سورة
اية:

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

تفسير بن كثير

هذا أيضاً مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلاً له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا، وصوبه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى السماء. واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين أحدهما : أن الكلام بلفظ المضي، والثاني قوله: { إن تعذبهم} { وإن تغفر لهم} وهذان الدليلان فيهما نظر، لأن كثيراً من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: { إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية. التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى اللّه، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر - واللّه أعلم - أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوتبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. وقد روي بذلك حديث مرفوع، ررواه الحافظ ابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يدعى بعيسى فيذكره اللّه نعمته عليه فيقر بها، فيقول { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} الآية، ثم يقول: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه} فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم،هو أمرنا بذلك، قال: فيطول شعر عيسى عليه السلام فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي اللّه عزَّ وجلَّ مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار) ""رواه الحافظ ابن عساكر، وقال ابن كثير: هذا حديث غريب عزيز"" وقوله تعالى: { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} ، هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن أبي هريرة قال: يلقي عيسى حجته، ولقاه الله تعالى في قوله: { وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ، قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلقاه اللّه { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} إلى آخر الآية، وقد رواه الثوري عن معمر عن ابن طاووس عن طاووس بنحوه. وقوله: { إن كنت قلتُه فقد علمتَه} أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب فإنه لا يخفى عليك شيء فما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته، ولهذا قال: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} بإبلاغه { أن اعبدوا اللّه ربي وربكم} أي ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه { أن اعبدوا الله ربي وربكم} أي هذا هو الذي قلت لهم. وقوله: { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} أي كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} . قال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: قام فينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: (أيها الناس إنكم محشورون إلى اللّه عزَّ وجلَّ حفاة عراة غرلا { كما بدأنا أول خلق نعيده} ، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد* إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) ""رواه البخاري في التفسير عند هذه الآية: { إن تعذبهم فإنهم عبادك} . وقوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى اللّه عزَّ وجلَّ، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسال عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على اللّه وعلى رسوله، وجعلوا للّه نداً وصاحبة وولداً، تعالى اللّه عما يقولون علواً كبيراً، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها، قال الإمام أحمد عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فلما أصبح، قلت: يا رسول اللّه ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: (إني سألت ربي عز وجلَّ الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء اللّه لمن لا يشرك باللّه شيئاً) وقال ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه فقال: (اللهم أمتي) وبكى، فقال اللّه: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه ! فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال اللّه: يا جبريل اذهب إلى محمد فقال: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وقال الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان قال غاب عنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال:( إن ربي عزَّ وجلَّ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت يا رب هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له: كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أو مُعطيَّ ربي سُؤْلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي - ولا فخر - وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. وأنا أمشي حياً صحيحاً، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز، والنصر، والرعب يسعى بين يدي أمتي شهراً، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج ) الحديث وإن كان ضعيف السند ففي أحاديث الشفاعة ما يؤيده ويؤكده

