سورة
اية:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى ما منَّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات، فقال: { اذكر نعمتي عليك} أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء، { وعلى والدتكم} حيث جعلتك لها برهاناً على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، { إذ أيدتك بروح القدس} ، وهو جبريل عليه السلام، وجعلتك نبياً داعياً إلى اللّه في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيراً فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك، ودعوت إلى عبادتي. ولهذا قال: { تكلم الناس في المهد وكهلاً} أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك، وضمن { تكلم} تدعو، لان كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب، وقوله: { وإذ علمتك الكتاب والحكمة} أي الخط والفهم، { والتوراة} وهي المنزلة على موسى الكليم، وقوله: { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} أي تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك، { فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني} ، أي فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً ذا روح تطير بإذن الله وخلقه. وقوله تعالى: { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني} قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: { وإذ تخرج الموتى بإذني} أي تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته، وقوله تعالى: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتههم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من اللّه إليهم،، فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الإمتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء، أو يكون هذا الإمتنان واقعاً يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع اللّه عليها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم. وقوله: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} وهذا أيضاً من الإمتنان عليه، عليه السلام بأن جعل له أصحاباً وأنصاراً، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً} الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} ، أي ألهموا ذلك فامتثلوا ما أهلموا، قال الحسن البصري: ألهمهم الله عزَّ وجلَّ ذلك. وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك، ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان باللّه وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: { آمنا وأشهد بأننا مسلمون} .

تفسير الجلالين

{ وإذ أوحيت إلى الحواريين } أمرتهم على لسانه { أن } أي بأن { آمنوا بي وبرسولي } عيسى { قالوا آمنا } بهما { واشهد بأننا مسلمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ أَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ أَيْضًا يَا عِيسَى إِذْ أَلْقَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ , وَهُمْ وُزَرَاء عِيسَى عَلَى دِينه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ وَلِمَ قِيلَ لَهُمْ الْحَوَارِيُّونَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَإِذْ أَوْحَيْت } وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَة الْمَعَانِي , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 10116 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } يَقُول قَذَفْت فِي قُلُوبهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَلْهَمْتهمْ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَن : وَإِذْ أَلْقَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ صَدِّقُوا بِي وَبِرَسُولِي عِيسَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ أَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاذْكُرْ أَيْضًا يَا عِيسَى إِذْ أَلْقَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ , وَهُمْ وُزَرَاء عِيسَى عَلَى دِينه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ وَلِمَ قِيلَ لَهُمْ الْحَوَارِيُّونَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَإِذْ أَوْحَيْت } وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَة الْمَعَانِي , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 10116 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } يَقُول قَذَفْت فِي قُلُوبهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَلْهَمْتهمْ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَن : وَإِذْ أَلْقَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ صَدِّقُوا بِي وَبِرَسُولِي عِيسَى .' فَقَالُوا : آمَنَّا : أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا أَمَرْتنَا أَنْ نُؤْمِن يَا رَبّنَا . { وَاشْهَدْ } عَلَيْنَا { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } يَقُول : وَاشْهَدْ عَلَيْنَا بِأَنَّنَا خَاضِعُونَ لَك بِالذِّلَّةِ سَامِعُونَ , مُطِيعُونَ لِأَمْرِك .فَقَالُوا : آمَنَّا : أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا أَمَرْتنَا أَنْ نُؤْمِن يَا رَبّنَا . { وَاشْهَدْ } عَلَيْنَا { بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } يَقُول : وَاشْهَدْ عَلَيْنَا بِأَنَّنَا خَاضِعُونَ لَك بِالذِّلَّةِ سَامِعُونَ , مُطِيعُونَ لِأَمْرِك .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} قد تقدم القول في معاني هذه الآية. والوحي في كلام العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام : وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام. ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية؛ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم؛ ومنه قوله تعالى { وأوحى ربك إلى النحل} [النحل : 68] { وأوحينا إلى أم موسى} [القصص : 7] ووحي بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام قال أبو عبيدة : أوحيت بمعنى أمرت، { وإلى} صلة يقال : وحى وأوحى بمعنى؛ قال الله تعالى { بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة : 5] وقال العجاج : وحى لها القرار فاستقرت ** أي أمرها بالقرار فاستقرت. وقيل { أوحيت} هنا بمعنى أمرتهم وقيل : بينت لهم. { واشهد بأننا مسلمون } على الأصل؛ ومن العرب من يحذف إحدى النونين؛ أي واشهد يا رب. وقيل : يا عيسى بأننا مسلمون لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 110 - 113

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة الحَوَارِيّ مأخوذة من المحسات. فالحُوَّارَي تطلق على الدقيق النقي الخالص. وأطلقت على كل شيء نقي بصفاء خالص، و " الحَوَاري " هنا تعني المخلص والمحب لمنهج الخير. وسبحانه يقول: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ } والوحي بمعناه العام هو الإعلام بخفاء؛ أي أن الحق ألهمهم أن يؤمنوا برسالة عيسى المبلغ عن الله، أي أعلمهم بخواطر القلب التي أعلم بها أُمَّ موسى ان تلقى ابنها في اليم ليلقيه اليم إلى الساحل، وهو غير الوحي للرسول، فالوحي للرسول هو الوحي الشرعي بواسطة رسول مبلغ عن الله هو سيدنا جبريل عليه السلام، أما وحي الله إلى أم موسى أو إلى الحواريين فهو استقرار خاطر إيماني يلتفت بعده الموحى إليه ليجد الواقع يؤيد ذلك. وعندما لا يصادم إلهام القلب أمراً واقعاً ولا يجد الإلهام ما يصادمه في نفس الإنسان، فهذا لون من الوحي، أي هو إعلام بخفاء، كأن يتوقع الرجل مَقْدَم صديق من سفر، أو لوناً من الطعام يشتهيه فيجده على المائدة.

إذن فالإلهام وارد من الله لخلق الله مادام لا يصادم شيئاً في النفس أو في الواقع؛ لأن الإلهام الذي يقابل صداماً ليس من الله. فالشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

إن الله أوحى للحواريين أن يؤمنوا به وبرسالة عيسى عليه السلام. وبمجرد مجيء عيسى وسماعهم أنه رسول من الله أعلنوا الإيمان به وصاروا من خلصائه. وساعة نرى: " إذ " فلنفهم أن معناها تذكر وقت الحدث الذي قال فيه الحواريون: نحن آمنا بعيسى نبياً من عند الله وأشهدوه أنهم مسلمون.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ... }


www.alro7.net