سورة
اية:

لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

تفسير بن كثير

المشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام، وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم، أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: { ليسوا سواء} أي ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: { ومن أهل الكتاب أمة قائمة} أي قائمة بأمر اللّه مطيعة لشرعه، متبعة نبي اللّه فهي قائمة يعني مستقيمة، { يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون} أي يقيمون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم، { يؤمنون بالله واليوم الآخر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} ، وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: { وما يفعلوا من خير فلن يُكْفروه} أي لا يضيع عند اللّه بل يجزيهم به أوفر الجزاء، { واللّه عليم بالمتقين} أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. ثم قال تعالى: مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه { لن يغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً} أي لا ترد عنهم بأس اللّه ولا عذابه إذا أراده بهم، { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم ضرب مثلاً لما ينفقه الكفار في هذه الدار فقال: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيه صر} أي برد شديد قاله ابن عباس، وقال عطاء: برد وجليد، { فيها صر} أي نار وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار كما يحرق الشيء بالنار، { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} أي فأحرقته يعني بذلك الصعقة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده فدمرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته فعدمه صاحبه وهو أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق اللّه ثواب أعمالهم في هذه الدنيا كما يذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس { وما ظلمهم اللّه ولكن أنفسهم يظلمون} .

تفسير الجلالين

{ ليسوا } أي أهل الكتاب { سواءً } مستوين { من أهل الكتاب أمة قائمة } مستقيمة ثابتة على الحق كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه { يتلون آيات الله آناء الليل } أي في ساعاته { وهم يسجدون } يصلُّون، حال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَيْسُوا سَوَاء } لَيْسَ فَرِيقَا أَهْل الْكِتَاب , أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ وَالْكُفْر سَوَاء , يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ غَيْر مُتَسَاوِينَ , يَقُول : لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ , وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاح وَالْفَسَاد وَالْخَيْر وَالشَّرّ . وَإِنَّمَا قِيلَ : لَيْسُوا سَوَاء , لِأَنَّ فِيهِ ذِكْر الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي قَوْله : { وَلَوْ آمَنَ أَهْل الْكِتَاب لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهمْ الْفَاسِقُونَ } 3 110 ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَال الْفَرِيقَيْنِ عِنْده , الْمُؤْمِنَة مِنْهُمَا وَالْكَافِرَة , فَقَالَ : { لَيْسُوا سَوَاء } : أَيْ لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاء , الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ صِفَة الْفِرْقَة الْمُؤْمِنَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَمَدَحَهُمْ , وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بَعْد مَا وَصَفَ الْفِرْقَة الْفَاسِقَة مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ الْهَلَع وَنَخْب الْجَنَان , وَمُحَالَفَة الذُّلّ وَالصَّغَار , وَمُلَازَمَة الْفَاقَة وَالْمَسْكَنَة , وَتَحَمُّل خِزْي الدُّنْيَا وَفَضِيحَة الْآخِرَة , فَقَالَ : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه أَنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } . .. الْآيَات الثَّلَاث , إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه عَلِيم بِالْمُتَّقِينَ } فَقَوْله : " أُمَّة قَائِمَة " مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : " مِنْ أَهْل الْكِتَاب " . وَقَدْ تَوَهَّمَ جَمَاعَة مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَالْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ فِي صِنَاعَتهمْ , أَنَّ مَا بَعْد سَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } تَرْجَمَة عَنْ سَوَاء , وَتَفْسِير عَنْهُ بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَأُخْرَى كَافِرَة , وَزَعَمُوا أَنَّ ذِكْر الْفِرْقَة الْأُخْرَى تُرِكَ اِكْتِفَاء بِذِكْرِ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ , وَهِيَ الْأُمَّة الْقَائِمَة , وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ أَبِي ذُئَيْب : عَصَيْت إِلَيْهَا الْقَلْب إِنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا وَلَمْ يَقُلْ : " أَمْ غَيْر رُشْد " اِكْتِفَاء بِقَوْلِهِ : " أَرُشْد " مِنْ ذِكْر " أَمْ غَيْر رُشْد " . وَبِقَوْلِ الْآخَر : أَزَال فَلَا أَدْرِي أَهَمّ هَمَمْته وَذُو الْهَمّ قِدْمًا خَاشِع مُتَضَائِل وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدهمْ خَطَأ قَوْل الْقَائِل الْمَرِيد أَنْ يَقُول : سَوَاء أَقَمْت