تفسير الجلالين

{ ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به } وهو { أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنتُ عليهم شهيدا } رقيبا أمنعهم مما يقولون { ما دمت فيهم فلما توفيتني } قبضتني بالرفع إلى السماء { كنتَ أنت الرقيب عليهم } الحفيظ لأعمالهم { وأنت على كل شيء } من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك { شهيد } مطلع عالم به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا قُلْت لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتنِي بِهِ أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْت فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قَوْل عِيسَى , يَقُول : مَا قُلْت لَهُمْ إِلَّا الَّذِي أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ الْقَوْل أَنْ أَقُولهُ لَهُمْ , وَهُوَ أَنْ قُلْت لَهُمْ { اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } يَقُول : وَكُنْت عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ وَأَنَا بَيْن أَظْهُرهمْ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَفْعَالهمْ وَأَقْوَالهمْ . { فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي } يَقُول : فَلَمَّا قَبَضْتنِي إِلَيْك , { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } يَقُول : كُنْت أَنْتَ الْحَفِيظ عَلَيْهِمْ دُونِي , لِأَنِّي إِنَّمَا شَهِدْت مِنْ أَعْمَالهمْ مَا عَمِلُوهُ وَأَنَا بَيْن أَظْهُرهمْ . وَفِي هَذَا تِبْيَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا عَرَّفَهُ أَفْعَال الْقَوْم وَمَقَالَتهمْ بَعْد مَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَتَوَفَّاهُ بِقَوْلِهِ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } يَقُول : وَأَنْتَ تَشْهَد عَلَى كُلّ شَيْء ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْء , وَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا شَهِدْت بَعْض الْأَشْيَاء , وَذَلِكَ مَا عَايَنْت وَأَنَا مُقِيم بَيْن أَظْهُر الْقَوْم , فَإِنَّمَا أَنَا أَشْهَد عَلَى ذَلِكَ الَّذِي عَايَنْت وَرَأَيْت وَشَهِدْت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10149 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } أَمَّا الرَّقِيب : فَهُوَ الْحَفِيظ . 10150 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْحَفِيظ . وَكَانَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم تَقُول : كَانَ جَوَاب عِيسَى الَّذِي أَجَابَ بِهِ رَبّه مِنْ اللَّه تَعَالَى تَوْقِيفًا مِنْهُ لَهُ فِيهِ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10151 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه قَالَ سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } قَالَ : اللَّه وَقَّفَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد الْحَفْرِيّ , قَالَ : قُرِئَ عَلَى سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ طَاوُس , قَالَ : اِحْتَجَّ عِيسَى وَاَللَّهُ وَقَّفَهُ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه } الْآيَة . 10152 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ مَيْسَرَة , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم أَأَنْت قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه } ؟ قَالَ : فَأَرْعَدَتْ مَفَاصِله , وَخَشِيَ أَنْ يَكُون قَدْ قَالَهَا , فَ { قَالَ سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ عَلِمْته تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك إِنَّك أَنْتَ عَلَّام الْغُيُوب } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا قُلْت لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتنِي بِهِ أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْت فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قَوْل عِيسَى , يَقُول : مَا قُلْت لَهُمْ إِلَّا الَّذِي أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ الْقَوْل أَنْ أَقُولهُ لَهُمْ , وَهُوَ أَنْ قُلْت لَهُمْ { اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } يَقُول : وَكُنْت عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ وَأَنَا بَيْن أَظْهُرهمْ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَفْعَالهمْ وَأَقْوَالهمْ . { فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي } يَقُول : فَلَمَّا قَبَضْتنِي إِلَيْك , { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } يَقُول : كُنْت أَنْتَ الْحَفِيظ عَلَيْهِمْ دُونِي , لِأَنِّي إِنَّمَا شَهِدْت مِنْ أَعْمَالهمْ مَا عَمِلُوهُ وَأَنَا بَيْن أَظْهُرهمْ . وَفِي هَذَا تِبْيَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا عَرَّفَهُ أَفْعَال الْقَوْم وَمَقَالَتهمْ بَعْد مَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَتَوَفَّاهُ بِقَوْلِهِ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } يَقُول : وَأَنْتَ تَشْهَد عَلَى كُلّ شَيْء ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْء , وَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا شَهِدْت بَعْض الْأَشْيَاء , وَذَلِكَ مَا عَايَنْت وَأَنَا مُقِيم بَيْن أَظْهُر الْقَوْم , فَإِنَّمَا أَنَا أَشْهَد عَلَى ذَلِكَ الَّذِي عَايَنْت وَرَأَيْت وَشَهِدْت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10149 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } أَمَّا الرَّقِيب : فَهُوَ الْحَفِيظ . 10150 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { كُنْت أَنْتَ الرَّقِيب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْحَفِيظ . وَكَانَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم تَقُول : كَانَ جَوَاب عِيسَى الَّذِي أَجَابَ بِهِ رَبّه مِنْ اللَّه تَعَالَى تَوْقِيفًا مِنْهُ لَهُ فِيهِ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10151 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه قَالَ سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } قَالَ : اللَّه وَقَّفَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد الْحَفْرِيّ , قَالَ : قُرِئَ عَلَى سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ طَاوُس , قَالَ : اِحْتَجَّ عِيسَى وَاَللَّهُ وَقَّفَهُ : { أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه } الْآيَة . 10152 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ مَيْسَرَة , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم أَأَنْت قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه } ؟ قَالَ : فَأَرْعَدَتْ مَفَاصِله , وَخَشِيَ أَنْ يَكُون قَدْ قَالَهَا , فَ { قَالَ سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ عَلِمْته تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك إِنَّك أَنْتَ عَلَّام الْغُيُوب } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} يعني في الدنيا بالتوحيد. { أن اعبدوا الله} { أن} لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل { وانطلق الملأ منهم أن امشوا} [ص : 6]. ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلوا كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين. قوله تعالى { وكنت عليهم شهيدا} أي حفيظا بما أمرتهم. { ما دمت فيهم} { ما} في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه قبل أن يرفعه وليس بشيء لأن الأخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه وفاة الموت وذلك قوله تعالى { الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر : 42] يعني وقت انقضاء أجلها. ووفاة النوم قال الله تعالى { وهو الذي يتوفاكم بالليل} [الأنعام : 60] يعني الذي ينيمكم ووفاة الرفع قال الله تعالى { يا عيسى إني متوفيك} [آل عمران : 55]. وقوله { كنت أنت} { أنت هنا} توكيد { الرقيب} خبر { كنت} ومعناه الحافظ عليهم والعالم بهم والشاهد على أفعالهم؛ وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة لأنها في موضع الرقيب من علو المكان. { وأنت على كل شيء شهيد} أي من مقالتي ومقالتهم وقيل على من عصى وأطاع؛ خرج مسلم عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : (يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ) { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء : 104] (ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } قال : فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 113 - 117


