِي شَطْر الرُّمَّانَة إِذَا نُزِعَ حَبّهَا خَمْسَة أَنْفُس أَوْ أَرْبَع . فَرَجَعَ النُّقَبَاء كُلّ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطه عَنْ قِتَالهمْ إِلَّا يُوشَع بْن نُون وَكَالِب بْن يوقنا يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاط بِقِتَالِ الْجَبَابِرَة وَبِجِهَادِهِمْ , فَعَصَوْا هَذَيْنِ وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رِجَال , وَقَالَ أَيْضًا : يُلْقُونَهُمَا . 9028 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَسِير بِبَنِي إِسْرَائِيل إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا , فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنْ الْعَدُوّ , فَإِنِّي نَاصِركُمْ عَلَيْهِمْ , وَخُذْ مِنْ قَوْمك اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا مِنْ كُلّ سِبْط نَقِيبًا يَكُون عَلَى قَوْمه بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ , وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّه يَقُول لَكُمْ : { إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَ آتَيْتُمْ الزَّكَاة } إِلَى قَوْله : { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } وَأَخَذَ مُوسَى مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا اِخْتَارَهُمْ مِنْ أَسْبَاط كُفَلَاء عَلَى قَوْمهمْ بِمَا هُمْ فِيهِ عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقه , وَأَخَذَ مِنْ كُلّ سِبْط مِنْهُمْ خَيْرهمْ وَأَوْفَاهُمْ رَجُلًا . يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة بِأَمْرِ اللَّه , حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيه بَيْن مِصْر وَالشَّام , وَهِيَ بِلَاد لَيْسَ فِيهَا شَجَر وَلَا ظِلّ , دَعَا مُوسَى رَبّه حِين آذَاهُمْ الْحَرّ , فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ , وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى . وَأَمَرَ اللَّه مُوسَى فَقَالَ : أَرْسِلْ رِجَالًا يَتَجَسَّسُونَ إِلَى أَرْض كَنْعَان الَّتِي وَهَبْت لِبَنِي إِسْرَائِيل , مِنْ كُلّ سِبْط رَجُلًا . فَأَرْسَلَ مُوسَى الرُّءُوس كُلّهمْ الَّذِينَ فِيهِمْ , وَهَذِهِ أَسْمَاء الرَّهْط الَّذِينَ بَعَثَ اللَّه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل إِلَى أَرْض الشَّام , فِيمَا يَذْكُر أَهْل التَّوْرَاة لِيَجُوسُوهَا لِبَنِي إِسْرَائِيل : مِنْ سِبْط روبيل : شامون بْن ركون , وَمِنْ سِبْط شَمْعُون سافاط بْن حَرْبِيّ , وَمِنْ سِبْط يَهُوذَا كَالِب بْن يوقنا , وَمِنْ سِبْط كَاذ مِيخَائِيل بْن يُوسُف , وَمِنْ سِبْط يُوسُف وَهُوَ سِبْط أفرائيم يُوشَع بْن نُون , وَمِنْ سِبْط بِنْيَامِين فلط بْن ذنون , وَمِنْ سِبْط ربالون كَرَابِيل بْن سودي , وَمِنْ سِبْط منشا بْن يُوسُف حدي بْن سوشا , وَمِنْ سِبْط دَانَ حملائل بْن حمل , وَمِنْ سِبْط أشار سابور بْن ملكيل , وَمِنْ سِبْط نفتالي محر بْن وقسي , وَمِنْ سِبْط يساخر حولايل بْن منكد . فَهَذِهِ أَسْمَاء الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى يَتَجَسَّسُونَ لَهُ الْأَرْض , وَيَوْمئِذٍ سَمَّى يُوشَع بْن نُون : يُوشَع بْن نُون , فَأَرْسَلَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ : اِرْتَفِعُوا قَبْل الشَّمْس , فَارْقَوْا الْجَبَل , وَانْظُرُوا مَا فِي الْأَرْض , وَمَا الشَّعْب الَّذِي يَسْكُنُونَهُ , أَقْوِيَاء هُمْ أَمْ ضُعَفَاء ؟ أَقَلِيل هُمْ أَمْ هُمْ كَثِير ؟ وَانْظُرُوا أَرْضهمْ الَّتِي يَسْكُنُونَ أَشَمِسَة هِيَ أَمْ ذَات شَجَر ؟ وَاحْمِلُوا إِلَيْنَا مِنْ ثَمَرَة تِلْكَ الْأَرْض ! وَكَانَ فِي أَوَّل مَا سَمَّى لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ثَمَرَة الْعِنَب . 9029 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } فَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , بَعَثَهُمْ مُوسَى لِيَنْظُرُوا لَهُ إِلَى الْمَدِينَة . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا إِلَى الْمَدِينَة , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتهمْ وِقْرَ رَجُل , فَقَالُوا : قَدِّرُوا قُوَّة قَوْم وَبَأْسهمْ هَذِهِ فَاكِهَتهمْ . فَعِنْد ذَلِكَ فُتِنُوا , فَقَالُوا : لَا نَسْتَطِيع الْقِتَال { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } . 9030 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : سَمِعَ أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد يَقُول فِي قَوْله : { وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } أَمَرَ اللَّه بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة مَعَ نَبِيّهمْ مُوسَى ; فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَة , قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اُدْخُلُوهَا ! فَأَبَوْا وَجَبَنُوا , وَبَعَثُوا اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ . فَانْطَلَقُوا فَنَظَرُوا , فَجَاءُوا بِحَبَّةٍ مِنْ فَاكِهَتهمْ بِوِقْرِ الرَّجُل , فَقَالُوا : قَدِّرُوا قُوَّة قَوْم وَبَأْسهمْ , هَذِهِ فَاكِهَتهمْ ! فَعِنْد ذَلِكَ قَالُوا لِمُوسَى : { اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا } . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ اللَّه إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره { وَقَالَ اللَّه } لِبَنِي إِسْرَائِيل { إِنِّي مَعَكُمْ } يَقُول : إِنِّي نَاصِركُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَّيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْته عَلَيْكُمْ . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف اُسْتُغْنِيَ , بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إِنِّي مَعَكُمْ , فَتَرَكَ ذِكْر " لَهُمْ " , اِسْتِغْنَاء بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } إِذْ كَانَ مُتَقَدِّم الْخَبَر عَنْ قَوْم مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سِيَاق مَا فِي الْكَلَام مِنْ الْخَبَر عَنْهُمْ , إِذْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَام مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَم , فَقَالَ : قَسَم { لَئِنْ أَقَمْتُمْ } مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل { الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة } أَيْ أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا , { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } يَقُول : وَصَدَّقْتُمْ بِمَا آتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِع دِينِي . وَكَانَ الرَّبِيع بْن أَنَس يَقُول : هَذَا خِطَاب مِنْ اللَّه لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَر . 9031 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَر : سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثهمْ , وَمَا أَمْرهمْ , وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّه مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا ! . وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيع فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنْ الصَّوَاب , غَيْر أَنَّ مِنْ قَضَاء اللَّه فِي جَمِيع خَلْقه أَنَّهُ نَاصِر مَنْ أَطَاعَهُ , وَوَلِيّ مَنْ اِتَّبَعَ أَمْره وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَته وَجَافَى ذُنُوبه . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ طَاعَته : إِقَام الصَّلَاة , وَإِيتَاء الزَّكَاة , وَالْإِيمَان بِالرُّسُلِ , وَسَائِر مَا نَدَبَ الْقَوْم إِلَيْهِ ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِير السَّيِّئَات بِذَلِكَ وَإِدْخَال الْجَنَّات بِهِ لَمْ يُخَصِّص بِهِ النُّقَبَاء دُون سَائِر بَنِي إِسْرَائِيل غَيْرهمْ , فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُون نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ , أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُون عَامّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ اللَّه إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره { وَقَالَ اللَّه } لِبَنِي إِسْرَائِيل { إِنِّي مَعَكُمْ } يَقُول : إِنِّي نَاصِركُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَّيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْته عَلَيْكُمْ . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف اُسْتُغْنِيَ , بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إِنِّي مَعَكُمْ , فَتَرَكَ ذِكْر " لَهُمْ " , اِسْتِغْنَاء بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل } إِذْ كَانَ مُتَقَدِّم الْخَبَر عَنْ قَوْم مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سِيَاق مَا فِي الْكَلَام مِنْ الْخَبَر عَنْهُمْ , إِذْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَام مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَم , فَقَالَ : قَسَم { لَئِنْ أَقَمْتُمْ } مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل { الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة } أَيْ أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا , { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي } يَقُول : وَصَدَّقْتُمْ بِمَا آتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِع دِينِي . وَكَانَ الرَّبِيع بْن أَنَس يَقُول : هَذَا خِطَاب مِنْ اللَّه لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَر . 9031 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَر : سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثهمْ , وَمَا أَمْرهمْ , وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّه مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمْ الصَّلَاة وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا ! . وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيع فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنْ الصَّوَاب , غَيْر أَنَّ مِنْ قَضَاء اللَّه فِي جَمِيع خَلْقه أَنَّهُ نَاصِر مَنْ أَطَاعَهُ , وَوَلِيّ مَنْ اِتَّبَعَ أَمْره وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَته وَجَافَى ذُنُوبه . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ طَاعَته : إِقَام الصَّلَاة , وَإِيتَاء الزَّكَاة , وَالْإِيمَان بِالرُّسُلِ , وَسَائِر مَا نَدَبَ الْقَوْم إِلَيْهِ ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِير السَّيِّئَات بِذَلِكَ وَإِدْخَال الْجَنَّات بِهِ لَمْ يُخَصِّص بِهِ النُّقَبَاء دُون سَائِر بَنِي إِسْرَائِيل غَيْرهمْ , فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُون نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ , أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُون عَامّ .' وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيل ذَلِكَ : وَنَصَرْتُمُوهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9032 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9033 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَة وَالنُّصْرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9034 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : التَّعَزُّر وَالتَّوْقِير : الطَّاعَة وَالنُّصْرَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي تَأْوِيله , فَذُكِرَ عَنْ يُونُس الْحِرْمِرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : تَأْوِيل ذَلِكَ : أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ . 9035 - حُدِّثْنَا بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى عَنْهُ . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ وَأَعَنْتُمُوهُمْ وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ وَأَيَّدْتُمُوهُمْ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ : وَكَمْ مِنْ مَاجِد لَهُمْ كَرِيم وَمِنْ لَيْث يُعَزَّز فِي النَّدِيّ وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : الْعَزْر الرَّدّ عَزَّرْته رَدَدْته : إِذَا رَأَيْته يَظْلِم , فَقُلْت : اِتَّقِ اللَّه أَوْ نَهَيْته , فَذَلِكَ الْعَزْر . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : نَصَرْتُمُوهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَة الْفَتْح : { إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } فَالتَّوْقِير : هُوَ التَّعْظِيم . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْض مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ . وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ التَّعْظِيم , وَكَانَ النَّصْر قَدْ يَكُون بِالْيَدِ وَاللِّسَان ; فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَغَيْره , وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْن الثَّنَاء , وَالذَّبّ عَنْ الْعِرْض , صَحَّ أَنَّهُ النَّصْر إِذْ كَانَ النَّصْر يَحْوِي مَعْنَى كُلّ قَائِل قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ .وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيل ذَلِكَ : وَنَصَرْتُمُوهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9032 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9033 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : نَصَرْتُمُوهُمْ بِالسَّيْفِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الطَّاعَة وَالنُّصْرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9034 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } قَالَ : التَّعَزُّر وَالتَّوْقِير : الطَّاعَة وَالنُّصْرَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي تَأْوِيله , فَذُكِرَ عَنْ يُونُس الْحِرْمِرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : تَأْوِيل ذَلِكَ : أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ . 9035 - حُدِّثْنَا بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى عَنْهُ . وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ نَصَرْتُمُوهُمْ وَأَعَنْتُمُوهُمْ وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ وَأَيَّدْتُمُوهُمْ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ : وَكَمْ مِنْ مَاجِد لَهُمْ كَرِيم وَمِنْ لَيْث يُعَزَّز فِي النَّدِيّ وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : الْعَزْر الرَّدّ عَزَّرْته رَدَدْته : إِذَا رَأَيْته يَظْلِم , فَقُلْت : اِتَّقِ اللَّه أَوْ نَهَيْته , فَذَلِكَ الْعَزْر . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : نَصَرْتُمُوهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَة الْفَتْح : { إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } فَالتَّوْقِير : هُوَ التَّعْظِيم . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْض مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ . وَإِذَا فَسَدَ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ التَّعْظِيم , وَكَانَ النَّصْر قَدْ يَكُون بِالْيَدِ وَاللِّسَان ; فَأَمَّا بِالْيَدِ فَالذَّبّ بِهَا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَغَيْره , وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَحُسْن الثَّنَاء , وَالذَّبّ عَنْ الْعِرْض , صَحَّ أَنَّهُ النَّصْر إِذْ كَانَ النَّصْر يَحْوِي مَعْنَى كُلّ قَائِل قَالَ فِيهِ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَا عَنْهُ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا } فَإِنَّهُ يَقُول : وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ فِي جِهَاد عَدُوّهُ وَعَدُوّكُمْ , { قَرْضًا حَسَنًا } يَقُول : وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيله , فَأَصَبْتُمْ الْحَقّ فِي إِنْفَاقكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُود اللَّه وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْره . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : { وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا } وَلَمْ يَقُلْ : إِقْرَاضًا حَسَنًا , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَصْدَر أَقْرَضْت : الْإِقْرَاض ؟ قِيلَ : لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا , وَلَكِنَّ قَوْله : { قَرْضًا حَسَنًا } أُخْرِجَ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظه , وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْله : أَقْرَضَ مَعْنَى قَرَضَ , كَمَا فِي مَعْنَى أَعْطَى أَخَذَ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَقَرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا , وَنَظِير ذَلِكَ : { وَاللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا } إِذْ كَانَ فِي أَنْبَتَكُمْ مَعْنَى فَنَبَتُّمْ , وَكَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقِيس : وَرُضْت فَذَلَّتْ صَعْبَة أَيّ إِذْلَال إِذْ كَانَ فِي رُضْت مَعْنَى أَذْلَلْت , فَخَرَجَ الْإِذْلَال مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظه .وَأَمَّا قَوْله : { وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا } فَإِنَّهُ يَقُول : وَأَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ فِي جِهَاد عَدُوّهُ وَعَدُوّكُمْ , { قَرْضًا حَسَنًا } يَقُول : وَأَنْفَقْتُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي سَبِيله , فَأَصَبْتُمْ الْحَقّ فِي إِنْفَاقكُمْ مَا أَنْفَقْتُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ تَتَعَدَّوْا فِيهِ حُدُود اللَّه وَمَا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَثَّكُمْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْره . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : { وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا } وَلَمْ يَقُلْ : إِقْرَاضًا حَسَنًا , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَصْدَر أَقْرَضْت : الْإِقْرَاض ؟ قِيلَ : لَوْ قِيلَ ذَلِكَ كَانَ صَوَابًا , وَلَكِنَّ قَوْله : { قَرْضًا حَسَنًا } أُخْرِجَ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظه , وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْله : أَقْرَضَ مَعْنَى قَرَضَ , كَمَا فِي مَعْنَى أَعْطَى أَخَذَ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَقَرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا , وَنَظِير ذَلِكَ : { وَاللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا } إِذْ كَانَ فِي أَنْبَتَكُمْ مَعْنَى فَنَبَتُّمْ , وَكَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقِيس : وَرُضْت فَذَلَّتْ صَعْبَة أَيّ إِذْلَال إِذْ كَانَ فِي رُضْت مَعْنَى أَذْلَلْت , فَخَرَجَ الْإِذْلَال مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ لَا مِنْ لَفْظه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيل , يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة أَيّهَا الْقَوْم الَّذِينَ أَعْطُونِي مِيثَاقهمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْرِي , وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة , وَفَعَلْتُمْ سَائِر مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } يَقُول : لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتكُمْ , عَلَى سَالِف إِجْرَامكُمْ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ عَلَى ذُنُوبكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَة الْعِجْل وَغَيْرهَا مِنْ مُوبِقَات ذُنُوبكُمْ . وَإِنَّمَا قُلْت : مَعْنَى قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ } لَأُغَطِّيَنَّ , لِأَنَّ الْكُفْر مَعْنَاهُ الْجُحُود وَالتَّغْطِيَة وَالسَّتْر , كَمَا قَالَ لَبِيد : فِي لَيْلَة كَفَرَ النُّجُوم غَمَامُهَا يَعْنِي : " غَطَّاهَا " . التَّفْعِيل مِنْ الْكَفْر . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى " اللَّام " الَّتِي فِي قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : اللَّام الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَم , يَعْنِي اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } قَالَ : وَالثَّانِيَة مَعْنَى قَسَم آخَر . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : بَلْ اللَّام الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِع الْيَمِين , فَاكْتَفَى بِهَا عَنْ الْيَمِين , يَعْنِي بِاللَّامِ الْأُولَى : لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة . قَالَ : وَاللَّام الثَّانِيَة , يَعْنِي قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } جَوَاب لَهَا , يَعْنِي لِلَّامِ الَّتِي فِي قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } غَيْر تَامّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } قَسَمًا مُبْتَدَأ , بَلْ الْوَاجِب أَنْ يَكُون جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْر مُسْتَغْنِيَة عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيل , يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة أَيّهَا الْقَوْم الَّذِينَ أَعْطُونِي مِيثَاقهمْ بِالْوَفَاءِ بِطَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْرِي , وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة , وَفَعَلْتُمْ سَائِر مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ جَنَّتِي { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } يَقُول : لَأُغَطِّيَنَّ بِعَفْوِي عَنْكُمْ وَصَفْحِي عَنْ عُقُوبَتكُمْ , عَلَى سَالِف إِجْرَامكُمْ الَّتِي أَجْرَمْتُمُوهَا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ عَلَى ذُنُوبكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ مِنْ عِبَادَة الْعِجْل وَغَيْرهَا مِنْ مُوبِقَات ذُنُوبكُمْ . وَإِنَّمَا قُلْت : مَعْنَى قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ } لَأُغَطِّيَنَّ , لِأَنَّ الْكُفْر مَعْنَاهُ الْجُحُود وَالتَّغْطِيَة وَالسَّتْر , كَمَا قَالَ لَبِيد : فِي لَيْلَة كَفَرَ النُّجُوم غَمَامُهَا يَعْنِي : " غَطَّاهَا " . التَّفْعِيل مِنْ الْكَفْر . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى " اللَّام " الَّتِي فِي قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : اللَّام الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَم , يَعْنِي اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } قَالَ : وَالثَّانِيَة مَعْنَى قَسَم آخَر . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : بَلْ اللَّام الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِع الْيَمِين , فَاكْتَفَى بِهَا عَنْ الْيَمِين , يَعْنِي بِاللَّامِ الْأُولَى : لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة . قَالَ : وَاللَّام الثَّانِيَة , يَعْنِي قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } جَوَاب لَهَا , يَعْنِي لِلَّامِ الَّتِي فِي قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْله : { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة } غَيْر تَامّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون قَوْله : { لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ } قَسَمًا مُبْتَدَأ , بَلْ الْوَاجِب أَنْ يَكُون جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْر مُسْتَغْنِيَة عَنْهُ .' { وَلَأُدْخِلَنَّكُم } مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْم الْقِيَامَة { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } فَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين . وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : يَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَار هَذِهِ الْبَسَاتِين الَّتِي أُدْخِلكُمُوهَا الْأَنْهَار . { وَلَأُدْخِلَنَّكُم } مَعَ تَغْطِيَتِي عَلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ بِفَضْلِي يَوْم الْقِيَامَة { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } فَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين . وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : يَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَار هَذِهِ الْبَسَاتِين الَّتِي أُدْخِلكُمُوهَا الْأَنْهَار .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَفَرَ بَعْد ذَلِكَ مِنْكُمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل شَيْئًا مِمَّا أَمَرْته بِهِ , فَتَرَكَهُ , أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْته عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْد أَخْذِي الْمِيثَاق عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَاب مَعْصِيَتِي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَفَرَ بَعْد ذَلِكَ مِنْكُمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَر بَنِي إِسْرَائِيل شَيْئًا مِمَّا أَمَرْته بِهِ , فَتَرَكَهُ , أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْته عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْد أَخْذِي الْمِيثَاق عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَاب مَعْصِيَتِي .' يَقُول : فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْد الطَّرِيق الْوَاضِح , وَزَلَّ عَنْ مَنْهَج السَّبِيل الْقَاصِد . وَالضَّلَال : الرُّكُوب عَلَى غَيْر هُدًى ; وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { سَوَاء } يَعْنِي بِهِ : وَسَط السَّبِيل , وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيل ذَلِكَ كُلّه فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .يَقُول : فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْد الطَّرِيق الْوَاضِح , وَزَلَّ عَنْ مَنْهَج السَّبِيل الْقَاصِد . وَالضَّلَال : الرُّكُوب عَلَى غَيْر هُدًى ; وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { سَوَاء } يَعْنِي بِهِ : وَسَط السَّبِيل , وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيل ذَلِكَ كُلّه فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال ابن عطية : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير، واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها. والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة؛ ومنه قيل في عمر رضي الله عنه : إنه كان لنقابا. فالنقباء الضمان، واحدهم نقيب، وهو شاهد القوم وضمينهم؛ يقال : نقب عليهم، وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة. والنقب والنقب الطريق في الجبل. وإنما قيل : نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. وقال قوم :******* النقباء الأمناء على قومهم؛ وهذا كله قريب بعضه من بعض. والنقيب أكبر مكانة من العريف. قال عطاء بن يسار : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة؛ ذكره الدرامي في مسنده. قال قتادة - رحمه الله وغيره : هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط، تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله؛ ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة؛ بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلا، وسماهم القباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم. وقال الربيع والسدي وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم؛ فساروا ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم؛ فأطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة - على ما يأتي - وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة : 24]. الثانية: ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية؛ فتركب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام؛ وقد جاء أيضا مثله في الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم لهوازن : (ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). أخرجه البخاري. الثالثة: وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. والتجسس : التبحث. وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا؛ أخرجه مسلم. وسيأتي حكم الجاسوس في [الممتحنة] إن شاء الله تعالى. وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في [المحبر] فقال : من سبط روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدي بن سوشا، ومن سبط دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذ كوال بن موخى؛ فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم؛ قاله الماوردي. وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فلينظروا هناك. قوله تعالى { وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة} الآية. قال الربيع بن أنس : قال ذلك للنقباء. وقال غيره : قال ذلك لجميع بني إسرائيل. وكسرت { إن} لأنها مبتدأة. { معكم} لأنه ظرف، أي بالنصر والعون. ثم ابتدأ فقال { لئن أقمتم الصلاة} إلى أن قال { لأكفرن عنكم سيئاتكم} أي إن فعلتم ذلك { ولأدخلنكم جنات} واللام في { لئن} لام توكيد ومعناها القسم؛ وكذا { لأكفرن عنكم} ، { ولأدخلنكم} . وقيل : المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم، وتضمن شرطا آخر لقوله { لأكفرن} أي إن فعلتم ذلك كفر. وقيل : قوله { لئن أقمتم الصلاة} جزاء لقوله { إني معكم} وشرط لقوله { لأكفرن} والتعزير : التعظيم والتوقير؛ وأنشد أبو عبيدة : وكم من ماجد لهم كريم ** ومن ليث يعزر في الندي أي يعظم ويوقر. والتعزير : الضرب دون الحد، والرد؛ تقول : عزرت فلانا إذا أدبته ورددت عن القبيح. فقوله { عزرتموهم} أي رددتم عنهم أعداءهم. { وأقرضتم الله قرضا حسنا} يعني الصدقات؛ ولم يقل إقراضا، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله { والله أنبتكم من الأرض نباتا} [نوح : 17] ، { فتقبلها ربها بقبول حسن} [آل عمران : 37] وقد تقدم. ثم قيل { حسنا} أي طيبة بها نفوسكم. وقيل : يبتغون بها وجه الله. وقيل : حلالا. وقيل { قرضا} اسم لا مصدر. { فمن كفر بعد ذلك منكم} أي بعد الميثاق. { فقد ضل سواء السبيل} أي أخطأ قصد الطريق. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 11 - 12


