سورة
اية:

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار: { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} ، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند اللّه، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: { ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد اللّه ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} . وقال تعالى: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} وقال ههنا: { إن الذين كفروا} أي بآيات اللّه، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً وأولئك هم وقود النار} أي حطبها الذي تسجر به وتوقد به كقوله: { إنكم وما تعبدون من دون اللّه حصب جهنم} الآية. وعن أم الفضل: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام ليلة بمكة، فقال: (هل بلغت؟ يقولها ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب - وكان أوَّاهاً - فقال: اللهم نعم، وحرصت وجهدت، ونصحت فاصبر؛ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرءون القرآن فيقرءونه ويعلمونه، فيقولون قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير) قالوا: يا رسول اللّه فمن أولئك؟ قال: (أولئك منكم، أولئك هم وقود النار) ""رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه"" وقوله تعالى: { كدأب آل فرعون} قال ابن عباس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة والدَّأب - بالتسكين والتحريك أيضاً كنَهَر ونَهْر - هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: كدأبك من أم الحويرث قبلها ** وجارتها أم الرباب بمأسل والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكتَ نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها! والمعنى في الآية: إنَّ الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به من آيات اللّه وحججه: { واللّه شديد العقاب} أي شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.

تفسير الجلالين

دأبُهم { كدأب } كعادة { آل فرعون والذين من قبلهم } من الأمم كعاد وثمود { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله } أهلكم { بذنوبهم } والجملة مفسرة لما قبلها { والله شديد العقاب } ونزل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ بالإسلام بعد مرجعه من بدر فقالوا لا يغرنك أن قتلت نفراً من قريش أغمارا لا يعرفون القتال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا عِنْد حُلُول عُقُوبَتنَا بِهِمْ , كَسُنَّةِ آل فِرْعَوْن وَعَادَتهمْ , وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ حِين كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , فَلَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا حِين جَاءَهُمْ بَأْسنَا كَاَلَّذِي عُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَكْذِيبهمْ رَبّهمْ مِنْ قَبْل آل فِرْعَوْن مِنْ قَوْم نُوح وَقَوْم هُود وَقَوْم لُوط وَأَمْثَالهمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كَسُنَّتِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5234 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } يَقُول : كَسُنَّتِهِمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كَعَمَلِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5235 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان جَمِيعًا , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَعَمَلِ آل فِرْعَوْن . 5236 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر . عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَعَمَلِ آل فِرْعَوْن . 5237 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَفِعْلِهِمْ كَتَكْذِيبِهِمْ حِين كَذَّبُوا الرُّسُل . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { مِثْل دَأْب قَوْم نُوح } 40 31 أَنْ يُصِيبكُمْ مِثْل الَّذِي أَصَابَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَذَاب اللَّه . قَالَ : الدَّأْب : الْعَمَل . 5238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَفِعْلِ آل فِرْعَوْن , كَشَأْنِ آل فِرْعَوْن . 5239 - حَدَّثَنَا عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَصُنْعِ آل فِرْعَوْن . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَتَكْذِيبِ آل فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5240 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ } ذَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَفْعَال تَكْذِيبهمْ كَمَثَلِ تَكْذِيب الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فِي الْجُحُود وَالتَّكْذِيب . وَأَصْل الدَّأْب مِنْ دَأَبْت فِي الْأَمْر دَأْبًا : إِذَا أَدْمَنْت الْعَمَل وَالتَّعَب فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ الْعَرَب نَقَلَتْ مَعْنَاهُ إِلَى الشَّأْن وَالْأَمْر وَالْعَادَة , كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس بْن حُجْر : وَإِنَّ شِفَائِي عِبْرَة مُهْرَاقَة فَهَلْ عِنْد رَسْم دَارِس مِنْ مُعَوَّل كَدَأْبِك مِنْ أُمّ حُوَيْرِث قَبْلهَا وَجَارَتهَا أُمّ الرَّبَاب بِمَأْسَلِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ كَدَأْبِك : كَشَأْنِك وَأَمْرك وَفِعْلك , يُقَال مِنْهُ : هَذَا دَأْبِي وَدَأْبك أَبَدًا , يَعْنِي بِهِ . فِعْلِي وَفِعْلك وَأَمْرِي وَأَمْرك , وَشَأْنِي وَشَأْنك , يُقَال مِنْهُ : دَأَبْت دُؤُوبًا وَدَأْبًا . وَحَكَى عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : دَأَبْت دَأْبًا مُثَقَّله مُحَرَّكه الْهَمْزَة , كَمَا قِيلَ هَذَا شَعَرَ وَبَهَرَ , فَتَحَرَّكَ ثَانِيه لِأَنَّهُ حَرْف مِنْ الْحُرُوف السِّتَّة , فَأُلْحِقَ الدَّأْب إِذْ كَانَ ثَانِيه مِنْ الْحُرُوف السِّتَّة , كَمَا قَالَ . الشَّاعِر : لَهُ نَعْل لَا يَطَّبِي الْكَلْب رِيحهَا وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْن الْمَجَالِس شُمَّتْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا عِنْد حُلُول عُقُوبَتنَا بِهِمْ , كَسُنَّةِ آل فِرْعَوْن وَعَادَتهمْ , وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ حِين كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا , فَلَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا حِين جَاءَهُمْ بَأْسنَا كَاَلَّذِي عُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَكْذِيبهمْ رَبّهمْ مِنْ قَبْل آل فِرْعَوْن مِنْ قَوْم نُوح وَقَوْم هُود وَقَوْم لُوط وَأَمْثَالهمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كَسُنَّتِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5234 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } يَقُول : كَسُنَّتِهِمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كَعَمَلِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5235 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان جَمِيعًا , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَعَمَلِ آل فِرْعَوْن . 