سورة
اية:

وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخاطباً لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هو حق من اللّه وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: { لتحكم بين الناس بما أراك اللّه} احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى اللّه عليه وسلم له أن يحكم بالإجتهاد بهذه الآية وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: (ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها) وقال الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بيِّنه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها انتظاماً في عنقه يوم القيامة) فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه) وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس: أن نفراً من الأنصار غزوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجل من الأنصار فأتى صاحب الدرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: { إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني غيَّبتُ الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلاً فقالوا: يا نبي اللّه إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علماً فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه اللّه بك يهلك، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل اللّه : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيماً} . ثم قال تعالى للذين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستخفين بالكذب: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه} يعني الذين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين ثم قال عزَّ وجل: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الآية يعني الذين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستخفين بالكذب، ثم قال: { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. وقد روى هذه القصة الترمذي وابن جرير عن قتادة بن النعمان رضي اللّه عنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم يمحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: واللّه ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث - أو كما قال الرجل - وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة المكارون الذين ينقلون التجارة من بلد إلى بلد من الشام من الدرمك الدقيق الابيض ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، أما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - واللّه ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق!؟ واللّه ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينُنَّ هذه السرقة، قالو: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك له قال قتادة: فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، أخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ( سآمر في ذلك) فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسيد بن عروة فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينه ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فكلمته فقال: (عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة)، قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: اللّه المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيماً} يعني بني أبيرق { واستغفر اللّه} أي مما قلت لقتادة { إن اللّه كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم - إلى قوله - رحيماً} أي لو استغفروا اللّه لغفر لهم { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه - إلى قوله - إثماً مبيناً} قوله للبيد: { ولولا فضل اللّه عليك ورحمته - إلى قوله - فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} فلما نزل القرآن أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عمي أو عشي في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هي في سبيل اللّه فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللّه تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً، إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالاً بعيداً} فلما نزل على سلافة بنت سعد هجاها حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير ""رواه الترمذي وابن جرير من حديث قتادة بن النعمان"" وقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه} الآية، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون اللّه بها مع أنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم ولهذا قال: { وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان اللّه بما يعملون محيطاً} تهديد لهم ووعيد، ثم قال تعالى: وها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} الآية، أي هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي اللّه تعالى الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلاً، ولهذا قال: { أم من يكون عليهم وكيلاً} ؟..

تفسير الجلالين

{ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم { إن الله لا يحب من كان خوانا } كثير الخيانة { أثيما } أي يعاقبه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تُجَادِل } يَا مُحَمَّد فَتُخَاصِم { عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } يَعْنِي : يُخَوِّنُونَ أَنْفُسهمْ , يَجْعَلُونَهَا خَوَنَة بِخِيَانَتِهِمْ مَا خَانُوا مِنْ أَمْوَال مَنْ خَانُوهُ مَاله وَهُمْ بَنُو أُبَيْرِق , يَقُول : لَا تُخَاصِم عَنْهُمْ مَنْ يُطَالِبهُمْ بِحُقُوقِهِمْ , وَمَا خَانُوهُ فِيهِ مِنْ أَمْوَالهمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُمْ . 8231 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } قَالَ : اخْتَانَ رَجُل عَمًّا لَهُ دِرْعًا , فَقَذَفَ بِهَا يَهُودِيًّا كَانَ يَغْشَاهُمْ , فَجَادَلَ عَمّ الرَّجُل قَوْمه , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ , ثُمَّ لَحِقَ بِأَرْضِ الشِّرْك , فَنَزَلَتْ فِيهِ : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } . .. الْآيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تُجَادِل } يَا مُحَمَّد فَتُخَاصِم { عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } يَعْنِي : يُخَوِّنُونَ أَنْفُسهمْ , يَجْعَلُونَهَا خَوَنَة بِخِيَانَتِهِمْ مَا خَانُوا مِنْ أَمْوَال مَنْ خَانُوهُ مَاله وَهُمْ بَنُو أُبَيْرِق , يَقُول : لَا تُخَاصِم عَنْهُمْ مَنْ يُطَالِبهُمْ بِحُقُوقِهِمْ , وَمَا خَانُوهُ فِيهِ مِنْ أَمْوَالهمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُمْ . 8231 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُجَادِل عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسهمْ } قَالَ : اخْتَانَ رَجُل عَمًّا لَهُ دِرْعًا , فَقَذَفَ بِهَا يَهُودِيًّا كَانَ يَغْشَاهُمْ , فَجَادَلَ عَمّ الرَّجُل قَوْمه , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ , ثُمَّ لَحِقَ بِأَرْضِ الشِّرْك , فَنَزَلَتْ فِيهِ : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } . .. الْآيَة . ' { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مِنْ صِفَته خِيَانَة النَّاس فِي أَمْوَالهمْ , وَرُكُوب الْإِثْم فِي ذَلِكَ وَغَيْره , مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِ . { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مِنْ صِفَته خِيَانَة النَّاس فِي أَمْوَالهمْ , وَرُكُوب الْإِثْم فِي ذَلِكَ وَغَيْره , مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم؛ نزلت في أسير بن عروة كما تقدم. والمجادلة المخاصمة، من الجدل وهو الفتل؛ ومنه رجل مجدول الخلق، ومنه الأجدل للصقر. وقيل : هو من الجدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها؛ قال العجاج : قد أركب الحالة بعد الحالة ** وأترك العاجز بالجدالة منعفرا ليست له محاله الجدالة الأرض؛ من ذلك قولهم : تركته مجدلا؛ أي مطروحا على الجدالة. قوله تعالى: { إن الله لا يحب} أي لا يرضى عنه ولا ينوه بذكر. { من كان خوانا أثيما} خائنا. (وخوانا ) أبلغ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 104 - 108