سورة المائدة الايات 12 - 13

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يُذَكِّر الحق هنا رسوله بالميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل. وقد يكون المقصود هو ميثاق الذر أو يكون المراد بالميثاق ما جاء في قوله تعالى:
{  وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ }
[آل عمران: 81]

أو أن يكون المراد بالميثاق هو ما بينه بقوله سبحانه:
{  خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ }
[البقرة: 63]

ويقول سبحانه: { وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً } ولنر " التكتيك " الديني الذي أراده الحق، فهو لا يجمع أجناس الخلق المختلفة على واحد من نوع منها؛ لأن ذلك قد يعرض الدعوة لعصبية؛ فاختار سبحانه اثني عشر نقيباً على عدد الأسباط حتى لا يقولن سبط: كيف لا يكون لي نقيب؟. وحسم الله الأمر، ولم يجعله محلاً للنزاع؛ فجعل لكل سبط نقيباً منهم. والنقيب هو الذي يدير حركتهم العقدية والدينية. وساعة نسمع كلمة " نقيب " نعرف أنها من مادة " النون والقاف والباء " ، " والنقب " هو إحداث فجوة لها عمق في أي جسم صلب.

إن إختيار الحق لكلمة نقيب، يَدل على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله بما ينفع الحركة الكاملة. وبذلك يكون كل فرد في البسط له عمله ومكانه المناسب. ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب، أي معرفة حالة كل واحد وميوله فيضعه في المكان المناسب.

إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد. واختار الحق من كل سبط نقيباً، ولم يجعل لسبط نقيباً من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على سبط، ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط الآخرين.

ونحن نسمع في حياتنا اليومية وصفاً لإنسان: فلان له مناقب كثيرة، أي أن له فضائل يذكرها الناس، كأنّ على صاحب الفضائل ألا يتباهى بها بنفسه بل عليه أن يترك الناس لينقبوا عن فضائله، ولذلك كانت كنوز الأرض وكنوز الحضارات مدفونة ننقب عليها، أما ما يظهر على سطح الأرض فتذروه الرياح وعواملُ التعرية ولا يبقى منه شيء.

إذن فكلمة " نقيب " في كل مادتها تدور حول الدخول إلى العمق، لذلك تصف الرجل الفاضل: فلان له مناقب أي أن نقبت وجدت له فضائل تذكر، وقد أعطاه الله موهبة الخير ولا يتعالم بها، بل يدع الناس هم الذين يحكمون ويذكرون هذه الصفات. ومن نفس المادة " النقاب " أي أن تغطي المرأة وجهها.