أَمْ قَعَدْت , سَوَاء أَقُمْت حَتَّى يَقُول أَمْ قَعَدْت , وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْف الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنْ الْكَلَام مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ دُون مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ , وَذَلِكَ نَحْو مَا أُبَالِي أَوْ مَا أَدْرِي , فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ مَا أُبَالِي أَقُمْت , وَهُمْ يُرِيدُونَ : مَا أُبَالِي أَقُمْت أَمْ قَعَدْت , لِاكْتِفَاءِ مَا أُبَالِي بِوَاحِدٍ , وَكَذَلِكَ فِي مَا أَدْرِي , وَأَبَوْا الْإِجَازَة فِي سَوَاء مِنْ أَجْل نُقْصَانه , وَأَنَّهُ غَيْر مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ , فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيههمْ قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ مَذَاهِبهمْ فِي الْعَرَبِيَّة , إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنْ الْحَذْف مَا هُوَ غَيْر جَائِز عِنْدهمْ فِي الْكَلَام مَعَ سَوَاء , وَأَخْطَئُوا تَأْوِيل الْآيَة , فَسَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى التَّمَام وَالِاكْتِفَاء , لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْله . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَات الثَّلَاث , نَزَلَتْ فِي جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود أَسْلَمُوا , فَحَسُنَ إِسْلَامهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6044 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا أَسْلَمَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَعْيَة , وَأَسِيد بْن سُعَيَّة , وَأَسَد بْن عُبَيْد , وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُود مَعَهُمْ , فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَام وَمَنَحُوا فِيهِ , قَالَتْ : أَحْبَار يَهُود وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارنَا , وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارنَا مَا تَرَكُوا دِين آبَائِهِمْ , وَذَهَبُوا إِلَى غَيْره , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمًا يَتْلُونَ آيَات اللَّه } إِلَى قَوْله : { وَأُولَئِكَ مِنْ الصَّالِحِينَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . 6045 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ كُلّ الْقَوْم هُلَّك , قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّة . 6046 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { أُمَّة قَائِمَة } : عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَلَام أَخُوهُ , وَسُعَيَّة وَمُبَشِّر , وَأَسِيد وَأَسَد اِبْنَا كَعْب . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ أَهْل الْكِتَاب وَأُمَّة مُحَمَّد الْقَائِمَة بِحَقِّ اللَّه سَوَاء عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6047 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَمَّة قَائِمَة } قَالَ : لَا يَسْتَوِي أَهْل الْكِتَاب , وَأُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6048 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَائِمَة . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : قَدْ تَمَّتْ الْقِصَّة عِنْد قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء } عَنْ إِخْبَار اللَّه يَأْمُر مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب , وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ , وَأَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ مَدْح مُؤْمِنِيهِمْ , وَوَصْفهمْ بِصِفَتِهِمْ , عَلَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُمَّة قَائِمَة } : جَمَاعَة ثَابِتَة عَلَى الْحَقّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْأُمَّة فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَأَمَّا الْقَائِمَة , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الْعَادِلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6049 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أُمَّة قَائِمَة } مَنْ قَالَ : عَادِلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6050 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه وَحُدُوده . 6051 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول . قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَحُدُوده وَفَرَائِضه . 6052 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : أُمَّة مُهْتَدِيَة قَائِمَة عَلَى أَمْر اللَّه , لَمْ تَنْزِع عَنْهُ وَتَتْرُكهُ كَمَا تَرَكَهُ الْآخَرُونَ وَضَيَّعُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَى قَائِمَة : مُطِيعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6053 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أُمَّة قَائِمَة } الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود , كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَانِتَة لِلَّهِ وَالْقَانِتَة . الْمُطِيعَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْهُمْ , وَإِنْ كَانَ سَائِر الْأَقْوَال الْأُخَر مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { قَائِمَة } مُسْتَقِيمَة عَلَى الْهُدَى , وَكِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه , وَشَرَائِع دِينه , بِالْعَدْلِ وَالطَّاعَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب الْخَيْر مِنْ صِفَة أَهْل الِاسْتِقَامَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِير ذَلِكَ الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَان بْن بَشِير , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا , كَمَثَلِ قَوْم رَكِبُوا سَفِينَة , ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا " فَالْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه هُوَ الثَّابِت عَلَى التَّمَسُّك بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَاجْتِنَاب مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب جَمَاعَة مُعْتَصِمَة بِكِتَابِ اللَّه , مُتَمَسِّكَة بِهِ , ثَابِتَة عَلَى الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَمَا سَنَّ لَهُ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَيْسُوا سَوَاء } لَيْسَ فَرِيقَا أَهْل الْكِتَاب , أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ وَالْكُفْر سَوَاء , يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ غَيْر مُتَسَاوِينَ , يَقُول : لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ , وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاح وَالْفَسَاد وَالْخَيْر وَالشَّرّ . وَإِنَّمَا قِيلَ : لَيْسُوا سَوَاء , لِأَنَّ فِيهِ ذِكْر الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي قَوْله : { وَلَوْ آمَنَ أَهْل الْكِتَاب لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهمْ الْفَاسِقُونَ } 3 110 ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَال الْفَرِيقَيْنِ عِنْده , الْمُؤْمِنَة مِنْهُمَا وَالْكَافِرَة , فَقَالَ : { لَيْسُوا سَوَاء } : أَيْ لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاء , الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ . ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ صِفَة الْفِرْقَة الْمُؤْمِنَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَمَدَحَهُمْ , وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بَعْد مَا وَصَفَ الْفِرْقَة الْفَاسِقَة مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ الْهَلَع وَنَخْب الْجَنَان , وَمُحَالَفَة الذُّلّ وَالصَّغَار , وَمُلَازَمَة الْفَاقَة وَالْمَسْكَنَة , وَتَحَمُّل خِزْي الدُّنْيَا وَفَضِيحَة الْآخِرَة , فَقَالَ : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه أَنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } . .. الْآيَات الثَّلَاث , إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه عَلِيم بِالْمُتَّقِينَ } فَقَوْله : " أُمَّة قَائِمَة " مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : " مِنْ أَهْل الْكِتَاب " . وَقَدْ تَوَهَّمَ جَمَاعَة مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَالْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ فِي صِنَاعَتهمْ , أَنَّ مَا بَعْد سَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } تَرْجَمَة عَنْ سَوَاء , وَتَفْسِير عَنْهُ بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَأُخْرَى كَافِرَة , وَزَعَمُوا أَنَّ ذِكْر الْفِرْقَة الْأُخْرَى تُرِكَ اِكْتِفَاء بِذِكْرِ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ , وَهِيَ الْأُمَّة الْقَائِمَة , وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ أَبِي ذُئَيْب : عَصَيْت إِلَيْهَا الْقَلْب إِنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا وَلَمْ يَقُلْ : " أَمْ غَيْر رُشْد " اِكْتِفَاء بِقَوْلِهِ : " أَرُشْد " مِنْ ذِكْر " أَمْ غَيْر رُشْد " . وَبِقَوْلِ الْآخَر : أَزَال فَلَا أَدْرِي أَهَمّ هَمَمْته وَذُو الْهَمّ قِدْمًا خَاشِع مُتَضَائِل وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدهمْ خَطَأ قَوْل الْقَائِل الْمَرِيد أَنْ يَقُول : سَوَاء أَقَمْت أَمْ قَعَدْت , سَوَاء أَقُمْت حَتَّى يَقُول أَمْ قَعَدْت , وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْف الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنْ الْكَلَام مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ دُون مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ , وَذَلِكَ نَحْو مَا أُبَالِي أَوْ مَا أَدْرِي , فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ مَا أُبَالِي أَقُمْت , وَهُمْ يُرِيدُونَ : مَا أُبَالِي أَقُمْت أَمْ قَعَدْت , لِاكْتِفَاءِ مَا أُبَالِي بِوَاحِدٍ , وَكَذَلِكَ فِي مَا أَدْرِي , وَأَبَوْا الْإِجَازَة فِي سَوَاء مِنْ أَجْل نُقْصَانه , وَأَنَّهُ غَيْر مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ , فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيههمْ قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ مَذَاهِبهمْ فِي الْعَرَبِيَّة , إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنْ الْحَذْف مَا هُوَ غَيْر جَائِز عِنْدهمْ فِي الْكَلَام مَعَ سَوَاء , وَأَخْطَئُوا تَأْوِيل الْآيَة , فَسَوَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى التَّمَام وَالِاكْتِفَاء , لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْله . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَات الثَّلَاث , نَزَلَتْ فِي جَمَاعَة مِنْ الْيَهُود أَسْلَمُوا , فَحَسُنَ إِسْلَامهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6044 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا أَسْلَمَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَعْيَة , وَأَسِيد بْن سُعَيَّة , وَأَسَد بْن عُبَيْد , وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُود مَعَهُمْ , فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَام وَمَنَحُوا فِيهِ , قَالَتْ : أَحْبَار يَهُود وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارنَا , وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارنَا مَا تَرَكُوا دِين آبَائِهِمْ , وَذَهَبُوا إِلَى غَيْره , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمًا يَتْلُونَ آيَات اللَّه } إِلَى قَوْله : { وَأُولَئِكَ مِنْ الصَّالِحِينَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . 6045 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ كُلّ الْقَوْم هُلَّك , قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّة . 6046 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { أُمَّة قَائِمَة } : عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَلَام أَخُوهُ , وَسُعَيَّة وَمُبَشِّر , وَأَسِيد وَأَسَد اِبْنَا كَعْب . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ أَهْل الْكِتَاب وَأُمَّة مُحَمَّد الْقَائِمَة بِحَقِّ اللَّه سَوَاء عِنْد اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6047 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَمَّة قَائِمَة } قَالَ : لَا يَسْتَوِي أَهْل الْكِتَاب , وَأُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6048 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . .. الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَائِمَة . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : قَدْ تَمَّتْ الْقِصَّة عِنْد قَوْله : { لَيْسُوا سَوَاء } عَنْ إِخْبَار اللَّه يَأْمُر مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب , وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ , وَأَنَّ قَوْله : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } . خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ مَدْح مُؤْمِنِيهِمْ , وَوَصْفهمْ بِصِفَتِهِمْ , عَلَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُمَّة قَائِمَة } : جَمَاعَة ثَابِتَة عَلَى الْحَقّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْأُمَّة فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَأَمَّا الْقَائِمَة , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الْعَادِلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6049 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أُمَّة قَائِمَة } مَنْ قَالَ : عَادِلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6050 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه وَحُدُوده . 6051 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { أُمَّة قَائِمَة } يَقُول . قَائِمَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَحُدُوده وَفَرَائِضه . 6052 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة } يَقُول : أُمَّة مُهْتَدِيَة قَائِمَة عَلَى أَمْر اللَّه , لَمْ تَنْزِع عَنْهُ وَتَتْرُكهُ كَمَا تَرَكَهُ الْآخَرُونَ وَضَيَّعُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَى قَائِمَة : مُطِيعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6053 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أُمَّة قَائِمَة } الْآيَة , يَقُول : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود , كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ قَانِتَة لِلَّهِ وَالْقَانِتَة . الْمُطِيعَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْهُمْ , وَإِنْ كَانَ سَائِر الْأَقْوَال الْأُخَر مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { قَائِمَة } مُسْتَقِيمَة عَلَى الْهُدَى , وَكِتَاب اللَّه وَفَرَائِضه , وَشَرَائِع دِينه , بِالْعَدْلِ وَالطَّاعَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب الْخَيْر مِنْ صِفَة أَهْل الِاسْتِقَامَة عَلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِير ذَلِكَ الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَان بْن بَشِير , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا , كَمَثَلِ قَوْم رَكِبُوا سَفِينَة , ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا " فَالْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه هُوَ الثَّابِت عَلَى التَّمَسُّك بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَاجْتِنَاب مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب جَمَاعَة مُعْتَصِمَة بِكِتَابِ اللَّه , مُتَمَسِّكَة بِهِ , ثَابِتَة عَلَى الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَمَا سَنَّ لَهُ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه } : يَقْرَءُونَ كِتَاب اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { آيَات اللَّه } : مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابه مِنْ الْعِبَر وَالْمَوَاعِظ , يَقُول : يَتْلُونَ ذَلِكَ آنَاء اللَّيْل , يَقُول : فِي سَاعَات اللَّيْل , فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ . وَأَمَّا { آنَاء اللَّيْل } : فَسَاعَات اللَّيْل , وَاحِدهَا : إِنْي , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : حُلْو وَمُرّ كَعَطْفِ الْقِدْح مِرَّته فِي كُلّ إنْي قُضَاة اللَّيْل يَنْتَعِل وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَاحِد الْآنَاء : إِنًى مَقْصُور , كَمَا وَاحِد الْأَمْعَاء : مِعًى . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : سَاعَات اللَّيْل , كَمَا قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6054 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : أَيْ سَاعَات اللَّيْل . 6055 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . 6056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَى حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : سَمِعْنَا الْعَرَب تَقُول : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ { أَنَاءَ اللَّيْل } : جَوْف اللَّيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } أَمَّا آنَاء اللَّيْل : فَجَوْف اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاء الْأَخِيرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : صَلَاة الْعَتَمَة , هُمْ يُصَلُّونَهَا , وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَا يُصَلِّيهَا . 6059 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن زَحْر , عَنْ سُلَيْمَان , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : اِحْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة كَانَ عِنْد بَعْض أَهْله وَنِسَائِهِ , فَلَمْ يَأْتِنَا لِصَلَاةِ الْعِشَاء حَتَّى ذَهَبَ لَيْل , فَجَاءَ وَمِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا الْمُضْطَجِع , فَبَشَّرَنَا وَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاة أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب " , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } 6060 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ نَصْر بْن طَرِيف , عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَنْتَظِر الْعِشَاء - يُرِيد الْعَتَمَة - فَقَالَ لَنَا : " مَا عَلَى الْأَرْض أَحَد مِنْ أَهْل الْأَدْيَان يَنْتَظِر هَذِهِ الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت غَيْركُمْ " قَالَ : فَنَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6061 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْتهَا عَلَى اِخْتِلَافهَا مُتَقَارِبَة الْمَعَانِي , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم , بِأَنَّهُمْ يَتْلُونَ آيَات اللَّه فِي سَاعَات اللَّيْل , وَهِيَ آنَاؤُهُ , وَقَدْ يَكُون تَالِيهَا فِي صَلَاة الْعِشَاء تَالِيًا لَهَا آنَاء اللَّيْل , وَكَذَلِكَ مَنْ تَلَاهَا فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَمَنْ تَلَاهَا جَوْف اللَّيْل , فَكُلّ تَالٍ لَهُ سَاعَات اللَّيْل . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : تِلَاوَة الْقُرْآن فِي صَلَاة الْعِشَاء , لِأَنَّهَا صَلَاة لَا يُصَلِّيهَا أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَوَصَفَ اللَّه أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا دُون أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله . وَأَمَّا قَوْله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فَإِنَّ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى السُّجُود فِي هَذَا الْمَوْضِع اِسْم الصَّلَاة لَا السُّجُود , لِأَنَّ التِّلَاوَة لَا تَكُون فِي السُّجُود وَلَا فِي الرُّكُوع , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يُصَلُّونَ , وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة , يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل فِي صَلَاتهمْ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ فِيهَا , فَالسُّجُود هُوَ السُّجُود الْمَعْرُوف فِي الصَّلَاة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه } : يَقْرَءُونَ كِتَاب اللَّه آنَاء اللَّيْل , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { آيَات اللَّه } : مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابه مِنْ الْعِبَر وَالْمَوَاعِظ , يَقُول : يَتْلُونَ ذَلِكَ آنَاء اللَّيْل , يَقُول : فِي سَاعَات اللَّيْل , فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ . وَأَمَّا { آنَاء اللَّيْل } : فَسَاعَات اللَّيْل , وَاحِدهَا : إِنْي , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : حُلْو وَمُرّ كَعَطْفِ الْقِدْح مِرَّته فِي كُلّ إنْي قُضَاة اللَّيْل يَنْتَعِل وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَاحِد الْآنَاء : إِنًى مَقْصُور , كَمَا وَاحِد الْأَمْعَاء : مِعًى . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : سَاعَات اللَّيْل , كَمَا قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6054 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : أَيْ سَاعَات اللَّيْل . 