5236 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر . عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَعَمَلِ آل فِرْعَوْن . 5237 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَفِعْلِهِمْ كَتَكْذِيبِهِمْ حِين كَذَّبُوا الرُّسُل . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { مِثْل دَأْب قَوْم نُوح } 40 31 أَنْ يُصِيبكُمْ مِثْل الَّذِي أَصَابَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَذَاب اللَّه . قَالَ : الدَّأْب : الْعَمَل . 5238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَفِعْلِ آل فِرْعَوْن , كَشَأْنِ آل فِرْعَوْن . 5239 - حَدَّثَنَا عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } قَالَ : كَصُنْعِ آل فِرْعَوْن . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَتَكْذِيبِ آل فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5240 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ } ذَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَفْعَال تَكْذِيبهمْ كَمَثَلِ تَكْذِيب الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فِي الْجُحُود وَالتَّكْذِيب . وَأَصْل الدَّأْب مِنْ دَأَبْت فِي الْأَمْر دَأْبًا : إِذَا أَدْمَنْت الْعَمَل وَالتَّعَب فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ الْعَرَب نَقَلَتْ مَعْنَاهُ إِلَى الشَّأْن وَالْأَمْر وَالْعَادَة , كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس بْن حُجْر : وَإِنَّ شِفَائِي عِبْرَة مُهْرَاقَة فَهَلْ عِنْد رَسْم دَارِس مِنْ مُعَوَّل كَدَأْبِك مِنْ أُمّ حُوَيْرِث قَبْلهَا وَجَارَتهَا أُمّ الرَّبَاب بِمَأْسَلِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ كَدَأْبِك : كَشَأْنِك وَأَمْرك وَفِعْلك , يُقَال مِنْهُ : هَذَا دَأْبِي وَدَأْبك أَبَدًا , يَعْنِي بِهِ . فِعْلِي وَفِعْلك وَأَمْرِي وَأَمْرك , وَشَأْنِي وَشَأْنك , يُقَال مِنْهُ : دَأَبْت دُؤُوبًا وَدَأْبًا . وَحَكَى عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : دَأَبْت دَأْبًا مُثَقَّله مُحَرَّكه الْهَمْزَة , كَمَا قِيلَ هَذَا شَعَرَ وَبَهَرَ , فَتَحَرَّكَ ثَانِيه لِأَنَّهُ حَرْف مِنْ الْحُرُوف السِّتَّة , فَأُلْحِقَ الدَّأْب إِذْ كَانَ ثَانِيه مِنْ الْحُرُوف السِّتَّة , كَمَا قَالَ . الشَّاعِر : لَهُ نَعْل لَا يَطَّبِي الْكَلْب رِيحهَا وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْن الْمَجَالِس شُمَّتْ ' وَأَمَّا قَوْله { وَاَللَّه شَدِيد الْعِقَاب } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَاَللَّه شَدِيد عِقَابه لِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُله بَعْد قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِ .وَأَمَّا قَوْله { وَاَللَّه شَدِيد الْعِقَاب } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَاَللَّه شَدِيد عِقَابه لِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُله بَعْد قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودؤوبا إذا جد واجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهده في السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم : وسمعت يعقوب يذكر "كدأب" بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غليم : على أي شيء يجوز "كدأب"؟ فقلت له : أظنه من دَئِب يدْأَب دَأَبا. فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري؛ ولا أدري أيقال أم لا. قال النحاس: "وهذا القول خطأ، لا يقال البتة دَئِب؛ وإنما يقال : دَأَب يدْأَب دُؤوبا ودَأْبا؛ هكذا حكى النحويون، منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر؛ كما قال امرؤ القيس : كدأبك من أم الحويرث قبلها ** وجارتها أم الرباب بمأسل فأما الدَّأَب فإنه يجوز؛ كما يقال : شَعْر وشَعَر ونَهْر ونَهَر؛ لأن فيه حرفا من "حروف الحلق". واختلفوا في الكاف؛ فقيل : هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وزعم الفراء أن المعنى : كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة. وقيل : هي متعلقة بـ { أخذهم الله} ، أي أخذهم أخذا كما أخذ آل فرعون. وقيل : هي متعلقة بقوله { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم...} [آل عمران : 10] أي لم تغن عنهم غناء كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال : شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى { ... وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [المؤمن : 46]. والقول الأول أرجح، واختاره غير واحد من العلماء. قال ابن عرفة { كدأب آل فرعون} أي كعادة آل فرعون. يقول : اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء؛ وقال معناه الأزهري. فأما قوله في سورة (الأنفال) { كدأب آل فرعون} فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك. { بآياتنا} يحتمل أن يريد الآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية. { فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 7 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة تسمع " كدأب كذا " فالدأب هو العمل بكدح وبلا انقطاع فنقول: فلان دأبه أن يفعل كذا أي هو معتاد دائماً أن يفعل كذا. أو نقول: ليس لفلان دأب إلا أن يغتاب الناس.

