سورة
اية:

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: قال رافع بن حرملة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا محمد إن كنت رسولاً من اللّه كما تقول، فقل للّه فيكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل اللّه في ذلك من قوله: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} ""أخرجه محمد بن إسحاق عن ابن عباس""وقال مجاهد: النصارى تقوله، وقال قتادة والسُّدي: هذا قول كفّار العرب، { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} قال: هم اليهود والنصارى، ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} الآية، وقوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} إلى قوله: { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} وقوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به إنما هو الكفر والمعاندة كما قال من قبلهم من الأُمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم. وقوله تعالى: { تشابهت قلوبهم} أي اشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو كما قال تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به} ؟ الآية. وقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون} أي قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر، وزيادة أُخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به عن اللّه تبارك وتعالى، وأما من ختم اللّه على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فأولئك قال اللّه فيهم: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} .

تفسير الجلالين

{ وقال الذين لا يعلمون } أي كفار مكة للنبي { لولا } هلا { يكلمنا الله } بأنك رسوله { أو تأتينا آية } مما اقترحناه على صدقك { كذلك } كما قال هؤلاء { قال الذين من قبلهم } من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم { مثل قولهم } من التعنت وطلب الآيات { تشابهت قلوبهم } في الكفر والعناد، فيه تسلية للنبي { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراحُ آية معها تعنُّت .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ النَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1544 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } قَالَ : النَّصَارَى تَقُولهُ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله ; وَزَادَ فِيهِ { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } النَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1545 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر . وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَا جَمِيعًا : ثنا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَافِع بْن حُرَيْمِلَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ كُنْت رَسُولًا مِنْ عِنْد اللَّه كَمَا تَقُول , فَقُلْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلّ فَلْيُكَلِّمَنَّا حَتَّى نَسْمَع كَلَامه ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } الْآيَة كُلّهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ مُشْرِكِي الْعَرَب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1546 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } وَهُمْ كُفَّار الْعَرَب . 1547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } قَالَ : هُمْ كُفَّار الْعَرَب . 1548 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } أَمَّا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ : فَهُمْ الْعَرَب . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ وَالصَّوَاب قَوْل الْقَائِل : إنَّ اللَّه تَعَالَى عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } النَّصَارَى دُون غَيْرهمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاق خَبَر اللَّه عَنْهُمْ , وَعَنْ افْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا . فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ , مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ ضَلَالَتهمْ أَنَّهُمْ مَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه الْكَذِب بِقَوْلِهِ : { اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } تَمَنَّوْا عَلَى اللَّه الْأَبَاطِيل , فَقَالُوا جَهْلًا مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْده وَهُمْ بِاَللَّهِ مُشْرِكُونَ : لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه كَمَا يُكَلِّم رَسُوله وَأَنْبِيَاءَهُ , أَوْ تَأْتِينَا آيَة كَمَا أَتَتْهُمْ ! وَلَا يَنْبَغِي اللَّه أَنْ يُكَلِّم إلَّا أَوْلِيَاءَهُ , وَلَا يُؤْتِي آيَة مُعْجِزَة عَلَى دَعْوَى مُدَّعٍ إلَّا لِمَنْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إلَى اللَّه وَتَوْحِيده . فَأَمَّا مَنْ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إلَى الْفِرْيَة عَلَيْهِ وَادِّعَاء الْبَنِينَ وَالْبَنَات لَهُ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُكَلِّمهُ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ , أَوْ يُؤْتِيه آيَة مُعْجِزَة تَكُون مُؤَيِّدَة كَذِبه وَفِرْيَته عَلَيْهِ . وَقَالَ الزَّاعِم : إنَّ اللَّه عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } الْعَرَب , فَإِنَّهُ قَائِل قَوْلًا لَا خَبَر بِصِحَّتِهِ وَلَا بُرْهَان عَلَى حَقِيقَته فِي ظَاهِر الْكِتَاب . وَالْقَوْل إذَا صَارَ إلَى ذَلِكَ كَانَ وَاضِحًا خَطَؤُهُ , لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَان عَلَى صِحَّته , وَادِّعَاء مِثْل ذَلِكَ لَنْ يَتَعَذَّر عَلَى أَحَد . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى : هَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه ! كَمَا قَالَ الْأَشْهُب بْن رُمَيْلَة : تَعُدُّونَ عَقْر النَّيْب أَفْضَل مَجْدكُمْ بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا بِمَعْنَى : فَهَلَّا تَعُدُّونَ الْكَمِيّ الْمُقَنَّع ؟ كَمَا : 1549 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } قَالَ : فَهَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَأَمَّا الْآيَة فَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا قَبْل مَعْنَى الْآيَة أَنَّهَا الْعَلَامَة . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : هَلَّا تَأْتِينَا آيَة عَلَى مَا نُرِيدهُ وَنَسْأَل , كَمَا أَتَتْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل ! فَقَالَ عَزَّ وَجَلّ : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ النَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1544 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } قَالَ : النَّصَارَى تَقُولهُ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله ; وَزَادَ فِيهِ { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } النَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1545 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر . وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَا جَمِيعًا : ثنا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَافِع بْن حُرَيْمِلَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ كُنْت رَسُولًا مِنْ عِنْد اللَّه كَمَا تَقُول , فَقُلْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلّ فَلْيُكَلِّمَنَّا حَتَّى نَسْمَع كَلَامه ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } الْآيَة كُلّهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ مُشْرِكِي الْعَرَب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1546 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه أَوْ تَأْتِينَا آيَة } وَهُمْ كُفَّار الْعَرَب . 1547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } قَالَ : هُمْ كُفَّار الْعَرَب . 1548 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } أَمَّا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ : فَهُمْ الْعَرَب . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ وَالصَّوَاب قَوْل الْقَائِل : إنَّ اللَّه تَعَالَى عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } النَّصَارَى دُون غَيْرهمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاق خَبَر اللَّه عَنْهُمْ , وَعَنْ افْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا . فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ , مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ ضَلَالَتهمْ أَنَّهُمْ مَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه الْكَذِب بِقَوْلِهِ : { اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } تَمَنَّوْا عَلَى اللَّه الْأَبَاطِيل , فَقَالُوا جَهْلًا مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْده وَهُمْ بِاَللَّهِ مُشْرِكُونَ : لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه كَمَا يُكَلِّم رَسُوله وَأَنْبِيَاءَهُ , أَوْ تَأْتِينَا آيَة كَمَا أَتَتْهُمْ ! وَلَا يَنْبَغِي اللَّه أَنْ يُكَلِّم إلَّا أَوْلِيَاءَهُ , وَلَا يُؤْتِي آيَة مُعْجِزَة عَلَى دَعْوَى مُدَّعٍ إلَّا لِمَنْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إلَى اللَّه وَتَوْحِيده . فَأَمَّا مَنْ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ وَدَاعِيًا إلَى الْفِرْيَة عَلَيْهِ وَادِّعَاء الْبَنِينَ وَالْبَنَات لَهُ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُكَلِّمهُ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ , أَوْ يُؤْتِيه آيَة مُعْجِزَة تَكُون مُؤَيِّدَة كَذِبه وَفِرْيَته عَلَيْهِ . وَقَالَ الزَّاعِم : إنَّ اللَّه عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } الْعَرَب , فَإِنَّهُ قَائِل قَوْلًا لَا خَبَر بِصِحَّتِهِ وَلَا بُرْهَان عَلَى حَقِيقَته فِي ظَاهِر الْكِتَاب . وَالْقَوْل إذَا صَارَ إلَى ذَلِكَ كَانَ وَاضِحًا خَطَؤُهُ , لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَان عَلَى صِحَّته , وَادِّعَاء مِثْل ذَلِكَ لَنْ يَتَعَذَّر عَلَى أَحَد . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى : هَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه ! كَمَا قَالَ الْأَشْهُب بْن رُمَيْلَة : تَعُدُّونَ عَقْر النَّيْب أَفْضَل مَجْدكُمْ بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا بِمَعْنَى : فَهَلَّا تَعُدُّونَ الْكَمِيّ الْمُقَنَّع ؟ كَمَا : 1549 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } قَالَ : فَهَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَأَمَّا الْآيَة فَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا قَبْل مَعْنَى الْآيَة أَنَّهَا الْعَلَامَة . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : هَلَّا تَأْتِينَا آيَة عَلَى مَا نُرِيدهُ وَنَسْأَل , كَمَا أَتَتْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل ! فَقَالَ عَزَّ وَجَلّ : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } , فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِمَا : 1550 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } هُمْ الْيَهُود . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } الْيَهُود . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , لِأَنَّ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ هُمْ الْعَرَب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1551 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . 1552 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالُوا يَعْنِي الْعَرَب , كَمَا قَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ قَبْلهمْ . 1553 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } هُمْ النَّصَارَى , وَاَلَّذِينَ قَالَتْ مِثْل قَوْلهمْ هُمْ الْيَهُود , وَسَأَلَتْ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّهمْ جَهْرَة , وَأَنْ يُسْمِعهُمْ كَلَام رَبّهمْ , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , وَسَأَلُوا مِنْ الْآيَات مَا لَيْسَ لَهُمْ مَسْأَلَته تَحَكُّمًا مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , وَكَذَلِك تَمَنَّتْ النَّصَارَى عَلَى رَبّهَا تَحَكُّمًا مِنْهَا عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعهُمْ كَلَامه وَيُرِيَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْ الْآيَات . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ مِثْل الَّذِي قَالَتْهُ الْيَهُود وَتَمَنَّتْ عَلَى رَبّهَا مِثْل أَمَانِّيهَا , وَأَنَّ قَوْلهمْ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا يُشَابِه قَوْل الْيَهُود مِنْ أَجْل تَشَابُه قُلُوبهمْ فِي الضَّلَالَة وَالْكُفْر بِاَللَّهِ . فَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبهمْ فِي كَذِبهمْ عَلَى اللَّه وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ , فَقُلُوبهمْ مُتَشَابِهَة فِي الْكُفْر بِرَبِّهِمْ وَالْفِرْيَة عَلَيْهِ , وَتَحَكُّمهمْ عَلَى أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله عَلَيْهِمْ السَّلَام . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد . 1554 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } قُلُوب النَّصَارَى وَالْيَهُود . وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى ذَلِكَ تَشَابَهَتْ قُلُوب كُفَّار الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1555 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } يَعْنِي الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . 1556 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } يَعْنِي الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . وَغَيْر جَائِز فِي قَوْله : { تَشَابَهَتْ } التَّثْقِيل , لِأَنَّ التَّاء الَّتِي فِي أَوَّلهَا زَائِدَة أُدْخِلَتْ فِي قَوْله : " تَفَاعَلَ " , وَإِنْ ثُقِّلَتْ صَارَتْ تَاءَيْنِ ; وَلَا يَجُوز إدْخَال تَاءَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَامَة لِمَعْنَى وَاحِد , وَإِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَال لِاخْتِلَافِ مَعْنَى دُخُولهمَا , لِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَدْخُل عَلَمًا لِلِاسْتِقْبَالِ , وَالْأُخْرَى مِنْهَا الَّتِي فِي " تَفَاعَلَ " , ثُمَّ تُدْغَم إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَتُثَقَّل فَيُقَال : تَشَابَهَ بَعْد الْيَوْم قُلُوبنَا . فَمَعْنَى الْآيَة : وَقَالَتْ النَّصَارَى الْجُهَّال بِاَللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ : هَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه رَبّنَا كَمَا كَلَّمَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُله , أَوْ تَجِيئنَا عَلَامَة مِنْ اللَّه نَعْرِف بِهَا صِدْق مَا نَحْنُ عَلَيْهِ عَلَى مَا نَسْأَل وَنُرِيد ؟ قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : فَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال مِنْ النَّصَارَى وَتَمَنَّوْا عَلَى رَبّهمْ , قَالَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْيَهُود , فَسَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يُرِيَهُمْ اللَّه نَفْسه جَهْرَة , وَيُؤْتِيَهُمْ آيَة , وَاحْتَكَمُوا عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُله , وَتَمَنَّوْا الْأَمَانِيّ . فَاشْتَبَهَتْ قُلُوب الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي تَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِعَظَمَتِهِ وَجُرْأَتهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , كَمَا اشْتَبَهَتْ أَقْوَالهمْ الَّتِي قَالُوهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } , فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِمَا : 1550 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } هُمْ الْيَهُود . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } الْيَهُود . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , لِأَنَّ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ هُمْ الْعَرَب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1551 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . 1552 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالُوا يَعْنِي الْعَرَب , كَمَا قَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ قَبْلهمْ . 1553 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِثْل قَوْلهمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا اللَّه } هُمْ النَّصَارَى , وَاَلَّذِينَ قَالَتْ مِثْل قَوْلهمْ هُمْ الْيَهُود , وَسَأَلَتْ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ رَبّهمْ جَهْرَة , وَأَنْ يُسْمِعهُمْ كَلَام رَبّهمْ , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , وَسَأَلُوا مِنْ الْآيَات مَا لَيْسَ لَهُمْ مَسْأَلَته تَحَكُّمًا مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , وَكَذَلِك تَمَنَّتْ النَّصَارَى عَلَى رَبّهَا تَحَكُّمًا مِنْهَا عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعهُمْ كَلَامه وَيُرِيَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْ الْآيَات . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ مِثْل الَّذِي قَالَتْهُ الْيَهُود وَتَمَنَّتْ عَلَى رَبّهَا مِثْل أَمَانِّيهَا , وَأَنَّ قَوْلهمْ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا يُشَابِه قَوْل الْيَهُود مِنْ أَجْل تَشَابُه قُلُوبهمْ فِي الضَّلَالَة وَالْكُفْر بِاَللَّهِ . فَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبهمْ فِي كَذِبهمْ عَلَى اللَّه وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ , فَقُلُوبهمْ مُتَشَابِهَة فِي الْكُفْر بِرَبِّهِمْ وَالْفِرْيَة عَلَيْهِ , وَتَحَكُّمهمْ عَلَى أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله عَلَيْهِمْ السَّلَام . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد . 1554 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } قُلُوب النَّصَارَى وَالْيَهُود . وَقَالَ غَيْره : مَعْنَى ذَلِكَ تَشَابَهَتْ قُلُوب كُفَّار الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1555 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } يَعْنِي الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . 1556 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ } يَعْنِي الْعَرَب وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ . وَغَيْر جَائِز فِي قَوْله : { تَشَابَهَتْ } التَّثْقِيل , لِأَنَّ التَّاء الَّتِي فِي أَوَّلهَا زَائِدَة أُدْخِلَتْ فِي قَوْله : " تَفَاعَلَ " , وَإِنْ ثُقِّلَتْ صَارَتْ تَاءَيْنِ ; وَلَا يَجُوز إدْخَال تَاءَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَامَة لِمَعْنَى وَاحِد , وَإِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَال لِاخْتِلَافِ مَعْنَى دُخُولهمَا , لِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَدْخُل عَلَمًا لِلِاسْتِقْبَالِ , وَالْأُخْرَى مِنْهَا الَّتِي فِي " تَفَاعَلَ " , ثُمَّ تُدْغَم إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَتُثَقَّل فَيُقَال : تَشَابَهَ بَعْد الْيَوْم قُلُوبنَا . فَمَعْنَى الْآيَة : وَقَالَتْ النَّصَارَى الْجُهَّال بِاَللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ : هَلَّا يُكَلِّمنَا اللَّه رَبّنَا كَمَا كَلَّمَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُله , أَوْ تَجِيئنَا عَلَامَة مِنْ اللَّه نَعْرِف بِهَا صِدْق مَا نَحْنُ عَلَيْهِ عَلَى مَا نَسْأَل وَنُرِيد ؟ قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : فَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال مِنْ النَّصَارَى وَتَمَنَّوْا عَلَى رَبّهمْ , قَالَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْيَهُود , فَسَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يُرِيَهُمْ اللَّه نَفْسه جَهْرَة , وَيُؤْتِيَهُمْ آيَة , وَاحْتَكَمُوا عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُله , وَتَمَنَّوْا الْأَمَانِيّ . فَاشْتَبَهَتْ قُلُوب الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي تَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِعَظَمَتِهِ وَجُرْأَتهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , كَمَا اشْتَبَهَتْ أَقْوَالهمْ الَّتِي قَالُوهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمِ يُوقِنُونَ } . يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمِ يُوقِنُونَ } قَدْ بَيَّنَّا الْعَلَامَات الَّتِي مِنْ أَجْلهَا غَضِبَ اللَّه عَلَى الْيَهُود وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , وَأَعَدَّ لَهُمْ الْعَذَاب الْمُهِين فِي مُعَادهمْ , وَاَلَّتِي مِنْ أَجْلهَا أَخْزَى اللَّه النَّصَارَى فِي الدُّنْيَا , وَأَعَدَّ لَهُمْ الْخِزْي وَالْعَذَاب الْأَلِيم فِي الْآخِرَة , وَاَلَّتِي مِنْ أَجْلهَا جَعَلَ سُكَّان الْجِنَان الَّذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوههمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ فِي هَذِهِ السُّورَة وَغَيْرهَا . فَأُعْلِمُوا الْأَسْبَاب الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اسْتَحَقَّ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ اللَّه مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَخَصَّ اللَّه بِذَلِكَ الْقَوْم الَّذِينَ يُوقِنُونَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْل التَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَالطَّالِبُونَ مَعْرِفَة حَقَائِق الْأَشْيَاء عَلَى يَقِين وَصِحَّة . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَة صِفَته مَا بَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِيَزُولَ شَكّه , وَيَعْلَم حَقِيقَة الْأَمْر ; إذْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ , وَخَبَر اللَّه الْخَبَر الَّذِي لَا يُعْذَر سَامِعه بِالشَّكِّ فِيهِ . وَقَدْ يَحْتَمِل غَيْره مِنْ الْأَخْبَار مَا يَحْتَمِل مِنْ الْأَسْبَاب الْعَارِضَة فِيهِ مِنْ السَّهْو وَالْغَلَط وَالْكَذِب , وَذَلِكَ مَنْفِيّ عَنْ خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمِ يُوقِنُونَ } . يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمِ يُوقِنُونَ } قَدْ بَيَّنَّا الْعَلَامَات الَّتِي مِنْ أَجْلهَا غَضِبَ اللَّه عَلَى الْيَهُود وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , وَأَعَدَّ لَهُمْ الْعَذَاب الْمُهِين فِي مُعَادهمْ , وَاَلَّتِي مِنْ أَجْلهَا أَخْزَى اللَّه النَّصَارَى فِي الدُّنْيَا , وَأَعَدَّ لَهُمْ الْخِزْي وَالْعَذَاب الْأَلِيم فِي الْآخِرَة , وَاَلَّتِي مِنْ أَجْلهَا جَعَلَ سُكَّان الْجِنَان الَّذِينَ أَسْلَمُوا وُجُوههمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ فِي هَذِهِ السُّورَة وَغَيْرهَا . فَأُعْلِمُوا الْأَسْبَاب الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اسْتَحَقَّ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ اللَّه مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَخَصَّ اللَّه بِذَلِكَ الْقَوْم الَّذِينَ يُوقِنُونَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْل التَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَالطَّالِبُونَ مَعْرِفَة حَقَائِق الْأَشْيَاء عَلَى يَقِين وَصِحَّة . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَة صِفَته مَا بَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِيَزُولَ شَكّه , وَيَعْلَم حَقِيقَة الْأَمْر ; إذْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ , وَخَبَر اللَّه الْخَبَر الَّذِي لَا يُعْذَر سَامِعه بِالشَّكِّ فِيهِ . وَقَدْ يَحْتَمِل غَيْره مِنْ الْأَخْبَار مَا يَحْتَمِل مِنْ الْأَسْبَاب الْعَارِضَة فِيهِ مِنْ السَّهْو وَالْغَلَط وَالْكَذِب , وَذَلِكَ مَنْفِيّ عَنْ خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} قال ابن عباس : هم اليهود. مجاهد : النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولا. وقال الربيع والسدي وقتادة : مشركو العرب. و { لولا} بمعنى { هلا} تحضيض، كما قال الأشهب بن رميلة : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ** بني ضوطري لولا الكمي المقنعا وليست هذه { لولا} التي تعطي منع الشيء لوجود غيره، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن { لولا} بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر. ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته. والآية : الدلالة والعلامة، وقد تقدم. { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} { الذين من قبلهم} اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل { الذين لا يعلمون} اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل { الذين لا يعلمون} النصارى. { تشابهت قلوبهم} قيل : في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان. وقال الفراء. { تشابهت قلوبهم} في اتفاقهم على الكفر. { قد بينا الآيات لقوم يوقنون} تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 115 - 118


