سورة
اية:

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...} الآية، إلى قوله تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [105-116].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} قال ابن عباس: أخبر اللّه عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً { ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال ""أخرجه ابن جري عن ابن عباس""وقال ابن جرير قال عبد اللّه: كان بنوإسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئا قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى اللّه بني إسرائيل خيراً، فقال عبد اللّه رضي اللّه عنه: ما آتاكم اللّه خير مما آتاهم جعل الماء لكم طهوراً، وقال تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} وقال: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} وقال علي رضي اللّه عنه: كنت إذا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً نفعني اللّه فيه بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مسلم يذنب ذنباً ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر اللّه لذلك الذنب إلا غفر له )وقرأ هاتين الآيتين: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الآية، { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية.""رواه أحمد"" وقوله تعالى: { ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه} الآية، كقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى} الآية، يعني أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: { وكان اللّه عليماً حكيماً} أي من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم قال: { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} الآية يعني كما اتهم بنو أبيرق: بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون وقد كان بريئاً وهم الظلمة الخونة كما أطلع اللّه على ذلك رسوله صلى اللّه عليه وسلم ؛ ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم فعليه مثل عقوبتهم، وقوله: { ولولا فضل اللّه عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} وقال الإمام ابن أبي حاتم عن قتادة بن النعمان وذكر قصة بني أبيرق فأنزل اللّه : { لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} يعني أسيد بن عروة وأصحابه يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا أنزل اللّه فصل القضية وجلاءها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال؛ وعصمته له؛ وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة؛ وهي السنة { وعلمك ما لم تكن تعلم} أي قبل نزول ذلك عليك كقوله: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب} إلى آخر السورة؛ وقال تعالى: { وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} ولهذا قال: { وكان فضل اللّه عليك عظيماً} .

