سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...} الآية، إلى قوله تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [105-116].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

تفسير بن كثير

قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة وهي قوله: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك} الآية، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة وقد روي الترمذي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به} الآية. وقوله: { ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالا بعيداً} أي فقد سلك غير الطريق الحق وضل عن الهدى وبعد عن الصواب وأهلك نفسه، وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة وقوله: { إن يدعون من دونه إلا إناثاً} ، عن عائشة قالت: أوثاناً، وقال ابن جرير عن الضحاك في الآية قال المشركون للملائكة: بنات اللّه، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، قال: فاتخذوهن أربابا وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات اللّه الذي نعبده يعنون الملائكة وهذا التفسير شبيه بقول اللّه تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى} وقال تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} ، وقال: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} وقال ابن عباس { إن يدعون من دونه إلا إناثا} قال: يعني موتى، وقال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة، وإما حجر يابس، وقوله: { وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم وهم إنما يعبدون إبليس في نفسه الأمر كما قال تعالى: { ألم أعهد إليك يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان} الآية، وقال تعالى إخباراً عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذي ادعوا عبادتهم في الدنيا { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقول: { لعنه اللّه} أي طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره وقال: { لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً} أي معيناً مقدراً معلوماً، قال قتادة من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة { ولأضلنهم} أي عن الحق { ولأمنينهم} أي أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم. قوله: { ولآمرنهم فلّيبتكنَّ آذان الأنعام} قال قتادة يعني تشقيقها وجعلها سمة، وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة { ولآمرنهم فليغيرن خلق اللّه} قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب، وقال الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ، لعن اللّه من فعل ذلك. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن اللّه الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات النامصات: ناتفات الزغب والشعر من الوجه، والمتنمصات: اللواتي ينتف الشعر من وجوههن والمتفلجات المتفلجات: اللواتي يبردن أطراف أسنانهن للتجميل للحسن المغيرات خلق اللّه عزَّ وجلَّ، ثم قال ألا ألعن من لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في كتاب اللّه عزَّ وجلَّ يعني قوله: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد والضحاك في قوله: { ولآمرنهم فليغيرن خلق اللّه} يعني دين اللّه عزَّ وجلَّ وهذا كقوله: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه} على قول من جعل ذلك أمراً أي لا تبدلوا فطرة اللّه ودعوا الناس على فطرتهم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء)؟ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (قال اللّه عزّ وجلَّ: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم صرفتهم عن الهدى عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) ثم قال تعالى: { ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون اللّه فقد خسر خسراناً مبيناً} أي فقد خسر الدنيا والآخرة وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} وهذا إخبار عن الواقع فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال اللّه تعالى: { وما يعدهم الشيطان إلاغروراً} ، كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن اللّه وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان - إلى قوله - وإن الظالمين لهم عذاب أليم} . وقوله: { أولئك} أي المستحسنون له فيما وعدهم ومنَّاهم { مأواهم جهنم} أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة { ولا يجدون عنها محيصاً} أي ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من الكرامة التامة فقال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات { سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا { خالدين فيها أبداً} أي بلا زوال ولا انتقال { وعد اللّه حقاً} أي هذا وعد من اللّه ووعد اللّه معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر وهو قوله { حقاً} ثم قال تعالى: { ومن أصدق من اللّه قيلاً} ؟ أي لا أحد أصدق منه قولاً أي خبراً لا إله إلا هو ولا رب سواه وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في خطبته: (إن أصدق الحديث كلام اللّه، وخير الهدي هديُ محمد صلى اللّه عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، كل ضلالة في النار)