وقوله الحق: { إِنِّي مَعَكُمْ } يعطيهم خصلة إيمانية، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمناً، وكما قال الحق:
{  وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ }
[الأنفال: 60]

وبعد أن يعد المؤمنون ما استطاعوا فليتركوا الباقي على الله. وجاء أيضاً قوله: { وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ } أي أن كل نقيب على سبط ليس له مطلق التصرف، ولكن الله يوضح: " أنا معكم وسأنظر كيف يدير كل نقيب هذه المسائل " أي أنه سبحانه وتعالى مطلع على واقعكم، فليس معنى الولاية أن يكون للوالي مطلق التصرف في جماعته؛ لا؛ لأن الله رقيب. وقوله الحق: { إِنِّي مَعَكُمْ } تدل على أن من ولي أمراً فلا بد أن يتابعه ويراه.

وبعد ذلك قال: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }. و " لئن " تضم شرطاً وقسماً، كأن الحق يقول: وعزتي لئن أقمتم الصلاة وفعلتم كذا وكذا ليكونن الجزاء أن أكفر عنكم السيئات. ودلت " اللام " على القسم، ودلت " إن " على الشرط فيه " إن " الشرطية.

والقسم - كما نعلم - يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب أيضاً، فالواحد منا يقول للطالب: إن تذاكر تنجح. والواحد منا يقول: " والله لأفعلن كذا " ، و " الله " هي القسم. و " لأفعلن " جواب القسم المؤكد باللام. وحين يأتي القسم في جملة بمفرده فجوابه يأتي، وحين يأتي الشرط بمفرده في جملة فجوابه يأتي أيضاً. ولكن ماذا عندما يأتي القسم مع الشرط؟ هل يأتي جوابان: جواب للشرط وجواب للقسم؟. عندما تجد هذه الحالة فانظر إلى المقدم منهما، هل هو القسم أو الشرط؟؛ لأن المقدم منهما هو الأهم؛ فيأتي جوابه، ويغني عن جواب الثاني. والمتقدم هنا هو القسم، تماماً مثل قولنا:

- لئن قام زيد لأقومن، وهنا يكون الجواب جواب القسم، أما إن قلنا: إن قام زيد والله أُكرمْه، فالجواب جواب الشرط؛ فقدم الشرط على القسم. هذا إن لم يكن قد تقدم ما يحتاج إلى خبر كالمبتدأ أو ما في حكمه، فإن جاء والخبر أي المحتاج إلى الخبر فالشرط هو الراجح، أي فالراجح أن نأتي بجواب الشرط ونحذف جواب القسم؛ لأن الشرط تأسيس والقسم توكيد. وابن مالك في الألفية يوضح هذه القاعدة:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم   جواب ما أخّرت فهو مُلْتَزَمْ
وإن تواليا وقَبْلُ ذو خبر   فالشرط رَجَّحْ مطلقا بلا حَذَرْ
والقسم قد تقدم في هذا الآية، لذا نجد الجواب هنا جواب القسم، وهو { لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }.

وقوله الحق: { أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ } يوضح أن الإقامة تحتاج إلى أمرين؛ فروض تؤدى، وكل فرض فيها يأخذ حقه في القيام به. وبعد ذلك { وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ } وفي كتب الفقه نضع الصلاة، والزكاة في باب العبادات. وجاء التقسيم الفقهي لتسهيل إيضاح الواجبات، لكن كل مأمور به من الله عبادة؛ لأن العبادة هي أن تطيع مَن تعبد في كل أمر به، وأن تجتنب ما نهى عنه، فكل أمر إلهي هو عبادة.وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه قال:
{  إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ }
[الجمعة: 9]

وقوله تعالى:
{  فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ }
[الجمعة: 10]

هنا نجد أمراً تعبدياً أن نترك البيع إلى الصلاة، وأمراً تعبدياً ثانياً أن ننتشر في الأرض ابتغاء لفضل الله بعد انقضاء الصلاة، وأي إخلال بالأمرين، إخلال بأمر تعبدي؛ فأنت مأمور أن تتحرك في الأرض على قدر قوتك حركةً تكفيك وتفيض عن حاجتك ليعم هذا الفائض على غيرك.

وقوله الحق: { وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي أن ينعقد الإيمان في القلب فلا يطفو الأمر بعدذ لك لمناقشته، وأن تعزروا الرسل، أي وقرتموهم ونصرتموهم، والعَزْر في اللغة معناه المنع، ولكن المنع هنا مراد به أن يمنع الناس عن رسول الله من يريده بسوء؛ فإن أراد أحد من الأعداء السوء برسول من الله فليمنع المؤمنون هذا العدو عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأنت في حياتك إن كان لك حبيب أراده إنسان بسوء، وكنت لا تدركه لأنه بعيد عنك فأنت تتمنى أن تأخذ صاحبك وتحميه من أن يناله العدو. لكن إن كان العدو أمامك فأنت تصده عن حبيبك. فالعزر هو المنع، اي أن تمنعه من عدوه وتحول بينه وبينه، أو تمنع عدوه من أن يناله بشر. والرسول بالنسبة للمؤمنين به تكون حياته أغلى من حياتهم، ففي أثناء المنع قد يصاب أحد المؤمنين، وفي ذلك تعظيم للرسول ونصرة له وتوقير.