تفسير الجلالين

{ ولولا فضل الله عليك } يا محمد { ورحمته } بالعصمة { لهمَّت } أضمرت { طائفة منهم } من قوم طعمة { أن يضلوك } عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من } زائدة { شيء } لأن وبال إضلالهم عليهم { وأنزل الله عليك الكتاب } القرآن { والحكمة } ما فيه من الأحكام { وعلَّمك ما لم تكن تعلم } من الأحكام والغيب { وكان فضل الله عليك } بذلك وغيره { عظيما } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْك وَرَحْمَته لَهَمَّتْ طَائِفَة مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوك وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَضُرُّونَك مِنْ شَيْء } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْك وَرَحْمَته } وَلَوْلَا أَنَّ اللَّه تَفَضَّلَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَعَصَمَك بِتَوْفِيقِهِ وَتِبْيَانه لَك أَمْر هَذَا الْخَائِن , فَكَفَفْت لِذَلِكَ عَنْ الْجِدَال عَنْهُ , وَمُدَافَعَة أَهْل الْحَقّ عَنْ حَقّهمْ قَبْله ; { لَهَمَّتْ طَائِفَة مِنْهُمْ } يَقُول : لَهَمَّتْ فِرْقَة مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ , { أَنْ يُضِلُّوك } يَقُول : يُزِلُّوكَ عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ أَمْرَ الْخَائِن عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتهمْ لِلْخَائِنِ عِنْده بِأَنَّهُ بَرِيء مِمَّا اِدَّعَى عَلَيْهِ , وَمَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ أَنْ يَعْذُرهُ وَيَقُوم بِمَعْذِرَتِهِ فِي أَصْحَابه , فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا يُضِلّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا بِأَنْ يُضِلُّوك عَنْ الْوَاجِب مِنْ الْحُكْم فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن دِرْع جَاره , إِلَّا أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا كَانَ وَجْه إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ ؟ قِيلَ : وَجْه إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ : أَخْذهمْ بِهَا فِي غَيْر مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُمْ الْأَخْذ بِهَا فِيهِ مِنْ سُبُله , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابه عَلَى لِسَان رَسُوله إِلَى خَلْقه بِالنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان وَالْأَمْر بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقّ , فَكَانَ مِنْ الْوَاجِب لِلَّهِ فِيمَنْ سَعَى فِي أَمْر الْخَائِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } مُعَاوَنَة مَنْ ظَلَمُوهُ دُون مَنْ خَاصَمَهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَب حَقّه مِنْهُمْ , فَكَانَ سَعْيهمْ فِي مَعُونَتهمْ دُون مَعُونَة مَنْ ظَلَمُوهُ , أَخْذًا مِنْهُمْ فِي غَيْر سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ هُوَ إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّه فَقَالَ : { وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَضُرُّونَك مِنْ شَيْء } وَمَا يَضُرّك هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا لَك أَنْ يُزِلُّوكَ عَنْ الْحَقّ فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن مِنْ قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ شَيْء , لِأَنَّ اللَّه مُثَبِّتك وَمُسَدِّدك فِي أُمُورك وَمُبَيِّن لَك أَمْر مَنْ سَعَوْا فِي ضَلَالك عَنْ الْحَقّ فِي أَمْره وَأَمْرهمْ , فَفَاضِحه وَإِيَّاهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْك وَرَحْمَته لَهَمَّتْ طَائِفَة مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوك وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَضُرُّونَك مِنْ شَيْء } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْك وَرَحْمَته } وَلَوْلَا أَنَّ اللَّه تَفَضَّلَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَعَصَمَك بِتَوْفِيقِهِ وَتِبْيَانه لَك أَمْر هَذَا الْخَائِن , فَكَفَفْت لِذَلِكَ عَنْ الْجِدَال عَنْهُ , وَمُدَافَعَة أَهْل الْحَقّ عَنْ حَقّهمْ قَبْله ; { لَهَمَّتْ طَائِفَة مِنْهُمْ } يَقُول : لَهَمَّتْ فِرْقَة مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ , { أَنْ يُضِلُّوك } يَقُول : يُزِلُّوكَ عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ أَمْرَ الْخَائِن عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتهمْ لِلْخَائِنِ عِنْده بِأَنَّهُ بَرِيء مِمَّا اِدَّعَى عَلَيْهِ , وَمَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ أَنْ يَعْذُرهُ وَيَقُوم بِمَعْذِرَتِهِ فِي أَصْحَابه , فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا يُضِلّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا بِأَنْ يُضِلُّوك عَنْ الْوَاجِب مِنْ الْحُكْم فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن دِرْع جَاره , إِلَّا أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا كَانَ وَجْه إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ ؟ قِيلَ : وَجْه إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ : أَخْذهمْ بِهَا فِي غَيْر مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُمْ الْأَخْذ بِهَا فِيهِ مِنْ سُبُله , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابه عَلَى لِسَان رَسُوله إِلَى خَلْقه بِالنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان وَالْأَمْر بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقّ , فَكَانَ مِنْ الْوَاجِب لِلَّهِ فِيمَنْ سَعَى فِي أَمْر الْخَائِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } مُعَاوَنَة مَنْ ظَلَمُوهُ دُون مَنْ خَاصَمَهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَب حَقّه مِنْهُمْ , فَكَانَ سَعْيهمْ فِي مَعُونَتهمْ دُون مَعُونَة مَنْ ظَلَمُوهُ , أَخْذًا مِنْهُمْ فِي غَيْر سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ هُوَ إِضْلَالهمْ أَنْفُسهمْ , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّه فَقَالَ : { وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَضُرُّونَك مِنْ شَيْء } وَمَا يَضُرّك هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا لَك أَنْ يُزِلُّوكَ عَنْ الْحَقّ فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن مِنْ قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ شَيْء , لِأَنَّ اللَّه مُثَبِّتك وَمُسَدِّدك فِي أُمُورك وَمُبَيِّن لَك أَمْر مَنْ سَعَوْا فِي ضَلَالك عَنْ الْحَقّ فِي أَمْره وَأَمْرهمْ , فَفَاضِحه وَإِيَّاهُمْ .' وَقَوْله : { وَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْك الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } يَقُول : وَمِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْك يَا مُحَمَّد مَعَ سَائِر مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْك مِنْ نِعَمه , أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَاب , وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي فِيهِ بَيَان كُلّ شَيْء , وَهُدًى وَمَوْعِظَة , { وَالْحِكْمَة } : يَعْنِي وَأَنْزَلَ عَلَيْك مَعَ الْكِتَاب الْحِكْمَة , وَهِيَ مَا كَانَ فِي الْكِتَاب مُجْمَلًا ذِكْره , مِنْ حَلَاله وَحَرَامه , وَأَمْره وَنَهْيه وَأَحْكَامه , وَوَعْده وَوَعِيده { وَعَلَّمَك مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم } مِنْ خَبَر الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَمَا كَانَ , وَمَا هُوَ كَائِن قَبْل , ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْك يَا مُحَمَّد مُذْ خَلَقَك , فَاشْكُرْهُ عَلَى مَا أَوْلَاك مِنْ إِحْسَانه إِلَيْك بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ , وَالْمُسَارَعَة إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّته , وَلُزُوم الْعَمَل بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْك فِي كِتَابه وَحِكْمَته , وَمُخَالَفَة مَنْ حَاوَلَ إِضْلَالك عَنْ طَرِيقه وَمِنْهَاج دِينه , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاك بِفَضْلِهِ , وَيَكْفِيك غَائِلَة مَنْ أَرَادَك بِسُوءٍ وَحَاوَلَ صَدَّك عَنْ سَبِيله , كَمَا كَفَاك أَمْر الطَّائِفَة الَّتِي هَمَّتْ أَنْ تُضِلّك عَنْ سَبِيله فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن , وَلَا أَحَد مِنْ دُونه يُنْقِذك مِنْ سُوء إِنْ أَرَادَ بِك إِنْ أَنْتَ خَالَفْته فِي شَيْء مِنْ أَمْره وَنَهْيه وَاتَّبَعْت هَوَى مَنْ حَاوَلَ صَدَّك عَنْ سَبِيله. وَهَذِهِ الْآيَة تَنْبِيه مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِع حَظّه , وَتَذْكِير مِنْهُ لَهُ الْوَاجِب عَلَيْهِ مِنْ حَقّه .وَقَوْله : { وَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْك الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } يَقُول : وَمِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْك يَا مُحَمَّد مَعَ سَائِر مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْك مِنْ نِعَمه , أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَاب , وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي فِيهِ بَيَان كُلّ شَيْء , وَهُدًى وَمَوْعِظَة , { وَالْحِكْمَة } : يَعْنِي وَأَنْزَلَ عَلَيْك مَعَ الْكِتَاب الْحِكْمَة , وَهِيَ مَا كَانَ فِي الْكِتَاب مُجْمَلًا ذِكْره , مِنْ حَلَاله وَحَرَامه , وَأَمْره وَنَهْيه وَأَحْكَامه , وَوَعْده وَوَعِيده { وَعَلَّمَك مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم } مِنْ خَبَر الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَمَا كَانَ , وَمَا هُوَ كَائِن قَبْل , ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْك يَا مُحَمَّد مُذْ خَلَقَك , فَاشْكُرْهُ عَلَى مَا أَوْلَاك مِنْ إِحْسَانه إِلَيْك بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ , وَالْمُسَارَعَة إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّته , وَلُزُوم الْعَمَل بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْك فِي كِتَابه وَحِكْمَته , وَمُخَالَفَة مَنْ حَاوَلَ إِضْلَالك عَنْ طَرِيقه وَمِنْهَاج دِينه , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاك بِفَضْلِهِ , وَيَكْفِيك غَائِلَة مَنْ أَرَادَك بِسُوءٍ وَحَاوَلَ صَدَّك عَنْ سَبِيله , كَمَا كَفَاك أَمْر الطَّائِفَة الَّتِي هَمَّتْ أَنْ تُضِلّك عَنْ سَبِيله فِي أَمْر هَذَا الْخَائِن , وَلَا أَحَد مِنْ دُونه يُنْقِذك مِنْ سُوء إِنْ أَرَادَ بِك إِنْ أَنْتَ خَالَفْته فِي شَيْء مِنْ أَمْره وَنَهْيه وَاتَّبَعْت هَوَى مَنْ حَاوَلَ صَدَّك عَنْ سَبِيله. وَهَذِهِ الْآيَة تَنْبِيه مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِع حَظّه , وَتَذْكِير مِنْهُ لَهُ الْوَاجِب عَلَيْهِ مِنْ حَقّه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولولا فضل الله عليك ورحمته} ما بعد { لولا} مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى { ولولا فضل الله عليك ورحمته} بأن نبهك على الحق، وقيل : بالنبوءة والعصمة. { لهمت طائفة منهم أن يضلوك} عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه. { وما يضلون إلا أنفسهم} لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم. { وما يضرونك من شيء} لأنك معصوم. { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} هذا ابتداء كلام. وقيل : الواو للحال، كقولك : جئتك والشمس طالعة؛ ومنه قول امرئ القيس : وقد أغتدي والطير في وكناتهما فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. { والحكمة} القضاء بالوحي. { وعلمك ما لم تكن تعلم} يعني من الشرائع والأحكام وكان فضله عليك كبيرا. و { تعلم} في موضع نصب؛ لأنه خبر كان. وحذفت الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 108 - 113

