سورة
اية:

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...} الآية، إلى قوله تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [105-116].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم} يعني كلام الناس { إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} أي إلا نجوى من قال ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه عن أم حبيبة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر اللّه عزَّ وجلَّ؛ أو أمر بمعروف؛ أو نهي عن منكر)، وفي الحديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً؛ أو يقول خيراً)، وقال الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة) قالوا بلى يا رسول اللّه قال: (إصلاح ذات البين) قال: (وفساد ذات البين هي الحالقة) ورواه أبو داود والترمذي، { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات اللّه} أي مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند اللّه عزّ وجلَّ { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} أي ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً. وقوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم فصار في شق، والشرع في شق وذلك عن عمد منه، بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، وقوله: { ويتبع غير سبيل المؤمنين} هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي رحمه اللّه في الإحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك ولهذا توعد تعالى على ذلك بقول: { نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} أي إذا سلك هذه الطريق جازيناه علىذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجاً له كما قال تعالى: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} وقال تعالى: { فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم} وقوله: { ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة كما قال تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} الآية وقال تعالى: { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً} .

تفسير الجلالين

{ ومن يُشاقق } يخالف { الرسول } فيما جاء به من الحق { من بعد ما تبين له الهدى } ظهر له الحق بالمعجزات { ويتَّبع } طريقا { غير سبيل المؤمنين } أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر { نولِّه ما تولَّى } نجعله واليا لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا { ونصله } ندخله في الآخرة { جهنم } فيحترق فيها { وساءت مصيرا } مرجعا هي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول } : وَمَنْ يُبَايِن الرَّسُول مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَادِيًا لَهُ , فَيُفَارِقهُ عَلَى الْعَدَاوَة لَهُ ; { مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } يَعْنِي : مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُول اللَّه , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه يَهْدِي إِلَى الْحَقّ , وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْخَائِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله : { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } لَمَّا أَبَى التَّوْبَة مَنْ أَبَى مِنْهُمْ , وَهُوَ طُعْمَة بْن الْأُبَيْرِق , وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان بِمَكَّة مُرْتَدًّا مُفَارِقًا لِرَسُولِ اللَّه وَدِينه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول } : وَمَنْ يُبَايِن الرَّسُول مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَادِيًا لَهُ , فَيُفَارِقهُ عَلَى الْعَدَاوَة لَهُ ; { مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } يَعْنِي : مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُول اللَّه , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه يَهْدِي إِلَى الْحَقّ , وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْخَائِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي قَوْله : { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } لَمَّا أَبَى التَّوْبَة مَنْ أَبَى مِنْهُمْ , وَهُوَ طُعْمَة بْن الْأُبَيْرِق , وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان بِمَكَّة مُرْتَدًّا مُفَارِقًا لِرَسُولِ اللَّه وَدِينه .' يَقُول : وَيَتَّبِع طَرِيقًا غَيْر طَرِيق أَهْل التَّصْدِيق , وَيَسْلُك مِنْهَاجًا غَيْر مِنْهَاجهمْ , وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْر بِاَللَّهِ , لِأَنَّ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَرَسُوله غَيْر سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْر مِنْهَاجهمْ .يَقُول : وَيَتَّبِع طَرِيقًا غَيْر طَرِيق أَهْل التَّصْدِيق , وَيَسْلُك مِنْهَاجًا غَيْر مِنْهَاجهمْ , وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْر بِاَللَّهِ , لِأَنَّ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَرَسُوله غَيْر سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْر مِنْهَاجهمْ .' يَقُول : نَجْعَل نَاصِره مَا اِسْتَنْصَرَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَهِيَ لَا تُغْنِيه وَلَا تَدْفَع عَنْهُ مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْئًا وَلَا تَنْفَعهُ. كَمَا : 8237 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } قَالَ : مِنْ آلِهَة الْبَاطِل . * - حَدَّثَنِي اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله.يَقُول : نَجْعَل نَاصِره مَا اِسْتَنْصَرَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَهِيَ لَا تُغْنِيه وَلَا تَدْفَع عَنْهُ مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْئًا وَلَا تَنْفَعهُ. كَمَا : 8237 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } قَالَ : مِنْ آلِهَة الْبَاطِل . * - حَدَّثَنِي اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله.' يَقُولهُ: وَنَجْعَلهُ صِلَاء نَار جَهَنَّم , يَعْنِي نُحَرِّقهُ بِهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّلْي فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع.يَقُولهُ: وَنَجْعَلهُ صِلَاء نَار جَهَنَّم , يَعْنِي نُحَرِّقهُ بِهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّلْي فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع.' يَقُول : وَسَاءَتْ جَهَنَّم مَصِيرًا : مَوْضِعًا يَصِير إِلَيْهِ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ .يَقُول : وَسَاءَتْ جَهَنَّم مَصِيرًا : مَوْضِعًا يَصِير إِلَيْهِ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء : هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد؛ قال سعيد بن جبير : لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به } إلى قوله { فقد ضل ضلالا بعيدا} . وقال الضحاك : قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية { ومن يشاقق الرسول} . والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و { الهدى} : الرشد والبيان، وقد تقدم. وقوله تعالى { نوله ما تولى} يقال : إنه نزل فيمن ارتد؛ والمعنى؛ نتركه وما يعبد؛ عن مجاهد. أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؛ وقال مقاتل. وقال الكلبي؛ نزل قوله تعالى { نوله ما تولى} في ابن أبيرق؛ لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له : حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة؛ فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت { نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} . وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو { نولِهْ } { ونصلِهْ} بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان. الثانية: قال العلماء في قوله تعالى { ومن يشاقق الرسول} دليل على صحة القول بالإجماع، وفي قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به} رد على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى. وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال : هذا حديث غريب. قال ابن فورك : وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك : إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله ؟ فأنزل الله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} الآية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 114 - 119

