سورة
اية:

وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...} الآية، إلى قوله تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [105-116].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} قال ابن عباس: أخبر اللّه عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً { ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال ""أخرجه ابن جري عن ابن عباس""وقال ابن جرير قال عبد اللّه: كان بنوإسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئا قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى اللّه بني إسرائيل خيراً، فقال عبد اللّه رضي اللّه عنه: ما آتاكم اللّه خير مما آتاهم جعل الماء لكم طهوراً، وقال تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} وقال: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} وقال علي رضي اللّه عنه: كنت إذا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً نفعني اللّه فيه بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مسلم يذنب ذنباً ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر اللّه لذلك الذنب إلا غفر له )وقرأ هاتين الآيتين: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الآية، { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية.""رواه أحمد"" وقوله تعالى: { ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه} الآية، كقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى} الآية، يعني أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: { وكان اللّه عليماً حكيماً} أي من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم قال: { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} الآية يعني كما اتهم بنو أبيرق: بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون وقد كان بريئاً وهم الظلمة الخونة كما أطلع اللّه على ذلك رسوله صلى اللّه عليه وسلم ؛ ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم فعليه مثل عقوبتهم، وقوله: { ولولا فضل اللّه عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} وقال الإمام ابن أبي حاتم عن قتادة بن النعمان وذكر قصة بني أبيرق فأنزل اللّه : { لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} يعني أسيد بن عروة وأصحابه يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا أنزل اللّه فصل القضية وجلاءها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال؛ وعصمته له؛ وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة؛ وهي السنة { وعلمك ما لم تكن تعلم} أي قبل نزول ذلك عليك كقوله: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب} إلى آخر السورة؛ وقال تعالى: { وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} ولهذا قال: { وكان فضل اللّه عليك عظيماً} .

