سورة
اية:

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

تفسير بن كثير

المشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام، وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم، أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: { ليسوا سواء} أي ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: { ومن أهل الكتاب أمة قائمة} أي قائمة بأمر اللّه مطيعة لشرعه، متبعة نبي اللّه فهي قائمة يعني مستقيمة، { يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون} أي يقيمون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم، { يؤمنون بالله واليوم الآخر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} ، وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: { وما يفعلوا من خير فلن يُكْفروه} أي لا يضيع عند اللّه بل يجزيهم به أوفر الجزاء، { واللّه عليم بالمتقين} أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. ثم قال تعالى: مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه { لن يغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً} أي لا ترد عنهم بأس اللّه ولا عذابه إذا أراده بهم، { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم ضرب مثلاً لما ينفقه الكفار في هذه الدار فقال: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيه صر} أي برد شديد قاله ابن عباس، وقال عطاء: برد وجليد، { فيها صر} أي نار وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار كما يحرق الشيء بالنار، { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} أي فأحرقته يعني بذلك الصعقة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده فدمرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته فعدمه صاحبه وهو أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق اللّه ثواب أعمالهم في هذه الدنيا كما يذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس { وما ظلمهم اللّه ولكن أنفسهم يظلمون} .