سورة المائدة الايات 116 - 120

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد عرض سيدنا عيسى عليه السلام - من خلال قوله لربه تبارك وتعالى - المنهج الذي جاء به على الناس جميعاً وبلغه تمام البلاغ، فقد أبلغ أنه عبد الله وأنه لرسوله، ومادام الحق علاّم الغيوب فهو أعلم بكل شيء حتى بما في النفس، كأنه يثبت أيضاً أن نفسه لم تحدثه بأي خاطر من تلك الخواطر. ويعلن أنه لم يبلغ إلا ما أمر به ربه.

{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المائدة: 117].

والشهيد هو الرائي الذي لا عمل له في تحريك المشهود إلى غير ما شهده.

ويقول عيسى ابن مريم عليه السلام: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْْ } وأمر توفيه الحق لرسالة عيسى ورفعه إليه، قد ذكرناه من قبل في خواطرنا ولكن أضيف الآن بعضاً من اللمحات؛ لأني أرى أنّ من حق كل قارئ أو متلق لهذه الخواطر أن يجد الخلاصة الملائمة التي تغنيه عن الرجوع إلى ما سبق من قول في هذا الأمر، وذلك حتى تتصل المعاني في ذهن القارئ.

لقد كان لميلاد عيسى عليه السلام ضجة، وكذلك كان لمسألة توفِّي الله له ضجة. ولقد شبه الله لقتلة عيسى أنهم قتلوه، فعندما أرادوا أن يقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وهذا نظام البيوت القديمة حيث يوجد باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد. وفي سقف هذا البيت فتحة. وعندما دخل رجل يدعى " تطيانوس " طالباً لعيسى عليه السلام نظر عيسى لأعلى ووجد شيئاً قد رفعه، واستبطأ القوم تطيانوس وخرج عليهم من بعد ذلك، فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟

إذن فقد اختلط عليهم الشبه بعد أن ألقى الله شبه عيسى على تطيانوس. أو أن عيسى حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال عيسى للحواريين: أيكم يُلقى شبهي عليه وله الجنة؟. وكان كل حواري يعلم أنه لا رسالة له مثل عيسى عليه السلام. فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة؟. وتقدم " سرخس " فألقي عليه شبه المسيح عليه السلام وقتل اليهود سرخس. أو أن الذين ذهبوا لقتل عيسى وعرفوا أنه رفع فخافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا به، ولهذا جاء القتلة بشخص وقتلوه، أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا عيسى لليهود وتيقظت في نفسه ملكة التوبة فقدم نفسه بدلاً وفداءً للرسول.

