سورة
اية:

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر اللّه في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر { وأولئك هم المفلحون} قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة يعني المجاهدين والعلماء، وقال أبو جعفر الباقر، قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال: (الخير اتباع القرآن وسنتي) ""أخرجه ابن مردويه"" والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم) ""أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة"" { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} الآية. ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين، في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم. روى الإمام أحمد عن أبي عامر عبد اللّه بن يحيى قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان ، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ( واللّه يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى اللّه عليه وسلم لَغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به) ""رواه أحمد وأبو داود"" وقوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما. { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} ؟ قال الحسن البصري: وهم المنافقون، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} ، وهذا الوصف يعم كل كافر، { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة اللّه هم فيها خالدون} يعني الجنة ماكثون فيها أبداً لا يبغون عنها حولا. ثم قال تعالى: { تلك آيات اللّه نتلوها عليك} أي هذه آيات اللّه وحججه وبيِّناته نتلوها عليك يا محمد { بالحق} أي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة، { وما اللّه يريد ظلماً للعالمين} أي ليس بظالم لهم، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه، ولهذا قال تعالى: { وللّه ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملك له وعبيد له، { وإلى اللّه ترجع الأمور} أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

{ يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه } أي يوم القيامة { فأما الذين اسودَّت وجوههم } وهم الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا { أكفرتم بعد إيمانكم } يوم أخذ الميثاق { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه . وَأَمَّا قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال لَهُمْ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . وَلَا بُدّ لِ " أَمَّا " مِنْ جَوَاب بِالْفَاءِ , فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَاب سَقَطَتْ الْفَاء مَعَهُ , وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر " فَيُقَال " لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْل قِبْلَتنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6007 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده , قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , لَقَدْ كَفَرَ أَقْوَام بَعْد إِيمَانهمْ كَمَا تَسْمَعُونَ , وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ , لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْض مِمَّنْ صَحِبَنِي أَقْوَام , حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتهمْ اخْتُلِجُوا دُونِي , فَلَأَقُولَنَّ رَبّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك " . وَقَوْله : { وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوههمْ فَفِي رَحْمَة اللَّه } هَؤُلَاءِ أَهْل طَاعَة اللَّه وَالْوَفَاء بِعَهْدِ اللَّه , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَفِي رَحْمَة اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } 6008 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فَهَذَا مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة حِين اِقْتَتَلُوا 6009 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَالرَّبِيع بْن صُبَيْح , عَنْ أَبِي مُجَالِد , عَنْ أَبِي أُمَامَة : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } قَالَ : هُمْ الْخَوَارِج . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ كُلّ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْد الْإِيمَان الَّذِي آمَنَ حِين أَخَذَ اللَّه مِنْ صُلْب آدَم ذُرِّيَّته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6010 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , فِي قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } قَالَ : صَارُوا يَوْم الْقِيَامَة فَرِيقَيْنِ , فَقَالَ لِمَنْ اِسْوَدَّ وَجْهه وَغَيْرهمْ . { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } قَالَ : هُوَ الْإِيمَان الَّذِي كَانَ قَبْل الِاخْتِلَاف فِي زَمَان آدَم , حِين أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدهمْ وَمِيثَاقهمْ , وَأَقَرُّوا كُلّهمْ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَام , فَكَانُوا أُمَّة وَاحِدَة مُسْلِمِينَ , يَقُول : أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ , يَقُول بَعْد ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَان آدَم , وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اِسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانهمْ ذَلِكَ , فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّين وَالْعَمَل , فَبَيَّضَ اللَّه وُجُوههمْ , وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانه وَجَنَّته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } : الْمُنَافِقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6011 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَة الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالهمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيع الْكُفَّار , وَأَنَّ الْإِيمَان الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى اِرْتِدَادهمْ عَنْهُ , هُوَ الْإِيمَان الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْم قِيلَ لَهُمْ : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } 3 172 وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيع أَهْل الْآخِرَة فَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا سَوْدَاء وُجُوهه , وَالْآخَر بَيْضَاء وُجُوهه , فَمَعْلُوم إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانِ الْفَرِيقَانِ أَنَّ جَمِيع الْكُفَّار دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ سُوِّدَ وَجْهه , وَأَنَّ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ بُيِّضَ وَجْهه , فَلَا وَجْه إِذًا لِقَوْلِ قَائِل عَنَى بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } بَعْض الْكُفَّار دُون بَعْض , وَقَدْ عَمَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْهُمْ جَمِيعهمْ , وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعهمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَة آمَنُوا فِيهَا , ثُمَّ اِرْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْد إِلَّا حَالَة وَاحِدَة , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَة بِذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه قَوْم , وَتَسْوَدّ وُجُوه آخَرِينَ ; فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيد اللَّه وَعَهْده وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ , بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة بَعْد إِيمَانكُمْ , يَعْنِي : بَعْد تَصْدِيقكُمْ بِهِ , { فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَقُول : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّه قَدْ أَخَذَ مِيثَاقكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيق . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه . وَأَمَّا قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال لَهُمْ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . وَلَا بُدّ لِ " أَمَّا " مِنْ جَوَاب بِالْفَاءِ , فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَاب سَقَطَتْ الْفَاء مَعَهُ , وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر " فَيُقَال " لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْل قِبْلَتنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6007 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده , قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , لَقَدْ كَفَرَ أَقْوَام بَعْد إِيمَانهمْ كَمَا تَسْمَعُونَ , وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ , لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْض مِمَّنْ صَحِبَنِي أَقْوَام , حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتهمْ اخْتُلِجُوا دُونِي , فَلَأَقُولَنَّ رَبّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك " . وَقَوْله : { وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوههمْ فَفِي رَحْمَة اللَّه } هَؤُلَاءِ أَهْل طَاعَة اللَّه وَالْوَفَاء بِعَهْدِ اللَّه , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَفِي رَحْمَة اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } 6008 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فَهَذَا مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة حِين اِقْتَتَلُوا 6009 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَالرَّبِيع بْن صُبَيْح , عَنْ أَبِي مُجَالِد , عَنْ أَبِي أُمَامَة : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } قَالَ : هُمْ الْخَوَارِج . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ كُلّ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْد الْإِيمَان الَّذِي آمَنَ حِين أَخَذَ اللَّه مِنْ صُلْب آدَم ذُرِّيَّته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6010 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , فِي قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } قَالَ : صَارُوا يَوْم الْقِيَامَة فَرِيقَيْنِ , فَقَالَ لِمَنْ اِسْوَدَّ وَجْهه وَغَيْرهمْ . { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } قَالَ : هُوَ الْإِيمَان الَّذِي كَانَ قَبْل الِاخْتِلَاف فِي زَمَان آدَم , حِين أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدهمْ وَمِيثَاقهمْ , وَأَقَرُّوا كُلّهمْ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَام , فَكَانُوا أُمَّة وَاحِدَة مُسْلِمِينَ , يَقُول : أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ , يَقُول بَعْد ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَان آدَم , وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اِسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانهمْ ذَلِكَ , فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّين وَالْعَمَل , فَبَيَّضَ اللَّه وُجُوههمْ , وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانه وَجَنَّته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } : الْمُنَافِقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6011 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَة الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالهمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيع الْكُفَّار , وَأَنَّ الْإِيمَان الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى اِرْتِدَادهمْ عَنْهُ , هُوَ الْإِيمَان الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْم قِيلَ لَهُمْ : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } 3 172 وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيع أَهْل الْآخِرَة فَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا سَوْدَاء وُجُوهه , وَالْآخَر بَيْضَاء وُجُوهه , فَمَعْلُوم إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانِ الْفَرِيقَانِ أَنَّ جَمِيع الْكُفَّار دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ سُوِّدَ وَجْهه , وَأَنَّ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ بُيِّضَ وَجْهه , فَلَا وَجْه إِذًا لِقَوْلِ قَائِل عَنَى بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } بَعْض الْكُفَّار دُون بَعْض , وَقَدْ عَمَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْهُمْ جَمِيعهمْ , وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعهمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَة آمَنُوا فِيهَا , ثُمَّ اِرْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْد إِلَّا حَالَة وَاحِدَة , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَة بِذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه قَوْم , وَتَسْوَدّ وُجُوه آخَرِينَ ; فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيد اللَّه وَعَهْده وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ , بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة بَعْد إِيمَانكُمْ , يَعْنِي : بَعْد تَصْدِيقكُمْ بِهِ , { فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَقُول : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّه قَدْ أَخَذَ مِيثَاقكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيق .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه الكافرين مسودة. ويقال : إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذ قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته استبشر وابيض وجهه، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته اسود وجهه. ويقال : إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته ابيض وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسود وجهه. ويقال : ذلك عند قوله تعالى { وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس : 59]. ويقال : إذا كان يوم القيامة يؤمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا انتهوا إليه حزنوا واسودت وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون؛ فيقول الله تعالى للمؤمنين "من ربكم" ؟ فيقولون : ربنا الله عز وجل فيقول لهم "أتعرفونه إذا رأيتموه". فيقولون : سبحانه! إذا اعترف عرفناه. فيرونه كما شاء الله. فيخر المؤمنون سجدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا، ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسود وجوههم؛ وذلك قوله تعالى { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} . ويجوز "تِبْيَضّ وتِسْوَدّ" بكسر التائين؛ لأنك تقول : ابيضت، فتكسر التاء كما تكسر الألف، وهي لغة تميم وبها قرأ يحيى بن وثاب. وقرأ الزهري "يوم تبياض وتسواد" ويجوز كسر التاء أيضا، ويجوز "يوم يبيض وجوه" بالياء على تذكير الجمع، ويجوز "أجوه" مثل { أقتت} . وابيضاض الوجوه إشراقها بالنعيم. واسودادها هو ما يرهقها من العذاب الأليم. الثانية: واختلفوا في التعيين؛ فقال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. قلت : وقول ابن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهروي أخو غسان عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال : (يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة) ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وقال فيه : منكر من حديث مالك. قال عطاء : تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير. وقال أبي بن كعب : الذين اسودت وجوههم هم الكفار، وقيل لهم : أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخرجتم من ظهر آدم كالذر. هذا اختيار الطبري. الحسن : الآية في المنافقين. قتادة هي في المرتدين. عكرمة : هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث عليه السلام كفروا به؛ فذلك قوله { أكفرتم بعد إيمانكم} وهو اختيار الزجاج. مالك بن أنس : هي في أهل الأهواء. أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم : هي في الحرورية. وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال : (هي في القدرية). روى الترمذي عن أبي غالب قال : رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على باب دمشق، فقال أبو أمامة : كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه - ثم قرأ - { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا - حتى عد سبعا - ما حدثتكموه. قال : هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم). قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : أهكذا سمعت من سهل بن سعد؟ فقلت : نعم. فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : (فأقول إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي). وعن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيُجْلَون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين الله مالا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتدعين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم؛ كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها؛ فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع؛ كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والحبر كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم : وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول : تمام الإخلاص تجنب المعاصي. الثالثة: قوله تعالى { فأما الذين اسودت وجوههم} في الكلام حذف، أي فيقال لهم { أكفرتم بعد إيمانكم} يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال : هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال أبو العالية : هذا للمنافقين، يقال : أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية. وأجمع أهل العربية على أنه لا بد من الفاء في جواب (أما) لأن المعنى في قولك : (أما زيد فمنطلق، مهما يكن من شيء فزيد منطلق). وقوله تعالى { وأما الذين ابيضت وجوههم} هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده. { ففي رحمة الله هم فيها خالدون} أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون. جعلنا الله منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات. آمين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 101 - 106


سورة ال عمران الايات 106 - 111

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا يجب أن نعلم أن الاسوداد والابيضاض هما من آثار اختلاف البيئات في الدنيا، فالشخص الأسود يزيد الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما يناسب البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون المناسب لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة فلا يملك جسده القدر الكافي من المادة الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة الملونة.

إذن فالسواد في الدنيا لصالح المسود، أما في هذه الآية، فهي تتحدث عما سوف نراه في الآخرة حيث يكون السواد والبياض مختلفين، تماما كما تتبدل الأرض غير الأرض والسمٱوات، غير السمٱوات وكذلك يتبدل أمر السواد والبياض، إنه لن يكون سواداً أو بياضا من أجل البيئات. ولذلك ستتعجب يوم القيامة؛ لأنك قد ترى إنسان كان أسود في الدنيا، وتجده أبيض في الآخرة، وتجد إنسانا آخر كان لونه أبيض في الدنيا ثم صار أسود في الآخرة.

فلا يظن ظان أن الإنسان الأسود في الدنيا مكروه من الله، لا، إن الله يعطي كل واحد ما يناسبه، بدليل أن الله قد أمده باللون الذي يقويه على البيئة التي يحيا فيها. وفي مجالنا البشرى، نحن نعطي المصل لأي إنسان مسافر إلى مكان ما، حتى نحميه من شر مرض في المكان الذي يذهب إليه، كذلك خَلْقُ الله في الأرض فقد أعطى سبحانه لكل إنسان في تكوينه المناعة التي تحفظه؛ فالله لا يكره السواد لأنه حماية للإنسان من البيئة. وهذه المسألة ستتبدل يوم القيامة كما تتبدل الأرض غير الأرض، وتبيض الوجوه المؤمنة، وتسود الوجوه الكافرة.

أو أن البياض والسواد كليهما، أمر اعتباري، بدليل أنك ترى واحدا أبيض ولكن وجهه عليه غبرة ترهقه قترة، وترى واحداً آخر أسود اللون، ولكن نور اليقين يملأ وجهه، وبريق الصلاح يشع منه، وأنت لا تقدر أن تمنع عينيك من أن تديم النظر إليه، ولذلك قال الحق:
{  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
[القيامة: 22-23]

أي أن ما في داخل النفس إنما ينضح على قالب الإنسان؛ وتظهره ملامحه، فقد يكون الأسود مضئ الوجه بالبشر والإشراق والتجلي بالجاذبية الآسرة، وقد يكون الإنسان أبيض الوجه لكنه مظلم الروح.

وهكذا نفهم ان اسوداد بشرة إنسان في الدنيا، إنما هو لمساعدة الإنسان على التواؤم مع البيئة، ومثال ذلك سواد العين وبياضها، هل يستطيع أحد أن يقول: إن بياض العين أحسن من سوادها، أو العكس؟. لا؛ لأن كل شيء معد لمهمته.

ومثال آخر: عندما يأتي عامل البناء ليثني عمود الحديد المستقيم؛ ويلويه، فهل يقال: إن هذا الإنسان قد عوج الحديد؟. لا؛ إنه يريد أن يشكل عود الحديد ليكون صالحا لمهمة معينة. وكذلك الاسوداد أو الابيضاض في الدنيا، إنما أراده الله ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة، أما في الآخرة فالدنيا قد زالت وفنيت، والأرض لن تكون هي الأرض والسماء لن تكون هي السماء؛ فالحق يقول:
{  يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }
[إبراهيم: 48]

فالمؤمن حين يرى ما أعده الله له من النعيم المقيم يقابل عطاء الله باستشراف نفس وسرور وانبساط، أما الذي يرى مقعده من النار فلا بد أن يكون مظلم الوجه. والحق سبحانه يوجه سؤالا لهؤلاء: { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } أو كأن هذا أمر يُفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس في الدنيا؛ فقد رأوهم في الدنيا بيض الوجوه، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم قترة، فيقولون لهم: { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }؟. وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد الإيمان. هذه هي سمتهم وعلامتهم في الآخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون؟ إنه الكفر بعد الإيمان.

فمن هم الذين كفروا بعد الإيمان؟

هذا يعني أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر، وماتوا على ذلك الكفر، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت وغيره، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان. أو يكون { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } يجعلنا نقول: البعدية هنا لا بد أن يكون لها قبلية: ألم يأخذ الله على خلقه عهدا في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم؟ وقال سبحانه: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } إنه إقرار إيماني موجود في عالم الذّر، فمن جاء في الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان. أو أكفرتم بعد إيمانكم بمحمد، بعد أن جاءتكم به البشارات التي عرفتموها، وقرأتموها في التوراة والإنجيل، وقد تأكدتم أنه قادم لا محالة، وأنه رسول هذه الأمة وخاتم الرسل، وانطبق عليكم قول الحق:
{  فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 89]

إذن فهذا القول، إما أن يكون في المرتدين، وإما أن يكون الكفر في واقع الدنيا بعد الإيمان في عالم الذر عندما أخذ الله العهد على الناس جميعا، أو يكون الكفر بعد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءت به البشارات في التوراة والإنجيل، أو يكون ذلك من أهل الأهواء الذين أخذوا الدين وجعلوه شيعا، كالفرق التي خرجت عن الإسلام، وهي تدعى الانتساب إليه كالبهائية والقاديانية وغيرها. إن الآية تحتمل كل هذا، وعندما نمعن النظر إلى النص القرآني نجده يستوعب كل هذه المعاني.

وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه أورد فقط: { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } وهذا قول يختص بالكفار فقط يذوقون العذاب بسبب الكفر، وذلك يعني أن المؤمن بإيمانه سينال ثواب عمله. يقول تعالى: { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }


www.alro7.net