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة " يشاقق " تدل على أن شقاً قد حدث في أمر كان ملتحماً، مثلما نشق قطعة الخشب فنجعلها جزئين بعد أن كانت كتلة واحدة. وأنتم أيها المؤمنون قد التحمتم بمنهج رسول الله إيماناً، واعترفتم به رسولا ومبلغ صدقٍ عن الله، فإياكم أن تشرخوا هذا الالتحام. فإن جاء حكم وحاول أحد المؤمنين أن يخرج عنه، فهذا شقاق للرسول والعياذ بالله. أو المعنى ومن سلك غير الطريقة التي جاء بها الرسول بأن صار في شق وشرع الله في شق آخر.

{ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } نعم فقد تبين الهدى للمسلم حينما آمن بالله خالقاً ورباً. وآمن بالرسول مبلغاً وهو بذلك قد أسلم زمامه إلى الله. ولذلك قلنا: إن عمل العقل هو أن ينظر في أدلة الوجود الأعلى لله، فإذا ما آمن الإنسان بالوجود الأعلى لله، بقيت مرتبة، وهي أن يؤمن الإنسان بالرسول المبلغ عن الله؛ لأن قصارى ما يطلبه العقل من الدليل الإيماني على وجود الله أن وراء الإنسان ووراء الكون قوة قادرة حكيمة عالمة فيها كل صفات الكمال.

إن العقل لا يستطيع معرفة اسم هذه القوة. ولا يستطيع العقل أن يتعرف على مطلوباتها؛ لذلك لابد من البلاغ عن هذه القوة، وإذا تبين للإنسان الهدى في الوجود الأعلى وفي البلاغ عن الله فلا بد للإنسان أن يلتحم بالمنهج الذي جاء به المبلغ عن الله. ويفعل الإنسان مطلوب القوة العليا؛ لأن الله قد أمر به؛ ولأن رسول الله قد بلغ الأمر أو فعله أو أقرّه. أما إذا دخل الإنسان في مماحكات فإننا نقول له:
{  وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً }
[النساء: 115]

والهدى - كما نعرف - هو الطريق الموصل إلى الغاية. فكل فعل من أفعال الخلق لا بد له من هدف. ومن فعل فعلاً بلا هدف يعتبره المجتمع فاقداً للتمييز. أما إذا كان الإنسان صاحب هدف فهو يعترف على جدّية هدفه وأهميته. ويبحث له عن أقصر طريق، هذا الطريق هو ما نسميه الهدى. ومن يعرف الطريق الموصل إلى الهدى ثم يتبع غير سبيل المؤمنين فهو يشاقق الرسول، ولا يلتحم بمنهج الإيمان ولا يلتزم به، ومن يشاقق إنما يرجع عن إيمانه.

وهكذا نعرف أن هناك سبيلا وطريقا للرسول، ومؤمنين اتبعوا الرسول بالتحام بالمنهج، ومن يشاقق الرسول يخالف المنهج الذي جاء به الرسول، ويخالف المؤمنين أيضاً.

والحق هو القائل:
{  وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ }
[الأنعام: 153]

فليس للحق إلا سبيل واحد. ومن يخرج عن هذا السبيل فما الذي يحدث له؟.ها هي ذي إجابة الحق: { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً }. وقد يأتي لفظ من المحتمل أن يكون أداة شرط ويحتمل أن يكون اسماً موصولاً مثل قولنا: مَن يذاكرُ ينجحُ. بالضم فيهما، و " من " هنا هي اسم موصول؛ فالذي يذاكر هو مَن ينجح. وقد نقول: مَن يذاكرْ ينجحْ. بالسكون وهنا " مَن " شرطية.

وفي الاسم الموصول نجد الجملة تسير على ما هي، أما إذا كانت شرطية، فهناك الجزم الذي يقتضي سكون الفعل؛ ويقتضي - أيضا - جواباً للشرط. و " من " تصلح أن تكون اسماً موصولاً، وتصلح أن تكون أداة شرط، ونتعرف - عادة - على وضعها مما يأتي بعدها. مثال ذلك قوله الحق: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ } ونجد " يتبع " هنا عليها سكون الجزم، وهذا يدل على أن " مَنْ " شرطية.

وتختلف القراءة لو اعتبرنا " مَن " اسم موصول؛ لأن هذا يستدعي ترك الفعل " يشاقق " في وضعه كفعل مضارع مرفوع بالضمة، وكذلك يكون " يتبعْ " فعلاً مضارعاً مرفوعاً بالضمة؛ عند ذلك نقول: " نوليه ما تولى ونصليه ". ولكن إن اعتبرنا " مَن " أداة شرط - وهي في هذه الآية شرطية - فلا بد من جزم الفعل فنقرأها " ومن يشاققْ الرسول من بعد ما تبين له الهدى ". وكذلك نجزم الفعل المعطوف وهو قوله: (ويتبعْ) ويجزم جواب الشرط وما عطف عليه وهو قوله: (نولّهِ) (ونصْلِه) والجواب وما عطف عليه مجزومان بحذف حرف العلة وهي الياء من آخره { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً }. ومعنى " تَوَلَّى " أي قرب، ويقال: فلان وَلِي فلان؛ أي صار قريباً له. ومن يتبع غير سبيل المؤمنين، فالحق لا يريده بل ويقربه من غير المؤمنين ويكله إلى اصحاب الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه يقول: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركه ".

فالذي يحتاج إلى الشرك هو من زاوية من ضعف، ويريد شريكاً ليقويه فيها. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - لا نجد أحداً يشارك واحداً على تجارة إلا إذا كان يملك المال الكافي لإدارة التجارة أو لا يستطيع أن يقوم على شأنها. وسبحانه حين يعلمنا: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ".

أي أن له مطلق القوة الفاعلة التي لا تحتاج إلى معونة، ولا تحتاج إلى شريك؛ لأن الشركة أول ما تشهد فإنها تشهد ضعفا من شريك واحتياجاً لغريب. ولذلك فمن يشاقق الرسول في أمر إيماني فالحق يوليه مع الذي كفر ويقربه من مراده.وسبحانه يعلم أن الإنسان لن ينتفع بالشيء المشاقق لرسول الله، بل يكون جزاء المشاقق لرسول الله والمتبع لغير سبيل المؤمنين أن يقربه الله ويدينه من أهل الكفر والمعاصي، ويلحقه بهم ويحشره في زمرتهم. ولا يعني هذا أن الله يمنع عن العبد الرزق، لا، فالرزق للمؤمن وللكافر، وقد أمر الله الأسباب أن تخدم العبد إن فعلها. ومن رحمة الله وفضله أنه لا يقبض النعمة عن مثل هذا العبد، فالشمس تعطيه الضوء والحرارة، والهواء يهب عليه، والأرض تعطيه من عناصرها الخير:
{  مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }
[الشورى: 20]

ويقول سبحانه:
{  كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً }
[الإسراء: 20]

وهكذا نجد العطاء الرباني غير مقصور على المؤمنين فقط ولكنه للمؤمن وللكافر، ولو لم يكن لله إلا هذه المسألة لكانت كافية في أن نلتحم بمنهجه ونحبه.



{ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } ولا بد أن يكون المصير المؤدي إلى جهنم غاية في السوء. وبعد ذلك تأتي سيرة الخيانة العظمى للإيمان، إنها قول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.. }


www.alro7.net