سورة البقرة الايات 118 - 123

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى حين قال: { ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }.. أي لا يعلمون عن كتاب الله شيئا لأنهم كفار.. وهؤلاء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله.. ومعنى أن يكلمهم الله أن يسمعوا كلاما من الله سبحانه.. كما سمع موسى كلام الله.

وماذا كانوا يريدون من كلام الله تبارك وتعالى.. أكانوا يريدون أن يقول لهم الله إنه أرسل محمداً رسولا ليبلغهم بمنهج السماء.. وكأن كل المعجزات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ـ وعلى رأسها القرآن الكريم ـ لم تكن كافية لإقناعهم.. مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي.. سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل.. جاء القرآن ليتحدى في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية.. وكان ذلك يكفيهم لو أنهم استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا آية أخرى.. والله سبحانه وتعالى قد أبلغنا أنه لا يمكن لطبيعة البشر أن تتلقى عن الله مباشرة.. واقرأ قوله سبحانه:
{  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ }
[الشورى: 51]

إذن فالبشر حتى المصطفى من الله والمؤهل للتلقي عن الله.. لا يكلمه الله إلا وحيا أو إلهامَ خاطرٍ أو من وراء حجاب كما كلم موسى.. أو يرسل رسولا مبلغا للناس لمنهج الله.. أما الاتصال المباشر فهو أمر تمنعه بشرية الخلق.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ }.. والآيات التي يطلبها الكفار ويأتي بها الله سبحانه وتعالى ويحققها لهم.. لا يؤمنون بها بل يزدادون كفرا وعنادا.. والله جل جلاله يقول:
{  وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا }
[الإسراء: 59]

إذن فالآيات التي يطلبها الكفار ليؤمنوا لا تجعلهم يؤمنون.. ولكن يزدادون كفرا حتى ولو علموا يقينا أن هذه الآيات من عند الله سبحانه وتعالى كما حدث لآل فرعون.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{  فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ }
[النمل: 13-14]

وهكذا فإن طلبهم أن يكلمهم الله أو تأتيهم آية كان من باب العناد والكفر.. والحق سبحانه يقول: { كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ }.. فبنو إسرائيل قالوا لموسى أرنا الله جهرة.. الذين لا يعلمون قالوا لولا يكلمنا الله.. ولكن الذين قالوا أرنا الله جهرة كانوا يعلمون لأنهم كانوا يؤمنون بالتوراة.. فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. لذلك قال الله تبارك وتعالى: { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ }.. أي قلوب أولئك الذين كانوا خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد.

ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر.. وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا.. ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا الله جهرة.. إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى.. إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة.. ومادام القلب غير خالص لله فيستوى الذي يعلم والذي لا يعلم.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.. ما هو اليقين؟ هو استقرار القضية في القلب استقراراً لا يحتمل شكا ولا زلزلة.. ولا يمكن أن تخرج القضية مرة أخرى إلى العقل.. لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا.. واليقين يأتي من إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا.. فإذا قال الله قال اليقين.. وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم فكلامه حق.. ولذلك من مصداقية الإيمان أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه.. عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صُعد به إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة.. قال إن كان قد قال فقد صدق.

إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم يقين.. وقد يرتقي الأمر ليصير عين يقين.. عندما ترى الشيء بعينك بعد أن حُدثت عن رؤية غيرك له.. ثم تدخل في حقيقة الشيء فيصبح حق يقين.. إذن اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به.. وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين.. وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء.. والله سبحانه وتعالى يشرح هذا في قوله تعالى:
{  أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ }
[التكاثر: 1-6]

هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من الله سبحانه وتعالى.. ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى:
{  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ }
[التكاثر: 7]

أي أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة.. هذا علم يقين وعين يقين.. يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى:
{  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ }
[الواقعة: 92-95]

والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين.. إنه سيراها وهو يمر على الصراط.. ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين.. ولقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم ما يوافق قول غير المؤمنين.. فاليهود قالوا لموسى: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }.. والمسيحيون قالوا لعيسى: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } قال: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ }.. وهكذا شجع المؤمنون بالكتاب غير المؤمنين بأن يطلبوا رؤية الله ويطلبوا المعجزات المادية.


www.alro7.net