فهل معنى ذلك أن كل أفعاله محصورة في اغتياب الناس، أو أنه يقوم بأفعال أخرى؟ إنه يقوم بأفعال أخرى لكن الغالب عليه هو الاغتياب، وهذا هو الدأب. فالدأب هو السعي بكدح وتوالٍ حتى يصبح الفعل بالتوالي عادة. إذن فقوله الحق: { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } أي كعادة آل فرعون. وآل فرعون هم قوم جاءوا قبل الرسالة الإسلامية، وقبلهم كان قوم ثمود وعاد وغيرهم.

ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن ننظر إلى هؤلاء ونرى ما الذي حدث لهم، إنه سبحانه لم يؤخر عقابهم إلى الآخرة؛ لأنه ربما ظن الناس أن الله قد ادخر عذاب الكافرين إلى الآخرة؛ لأنه قال:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ }
[آل عمران: 10].

لا، بل العذاب أيضا في الدنيا مصداقاً لقوله الحق:
{  لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ }
[الرعد: 34].

إن العذاب لو تم تأجيله إلى الآخرة لشقي الناس بالأشقياء، لذلك يأتي الله بأمثلة من الحياة ويقول: { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } أي كعادة آل فرعون، ولا تصير مسألة عادة إلا بالكدح في العمل، وكان دأب آل فرعون هو التكذيب والطغيان وادّعاء فرعون الألوهية.

ويقول سبحانه: { وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فصار الدأب منهم، ومما وقع بهم، فإذا كانوا قد اعتادوا الكفر والتكذيب فقد أوقع الله عليهم العذاب. لقد كان دأب آل فرعون هو التكذيب، والخالق ـ سبحانه ـ يجازيهم على ذلك بتعذيبهم، ولتقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }
[الفجر: 1-14].

فدأبهم التكذيب وجزاء الله لهم على ذلك هو العذاب والعقاب. إذن فقوله الحق: { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } أي أوقع بهم العذاب في الدنيا، وكانت النهاية ما كانت في آل فرعون وثمود ومن قبلهم من القوم الكافرين.