نقول ذلك حتى نرد على الذين يتصيدون ويقولون: إن " عزرتموهم " معناها " نصرتموهم " ، ومرة أخرى يقولون: إن " عزرتموهم " معناها " منعتموهم ". ونقول: كل المعاني هنا ملتقية، فالعزر هو الرد والمنع، إما بمنع العدو عن الرسول، وإمّا أن يمنع الناس الرسول من أن يناله العدو، أو الاثنان معاً، ويجوز أيضا أن يكون معنى " عزرتموهم " هو نصرتموهم. وكذلك يجوز أن يكون معناها " وقرتموهم "؛ لأن التعظيم والتوقير هما السبب في نصرة الإنسان للرسول.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً }. ويدبر الحق لنا سياسة المال، سواء للواجد أو لغير القادر، فالواجد يوضح له الحق: لا تجعل حركة حياتك على قدر حاجتك، بل اجعل حركة حياتك على قدر طاقتك، وخذ منها ما يكفيك ويكفي مَن تعول، والباقي رُدّه على مَن لم يقدر. ولو جعل كل إنسان حركة حياته على قدر حاجته، فلن يجد من لا يقدر على الحركة ما يعيش به. ولنذكر جيداً أن الحق سبحانه وتعالى قد قال:
{  قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ }
[المؤمنون: 1-4]

وحين قال سبحانه: والذين هم للزكاة فاعلون، ليس معناها مجرد أداء زكاة، بل تعني أن يتحركوا في الحياة بغرض أن يتحقق لهم فائض يخرجون منه الزكاة، وإلا فما الفارق بين المؤمن والكافر؟ الكافر يعمل ليقوت نفسه ويقوت من يعول وليس في باله الله، أما مزية المؤمن فهو يعمل ليقوت نفسه، ويقوت من يعول ويبقى لديه فائض يعطيه للضعيف؛ فكأن إعطاء الضعيف كان في باله ساعة الفعل. وهذا هو المقصود بقوله الحق:
{  وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ }
[المؤمنون: 4]

أي أن كل فعل للمؤمن يُقصد منه أن يكفيه ويكفي أن يزكي منه. وهناك حق آخر في المال غير الزكاة؛ بأن يسد به ولي الأمر ما يحتاج إليه المجتمع الإيماني بشرط أن يقيم ولي الأمر كل شرع الله.

والزكاة هي إخراج المال على نحو مخصوص، أما الصدقة فهي غير محسوبة من الزكاة لكنها فوق الزكاة. وهناك القرض، وهو المال الذي تتعلق به النفس، لأن الإنسان يقدمه لغيره شريطة أن يرده، ولذلك قيل إن القرض أحسن من الصدقة، ذلك أن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما الذي تتصدق عليه فقد يكون غير محتاج، ويسأل دون حاجة، وأيضاً لأن نفس المتصدق تخرج من الشيء المتصدق به ولا تتعلق به، أما الذي يقدم القرض فنفسه متعلقة بالقرض وكلما صبر عليه نال حسنة، وكلما قدم نَظِرَةً إلى ميسرة فهذا له أجر كبير، هكذا يكون القرض أحسن من الصدقة.

فالحق يريد أن تفيض حركة الحياة بالكثير. وكيف يقول سبحانه: { وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } وهو الواهب لكل النعم وهو الولي لكل النعم؟ وكيف يهب الحق للإنسان النعم، ثم يقول له: أقرضني؟

هو سبحانه وتعالى يحترم حركة الإنسان وعرقه مادام قد ضرب في الأرض وسعى فيها، فالمال مال الإنسان، ولكن أخا الإنسان قد يحتاج إليه، ولذلك فليقرضه ويعتبر سبحانه هذا قرضاً من الإنسان لله. ونحن نجد عائل الأسرة يقول لأحد أبنائه: بما أنك تدخر من مصروف يدك فأعط أخاك ما يحتاج إليه واعتبر ذلك قرضا عندي، صحيح أن العائل هو الذي أعطى المال لكل من يعول، فما بالنا بالذي أوجدنا جميعا، وهو الحق سبحانه وتعالى؟ لقد وهب كلاً منا ثمرة عمله واعتبر تلك الثمرة ملكاً لصاحبها. ويعتبر فوق ذلك إقراض المحتاج إقراضاً له.

ويصف الحق القرض بأنه حسن حتى لا يكون فيه مَنُّ، أو منفعة تعود على المقرض وإلا صار في القرض ربا. ولنا الأسوة الحسنة في أبي حنيفة عندما يجلس في ظل بيتِ صاحبٍ له. واقترض صاحب هذا البيت من أبي حنيفة بعض المال. وجاء اليوم التالي للقرض وجلس ابو حنيفة بعيداً عن ظل البيت، فسأله صاحب البيت لماذا؟ أجاب أبو حنيفة: خفت أن يكون ذلك لونا من الربا.فقال صاحب البيت: لكنك كنت تقعد قبل أن تقرضني. فقال أبو حنيفة: كنت أقعد وأنت المتفضل علي بظل بيتك فأخاف أن أقعد وأنا المتفضل عليك بالمال.

والقرض الحسن هو الذي لا يشوبه مَنٌّ أو اذًى أو منفعة؛ ولأن القرض دَيْنٌ، وضع الحق القواعد:
{  إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ }
[البقرة: 282]

فالحق يحمي المقترض من نفسه؛ لأنه إذا علم أن الدين مكتوب، يحاول جاهداً أن يتحرك في الحياة ليسد هذا الدين، ويستفيد المجتمع من حركته أيضاً.