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا نتساءل: هل هَمَّ أحد بإضلال رسول الله؟ علينا أن نفهم أن " الهمّ " نوعان: هم إنفاذ، وهم تزيين. وقد رفض رسول الله هم الإنفاذ، ودفعه الله عنه لأنه سبحانه وتعالى يحوط رسوله بفضله ورحمته ويأتي بالأحداث ليعلمه حكماً جديداً. وفضل الله على رسوله ورحمته جعل الهم منهم هم تزيين فقط وحفظ الله رسوله منه أيضا. وعندما تعلم الرسول هذا الحكم الجديد، صار يقضي به من بعد ذلك في كل قضايا الناس. فإذا ما جاء حدث من الأحداث وجاء له حكم من السماء لم يكن يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفضل لله لأنه يزيد رسوله تعليما.
{  وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ }
[النساء: 113]

وكان قصد الذين دافعوا عن " ابن أبيرق " أن يزينوا لرسول الله، وهذا هو هم التزيين لا هم الإنفاذ. وكان الهدف من التزيين أن يضروا الرسول ويضلوه والعياذ بالله، ليأخذوه إلى غير طريق الحق وغير طريق الهدى، وهذا أمر يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن رسول الله برأ المذنب الذي يعلم أنه مذنب لاسْتقرّ في ذهن المذنب أن قضايا الدين ليست جادة، أما البريء الذي كان مطلوباً أن يدينه رسول الله ماذا يكون موقفه؟ لا بد أن يقول لنفسه: إن دين محمد لا صدق فيه لأنه يعاقب بريئاً. إذن فَهَمَّ التزيين يضر بالرسول عند المبرأ وعند من يراد إلصاق الجريمة به. لكن الله صان رسوله بالفضل وبالرحمة عن هذا أيضا.
{  لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ }
[النساء: 113]

لقد أنزل الحق كتاباً ليفصل في القضية, ونزول الحكم بعد وقوع تلك الحادثة إنما جاء ليبين ضمن ما يبين سر نزول القرآن منجماً؛ لأن القرآن يعالج أحداثاً واقعية، فيترك الأمر إلى أن يقع الحدث ثم يصب على الحدث حكم الله الذي ينزل من السماء وقت حدوث الحدث، وإلا كيف يعالج القرآن الأحداث لو نزل مرة واحدة بينما الأحداث لم تقع؟ لذلك أراد الله أن تنزل الأحداث أولاً ثم يأتي الحكم. وقد سبق أن قال الكفار:
{  لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً }
[الفرقان: 32]

لا؛ فقد أراد الله القرآن منجماً ومتفرقاً ومُقَسَّطاً لماذا؟
{  كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }
[الفرقان: 32]

فكلما حدثت هزة للفؤاد من اللّدَد والخصومة الشديدة ومن العناد الذي كان عليه الكفار وردّهم للحق - وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم - ينزل نجم من القرآن، وفي شغب البشر مع الرسول تنزل رحمة السماء تُثَبِّت الفؤاد؛ فإن تعب الفؤاد من شغب الناس؛ فآيات اتصال الرسول بالسماء وبالوحي تنفي عنه هذه المتاعب.ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الدعوة كانت تحدث له كل يوم هزات؛ لذلك كان في كل لحظة يحتاج إلى تثبيت. وعندما ينزل النجم القرآني بعد العراك مع الخصوم فإن حلاوة النجم القرآني تُهَوِّنُ عليه الأمر، وإذا ما جاء للرسول صلى الله عليه وسلم أمر آخر يعكر صفوه، فهو ينتظر حلاوة الوحي لتنزل عليه، وهذا معنى قوله تعالى:
{  كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ }
[الفرقان: 32]

أي أنزلناه منجماً لنثبت به فؤادك. ولو نزل القرآن جملة واحدة لقلل من مرات اتصال السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو يريد مداومة اتصال السماء به. بدليل أن الوحي عندما فتر جلس الرسول يتطلع إلى السماء ويتشوق. لماذا؟ ففي بداية النزول أرهقه الوحي، لذلك قال الرسول: " فضمني إليه حتى بلغ مني الجهد ".

ورأته خديجة - رضي الله عنها - " وإن جبينه ليتفصد عرقاً " فاتصال جبريل بملكيته ونورانيته برسول الله صلى الله عليه وسلم في بشريته لا بد أن يحدث تغييراً كيميائيا في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

" عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. قال عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ".

إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يواجه المتاعب وأراد الله بفترة الوحي أن يحس محمد حلاوة الوحي الذي نزل إليه، وأن يشتاق إليه، فالشوق يعين الرسول على تحمل متاعب الوحي عندما يجيء، ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق لم تستمر كثيرا؛ لأن الحق قال:
{  وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ }
[الضحى: 4]

أي أن الحق أوضح لرسوله: إنك ستجد شوقا وحلاوة ولذة في أن تستقبل هذه الأشياء.
{  كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }
[الفرقان: 32]

وهكذا كان القرآن ينزل منجماً، على فترات، ويسمع الصحابة عدداً من آيات القرآن. ويحفظونها ويكتبها كُتَّابُ الوحي, وبعد ذلك تأتي معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنزل سورة كاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يُسرى عنه يقول للكتبة: اكتبوا هذه. ويرتب رسول الله الآيات بمواقعها من السورة. ثم يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة في الصلاة ويسمع المصلون الترتيل الذي تكون فيه كل آية في موقعها، وهذا دليل على أن المسألة مدروسة دراسة دقيقة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يحكي إنما يحكي صدقاً.وإلا فَقُولُوا لي: كيف ينزل الوحي على رسول الله بسورة بأكملها ويميلها للكتبة، ثم يقرؤها في الصلاة كما نزلت وكما كتبها أصحابه، كيف يحدث ذلك إن لم يكن ما نزل عليه صدقاً كاملاً من عند الله؟ ونحن قد نجد إنساناً يتكلم لمدة ربع ساعة، لكن لو قلنا له: أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبداً الكلمات نفسها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الآيات كما نزلت. مما يدل على أنه يقرأ كتاب الله المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد. ولذلك يقول الحق:
{  وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً }
[الفرقان: 33]

أي لا يأتونك بحادثة تحدث إلا جئناك بالحق فيها.

إذن لم يكن للقرآن أن ينزل منجماً إلا ليثبت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تتابع الهزات التي يتعرض لها، وأراد الله أن ينشر اتصال السماء برسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلاثة والعشرين عاماً التي استغرقتها الرسالة.

والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه الرسول في الصلاة مثلما نزل عليه قبل ذلك دون تحريف أو تبديل، والحق يقول:
{  سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }
[الأعلى: 6]

وكل حادثة تحدث ينزل لها ما يناسبها من القرآن. كما حدثت حادثة سرقة ابن أبيرق فنزل فيها الحكم والحق يقول: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }.

فإذا ما علمك الله - يا رسول الله - ما لم تكن تعلم بنزول الكتاب، فهل أنت يا سيدي يا رسول الله مشرع فقط بما نزل من الكتاب؟ لا؛ فالكتاب معجزة وفيه أصول المنهج الإيماني، ولكن الله مع ذلك فوض رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرِّع؛ وتلك ميزة لم تكن لرسول قبله، بدليل قوله الحق:
{  وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }
[الحشر: 7]

فالرسل من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يتناولون ما أخذوه عن الله، وميز سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بتفويض التشريع. وأوضح الحق أنه عَلَّمَ رسوله الكتاب والحكمة. والحكمة مقصود بها السنة، فسبحانه القائل:
{  وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ }
[الأحزاب: 34]

وسبحانه صاحب الفضل على كل الخلق وصاحب الفضل على رسوله: { وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } ولنا أن نلحظ أن { فَضْلُ ٱللَّهِ } تكرر في هذه الآية مرتين. ففضل الله الأول في هذه الآية أنه عصمه من أن تضله طائفة وتنأى به عن الحق، ثم كان فضل الله عليه ثانيا أنه أنزل عليه الكتاب بكل أحكامه وأعطاه الحكمة وهي التفويض من الله لرسوله أن يشرّع.إذن فالحق سبحانه وتعالى جعل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم امتداداً لوحيه. ولذلك إذا قيل من قوم يحاولون التشكيك في حديث رسول الله: إن الصلاة لم تأت في القرآن.

نقول سائلين الواحد منهم: هل تؤدي الصلاة أم لا.؟

فيقول: إنني أصلي..

فنقول له: كم فرضاً تصلي؟.

فيقول: خمسة فروض.

فنقول: هات هذه الفروض الخمسة من القرآن. ولسوف يصيبه البهت، وسيلتبس عليه أمر تحديد الصبح بركعتين والظهر بأربع ركعات، والعصر بمثلها، والمغرب بثلاث، والعشاء بأربع ركعات. وسيعترف أخيراً أنه يصلي على ضوء قول الرسول: " صلوا كما رأيتموني أصلي " وهذه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } وقد نجد واحداً من اهل السطحية واللجاجة يقول: القرآن يكرر الكلمات في أكثر من موقع، ولماذا يذكر فضل الله في صدر هذه الآية، ويذكره مرة أخرى في ذيل نفس الآية؟.

نقول: أنت لم تلحظ فضل الله في الجزئية الأولى لأنه أنقذ رسوله من همّ التزيين بالحكم على واحد من أهل الكتاب ظلماً، وفي الجزئية الثانية هو فضل في الإتمام بأنه علم رسوله الكتاب والحكمة وكان هذا الفضل عظيماً حقاً.

وساعة يذهب هؤلاء الناس ليحدثوا الرسول في أمر طعمة ابن أبيرق، ألم يجلسوا معا ليتدارسوا كيف يفلت طعمة بن أبيرق من الجريمة؟.

لقد قاموا بالتداول فيما بينهم لأمر طعمة واتفقوا على أن يذهبوا للرسول؛ فكانت الصلة قريبة من النجوى. ولذلك حرص أدب الإسلام على أن يحترم كرامة أي جليس ثالث مع اثنين فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ لأن ذلك يحزنه.

وقد يكون الأمر جائزاً لو كان الجلوس أربعة، فواحد يتحدث مع آخر، وهناك يستطيع اثنان أن يتناجيا. إذن فالنجوى معناها المسارّة، والمسارّة لا تكون إلا عن أمر لا يحبون أن يشيع، وقد فعل القوم ذلك قبل أن يذهبوا إلى الرسول ليتكلموا عن حادثة طعمة بن أبيرق، ولذلك يفضح الحق أمر هذه النجوى، فينزل القول الحق: { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ.. }


www.alro7.net