تفسير الجلالين

{ مثل } صفة { ما ينفقون } أي الكفار { في هذه الحياة الدنيا } في عداوة النبي أو صدقة ونحوها { كمثل ريح فيها صِرّ } حر أو برد شديد { أصابت حرث } زرع { قوم ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعصية { فأهلكته } فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها { وما ظلمهم الله } بضياع نفقاتهم { ولكن أنفسهم يظلمون } بالكفر الموجب لضياعها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّه وَلَكِنْ أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : شَبَه مَا يُنْفِق الَّذِينَ كَفَرُوا : أَيْ شَبَه مَا يَتَصَدَّق بِهِ الْكَافِر مِنْ مَاله , فَيُعْطِيه مَنْ يُعْطِيه عَلَى وَجْه الْقُرْبَة إِلَى رَبّه , وَهُوَ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه جَاحِد وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّب فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْر نَافِع مَعَ كُفْره , وَأَنَّهُ مُضْمَحِلّ عِنْد حَاجَته إِلَيْهِ ذَاهِب بَعْد الَّذِي كَانَ يَرْجُوَا مِنْ عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِ , كَشَبَهِ رِيح فِيهَا بَرْد شَدِيد { أَصَابَتْ } هَذِهِ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الْبَرْد الشَّدِيد { حَرْث قَوْم } يَعْنِي زَرْع قَوْم , قَدْ أَمَّلُوا إِدْرَاكه , وَرَجَوْا رِيعه وَعَائِدَة نَفْعه , { ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي أَصْحَاب الزَّرْع , عَصَوْا اللَّه , وَتَعَدَّوْا حُدُوده { فَأَهْلَكَتْهُ } يَعْنِي فَأَهْلَكَتْ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الصِّرّ زَرْعهمْ ذَلِكَ , بَعْد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَل , وَرَجَاء عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِمْ . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَلِكَ فَعَلَ اللَّه بِنَفَقَةِ الْكَافِر وَصَدَقَته فِي حَيَاته حِين يَلْقَاهُ يُبْطِل ثَوَابهَا , وَيَقُول رَجَاءَهُ مِنْهَا . وَخَرَجَ الْمَثَل لِلنَّفَقَةِ , وَالْمُرَاد بِالْمَثَلِ : صَنِيع اللَّه بِالنَّفَقَةِ , فَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } فَهُوَ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي مِثْله مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَارًا } 2 17 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مَثَل إِبْطَال اللَّه أَجْر مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَمَثَلِ رِيح صِرّ . وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر إِبْطَال اللَّه أَجْر ذَلِكَ لِدَلَالَةِ آخِر الْكَلَام عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } وَلِمَعْرِفَةِ السَّامِع ذَلِكَ مَعْنَاهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى النَّفَقَة الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ النَّفَقَة الْمَعْرُوفَة فِي النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6065 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : نَفَقَة الْكَافِر فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْله الَّذِي يَقُولهُ بِلِسَانِهِ مِمَّا لَا يُصَدِّقهُ بِقَلْبِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6066 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ } يَقُول : مَثَل مَا يَقُول فَلَا يُقْبَل مِنْهُ كَمَثَلِ هَذَا الزَّرْع إِذَا زَرَعَهُ الْقَوْم الظَّالِمُونَ , فَأَصَابَهُ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَته فَأَهْلَكَتْهُ . فَكَذَلِكَ أَنْفَقُوا فَأَهْلَكَهُمْ شِرْكهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَبْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا تَأْوِيل الْحَيَاة الدُّنْيَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مِنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا الصِّرّ , فَإِنَّهُ شِدَّة الْبَرْد , وَذَلِكَ بِعُصُوفٍ مِنْ الشَّمَال فِي إِعْصَار الطَّلّ وَالْأَنْدَاء فِي صَبِيحَة مُعْتِمَة بِعَقِبِ لَيْلَة مُصْحِيَة . كَمَا : 6067 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد . 6068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد وَزَمْهَرِير . 6069 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : بَرْد . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : الصِّرّ : الْبَرْد . 6070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } : أَيْ بَرْد شَدِيد . 6071 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 6072 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي الصِّرّ : الْبَرْد الشَّدِيد . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : رِيح فِيهَا بَرْد . 6073 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : صِرّ بَارِدَة أَهْلَكَتْ حَرْثهمْ . قَالَ : وَالْعَرَب تَدْعُوهَا الضَّرِيب : تَأْتِي الرِّيح بَارِدَة فَتُصْبِح ضَرِيبًا قَدْ أَحْرَقَ الزَّرْع , تَقُول : " قَدْ ضُرِبَ اللَّيْلَة " أَصَابَهُ ضَرِيب تِلْكَ الصِّرّ الَّتِي أَصَابَتْهُ . 6074 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : رِيح فِيهَا بَرْد . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا فَعَلَ اللَّه بِهَؤُلَاءِ الْكُفَّار مَا فَعَلَ بِهِمْ , مِنْ إِحْبَاطه ثَوَاب أَعْمَالهمْ , وَإِبْطَاله أُجُورهَا ظُلْمًا مِنْهُ لَهُمْ , يَعْنِي : وَضْعًا مِنْهُ لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِعه وَعِنْد غَيْر أَهْله , بَلْ وَضَعَ فِعْله ذَلِكَ فِي مَوْضِعه , وَفَعَلَ بِهِمْ مَا هُمْ أَهْله , لِأَنَّ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ , وَهُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَائِنُونَ وَلِأَمْرِهِ مُتَّبِعُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُصَدِّقُونَ . بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ , وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُكَذِّبُونَ , بَعْد تَقَدُّم مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَل عَمَلًا مِنْ عَامِل إِلَّا مَعَ إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَالْإِقْرَار بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ , وَتَصْدِيق مَا جَاءُوهُمْ بِهِ , وَتَوْكِيده الْحُجَج بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْره فِي ذَلِكَ بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِ مِنْ إِحْبَاط وَافِر عَمَله لَهُ ظَالِمًا , بَلْ الْكَافِر هُوَ الظَّالِم نَفْسه لِإِكْسَابِهَا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه وَخِلَاف أَمْره مَا أَوْرَدَهَا بِهِ نَار جَهَنَّم وَأَصْلَاهَا بِهِ سَعِير سَقَر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّه وَلَكِنْ أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : شَبَه مَا يُنْفِق الَّذِينَ كَفَرُوا : أَيْ شَبَه مَا يَتَصَدَّق بِهِ الْكَافِر مِنْ مَاله , فَيُعْطِيه مَنْ يُعْطِيه عَلَى وَجْه الْقُرْبَة إِلَى رَبّه , وَهُوَ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه جَاحِد وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّب فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْر نَافِع مَعَ كُفْره , وَأَنَّهُ مُضْمَحِلّ عِنْد حَاجَته إِلَيْهِ ذَاهِب بَعْد الَّذِي كَانَ يَرْجُوَا مِنْ عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِ , كَشَبَهِ رِيح فِيهَا بَرْد شَدِيد { أَصَابَتْ } هَذِهِ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الْبَرْد الشَّدِيد { حَرْث قَوْم } يَعْنِي زَرْع قَوْم , قَدْ أَمَّلُوا إِدْرَاكه , وَرَجَوْا رِيعه وَعَائِدَة نَفْعه , { ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ } يَعْنِي أَصْحَاب الزَّرْع , عَصَوْا اللَّه , وَتَعَدَّوْا حُدُوده { فَأَهْلَكَتْهُ } يَعْنِي فَأَهْلَكَتْ الرِّيح الَّتِي فِيهَا الصِّرّ زَرْعهمْ ذَلِكَ , بَعْد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَل , وَرَجَاء عَائِدَة نَفْعه عَلَيْهِمْ . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَلِكَ فَعَلَ اللَّه بِنَفَقَةِ الْكَافِر وَصَدَقَته فِي حَيَاته حِين يَلْقَاهُ يُبْطِل ثَوَابهَا , وَيَقُول رَجَاءَهُ مِنْهَا . وَخَرَجَ الْمَثَل لِلنَّفَقَةِ , وَالْمُرَاد بِالْمَثَلِ : صَنِيع اللَّه بِالنَّفَقَةِ , فَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } فَهُوَ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي مِثْله مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نَارًا } 2 17 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مَثَل إِبْطَال اللَّه أَجْر مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَمَثَلِ رِيح صِرّ . وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر إِبْطَال اللَّه أَجْر ذَلِكَ لِدَلَالَةِ آخِر الْكَلَام عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } وَلِمَعْرِفَةِ السَّامِع ذَلِكَ مَعْنَاهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى النَّفَقَة الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ النَّفَقَة الْمَعْرُوفَة فِي النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6065 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : نَفَقَة الْكَافِر فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْله الَّذِي يَقُولهُ بِلِسَانِهِ مِمَّا لَا يُصَدِّقهُ بِقَلْبِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6066 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْث قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَأَهْلَكَتْهُ } يَقُول : مَثَل مَا يَقُول فَلَا يُقْبَل مِنْهُ كَمَثَلِ هَذَا الزَّرْع إِذَا زَرَعَهُ الْقَوْم الظَّالِمُونَ , فَأَصَابَهُ رِيح فِيهَا صِرّ أَصَابَته فَأَهْلَكَتْهُ . فَكَذَلِكَ أَنْفَقُوا فَأَهْلَكَهُمْ شِرْكهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَبْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا تَأْوِيل الْحَيَاة الدُّنْيَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مِنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا الصِّرّ , فَإِنَّهُ شِدَّة الْبَرْد , وَذَلِكَ بِعُصُوفٍ مِنْ الشَّمَال فِي إِعْصَار الطَّلّ وَالْأَنْدَاء فِي صَبِيحَة مُعْتِمَة بِعَقِبِ لَيْلَة مُصْحِيَة . كَمَا : 6067 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد . 6068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : بَرْد شَدِيد وَزَمْهَرِير . 6069 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : بَرْد . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : الصِّرّ : الْبَرْد . 6070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } : أَيْ بَرْد شَدِيد . 6071 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 6072 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي الصِّرّ : الْبَرْد الشَّدِيد . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرّ } يَقُول : رِيح فِيهَا بَرْد . 6073 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : صِرّ بَارِدَة أَهْلَكَتْ حَرْثهمْ . قَالَ : وَالْعَرَب تَدْعُوهَا الضَّرِيب : تَأْتِي الرِّيح بَارِدَة فَتُصْبِح ضَرِيبًا قَدْ أَحْرَقَ الزَّرْع , تَقُول : " قَدْ ضُرِبَ اللَّيْلَة " أَصَابَهُ ضَرِيب تِلْكَ الصِّرّ الَّتِي أَصَابَتْهُ . 6074 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { رِيح فِيهَا صِرّ } قَالَ : رِيح فِيهَا بَرْد . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا فَعَلَ اللَّه بِهَؤُلَاءِ الْكُفَّار مَا فَعَلَ بِهِمْ , مِنْ إِحْبَاطه ثَوَاب أَعْمَالهمْ , وَإِبْطَاله أُجُورهَا ظُلْمًا مِنْهُ لَهُمْ , يَعْنِي : وَضْعًا مِنْهُ لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِعه وَعِنْد غَيْر أَهْله , بَلْ وَضَعَ فِعْله ذَلِكَ فِي مَوْضِعه , وَفَعَلَ بِهِمْ مَا هُمْ أَهْله , لِأَنَّ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ , وَهُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَائِنُونَ وَلِأَمْرِهِ مُتَّبِعُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُصَدِّقُونَ . بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ , وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ , وَلِرُسُلِهِ مُكَذِّبُونَ , بَعْد تَقَدُّم مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَل عَمَلًا مِنْ عَامِل إِلَّا مَعَ إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَالْإِقْرَار بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ , وَتَصْدِيق مَا جَاءُوهُمْ بِهِ , وَتَوْكِيده الْحُجَج بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْره فِي ذَلِكَ بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِ مِنْ إِحْبَاط وَافِر عَمَله لَهُ ظَالِمًا , بَلْ الْكَافِر هُوَ الظَّالِم نَفْسه لِإِكْسَابِهَا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه وَخِلَاف أَمْره مَا أَوْرَدَهَا بِهِ نَار جَهَنَّم وَأَصْلَاهَا بِهِ سَعِير سَقَر .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} "ما" تصلح أن تكون مصدرية، وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف، أي مثل ما ينفقونه. ومعنى { كمثل ريح} كمثل مهب ريح. قال ابن عباس : والصر : البرد الشديد. قيل : أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة. الزجاج : هو صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة. وفي الحديث : إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصر. ومعنى الآية : مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعد ما كانوا يرجون فائدته ونفعه. قال الله تعالى { وما ظلمهم الله} بذلك { ولكن أنفسهم يظلمون} بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى. وقيل : ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت الزراعة أو في غير موضعها فأدبهم الله تعالى؛ لوضعهم الشيء في غير موضعه؛ حكاه المهدوي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 111 - 117