ومسألة التوفي - كما نعلم - هي الأخذ كاملاً دون نقض للبنية بالقتل، ونحن - المسلمين - نعرف أن الحق رفع محمداً صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج إلى السموات وعاد إلينا مرة أخرة ليكمل رسالته؛ لذلك نصدق أمر رفع عيسى وأن الله توفاه، أي استرده كاملاً دون نقض للبنية، وأنه سيعود مرة أخرى ليصلي خلف مؤمن بالله وبمحمد رسول الله.وإن أمر الرفع في الإسلام مقبول. فقد رفع الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعراج، ودار بينه وبين إبراهيم عليه السلام حوار، وكذلك دار حوار بينه وبين يحيى عليه السلام، وآدم عليه السلام وغيرهم من الأنبياء، وفرض الحق الصلاة على أمة المسلمين في تلك الرحلة.

نحن - إذن - نصدق تماماً مسألة صعود الإنسان بشحمه ولحمه إلى السماء كأمر وارد وحاصل، أما طول المدة أو عدمها فذلك لا ينقض المبدأ.

أما مسألة ارتباط نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض بقيام الساعة، فالنصوص في هذه المسألة من القرآن الكريم محتملة وغير قطعية الدلالة، وقد وردت في السنة النبوية المطهرة، ولكنها غير معلومة من الدين بالضرورة فلا نكفر من يتأبى عليه فهمها، وقد أراد الحق سبحانه الرحمة بالخلق؛ لذلك فكل شيء يقف فيه العقل ولا يزيد به حكم من الأحكام يأتي به الله في أسلوب لا يسبب الفتنة. فإن صدقنا أن عيسى رفع فلن يزيد ذلك علينا حكماً ولن ينقض حكماً، ولذلك جاء الحق سبحانه بمسألة الإسراء بنص قطعي، أما مسألة المعراج فلم تأت نصاً في القرآن بل جاءت التزاماً لأن الحق سبحانه قال:
{  وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ }
[النجم: 13-15].

وهكذا فالإسراء آية أرضية، والمعراج آية سماوية. والآية الأرضية يمكن أن يقيم رسول الله الدليل عليها، وقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ووصفه لهم بقوله سبحانه:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ }
[الإسراء: 1].

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أوصاف القوافل التي رآها في طريق العودة، إذن كان الإسراء آية أرضية، أما الآية السماوية وهي المعراج فجاءت التزاماً وكذلك أمر رفع عيسى عليه السلام، فمن يرى أن ذلك جاء من طلاقة قدرة الله فهو يصدق ذلك. ومن يقف عقله نقول له: إن وقوف عقلك لا يخرجك عن الإيمان واليقين. وعندما نتأمل بالدقة اللغوية كلمة " توفيتني " نجد " توفاه " قد تعني أماته، فالحق سبحانه يقول:
{  قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }
[السجدة: 11].

والحق سبحانه وتعالى يقول أيضاً:
{  ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }
[الزمر: 42].

إنه سبحانه يسمي النوم وفاة، وسماه - أيضاً - موتاً.وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض. ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة، والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة، إذن فمن الممكن أن تكون الوفاة بمعنى النوم. ويقال أيضاً عن الدِّين توفيت دَيني عند فلان أي أخذت دَيني كاملاً غير منقوص. وكذلك أمر قتل المسيح قال فيه الحق جل وعلا القول الفصل:
{  وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ }
[النساء: 157].

ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضاً، فالحق يقول:
{  أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ }
[آل عمران: 144].

فالموت خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة، أما القتل فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح.وقد قال الحق على لسان المسيح: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي أخذتني كاملاً غير منقوص. وهذه مسألة لا تنقض الرفع. ونعلم أن كل ذلك سيكون مجالاً للحوار بين عيسى ابن مريم والحق سبحانه يوم المشهد الأعظم جاء به القرآن لنا ليخبرنا بالذي يُثَبِّت صدق الإيمان.

إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه: إنه مجرد شهيد على قومه في زمن وجوده بينهم، ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على القوم تكون لله، فالحق سبحانه شهيد دائماً ورقيب دائماً، ولكن عيسى ببشريته يقدر أن يشهد فقط، والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع. ويخبرنا الحق من بعد ذلك بما جاء على لسان عيسى ابن مريم في قوله الكريم: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ... }


www.alro7.net