6055 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . 6056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَى حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : سَمِعْنَا الْعَرَب تَقُول : { آنَاء اللَّيْل } : سَاعَات اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ { أَنَاءَ اللَّيْل } : جَوْف اللَّيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } أَمَّا آنَاء اللَّيْل : فَجَوْف اللَّيْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاء الْأَخِيرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ الْحَسَن بْن يَزِيد الْعِجْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله : { يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل } : صَلَاة الْعَتَمَة , هُمْ يُصَلُّونَهَا , وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَا يُصَلِّيهَا . 6059 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن زَحْر , عَنْ سُلَيْمَان , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : اِحْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة كَانَ عِنْد بَعْض أَهْله وَنِسَائِهِ , فَلَمْ يَأْتِنَا لِصَلَاةِ الْعِشَاء حَتَّى ذَهَبَ لَيْل , فَجَاءَ وَمِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا الْمُضْطَجِع , فَبَشَّرَنَا وَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاة أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب " , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } 6060 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ نَصْر بْن طَرِيف , عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَنْتَظِر الْعِشَاء - يُرِيد الْعَتَمَة - فَقَالَ لَنَا : " مَا عَلَى الْأَرْض أَحَد مِنْ أَهْل الْأَدْيَان يَنْتَظِر هَذِهِ الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت غَيْركُمْ " قَالَ : فَنَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6061 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا نَزَلَتْ : { لَيْسُوا سَوَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْتهَا عَلَى اِخْتِلَافهَا مُتَقَارِبَة الْمَعَانِي , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم , بِأَنَّهُمْ يَتْلُونَ آيَات اللَّه فِي سَاعَات اللَّيْل , وَهِيَ آنَاؤُهُ , وَقَدْ يَكُون تَالِيهَا فِي صَلَاة الْعِشَاء تَالِيًا لَهَا آنَاء اللَّيْل , وَكَذَلِكَ مَنْ تَلَاهَا فِيمَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَمَنْ تَلَاهَا جَوْف اللَّيْل , فَكُلّ تَالٍ لَهُ سَاعَات اللَّيْل . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : تِلَاوَة الْقُرْآن فِي صَلَاة الْعِشَاء , لِأَنَّهَا صَلَاة لَا يُصَلِّيهَا أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَوَصَفَ اللَّه أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا دُون أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله . وَأَمَّا قَوْله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فَإِنَّ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى السُّجُود فِي هَذَا الْمَوْضِع اِسْم الصَّلَاة لَا السُّجُود , لِأَنَّ التِّلَاوَة لَا تَكُون فِي السُّجُود وَلَا فِي الرُّكُوع , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل وَهُمْ يُصَلُّونَ , وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مِنْ أَهْل الْكِتَاب أُمَّة قَائِمَة , يَتْلُونَ آيَات اللَّه آنَاء اللَّيْل فِي صَلَاتهمْ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ فِيهَا , فَالسُّجُود هُوَ السُّجُود الْمَعْرُوف فِي الصَّلَاة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ضربت عليهم الذلة} يعني اليهود. { أينما ثقفوا} أي وجدوا ولقوا، وتم الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذلة عليهم. { إلا بحبل من الله} استثناء منقطع ليس من الأول. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله { وحبل من الناس} يعني الذمة التي لهم. والناس : محمد والمؤمنون يؤدون إليهم الخراج فيؤمنونهم. وفي الكلام اختصار، والمعنى : إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف؛ قاله الفراء. { وباؤوا بغضب من الله} أي رجعوا. وقيل احتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، وقد مضى في البقرة. ثم أخبر لم فعل ذلك بهم. فقال { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} وقد مضى في البقرة مستوفى. ثم أخبر فقال { ليسوا سواء} وتم الكلام. والمعنى : ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء؛ عن ابن مسعود. وقيل : المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء. وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : (إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم) قال : أنزلت هذه الآية { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} - إلى قوله : { والله عليم بالمتقين} وروى ابن وهب مثله. وقال ابن عباس : قول الله عز وجل { من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبدالله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيه، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود؛ فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره؛ فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} . إلى قوله : { وأولئك من الصالحين} . وقال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، أي ذو طريقة حسنة. وأنشد : وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع ** وقيل : في الكلام حذف؛ والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى؛ كقول أبي ذؤيب : عصاني إليها القلب إني لأمره ** مطيع فما أدري أرُشْد طِلابها أراد : أرشد أم غي، فحذف. قال الفراء { أمة} رفع بـ { سواء} ، والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة. قال النحاس : هذا قول خطأ من جهات : إحداها أنه يرفع { أمة} بـ { سواء} فلا يعود على اسم ليس بشيء، ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم : أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. قال النحاس : وهذا غلط؛ لأنه قد تقدم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر. و { آناء الليل} ساعاته. وأحدها إنًى وأنًى وإنْيٌ، وهو منصوب على الظرف. و { يسجدون} يصلون؛ عن الفراء والزجاج؛ لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود. نظيره قوله { وله يسجدون} أي يصلون. وفي الفرقان { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن} [الفرقان : 60] وفي النجم { فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم : 62]. وقيل : يراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يرده، وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود؛ فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل، والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله؛ ألا ترى لما ذكر قيامهم قال { وهم يسجدون} أي مع القيام أيضا. الثوري : هي الصلاة بين العشاءين. وقيل : هي في قيام الليل. وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاما من كلام الرب عز وجل : أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل. { يؤمنون بالله} يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم. { ويأمرون بالمعروف} قيل : هو عموم. وقيل : يراد به الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. { وينهون عن المنكر} والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته. { ويسارعون في الخيرات} التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل : يبادرون بالعمل قبل الفوت. { وأولئك من الصالحين} أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} قرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف بالياء فيهما؛ إخبارا عن الأمة القائمة، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران : 110]. وهي اختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا الياء والتاء. ومعنى الآية : وما تفعلوا من خير فإن تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 111 - 117

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذا ما حدث بالفعل، لكن أي آيات لله كانوا يتلونها؟ إنها الآيات المهيمنة، آيات القرآن ولماذا يقول الحق: { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وهل هناك قراءة للقرآن ساعة السجود؟ حتى نعرف تفسير ذلك لا بد لنا أن نعرف أن اليهود لا يصلون العتمة، أي الصلاة في الليل، وحتى يعطيهم الله السمة الإسلامية قال عنهم: { يَسْجُدُونَ } ويُعَرّفَهم بأنهم يقيمون صلاة العتمة، - العشاء - وهي صلاة المسلمين، وما داموا يصلون صلوات المسلمين ويسجدون، إذن فهم مسلمون أو نفهم من قوله: { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أن الصلاة عنوان الخضوع، والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلاة. ما داموا يصلون فلا بد أنهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يؤدون الصلاة بخشوع كامل. ونعرف أن من حسن العبادة في الإسلام، ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليلا، وصلاة التهجد، وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل بها الإنسان إلى مقام الإحسان.

و { آنَآءَ } جمع " إني " مثلها مثلٍ " أمعاء " جمع " معي ". و " آنَآءَ " هي مجموع الأوقات في الليل، وليست في " إني " واحد. فهناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل، ومؤمن آخر يقرأ القرآن في وقت آخر، وكأن المؤمنين يقطعون الليل في قراءة للقرآن، والذي يدخل مع ربه في مقام الإحسان، فهو لا يصلي فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ " إنِّي " واحدا، أي وقتا واحدا، ولكنه عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلاة، وزاد عن المفترض عليه، وما دام قد زاد عن المفترض، فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن لأنه يريد أن يدخل في مقام الإحسان، أي أنه وجد ربه أهلا لأن يصلي له أكثر مما افترض عليه، كأنه قد قال لنفسه: أنت كلفتني يارب بخمس صلوات لكنك يارب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان بالإسلام فقط، ولكنهم دخلوا بثقلهم، فصلوا آناء الليل. وأحبوا أن ينطبق عليهم قول الله تعالى:
{  إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ }
[الذاريات: 15-16]

ما معنى " محسن "؟ إنها وصف للإنسان الذي آمن بربه فعبد الله بأكثر مما افترض تعبدنا الله بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى عشرين مَثَلاً، ونحن تعبدنا الله بصيام شهر في العام ومنا من يصوم في كل شهر عددا من الأيام.