تفسير الجلالين

{ إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } عن الحق .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر لِطُعْمَة إِذْ أَشْرَكَ وَمَاتَ عَلَى شِرْكه بِاَللَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقه بِشِرْكِهِمْ وَكُفْرهمْ بِهِ ; { وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَقُول : وَيَغْفِر مَا دُون الشِّرْك بِاَللَّهِ مِنْ الذُّنُوب لِمَنْ يَشَاء , يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّ طُعْمَة لَوْلَا أَنَّهُ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ وَمَاتَ عَلَى شِرْكه لَكَانَ فِي مَشِيئَة اللَّه عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خِيَانَته وَمَعْصِيَته , وَكَانَ إِلَى اللَّه أَمْره فِي عَذَابه وَالْعَفْو عَنْهُ . وَكَذَلِكَ حُكْم كُلّ مَنْ اِجْتَرَمَ جُرْمًا , فَإِلَى اللَّه أَمْره , إِلَّا أَنْ يَكُون جُرْمه شِرْكًا بِاَللَّهِ وَكُفْرًا , فَإِنَّهُ مِمَّنْ خُتِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار إِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكه , فَإِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكه , فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة , وَمَأْوَاهُ النَّار. وَقَالَ السُّدِّيّ فِي ذَلِكَ بِمَا : 8238 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَقُول : مَنْ يَجْتَنِب الْكَبَائِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر لِطُعْمَة إِذْ أَشْرَكَ وَمَاتَ عَلَى شِرْكه بِاَللَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقه بِشِرْكِهِمْ وَكُفْرهمْ بِهِ ; { وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَقُول : وَيَغْفِر مَا دُون الشِّرْك بِاَللَّهِ مِنْ الذُّنُوب لِمَنْ يَشَاء , يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّ طُعْمَة لَوْلَا أَنَّهُ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ وَمَاتَ عَلَى شِرْكه لَكَانَ فِي مَشِيئَة اللَّه عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خِيَانَته وَمَعْصِيَته , وَكَانَ إِلَى اللَّه أَمْره فِي عَذَابه وَالْعَفْو عَنْهُ . وَكَذَلِكَ حُكْم كُلّ مَنْ اِجْتَرَمَ جُرْمًا , فَإِلَى اللَّه أَمْره , إِلَّا أَنْ يَكُون جُرْمه شِرْكًا بِاَللَّهِ وَكُفْرًا , فَإِنَّهُ مِمَّنْ خُتِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار إِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكه , فَإِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكه , فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة , وَمَأْوَاهُ النَّار. وَقَالَ السُّدِّيّ فِي ذَلِكَ بِمَا : 8238 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } يَقُول : مَنْ يَجْتَنِب الْكَبَائِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَمَنْ يَجْعَل لِلَّهِ فِي عِبَادَته شَرِيكًا , فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَزَالَ عَنْ قَصْد السَّبِيل ذَهَابًا بَعِيدًا وَزَوَالًا شَدِيدًا . وَذَلِكَ أَنَّهُ بِإِشْرَاكِهِ بِاَللَّهِ فِي عِبَادَته , فَقَدْ أَطَاعَ الشَّيْطَان وَسَلَكَ طَرِيقه وَتَرَكَ طَاعَة اللَّه وَمِنْهَاج دِينه , فَذَاكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد وَالْخُسْرَان الْمُبِين.وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَمَنْ يَجْعَل لِلَّهِ فِي عِبَادَته شَرِيكًا , فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَزَالَ عَنْ قَصْد السَّبِيل ذَهَابًا بَعِيدًا وَزَوَالًا شَدِيدًا . وَذَلِكَ أَنَّهُ بِإِشْرَاكِهِ بِاَللَّهِ فِي عِبَادَته , فَقَدْ أَطَاعَ الشَّيْطَان وَسَلَكَ طَرِيقه وَتَرَكَ طَاعَة اللَّه وَمِنْهَاج دِينه , فَذَاكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد وَالْخُسْرَان الْمُبِين.'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء : هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد؛ قال سعيد بن جبير : لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به } إلى قوله { فقد ضل ضلالا بعيدا} . وقال الضحاك : قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية { ومن يشاقق الرسول} . والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و { الهدى} : الرشد والبيان، وقد تقدم. وقوله تعالى { نوله ما تولى} يقال : إنه نزل فيمن ارتد؛ والمعنى؛ نتركه وما يعبد؛ عن مجاهد. أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؛ وقال مقاتل. وقال الكلبي؛ نزل قوله تعالى { نوله ما تولى} في ابن أبيرق؛ لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له : حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة؛ فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت { نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو { نولِهْ } { ونصلِهْ} بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان. الثانية: قال العلماء في قوله تعالى { ومن يشاقق الرسول} دليل على صحة القول بالإجماع، وفي قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به} رد على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى. وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال : هذا حديث غريب. قال ابن فورك : وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك : إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله ؟ فأنزل الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} الآية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 114 - 119

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن؛ لأن الإيمان يَجُبُّ ما قبله أي يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي لا تتعلق بحقوق الآخرين كظلم العباد بعضهم بعضا. ومن عظمة الإيمان أن الإنسان حين يؤمن بالله وتخلص النية بهذا الإيمان، وبعد ذلك جاءه قدر الله بالموت، فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكباً فيها لبعض السيئات فينال عقابها.

مثال ذلك " مخيريق " فحينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال مخيريق لليهود: ألا تنصرون محمداً والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا: اليوم يوم سبت فقال: لا سبت. وأخذ سيفه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة (أي لا يستطيع أن يقوم معها) فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد يضعها حيث شاء. فلم يصل في حياته ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مخيريق سائق يهود وسلمان سائق فارس وبلال سائق الحبشة ".