تفسير الجلالين

{ ومن يكسب إثما } ذنبا { فإنما يكسبه على نفسه } لأن وباله عليها ولا يضر غيره { وكان الله عليما حكيما } في صنعه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْسِب إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبهُ عَلَى نَفْسه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ يَأْتِ ذَنْبًا عَلَى عَمْد مِنْهُ لَهُ وَمَعْرِفَة بِهِ , فَإِنَّمَا يَجْتَرِح وَبَال ذَلِكَ الذَّنْب وَضُرّه وَخِزْيه وَعَاره عَلَى نَفْسه دُون غَيْره مِنْ سَائِر خَلْق اللَّه , يَقُول : فَلَا تُجَادِلُوا أَيّهَا الَّذِينَ تُجَادِلُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَة , فَإِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ لَهُمْ عَشِيرَة وَقَرَابَة وَجِيرَانًا بُرَآء مِمَّا أَتَوْهُ مِنْ الذَّنْب وَمِنْ التَّبِعَة الَّتِي يُتَّبَعُونَ بِهَا , فَإِنَّكُمْ مَتَى دَافَعْتُمْ عَنْهُمْ أَوْ خَاصَمْتُمْ بِسَبَبِهِمْ كُنْتُمْ مِثْلهمْ , فَلَا تُدَافِعُوا عَنْهُمْ , وَلَا تُخَاصِمُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْسِب إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبهُ عَلَى نَفْسه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ يَأْتِ ذَنْبًا عَلَى عَمْد مِنْهُ لَهُ وَمَعْرِفَة بِهِ , فَإِنَّمَا يَجْتَرِح وَبَال ذَلِكَ الذَّنْب وَضُرّه وَخِزْيه وَعَاره عَلَى نَفْسه دُون غَيْره مِنْ سَائِر خَلْق اللَّه , يَقُول : فَلَا تُجَادِلُوا أَيّهَا الَّذِينَ تُجَادِلُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَة , فَإِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ لَهُمْ عَشِيرَة وَقَرَابَة وَجِيرَانًا بُرَآء مِمَّا أَتَوْهُ مِنْ الذَّنْب وَمِنْ التَّبِعَة الَّتِي يُتَّبَعُونَ بِهَا , فَإِنَّكُمْ مَتَى دَافَعْتُمْ عَنْهُمْ أَوْ خَاصَمْتُمْ بِسَبَبِهِمْ كُنْتُمْ مِثْلهمْ , فَلَا تُدَافِعُوا عَنْهُمْ , وَلَا تُخَاصِمُوا .' وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ اللَّه عَالِمًا بِمَا تَفْعَلُونَ أَيّهَا الْمُجَادِلُونَ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ فِي جِدَالكُمْ عَنْهُمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالكُمْ وَأَفْعَال غَيْركُمْ , وَهُوَ يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعكُمْ بِهَا. { حَكِيمًا } يَقُول : وَهُوَ حَكِيم بِسِيَاسَتِكُمْ وَتَدْبِيركُمْ , وَتَدْبِير جَمِيع خَلْقه . وَقِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي بَنِي أُبَيْرِق , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل .وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ اللَّه عَالِمًا بِمَا تَفْعَلُونَ أَيّهَا الْمُجَادِلُونَ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ فِي جِدَالكُمْ عَنْهُمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالكُمْ وَأَفْعَال غَيْركُمْ , وَهُوَ يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعكُمْ بِهَا. { حَكِيمًا } يَقُول : وَهُوَ حَكِيم بِسِيَاسَتِكُمْ وَتَدْبِيركُمْ , وَتَدْبِير جَمِيع خَلْقه . وَقِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي بَنِي أُبَيْرِق , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن يكسب إثما} أي ذنبا { فإنما يكسبه على نفسه} أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا؛ ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا. قوله تعالى: { ومن يكسب خطيئة أو إثما} قيل : هما بمعنى واحد كرر لاختلف اللفظ تأكيدا. وقال الطبري : إنما فرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد. وقيل : الخطيئة ما لم تتعمده خاصة كالقتل بالخطأ. وقيل : الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل النازلة وغيرهم. قوله تعالى: { ثم يرم به بريئا} قد تقدم اسم البريء في البقرة. والهاء في "به" للإثم أو للخطيئة. لأن معناها الإثم، أولهما جميعا. وقيل : ترجع إلى الكسب. { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} تشبيه؛ إذ الذنوب ثقل ووزر فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت : 13]. والبهتان من البهت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء. وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أتدرون ما الغيبة ) ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم؛ قال : (ذكرك أخاك بما يكره ). قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ). وهذا نص؛ فرمي البريء بهت له. يقال : بهته بهتا وبهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وهو بهات والمقول له مبهوت. ويقال : بهت الرجل (بالكسر ) إذا دهش وتحير. وبهت (بالضم ) مثله، وأفصح منهما بهت، كما قال الله تعالى: { فبهت الذي كفر} [البقرة : 258] لأنه يقال : رجل مبهوت ولا يقال : باهت ولا بهيت، قاله الكسائي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 108 - 113

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويورد الحق كلمة " كسب " عندما يتناول أمراً خَيِّرًا فعله الإنسان، ويصف ارتكاب الفعل السيئ بـ " اكتسب " ، لماذا؟ لأن فعل الخير عملية فطرية في الإنسان لا يستحيي منه، لكن الشر دائماً هو عملية يستحيي منها الإنسان؛ لذلك يحب أن يقوم بها في خفية، وتحتاج إلى افتعال من الإنسان.

ولنضرب هذا المثل للإيضاح - ولله المثل الأعلى - نحن نجد الرجل ينظر إلى وسامة زوجته بكل ملكاته، لكنه لو نظر إلى واحدة أخرى من غير محارمه فهو يقوم بعملية لخداع ملكات النفس حتى يتلصص ليرى هذه المرأة. ويحاول التحايل والافتعال ليتلصص على ما ليس له. ولذلك يقال عن الحلال: إنه " كسب " ويقال عن الحرام: إنه " اكتساب "..