سورة ال عمران الايات 117 - 118

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج الله إنه - سبحانه - يشبهه بريح فيها صر، أي شدة، فمادة " الصاد والراء " تدل على الشدة والضجة والصخب، ومثال ذلك ما قاله الحق عن إمرأة إبراهيم:
{  فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ }
[الذاريات: 29]

إنها أتت وجاءت بضجيج؛ لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد. ومثل قوله الحق:
{  وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ }
[الحاقة: 6]

والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع.

وقوله الحق: { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي أن الريح جعلت البرد شائعا وشديدا، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقيا في منطقته تلك، وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر، فتتسع دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شِدة برد؟ إنها تفعل الكوارث، ويقول عنها الحق: { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } وساعة نسمع كلمة " حرث " فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه الله حرثاً، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث فلن يحصد، يقول الحق:
{  أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }
[الواقعة: 63-65]

كأن الريح العارمة تفسد الحرث، وهو العملية اللازمة للإنبات؛ فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور تستطيع - أيضا - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات.

إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقا لقوله تعالى: { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، فالـ " صر " فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده:
أوقد؛ فإن الليل ليل قر   والريح يا غلام ريح صر
عَلَّ يرى نارك من يمر   إن جلبت ضيفا فأنت حر
إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفاّ إلى منزل حاتم الطائي. " والليل القر ": هو الليل الشديد البرودة. و " الريح الصر ": هي الريح الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قُرَاَنا أن الصقيع ينزل على بعض المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية الكريمة بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، لن تغني عنهم شيئا في الآخرة؛ لأنهم لا يملكونها.لماذا؟

لأن العمل إنما يراد للثواب عليه، والنية دائما هي التي تحدد الهدف من كل حركة.. فهل كان في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات، وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في بال هؤلاء الكفار رَبُّ هذه النعم، أو كانوا يعملونها طمعا في جاه الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر الإنسانية؟

لا شك أنهم كانوا يعملونها للجاه، أو للتاريخ، أو للإنسانية؛ لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا يؤمنون بوجود إله, ولا يؤمنون بوجود يوم آخر يًُحَاسبون فيه على ما قدموا. وقلنا من قبل: إن الذي يعمل عملا فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها، وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء.

الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلا، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومعنى المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه، فيشخصه ويمثله بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم. ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أولا، ثم بعد ذلك يكوّن من المحسات المعقولات.

فالطفل - على سبيل المثال - يرى نارا فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار محرقة. ويشرب الطفل عسلا، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم، ويأكل الطفل شيئا مرا كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم، فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من الأمور المحسة أولا.

والأمور المحسة - كما علمنا - وسائلها الحواس الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ليشم، واللسان ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك. والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها.

مثال ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء فيعرف مدى ثقله، إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئا أثقل من شيء آخر؛ ذلك أن العضلات التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة " البَين " فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لا بد أن يكون واقعا بين لامسين.إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا؛ فكل الإدراكات بنت الحس، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[النحل: 78]

هذه هي الوسائل للإدراك، وقد أورد سبحانه السمع والأبصار أولا لأنهما الوسيلتان الأساسيتان، وأورد من بعد ذلك " الأفئدة " وهي المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها، فإذا أراد الله أن يضرب مثلا في أمر معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسيّ تتفق فيه الحواس. ونعلم أن في اللغة أمرا اسمه " التشبيه " ، فعندما يجهل إنسان شيئا يقول لمعلمه: شبه لي الأمر الذي أجهله بأمر أعرفه. والإنسان منا قد يسأل صاحبه: أتعرف فلانا؟ فيقول الصاحب: لا أعرفه، فيقول الإنسان منا لصاحبه: إن فلانا الذي لا تعرفه يساوي فلانا في الطول، ويساوي فلانا في اللون. وهكذا ينتقل الإنسان من أمر لا يعرفه إلى أمر يعرفه. والحق سبحانه يضرب لنا المثل بالأمور الحسية، لنفهم الأمور المعنوية، والله يوضح لنا أن الذين كفروا ساعة تكون لهم آلهة متعددة فملكاتهم تصاب بالاضطراب يقول - سبحانه -:
{  ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
[الزمر: 29]