وعندما يُكتب القرض فهذا أمرٌ دافع للسداد وَحّاثٌّ عليه. لكن إن لم يكتب القرض فقد يأتي ظرف من الظروف ويتناسى القرض؟ولو حدث ذلك من شخص فلن تمتد له يد من بعد ذلك بالمعاونة في أي أزمة، فيريد الحق أن يديم الأسباب التي تتداول فيها الحركة، ولذلك يقال في الأمثلة العامية: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. ويكون مال الدنيا كلها معه، ولذلك يقول الحق:
{  وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ }
[البقرة: 282]

وفي ذلك حماية للنفس من الأغيار، ولم يمنع الحق الأريحية الإيمانية فقال:
{  فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ }
[البقرة: 283]

وهكذا يحمي الله الحركة الاقتصادية. ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بالمؤمنين، وقد بلغه أن واحداً قد مات وعليه دين، فقال للصحابة: صلوا على أخيكم. لكنه لم يصل على الميت. وتساءل الناس لماذا لم يصل رسول الله على هذا الميت وما ذنبه؟ كأن رسول الله أراد أن يعلم المؤمنين عن دين المدين فلم يمنع الصلاة، ولكنه لم يصل عليه حفزا للناس ودَفْعاً لهم إلى أن يبرئوا ذمتهم بسداد وأداء ما عليهم من دين. وقال:

" من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه. ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".

فمادام قد مات وهو مدين وليس عنده ما يسد الدين؛ فربما كان لا ينوي رد الدين، وأن نفسه قد حدثته بألا يرد الدين.

وفي فلسفة هذا الأمر نفسياً نجد أن المقترض عندما يقترض شيئا كبيرا لا يستطيع أن يتجاهله أو ينساه، ثم لا يمر بذهن الذي أقرض أن فلاناً مدين، بل وقد تبلغ الحساسية بالذي قدم القرض ألا يمر على المقترض يريد أن يسدد القرض. أما إن تحرك قلب الدائن على المدين، وجلس يفكر في قيمة الدين، فليُفهم أن عند الذي اقترض بعض ما يسدد به الدين، أي أن المدين عنده القدرة على الوفاء بالدَّيْن أو ببعضه، ذلك أن الله لا يُحرج من يَجِد ويجتهد في السعي لسداد دينه.

{ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً }. وقد يقول قائل: كان السياق اللفظي يقتضي أن يقول: " أقرضتم الله إقراضا "؛ لكن الحق جاء بالقرض الحسن؛ لأن الإقراض هو العملية الحادثة بين الطالب للقرض والذي يقرض.وسبحانه يضع القرض الحسن في يده، ولنا أن نتصور ما في يد الله من قدرة على العطاء. ومثل ذلك قوله الحق:
{  وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }
[نوح: 17]

و " أنبتكم " تعبر عن عملية الإنبات، والأرض تخرج نباتا لا إنباتا. فمرة يأتي الله بالفعل ويأتي من بعد ذلك بالمصدر من الفعل؛ لأنه يريد به الاسم. و " أنبت " يدل على معنى وينشئ الله لكم منها نباتا.

وهكذا قال الله عن القرض: { وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } وفي ذلك جواب للقسم، ومن بعد ذلك يقول سبحانه: { وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } وقد تكلمنا من قبل كثيرا عن الجنات. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } ألم يكن الذي كفر من قبل ذلك قد ضل سواء السبيل؟ بلى، إنه قد ضل فعلا، ولكن الذي ضل بعد أن جاء ذكر تلك النعم والثواب فيها فالضلال أكثر. وكلمة " سواء " نقرأها في القرآن ونراها في الاستعمالات اللغوية؛ كمثل قوله الحق:
{  لَيْسُواْ سَوَآءً }
[آل عمران: 113]

وسواء معناها وسط، ومتساوون. والمعاني ملتقية؛ لأنه عندما يكون هناك وسط فمعنى ذلك أن هناك طرفين. ومادام الشيء في الوسط فالطرفان متساويان، وعندما نقول: وسط، فهذا يقتضي أن نجعل المسافة بينه وبين كل طرف متساوية., ولذلك يجب أن ننتبه إلى أن كثيراً من الألفاظ تستعمل في شيء وفي شيء آخر، وهذا ما يسمى بالمشترك اللفظي.. أي اللفظ واحد والمعنى متعدد، مثال ذلك قوله الحق:
{  فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ }
[البقرة: 144]

والشطر هو الجهة. والشطر هو النصف. النصف هو الجهة بمعنى أن توجه إنسان ما إلى الكعبة يقتضي أن يكون الإنسان واقفاً في نقطة هي مركز بالنسبة لدائرة الأفق. وهذه النقطة بالنسبة لمحيط الأفق تقطع كل قطر من أقطارها في المنتصف تماماً. إذن. فعندما يقول: الجهة، نقول: صدقت، وعندما يقول النصف. نقول: صدقت.

{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } والقرآن قد نزل على أمة تعيش في البادية وطرقها بين الجبال، وقد يكون الطريق معبّداً من ناحية، وقد يكون الطريق بين هاويتين. وقد يكون الطريق بين جبلين، ومن يأخذ بالأحوط فهو يمسي في الوسط. ولذلك قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: اليمين والشمال مضلة وخير الأمور الوسط؛ لأن الإنسان قد يتجه يميناً فيقع. أو يتجه شمالاً فيقع؛ أو تقع عليه صخرة. ونجد الوالد ينصح ابنه فيقول له: امش ولا تلتفت يميناً أو يساراً واتجه إلى مقصدك. ونجد الحق يصف الطريق الذي يمشي عليه المؤمن يوم القيامة:
{  فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ }
[الصافات: 55]

وسواء الجحيم هو نقطة المنتصف في النار؛ أي أنه لا يستطيع الذهاب يميناً أو شمالاً. ويقول الحق من بعد ذلك: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ... }


www.alro7.net