العام ومنا من يصوم في كل شهر عددا من الأيام.

وتعبدنا بالزكاة بالنصاب، ومنا من يزيد على النصاب، وتعبدنا سبحانه بالحج مرة، ومنا من يزيد عدد مرات الحج. فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده الله به؛ فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله، ولكنه يزيد فيما افترضه الله.وهؤلاء الذين آمنوا بالله من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن، لقد دخلوا بثقلهم في الإسلام فصلوا آناء الليل وقرءوا القرآن، ودخلوا مقام الإحسان، وأرادوا أن يطبقوا القول الحق:
{  كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }
[الذاريات: 17]

أي أنهم ما داموا قد صلوا في الليل، وقليلا ما هجعوا فلا بد أنهم قد أدوا الصلاة في آناء كثيرة من الليل. ونحن حين ندخل في مقام الإحسان ونصلي في الليل، ونكون بارزين إلى السماء فلا يفصلنا شيء عنها، وننظر فنجد نجوما لامعة تحت السماء الدنيا، وأهل السماء ينظرون للأرض فيجدون مثلما نجد من النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض، ويسألون عنها فيقال لهم: إنها البيوت التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون، وكل بيت فيه هذا يضيء كالنجوم لأهل السماء,. ويضيف الحق في صفات هؤلاء: { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وهل فرض الله على خلقه بأن يصلوا آناء الليل فلا يهجعون إلا قليلا من الليل؟ لا، ولكن من يريد أن يدخل في مقام الإحسان، فهو يفعل ذلك. أما المسلم العادي فيكتفي بصلاة العشاء، وعندما يأتي الصبح فهو يؤدي الفريضة. لكن من يدخل في مقام الإحسان فقليلا من الليل ما يهجع. وينطبق عليه القول الحق:
{  إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }
[الذاريات: 15-19]

وهذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الإحسان، فيكون في ما لهم حق للسائل والمحروم، وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي يعلو مقام الإيمان، ومقام الإيمان - كما نعرف - قد جاء ذكره في قوله الحق:
{  وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ * وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ }
[المعارج: 24-26]

فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله بحدود الزكاة أو فوقها قليلا، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من المال. وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء؛ فمنهم من دخل الإسلام من باب الإحسان، فقال فيهم الحق: { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } ، وكأن الحق بهذا الاستثناء الواضح. ويؤكد لنا أننا لا يصح أن نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } لا؛ فأهل الكتاب ليسوا سواء، ولذلك لا يكون حكم الله منسحبا عليهم جميعا، فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلاوة القرآن آناء الليل وهم يسجدون، إنهم أمة قائمة، وكلمة " قائم " هي ضد " قاعد " ، والقعود غير الجلوس، فالجلوس يكون عن الاضطجاع فيقال: كان مضطجعا فجلس.لكن عندما نقول: " كان قائما " فإننا نقول فقعد، فالقعود يكون بعد القيام. والقعود في الصلاة مريح، أما القيام فهو غير مريح، ونحن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقف في الصلاة حتى تتورم قدماه؛ لأن الثقل كله على القدمين، ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على جملة أعضاء الجسم. وعندما يصفهم الحق: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } فمعنى ذلك أنهم أخذوا أمانة أداء الفروض بكل إخلاص، وكانوا يؤدون الصلاة باستدامة وخشوع. ويستمر الحق في وصفهم في الآية التالية: { يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لَيْسُواْ سَوَآءً...} الآية. [113].
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية واسيد بن سعية وأسد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود - قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا لما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم ديناً غيره، فأنزل الله تعالى: { لَيْسُواْ سَوَآءً} الآية.
وقال ابن مسعود: نزلت الآية في صلاة العَتَمة يصليها المسلمون، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها.
أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن الغازي أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا شيبان، عن عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال:
أخَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم، قال: فأنزلت هذه الآيات { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} إلى قوله: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} .
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن نوح، أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه، أخبرنا محمد بن المسيب، حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن ابن زَحْرٍ، عن سليمان، عن زِرِّ بن حُبَيْشن عن عبد الله بن مسعود، قال:
احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة، وكنا عند بعض أهله أو نسائه، فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ثلث الليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا فقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب، وأنزلت { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} .


www.alro7.net