فإذا ما جاء القرآن للسيئة وقال " كسب سيئة " فهذا أمر يستحق الالتفات، فالإنسان قد يعمل السيئة ويندم عليها بمجرد الانتهاء منها إن كان من أهل الخير، ونجده يويخ نفسه ويلومها ويعزم على ألا يعود إليها. لكن لو ارتكب واحد سيئة وسعد بذلك وكأنها حققت له كسباً ويفخر بها متناسياً الخطر الجسيم الذي سوف يواجهه يوم القيامة والمصير الأسود، وهو حين يفخر بالمعصية ففي ذلك إعلان عن فساد الفطرة، وسيادة الفجور في أعماقه، وهو يختلف عن ذلك الذي تقع عليه المعصية ولحظة ما يتذكرها يقشعر بدنه ويستغفر الله.

{ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فإياك أيها الإنسان أن تظن أنك حين تظلم أحداً بعمل سوء قد كسبت الدنيا؛ فوالله لو علم الظالم ماذا أعد الله للمظلوم لضن على عدوه أن يظلمه. وأضرب هذا المثل للإيضاح - ولله المثل الأعلى دائماً - هب أن رجلاً له ولدان. وجاء ولد منهما وضرب أخاه أو خطف منه شيئا يملكه، ورأى الأب هذا الحادث، فأين يكون قلب الأب ومع من يكون؟

إن الأب يقف مع المظلوم، ويحاول أن يرضيه، فإن كان الأخ الظالم قد أخذ منه شيئاً يساوي عشرة قروش، فالأب يعوض الابن المظلوم بشيء يساوي مائة قرش. ويعيش الظالم في حسرة، ولو علم أن والده سيكرم أخاه المظلوم لما ظلمه أبداً. إذن فالظلم قمة من قمم الغباء.

ومن ضمن المفارقات التي تروى مفارقة تقول: إن كنت ولا بد مغتاباً فاغتب أبويك. ولا بد أن يقول السامع لذلك: وكيف أغتاب أبي وأمي؟ فيقول صاحب المفارقة: إن والديك أولى بحسناتك، فبدلاً من أن تعطي حسناتك لعدوك، ابحث عمن تحبهم وأعطهم حسناتك. وحيثية ذلك هي: لا تكن أيها المغتاب أحمق لأنك لا تغتاب إلا عن عداوة، وكيف تعطي لعدوك حسناتك وهي نتيجة أعمالك؟

ونعرف ما فعله سيدنا الحسن البصري، عندما بلغه أن واحداً قد اغتابه.فأرسل إلى المغتاب طبقاً من البلح الرطب مع رسول، وقال للرسول: اذهب بهذا الطبق إلى فلان وقل له: بلغ سيدي أنك اغتبته بالأمس فأهديت له حسناتك، وحسناتك بلاشك أثمن من هذا الرطب. وفي هذا إيضاح كاف لذم الغيبة.

{ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } ونعلم أنه إذا جاءت أي صفة من صفات الحق داخلة في صورة كينونة أي مسبوقة بـ " كان " فإياكم أن تأخذوا " كان " على أنها وصف لما حدث في زمن ماضٍ، ولكن لنقل " كان ومازال ". لماذا؟ لأن الله كان أزلاً، فهو غفور رحيم قبل أن يوجد مغفور له أو مرحوم؛ فالله ليس من اهل الأغيار، والصفات ثابتة له؛ لأن الزمن في الأحداث يتغير بالنسبة للأغيار فقط، وعلى سبيل المثال نجد الواحد من البشر صحيحاً في زمن ومريضاً في زمن آخر.

ولذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الماضي إلا أصحاب الأغيار. وكذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الحاضر إلا في أصحاب الأغيار. ومادام الله هو الذي يغير ولا يتغير فلن يغيره زمن ما، بل كان في الأزل غفوراً رحيما، ولايزال أيضاً غفوراً رحيماً. وكذلك كان علم الله أزلياً وحكمته لا حدود لها.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً.. }


www.alro7.net