وعندما تسمع قول الله: { وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فالذهن ينصرف إلى أن هناك ذنباً يستحق العقاب. وكل الأمور من المعنويات مأخوذة دائماً من المُحسَّات؛ لأن الأصل في إيجاد أي معلومات معنوية هو المشاهد الحسِّية، وتُنقل الأشياء الحسّية إلى المعنويات بعد ذلك.لماذا؟ لأن الشيء الحسِّي مشهود من الجميع، أما الشيء المعنوي فلا يفهمه إلا المتعقلون، والإنسان له أطوار كثيرة. ففي طور الطفولة لا يفهم ولا يعقل الإنسان إلا الأمر المحسوس أمامه.

وقلت قديما في معنى كلمة " الغصب ": إنه أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حق بقوة، وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية؛ لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصباً. ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه، إنه كالسلخ تماماً، فالكلمة تأتي للإيضاح.

وكلمة " ذنب " وكلمة " عقوبة " مترابطتان؛ فكلمة " ذنب " مأخوذة من مادة ذنب؛ لأن المادة كلها تدل على " التالي " والذَنَب يتلو المقدمة في الحيوان. والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء.

إذن فهناك ذنب وهناك عقاب. لكن ماذا قبل الذنب، وماذا يتلو العقاب؟ لا يوجد ذنب إلا إذا وُجِدَ نص يُجرّم، فلا ذنب إلاّ بنص. فليس كل فعل هو ذنب، بل لابد من وجود نص قبل وقوع الذنب. يجرّم فعله؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر، فقال: لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، فلا يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول: هذا العمل جريمة يعاقب عليها. بل لابد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل.

إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل، وإن قام إنسان بهذا العمل فإنه يُجّرم، ويكون ذلك هو الذنب، فكأن الذنب جاء تالياً لنص التجريم. والعقاب يأتي عقب الجريمة، وهكذا نجد أن كلا من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه؛ فالذَّنَبُ هو التالي للشيء. ولذلك يسمون الدلو الذي يملأونه بالماء " ذَنُوبَاً " لأنه هو الذي يتلو الحبل. وأيضا الجزاء في الآخرة:
{  فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ }
[الذاريات: 59].

أي ذَنوباً تتبع، وتتلو جريمتهم. إذن فالنص القرآني في أي ذنب وفي أي عقاب يؤكد لنا القضية القانونية الاصطلاحية الموجودة في كل الدنيا: إنه لا عقوبة دون تجريم. فكان العقابُ بعد الجريمة أي بعد الذنب، والذنب بعض النص، فلا نأتي لواحد بدون نص سابق ونقول له: أنت ارتكبت ذنباً. وهذه تحل إشكالات كثيرة، مثال ذلك:
{  إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً }
[النساء: 48].

إن الله يغفر ما دون الشرك بالله، فالشرك بالله قمة الخيانة العظمى؛ وهذا لا غفران فيه وبعد ذلك يغفر لمن يشاء. ويقول الحق في آية أخرى:
{  قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }
[الزمر: 53].

فهناك بعض من الناس يقولون: إن الله قال: إنه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى إنهم قالوا: إن ابن عباس ساعة جاءت هذه الآية التي قال فيها الحق: { إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } قال: " إلا الشرك " وذلك حتى لا تصطدم هذه الآية من الآية الاخرى.

والواقع أنه حين يدقق أولو الألباب فلن نجد اصطداما، لأن الذين أسرفوا على أنفسهم. هم من عباد الله الذين آمنوا ولم يشركوا بربهم أحداً، ولكنهم زلُّوا وغووا ووقعوا في المعاصي فهؤلاء يقال عنهم: إنهم مذنبون؛ لأنهم مؤمنون بالله ومعترفون بالذي أنزله، أما المشرك فلم يعترف بالله ولا بما شرع وقنن من أحكام، فما هو عليه لا يسمى ذنبا وإنما هو كفر وشرك. فلا تعارض ولا تصادم في آيات الرحمن.

وعندما يقول الحق:

{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } [آل عمران: 11].

فهذا القول الحكيم متوازن ومُتّسِق، فالذنب يأتي بعد نص، والعقاب من بعد ذلك. ويقول الحق آمرا رسوله ببلاغ الكافرين: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }


www.alro7.net