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وسبحانه يريد أن يشبع هذه القضية بحثاً، فقد كان يكفي أن يقول لنا ما سبق. لكنه يريد أن يحسم مثل هذه الأمور؛ فلا مجادلة في الذين يختانون أنفسهم. والجدل كما نعرف هو الفتل. وحين يفتل الإنسان شيئاً، مثل أن يحضر بعضاً من الشعر أو الصوف أو الليف ويجدلها ليصنع حبلاً، فهو يفتل هذا الغزل ليقويه ويجعله غير هش وقابلاً للشد والجذب، ولذلك يقال عن مثل هذه العملية: إننا نجدل الحبل حتى نعطيه القوة. وكذلك شأن الخصمين؛ كل واحد منهما يريد تقوية حجته، فيحاول جاهداً أن يقويها بما يشاء من أساليب ليّ القول ولحنه أو الفصاحة في الأسلوب. لذلك يأتي الأمر إلى الرسول: لا تقو مركز أي إنسان يختان نفسه.

والقرآن حين يعدل عن يخونون أنفسهم إلى " يختانون أنفسهم " ، فلا بد أن لهذا معنى كبيراً؛ لأن الخيانة هي أن تأخذ غير الحق. ومن المحتمل أن يخون الإنسان غيره، لكن أَمِنَ المعقول أن يخون الإنسان نفسه؟ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى افتعال كبير، فقد يخون الإنسان نفسه غيره من أجل مصلحة نفسه، أو ليعطي نفسه شهوة ومعصية عليها عقوبة، وهذه خيانة للنفس؛ لأن الإنسان في مثل هذه الحالة يغفل عن العقوبة الآجلة بالشهوة العابرة العاجلة.

وهكذا نرى أن الذي يخون الناس إنما يخون ـ ضمناً ـ مصلحة نفسه. وإذا ما خان الإنسان نفسه فهذا ليس سهلاً ويتطلب افتعالاً، ولذلك يقول الحق: { وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً }.

والآية التي تحدثت من قبل ذلك عن هذا الموقف لم تأت بكلمة " خوانين " ولكن جاءت بالخائنين، وهنا يأتي الحق بكلمة خوَّان. وفيه فرق بين " خائن " ، و " خوَّان " ، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة واحدة، أما الخوَّان فتصدر منه الخيانة مراراً. أو يكون المعنى هو: أن الخائن تصدر منه الخيانة في أمر يسير صغير، أما الخوّان فتصدر منه الخيانة في أمر كبير. إذن. فمرة تأتي المبالغة في تكرير الفعل، وأخرى في تضخيم الفعل.

ومن لطف الله أنه لم يقل " خائن "؛ لأن الخائن هو من خان لمرة عابرة وانتهى الأمر، ولم يخرجه الله عن دائرة الستر إلاَّ إذا أخذ الخيانة طبعاً وعادة وحرفة. وقد جاءت لسيدنا عمر - رضي الله عنه - امرأة أخذ ولدها بسرقة، وأراد عمر - رضي الله عنه - أن يقيم على ذلك الولد الحد، فبكت الأم قائلة: يا أمير المؤمنين والله ما فعل هذا إلا هذه المرة. قال عمر: كذبت. والله ما كان الله ليأخذ عبداً بأول مرة.ولذلك يقولون: إذا عرفت في رجل سيئة انكشفت وصارت واضحة. فلتعلم أن لها أخوات؛ فالله لا يمكن أن يفضح أول سيئة؛ لأنه سبحانه يحب أن يستر عباده، لذلك يستر العبد مرة وثانية، ثم يستمر العبد في السيئة فيفضحها الله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } ، والإثم أفظع المعاصي. والقوم الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله علسه وسلم ليستشفعوا عنده لابن أبيرق لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي، لماذا صنعوا ذلك؟. لأنهم استفظعوا أن يفضح أمر مسلم ويبرأ يهودي، استحيوا أن يحدث هذا، وعالج القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم إلى أن يفعلوا هذا ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه، فقال: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ.. }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...} الآية، إلى قوله تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [105-116].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.


www.alro7.net