وسبحانه يبلغنا هنا: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ } ولله المثل الأعلى نرى في حياتنا مجتمعاً قد تقوم فيه ثورة أو انقلاب، ونجد قادة الثورة أو الانقلاب يرون واحداً يفعل ما شاء له فلا يقتربون منه إلى أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلابا، هنا تتم محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق الإيمان كلية ويشرك بالله؟ سبحانه لا يغفر ذلك أبداً، ولكنه يغفر ما دون ذلك، ومن رحمة الله بالخلق أن احتفظ هو بإرادة الغفران حتى لا يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي. ولكن لا بد من توبة العبد عن الذنب. ونعلم أن العبد لا يتم طرده من رحمة الله لمجرد ارتكاب الذنب. ونعلم أن هناك فرقاً بين من يأتي الذنب ويفعله ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم الله صحيح وصادق، لكن نفسه ضعفت، والذي يرد الحكم على الله. وقد نجد عبداً يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له وجه حل، كقول بعضهم: إن الربا ليس حراماً. هذا هو رد الحكم على الله. أما العبد الذي يقول: إنني أعرف أن الربا حرام ولكن ظروفي قاسية وضروراتي ملحة. فهو عبد عاصٍ فقط لا يرد الحكم على الله، ومن يرد الحكم على الله هو - والعياذ بالله - كافر.

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ } ولننتبه إلى أن بعض المستشرقين الذين يريدون أن يعيثوا في الأرض فساداً.ولكنهم بدون أن يدروا ينشرون فضيلة الإسلام، وهم كما يقول الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة   طويت أتاح لها لسان حسود
وحين يتكلمون في مثل هذه الأمور يدفعون أهل الإيمان لتلمس وجه الإعجاز القرآني وبلاغته.

إنهم يقولون: بَلَّغ محمد قومه { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ } لكن يبدو أن السهو قد غلبه فقال في آية أخرى:
{  قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }
[الزمر: 53]

هم يحاولون نسبة القرآن إلى محمد لا إلى الله. ويحاولون إيجاد تضارب بين الآيتين الكريمتين. ونقول رداً عليهم: إن الواحد منكم أمي ويجهل ملكة اللغة، فلو كانت اللغة عندكم ملكة وسليقة وطبيعة لفهم الواحد منكم قوله الحق:
{  قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }
[الزمر: 53]

وكان الواجب أن يفهم الواحد منكم أن الشرك مسألة أكبر من الذنب؛ فالذنب هو أن يعرف الإنسان قضية إيمانية ثم يخالفها، ولكن المشرك لا يدخل في هذا الأمر كله؛ لأنه كافر في القمة. ولذلك فلا تناقض ولا تعارض ولا تخالف بين الآيتين الكريمتين. والمستشرقون إنما هم قوم لا يفقهون حقيقة المعاني القرآنية.

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }. والمشرك مهما أخذ من متع لحياته فحياته محدودة، فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها، وإن لم تبق له المتع فهي تخرج منه. إذن، هو إما تارك للمتع بالموت، أو المتع تاركة له بحكم الأغيار، فهو بين أمرين: إمّا أن يفوتها وإمّا أن تفوته. وهو راجع إلى الله، فإذا ما ذهب إلى الله في الآخرة والحساب، فالآخرة لا زمن لها ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته، وهذا ضلال بعيد جداً. أما الذي يضل قليلاً فهو يعود مرة أخرى إلى رشده. ومن المشركين بالله هؤلاء الذين لا يجادلون في ألوهية الحق ولكنهم يجعلون لله شركاء. وهناك بعض المشركين ينكرون الألوهية كلها وهذا هو الكفر. فهناك إذن مشرك يؤمن بالله ولكن يجعل له شركاء.

ولذلك نجد أن المشركين على عهد رسول الله يقولون عن الأصنام:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ }
[سورة الزمر: 3]

ولو قالوا: لا نذبح لهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، مثلا، لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة الله، ولكنهم يثبتون العبادة للأصنام؛ لذلك لا مفر من دخولهم في الشرك. ويقول سيدنا إبراهيم عن الأصنام:
{  فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الشعراء: 77]

إنه يضع الاستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه:

إن ما تعبدونه من الأصنام، كلهم عدو لي، إلا رب العالمين. كأن قوم إبراهيم كانوا يؤمنون بالله ولكن وضعوا معه بعض الشركاء. ولذلك قال إبراهيم عليه السلام عن الله:
{  ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ }
[الشعراء: 78-79]

إذن الشرك ليس فقط إنكار الوجود لله بل قد يكون إشراكاً لغير الله مع الله. ولنر من يعبدونه ويدعونه في مصائبهم: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً... }


www.alro7.net