سورة
اية:

قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مجيباً لعبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين الكاذبين على اللّه وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه عزَّ وجلَّ فعند ذلك يقول تعالى: { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قال ابن عباس: يوم ينفع الموحدين توحيدهم { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} أي ماكثين فيهن لا يحولون ولا يزولون رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما قال تعالى: { ورضوان من اللّه أكبر} وسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث، وروى ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيه: (ثم يتجلى لهم الرب جل جلاله فيقول: سلوني سلوني أعطكم - قال - فيسألونه الرضا فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني أعطكم فيسالونه الرضا - قال فيشهدهم أنه قد رضي عنهم. سبحانه وتعالى)،قوله { ذلك الفوز العظيم} أي هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: { لمثل هذا فليعمل العاملون} ، وكما قال: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} . وقوله تعالى: { للّه ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} أي هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشئيته، فلا نظير له ولا وزير ولا عديل ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، ولا إلّه غيره ولا رب سواه. قال ابن وهب: آخر سورة أنزل سورة المائدة سورة الأنعام بسم اللّه الرحمن الرحيم

تفسير الجلالين

{ قال الله هذا } أي يوم القيامة { يوم ينفع الصادقين } في الدنيا كعيسى { صدقهم } لأنه يوم الجزاء { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم } بطاعته { ورضوا عنه } بثوابه { ذلك الفوز العظيم } ولا ينفع الكاذبين في الدنيا صدقهم فيه كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله لله وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعا في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه وقيل : المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم والله أعلم وقرأ نافع وابن محيصن { يوم} بالنصب ورفع الباقون وهي القراءة البينة على الابتداء والخبر فيوم ينفع خبر لـ { هذا} والجملة في موضع نصب بالقول. وأما قراءة نافع وابن محيصن فحكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز لأنه نصب خبر الابتداء ولا يجوز فيه البناء وقال إبراهيم بن السري : هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم يوم ينفع الصادقين صدقهم فـ { يوم} ظرف للقول و { هذا} مفعول القول والتقدير قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين وقيل : التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم القيامة وقال الكسائي والفراء : بني يوم ههنا على النصب لأنه مضاف إلى غير اسم؛ كما تقول : مضى يومئذ وأنشد الكسائي : على حين عاتبت المشيب على الصبا ** وقلت ألما أصح والشيب وازع الزجاج ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع فإن كان إلى ماض كان جيدا كما مر في البيت وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف الزمان لأن الفعل بمعنى المصدر وقيل : يجوز أن يكون منصوبا ظرفا ويكون خبر الابتداء الذي هو { هذا} لأنه مشار به إلى حدث، وظروف الزمان تكون أخبارا عن الأحداث تقول : القتال اليوم والخروج الساعة، والجملة في موضع نصب بالقول وقيل : يجوز أن يكون { هذا} في موضع رفع بالابتداء و { يوم} خبر الابتداء والعامل فيه محذوف والتقدير : قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم. وفيه قراءة ثالثة { يوم ينفع} بالتنوين { الصادقين صدقهم} في الكلام حذف تقديره { فيه} مثل قوله { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة : 48] وهي قراءة الأعمش. قوله تعالى { لهم جنات} ابتداء وخبر. { تجري} في موضع الصفة. { من تحتها} أي من تحت غرفها وأشجارها وقد تقدم ثم بين تعالى ثوابهم وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا { ورضوا عنه} أي عن الجزاء الذي أثابهم به. { ذلك الفوز} أي الظفر { العظيم} أي الذي عظم خيره وكثر وارتفعت منزلة صاحبه وشرف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 116 - 120

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف أن هناك صدقاً ينفع يوم القيامة وهو الصدق الموصول بصدق الدنيا. وهناك صدق لا ينفع يوم القيامة ومثال ذلك قول إبليس اللعين كما يحكي القرآن الكريم:
{  إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }
[إبراهيم: 22].

مثل هذا الصدق لا ينفع أحداً؛ لأن الآخرة ليست دار التكليف. لكن الصدق الموصول بصدق الدنيا هو قول عيسى عليه السلام: { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }. ولذلك يقول الله في الصدق الموصول: { هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ }.

ذلك أن صدق الصادقين يوم القيامة هو صدق موصول بصدقهم في زمن التكليف وهو الدنيا ويتلقون رضاء الله: { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } وإن تساءل إنسان: كيف يرضى العبد عن ربه؟.

نقول: إن العباد المؤمنين عندما يعاينون الجزاء المعد لهم في الآخرة يمتلئون بالحبور ويقولون:
{  ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ }
[الزمر: 74].

هذه الآية التي تتحدث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم بقوله: { ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } كأن هناك فوزاً سطحياً، وفوزاً عظيماً، والفوز السطحي: هو ما يعطيه الإنسان لنفسه في دار التكليف من متعة قصيرة العمر والأجل فيبدو ظاهرياً وكأنه قد فاز، وفي الحقيقة ليس هو الفوز العظيم لأن الندم سيعقبه، وأي لذة يعقبها الندم ليست فوزاً؛ لأن الدنيا بكل ما فيها من نعيم هو نعيم على قدر إمكانات الإنسان وتصوره، وهو نعيم مهدد بشيئين؛ أن يزول النعيم عن الإنسان، وكثيراً ما رأينا منعمين زال عنهم النعيم، أو أن يترك الإنسان هذا النعيم بالموت، ونرى ذلك كثيراً. أما النعيم الذي هو الفوز العظيم فهو النعيم الموصول الذي لا يمنعه أحد، ولا يقطعه شيء. ويختم الحق سبحانه سورة المائدة بقوله: { للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ... }


www.alro7.net