إنه سبحانه يوضح لنا بالمثل الواضح مصير وحال رجل مملوك لعدد من الشركاء، والشركاء الذين يملكون هذا العبد ليسوا متفقين، بل بينهم نزاع وشقاق، وبطبيعة الحال لا بد أن يكون هذا العبد مرهقا، وهكذا تكون قضية الشرك بالله، إن العبد في مثل هذه الحالة يكون مُشتّتاً وموزع النفس بين الذين يملكونه وهم متشاكسون، أما قضية التوحيد فالحق يشبهها بالقول: { وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ }.

وهكذا ينقلنا الحق سبحانه - رحمة بنا - من المعنى العقدي العالي إلى معنى محس من الجميع، لنرى أن الرجل المملوك لسيد واحد يتلقى أوامره من واحد فقط، وكذلك يريد الله في هذه الآية أن يضرب مثلا لمن ينفق شيئا على غير نية إرضاء الله في طاعته، فمهما أنفق هذا الإنسان فإن إنفاقه حابط. ونحن عندما نقرأ أمثال القرآن الكريم علينا ألا نأخذ جزئية فقط، لا، لكن يجب أن نأخذ الجملة كلها لنفهم المثل كله كصورة مؤتلفة مثلما ضرب الله لنا مثلا بالشركاء المتشاكسين الذين يملكون رجلا، فعلينا إذن ألاّ نأخذ المثل بحرفيته، ولكن نأخذ الأمر بمجموع المثل. مثال آخر، يقول الحق سبحانه:
{  وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً }
[الكهف: 45]

فهل الحياة الدنيا كالماء؟ لا، ولكن قصة الحياة كلها، تشبه القصة التي يضربها الحق كمثل، الماء حين ينزل يختلط بالأرض، وبعد ذلك تهتز، فتعطى نباتا، والنبات ينتج الزهر الجميل، وبعد ذلك ينتهي إلى هشيم، هكذا هي الدنيا في زخرفتها؛ فالبداية مزهرة، فيها نضارة وخضرة وبهجة، ونهاية مؤلمة ومدمرة.إذن فالحق سبحانه ينقل لنا معنى الحياة الدنيا ويشبهها بالأزهار والنبات ونهايته أن يصبح هشيما تذروه الرياح، وهو ما يقوله في موضع آخر من القرآن الكريم.
{  فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
[يونس: 24]

وعندما نمعن النظر في قوله الحق:

{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [آل عمران: 117]

نجد في هذه الآية " مشبها " و " مشبها به " ، المُشَبَّه هم القوم الذي ينفقون أموالهم بغير نية الله، أي كافرون بالله، والمُشَبَّه به: هو الزرع الذي أصابته الريح وفيها الصر، والنتيجة أنه لا جدوى هنا، ولا هناك.

ولماذا تصيب الريح حرث قوم ظلموا أنفسهم، وهل لا تصيب الريح حرث قوم لم يظلموا أنفسهم؟

إن الذين ظلموا أنفسهم تنزل بهم هذه الكارثة كعقوبة، مثلهم في ذلك مثل أصحاب الجنة الذين يقول فيهم الحق سبحانه:
{  إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ }
[القلم: 17-20]

لقد جزاهم الله بظلمهم، ولكن ألا نرى رجلا لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة؟ إننا نرى ذلك في الحياة، والرجل الذي لم يظلم نفسه وتصيب زراعته كارثة، ويصبر على كارثته، يأخذ الجزاء والثواب من الله، ولعل الله قد أهلك بها مالا كانت الغفلة قد أدخلته في ماله من طريق غير مشروع.

هكذا تكون الكارثة بالنسبة للمؤمن لها ثواب وجزاء، أو تكون تطهيرا للمال. أما الذي ينفق على غير نية الله وهو كافر، فلا ثواب له.

ويذيل الحق الآية بقوله { وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فهو سبحانه لم يظلم الكافرين حين جعل نفقتهم بدون جدوى ولا حصيلة لها عنده، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم أنفقوا النفقة على غير هيئة القبول، وهم الذين صنعوا ذلك عندما ظلموا أنفسهم بالكفر فَحَبطت أعمالهم، وتلك هي عدالة الحق سبحانه وتعالى:

ويقول الحق من بعد ذلك: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ... }


www.alro7.net